القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ عبد الرحيم القاضي
باحث في القانون الجنائي والعلوم الجنائية. كلية الحقوق وجدة
تحت عدد: 168
شكلت الأحداث الإرهابية بالدار البيضاء يوم 16 ماي 2003 حدثا بارزا في تاريخ المغرب المعاصر، فقد جاءت هذه الأحداث لتعكر صفو مسيرة الإصلاح التي يعرفها المغرب في الميدان الجنائي، فالمغرب ومنذ الاستقلال - أخذ على عاتقه مهمة إصلاح كافة المؤسسات الجنائية، ومن ضمنها التشريع الجنائي بشقيه الموضوعي والشكلي.

فبالنسبة للتشريع الجنائي الموضوعي عمل المغرب على إيجاد صيغة عصرية لقانون جنائي يتلاءم ومتطلبات الواقع الدولي دون إهدار قيمنا الثقافية المتجدرة في الأعماق، وقد تم بلورة ذلك من خلال القانون الجنائي الصادر في 26 نونبر 1962[1] الذي لحقته تعديلات مهمة فيما بعد جراء التأثر بمجموعة من المتغيرات على الساحة الوطنية والدولية.

أما بالنسبة للتشريع الجنائي الشكلي فقد حضي دون غيره من التشريعات بأهمية كبرى، ذلك أنه يحاول الموازنة بين الحريات الأساسية للأفراد وحق الدولة في العقاب، فقد لحق قانون المسطرة الجنائية لسنة 1959 مجموعة من التعديلات تراوحت ما بين مكرس للحقوق الفردية تارة وبين مقلص لهذه الحقوق تارة أخرى.

وكيفما كان الحال فإن كل من التشريع الجنائي الموضوعي والتشريع الجنائي الشكلي[2]،  ظلا محافظين على مجموعة من الثوابت المتعارف عليها والتي لا يمكن بأي حال من الأحوال التغاضي عنها.

إلا أن الأحداث الإرهابية الشنيعة بالدار البيضاء يوم 16 ماي 2003 وضعت على المحك مجموعة من الثوابت الجنائية سواء الشكلية منها أو الموضوعية، وهذا أمر في غاية الأهمية يجب إيلاء شيء من الاهتمام له، وسأقتصر في هذه الدراسة  على أثر الجريمة الإرهابية على التشريع الموضوعي تاركا التشريع الجنائي الشكلي لفرصة قادمة بحول الله.

ويعد التشريع الجنائي الموضوعي بمثابة الشريعة العامة لكافة القوانين الزجرية الأخرى، حيث أن هناك ثوابت راسخة في القانون الجنائي لا يمكن للقوانين الزجرية الخاصة أن تخالفها، كما هو الحال بالنسبة لقواعد المسؤولية الجنائية. إلا أن خطورة الجرائم الإرهابية وتهديدها لكيان الأمة، دفعت بالمشرع المغربي إلى تجاوز هذا المبدأ في الكثير من الأحيان ذلك أن قانون مكافحة الإرهاب رقم 03-03[3] جاء ببعض المقتضيات تجاوزت في كثير من الأحيان ما كان معتقدا بأنه ثابت وغير قابل للتغير سواء على مستوى التجريم أو العقاب، فكيف كان أثر الجريمة الإرهابية على معايير التجريم والعقاب بالقانون الجنائي المغربي؟

 سأتناول هذا الموضوع كما يلي:

المبحث الأول: أثر الجريمة الإرهابية على معايير التجريم

المبحث الثاني: أثر الجريمة الإرهابية على معايير العقاب

المبحث الأول: أثر الجريمة الإرهابية على معايير التجريم

إن قانون مكافحة الإرهاب جاء بمجموعة من المقتضيات خرجت في معظمها على ما هو متعارف عليه في القانون الجنائي، ومن الأكيد أن التطرق لكافة المقتضيات المخالفة التي جاء بها قانون مكافحة الإرهاب على مستوى التجريم لا يتسع لها المقام، لذلك سأقتصر على نقطتين فقط تتعلق الأولى بجريمة إقناع الغير بارتكاب فعل إرهابي والثانية بالمسؤولية الجنائية للشخص المعنوي عن الجريمة الإرهابية.

المطلب الأول: جريمة الإقناع بارتكاب فعل إرهابي

إن المصالح الكبرى للدول والرغبة في المحافظة عليها تدفع في كثير من الأحيان إلى تجاوز مبادئ تغنت بها البشرية وافتخرت بها ردحا من الزمن[4]، وهذا هو حال قانون مكافحة الإرهاب رقم 03-03 الذي جاءنا بجريمة جديدة في الميدان الجنائي وهي جريمة إقناع الغير بارتكاب عمل إرهابي المنصوص عليها في الفصل 5-218 ق. ج، حيث جاء فيه "كل من قام بأي وسيلة من الوسائل بإقناع الغير بارتكاب جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون أو دفعه إلى القيام بها أو حرضه على ذلك يعاقب بالعقوبات المقررة لتلك الجريمة".

إن المتمعن في هذا الفصل لابد وأن يطرح السؤال التالي: لماذا جاء المشرع بهذا الفصل والحال أنه كان بالإمكان الاكتفاء بما هو منصوص عليه في القانون الجنائي؟[5]

حقيقة، إن موقف المشرع المغربي بهذا الخصوص غير مفهوم، فما دام أن إقناع الغير بارتكاب عمل إرهابي لن يتم بالضرورة إلا عن طريق التحريض الذي سيوقع الجاني لا محالة تحت طائلة الفصل 129 ق ج، فلماذا يأتينا المشرع بجريمة جديدة لن تكون إلا زيادة في أزمة تضخم القوانين.

فالمتعارف عليه في القانون الجنائي أن أي دفع من طرف شخص ما للجاني قصد ارتكاب عمل إجرامي لن يكون إلا تحريضا على ارتكاب الجريمة إذا ما تم بإحدى الوسائل المنصوص عليها في الفقرة الأولى من الفصل 129 ق ج، ولكننا اليوم - بحق-  نقف أمام تحريض خاص أسماه المشرع بالإقناع. فما الفرق بين التحريض في الشريعة العامة وبين الإقناع كتحريض من نوع خاص في ظل قانون مكافحة الإرهاب؟

إن التحريض في إطار القانون الجنائي الموضوعي - ف 129 ق ج – لا يتم إلا بإحدى الوسائل التي حددها المشرع حصرا[6] ويتعلق الأمر حسب الفقرة الأولى من الفصل 129 ق ج بتقديم هبة أو وعد أو إساءة استغلال سلطة أو ولاية أو تحايل أو تدليس إجرامي، فكل دفع إلى ارتكاب إحدى الجرائم بوسيلة خارج الوسائل المحددة سلفا لا يمكن أن يعتبر تحريضا وإن كان من الممكن اعتباره نوعا آخر من المشاركة.

أما بالنسبة للجريمة الجديد - الوافدة الجديدة- والمتعلقة بإقناع الغير بارتكاب عمل إرهابي، فلم يحدد المشرع المغربي الوسائل التي يجب أن تتم بها، وهو بذلك يترك السلطة التقديرية للقضاء لاعتبار ما يراه مناسبا واقعا تحت طائلة الفصل 5-218 ق ج[7]، وفي هذه النقطة بالذات يكمن الخطر، إذ أن هذا المقتضى يضرب في الصميم مبدأ جوهريا في القانون الجنائي وهو مبدأ الشرعية، ومبدأ دستوريا آخر وهو اختصاص السلطة التشريعية بسنه القوانين، فالمشرع المغربي بتنصيصه في الفصل 5-218 ق ج على عبارة "بأية وسيلة" يمنح القضاء مكنة التجريم وبالتالي ممارسة إحدى الاختصاصات المخولة أصلا للسلطة التشريعية.

وأنا على خلاف مع أحد الباحثين[8] الذي يعتقد بأن المشرع المغربي أحسن صنعا بفسحه المجال للسلطة التقديرية للقضاء لتجريم ما يراه مناسبا من الوسائل، إذ أن ذلك سيضرب عرض الحائط مبدأ الشرعية الذي يعبر عنه "بلا جريمة ولا عقوبة إلا بنص".

وإذا كان المشرع في الفصل 129 قد حدد حصرا الوسائل التي يتم بها التحريض مراعاة منه لحقوق  الأفراد وصيانة لأمن الجماعة كما يراه أحد الفقه[9]، فإنه بعدم تحديد هذه الوسائل التي يتم بها الإقناع بارتكاب جريمة إرهابية يكون قد قلص كثيرا من هامش الحريات الممنوحة للأفراد الشيء الذي سيجعل الفصل 5-218 ق ج فصلا ذو ملامح جديدة على مستوى التجريم.

المطلب الثاني: المسؤولية الجنائية للشخص المعنوي عن الجريمة الإرهابية

حدد المشرع المغربي من خلال الفصل 1-218 ق ج مجموعة من الأفعال التي تكون جريمة إرهابية كلما كانت ذات صلة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف المس الخطير بالنظام العام، كما أن المشرع المغربي نص في الفقرة الأخيرة من الفصل 7-218 ق ج على إمكانية اقتراف الشخص المعنوي لتلك الجرائم المنصوص عليها في الفصل 1-218 ق ج كفاعل أصلي. ولكنني أعتقد بأن تنصيص المشرع المغربي على إمكانية متابعة الشخص المعنوي عن هذه الجرائم كفاعل أصلي يحتاج إلى إعادة النظر لعدم اتساق ذلك مع ما هو متعارف عليه في القانون الجنائي[10].

فمن بين الجرائم التي يمكن إسنادها للشخص المعنوي كمسؤول عن الجريمة الإرهابية، نجد الاعتداء عمدا على حياة الأشخاص[11] حسب البند رقم 1 من الفصل 1-218 ق ج، وتتحقق هذه الصورة الإرهابية بواسطة وسيلة أو تقنية تستهدف إزهاق روح فرد أو جماعات تنفيذا لمشروع إرهابي، سواء أكان قتلا عاديا أو باستعمال أسلحة بيضاء أو نارية أو متفجرات أو استعمال غازات سامة[12].

فالقتل جريمة جنائية معاقب عليها بمقتضى القانون الجنائي إذ ينص الفصل 392 منه على أن:"كل من تسبب في قتل غيره يعد قاتلا..." وتصبح هذه الجريمة إرهابية إذا كانت مقترنة بمشروع فردي أو جماعي يستهدف المس الخطير بالنظام العام بواسطة العنف أو الترويع أو الترهيب، فكيف للشخص المعنوي أن يرتكب أفعال قتل وبالتالي ضلوعه في مثل هذه الجريمة كفاعل أصلي بمفهوم الفقرة الأخيرة من الفصل 7-218 ق ج؟ والحال أن الفصل 392 المذكور جاء بعبارة واضحة جاء فيها:"... قتل غيره..." فعبارة "غيره" تنصرف إلى الإنسان، فالمشرع إذا وضع افتراضا عند تجريمه للقتل مؤداه عدم إمكانية إتيان جريمة القتل ضد شخص طبيعي إلا من قبل شخص آخر طبيعي.

فلتحقق جريمة القتل لابد من صدور نشاط من الجاني عن قصد يستهدف إزهاق روح إنسان بغض النظر عن الوسائل المستعملة قاتلة كانت بطبيعتها أم لا، كما هو الشأن بالنسبة للأسلحة النارية والغازات وغيرها[13].

فكيف للشخص المعنوي أن يقدم على القتل باستخدام أي من هذه الوسائل؟ والحال أنه مجرد كيان أحدثه القانون ومنحه الشخصية القانونية من أجل القيام بأعمال معينة، بالإضافة إلى ضرورة اقتران هذه الجريمة بعنصر التخويف كي تعد إرهابية مما يزيد من صعوبة تصور قيام شخص معنوي بمثل هذه الأعمال.

إن المشرع المغربي بتنصيصه في الفقرة الأخيرة من الفصل 7-218  ق. ج على إمكانية تصور الشخص المعنوي كفاعل أصلي في إحدى الجرائم المنصوص عليها في الفصل 1-218 ق ج والتي من ضمنها جريمة القتل، يكون قد خرق مجموع المبادئ المتعارف عليها، فقد كان أولى بالمشرع المغربي ألا ينص في الفقرة الأخيرة من الفصل 7-218 ق ج على عبارة:"إذا كان الفاعل شخصا معنويا" بل كان عليه القول:"إذا كان ارتكاب الجريمة من طرف أحد أعضاء الشخص المعنوي..." وذلك اتساقا مع ما ذهب إليه المشرع الفرنسي من خلال القانون الجنائي الجديد الذي أوضح فيه بأن الشخص المعنوي يعاقب عن الجرائم التي يأتيها أحد أعضائه ولحسابه.

أعتقد بأن موقف المشرع المغربي يشوبه كثير من الارتجال، ولعل ذلك يعود إلى جدة الأعمال الإرهابية على الساحة الوطنية، فأحداث 16 ماي 2003 الأليمة، عجلت بصدور القانون رقم 03-03 مما لم يترك الفرصة للعاملين على صياغة هذا القانون من أجل تنقيحه وملاءمته مع بقية النصوص التي تحدد قواعد التجريم والعقاب، وربما يكون مرد هذا الإسناد الغير منطقي إلى الرغبة في وضع نصوص تكفل حماية فعالة للمجتمع فالدولة تملك من الصلاحيات ما يخولها وضع أي قواعد قانونية كيفما كانت في الأحوال التي يكون فيها المجتمع مهدد بالحرب أو بخطر يهدد استقرار الأمة.

وإذا كان وقع الجريمة الإرهابية قد زعزع الثوابت المتعارف عليها على مستوى التجريم فهل الأمر كذلك على مستوى قواعد العقاب؟

المبحث الثاني: أثر الجريمة الإرهابية على معايير العقاب

هناك بعض القواعد المنصوص عليها في القانون الجنائي والتي تعتبر بمثابة الضابط عند سن أي نص يتضمن مفاعيل عقابية، ولكن قانون مكافحة الإرهاب رقم 03-03 جاء بمجموعة من المقتضيات لم تراعي في كثير من الأحيان تلك القواعد، وكمثال على ذلك القاعدة الخاصة بعقاب المشارك في الجريمة، والقاعدة التي تصنف الجرائم إلى أنواع حسب عقوبتها، وسنتحدث أولا عن عقاب المشارك في إطار القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب، ثم نتحدث ثانيا عن عقوبة الإشادة بأعمال إرهابية.

المطلب الأول: عقاب المشارك بين القانون الجنائي وقانون مكافحة الإرهاب

ينص الفصل 130 من ق ج م على أن:"المشارك في جناية أو جنحة يعاقب بالعقوبة المقررة لهذه الجناية أو الجنحة"، فمن القواعد الراسخة في القانون الجنائي بصفة عامة أن المشارك في جناية أو جنحة ما يعاقب بنفس العقوبة المقررة لتلك الجناية أو الجنحة التي نفذها الفاعل الأصلي.

ولكن المشرع المغربي خرج عن هذا المبدأ في القانون المتعلق بمكافحة الإرهاب إذ جاء في الفصل 6-218 ق ج :"بالإضافة إلى حالات المشاركة المنصوص عليها في الفصل 129 من هذا القانون، يعاقب بالسجن من عشر إلى عشرين سنة، كل شخص يقدم عمدا لمن يرتكب فعلا إرهابيا أو يساهم أو يشارك فيه أسلحة أو ذخائر أو أدوات تنفيذ الجريمة...".

فبقراءة متمعنة لهذا الفصل وبمقارنته مع الفصل 129 ق ج يتبين أن تقديم الأسلحة والذخائر والأدوات المنصوص عليه في الفصل 6-218 ق ج مندرج ضمن ما سبق للفصل 129 ق ج أن نص عليه في بنده رقم 2 بقوله:"قدم أسلحة أو أدوات أو أية وسيلة أخرى...".

فالمفروض إذا، واتساقا مع القواعد الجنائية العامة، أن تتم معاقبة كل من يقدم أسلحة أو أدوات تنفيذ الجريمة الإرهابية طبقا للفصل 129  ق ج بنفس عقوبة الفاعل الأصلي، إلا أن المشرع المغربي خرج عن هذا في إطار قانون مكافحة الإرهاب وحدد عقوبة خاصة للمشاركة تتراوح بين 10 و20 سنة[14].

ونحن نعتقد مع بعض الدارسين[15] أنه كان على المشرع المغربي الاكتفاء بالإحالة على مقتضيات الفصل 129 من ق ج، دون مغالاته في التفصيل، على اعتبار الأفعال المشار إليها في الفصل 6-218 ق.ج مندرجة ومغطاة بما هو منصوص عليه في البند رقم 2 من الفصل 129 ق ج.

كما نرى بأن ما ذهب إليه المشرع في الفصل 6-218 ق ج لن يكون إلا عقبة جديدة تزيد من صعوبة إصدار الأحكام في المادة الإرهابية، فسيجد القاضي نفسه أمام فعل واحد وهو تقديم الأسلحة، إلا أنه معاقب بعقوبتين مختلفتين إحداهما منصوص عليها في الفصل 6-218 ق ج وهي من 10 إلى 20 سنة سجنا، وإحداهما قد تصل إلى الإعدام بتطبيق الفصل 129 ق ج إذا تعلق الأمر مثلا بالقتل العمد في صورته الإرهابية.

إن الخلط الذي أعتقد بأن المشرع المغربي قد وقع فيه، سيؤدي لا محالة إلى عدة مشاكل على المستوى العملي، ولذلك فالمشرع مدعو إلى إعادة النظر في الفصل 6-218 ق ج بشكل يعيد الاتساق والانسجام مع كافة مقتضيات القانون الجنائي المغربي.

ولعل خروج المشرع المغربي عن القواعد الجنائية الثابتة سيتأكد أكثر من خلال المطلب الموالي.

المطلب الثاني: عقاب جريمة الإشادة بأفعال إرهابية

من أهم القواعد في القانون الجنائي أن العقوبات تنقسم إلى ثلاثة أنواع، وتبعا لهذه الأنواع يمكن التعرف على نوع الجريمة وبالتالي تحديد الجهة المختصة بنظرها، فمن الثابت أن الجريمة إما جناية أو جنحة أو مخالفة، فتكون جناية إذا كانت العقوبة السالبة للحرية المقررة لها تفوق خمس سنوات سجنا وتكون جنحة إذا كانت العقوبة المقررة لها أقل من خمس سنوات حبسا وتكون مخالفة إذا لم تتجاوز العقوبة المقررة لها شهرا واحدا من الاعتقال[16].

فالجريمة إذا يجب أن تندرج ضمن إحدى هذه الجرائم ولا وجود هناك لمنزلة بين المنزلتين أو لجريمة مختلطة، فالعقوبة هي الفيصل في تصنيف الجرائم[17].

ولكن هذه المسلمة لم يراعيها المشرع المغربي قط عند سنه لقانون مكافحة الإرهاب، فبرجوعنا للفصل 2-218 ق ج نجده ينص على أنه:"يعاقب بالحبس من سنتين إلى ست سنوات وبغرامة تتراوح..."

فبتدقيق النظر في هذا الفصل نجد أن الحد الأدنى للعقوبة المقررة لهذه الجريمة يوحي بكونها جنحة بينما الحد الأقصى لها يوحي بكونها جناية.

فماذا أراد المشرع بهذين الحدين؟ الحقيقة في رأيي أن موقف المشرع المغربي هذا غير مفهوم، فجريمة الإشادة بالأفعال الإرهابية ليست بجديدة في القانون المغربي، فهذا النص مقتبس من الفصل 39 من قانون الصحافة الذي يعتبر مثل هذه الإشادة مندرجة ضمن أعمال المشاركة في الجنحة أو الجناية.

فلماذا لم يترك المشرع المغربي الأمور على حالها، ويكفي القضاء مغبة الدخول في متاهات هو في غنى عنها، أعتقد بأن موقف المشرع المغربي هذا يجب أن يفسر على رغبته في إعطاء صفة الجناية لجريمة الإشادة بالأفعال الإرهابية، وما يجعلنا نقول بذلك، هو إسناد المشرع المغربي الاختصاص بالنظر في كافة الجرائم الإرهابية لمحكمة الاستئناف بالرباط ومعلوم بأن محاكم الاستئناف هي وحدها التي تتوفر على الغرفة الجنائية الابتدائية، بينما غرفة الجنح الاستئنافية المتواجدة بها لا تختص إلا بالنظر في استئناف القضايا التي سبق وأن راجت بالمحاكم الابتدائية.

إن المشرع المغربي مدعو إلى إعادة صياغة الفصل 2-218 ق ج وذلك إما بالرفع من الحد الأدنى لعقوبة الإشادة بجريمة إرهابية ليصل إلى 5 سنوات سجنا وبالتالي الحسم في كون جريمة الإشادة بمثابة جناية، وإما بالتخفيف من الحد الأقصى للعقوبة إلى خمس سنوات حبسا والحسم تبعا لذلك بكون جريمة الإشادة بمثابة جنحة.

خاتمة:

لقد حاولت قدر المستطاع من خلال هذه الدراسة البسيطة أن أبين مدى خروج المشرع المغربي عن القواعد الأساسية على مستوى القانون الجنائي، ولربما يكون ذلك راجعا إلى خطورة الجريمة الإرهابية وجدتها على الساحة الوطنية، وكيفما كان السبب في ذلك فإن كافة الباحثين القانونيين مدعوون إلى إغناء هذا النقاش وذلك من أجل الخروج بمنظومة جنائية متكاملة كفيلة باستئصال الظاهرة الإرهابية.

وأنا على يقين أن القارئ الكريم سيفهم بأن كل انتقاد موجه للمشرع مهمى بلغت درجة حدته لن يكون إلا نابعا من صدر باحث صادق وغيور على هذه الأمة وتشريعها.



[1] - ظهير شريف رقم 1.59.413 صادر في 26 نونبر 1962 جريدة رسمية عدد 2640 مكرر بتاريخ 5 يونيو 1963

[2] - ونقصد به قانون المسطرة الجنائية.

[3] - ظهير شريف رقم 140-03-1 صادر بتاريخ 28 ماي 2003 بتنفيذ القانون رقم 03-03 المتعلق بمكافحة الإرهاب جريدة رسمية عدد 5112 بـ 29 ماي 2003.

[4] - السيد المعتصم به، محاولة في المسألة الإرهابية وأبعادها الدولية، ر.د.د.ع.م.ق.ع، جامعة محمد الخامس، كلية الحقوق، الرباط 1984-1985، ص 371.

[5] - أقصد بذلك الفصل 129 من ق.ج الذي يتحدث عن التحريض.

[6] - عبد الواحد العلمي، شرح القانون الجنائي المغربي القسم العام، دار النجاح الجديدة، البيضاء، 2007، دون ذكر الطبعة، ص 187.

[7] - الطاهر عطاف، السياسة الجنائية في مجال مكافحة الإرهاب، مطبعة اليطاوي، البيضاء، 2009، ط 1، ص 63.

[8] - الطاهر عطاف، م س، ص 63.

[9] - عبد الواحد العلمي، م س، ص 187.

[10] - يجب ألا يفهم من ذلك أنني أعارض مساءلة الشخص المعنوي جنائيا، بل كل ما في ذلك أنني لا أوافق المشرع المغربي في الصياغة التي صاغ بها الفقرة الأخيرة الفصل7-218 ق ج.

[11] - سأقتصر على هذه الجريمة فقط لإثبات رأيي.

[12] - يوسف بنباصر، الجريمة الإرهابية بالمغرب وآليات المكافحة، سلسلة بنباصر للدراسات والأبحاث القضائية، عدد 6، 2004، ص71.

[13] - عبد الواحد العلمي، القانون الجنائي المغربي، القسم الخاص، مطبعة النجاح الجديدة، البيضاء 2001، ط 3، ص 196.

[14] - الفصل 6-218 ق ج م.

[15] - الطاهر عطاف، م س، ص 91.

[16] - اقتصرنا هنا على معيار العقوبة السالبة للحرية لأنه كاف للتوضيح.

[17] - عبد الواحد العلمي، م س، ص 240.

بقلم ذ عبد الرحيم القاضي
باحث في القانون الجنائي والعلوم الجنائية. كلية الحقوق وجدة
 


أعلى الصفحة