القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ محمد حلمناش
منتدب قضائي من الدرجة الثانية بالنيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بآسفي
تحت عدد: 456
قال قائل فما أحسن طرق التفسير، فالجواب، إن أصح الطرق في ذلك أن يفسر القرآن بالقرآن

لقد اعتمدت في مقاربة هذا الموضوع الذي بين يدي نفس المنهجية المذكورة، إذ استخلصت مجموع أحكامه من قول المشرع وبسطتها في تصميم جمع بين الآجال المطلوبة قانونا لتفعيله والشروط والجهة المكلفة بتطبيقه ثم مآله
ولما كان تقريب المعنى يفيد في معرفة المراد، وجدت نفسي ملزما بأن أستهل حديثي ببيان القصد. يراد برد الاعتبار، محو آثار العقوبة وحالات فقدان الأهلية المترتبة عنها في المستقبل، ويحق مباشرته من قبل كل شخص صدر عليه حكم من إحدى المحاكم الزجرية بالمملكة من أجل جناية أو جنحة
فحسب ما تقدم، لا يمكن مباشرة رد الاعتبار طبقا لمقتضيات المواد 687 إلى 702 من قانون المسطرة الجنائية إلا بعد : استحضار الشروط المستفادة من تعريف المشرع نفسه، إذ يجب
أن يكون هناك مقرر قضائي يقضي بالإدانة -
أن يكون مقرر الإدانة صادر عن المحاكم الزجرية بالمملكة -
أن ينصرف موضوع رد الاعتبار لجناية أو جنحة، إذ لا يعمل به في المخالفات -
ويميز قانون المسطرة الجنائية بين رد الاعتبار القانوني الذي يكون بقوة القانون وبين رد الاعتبار القضائي الذي يصدر
في شأنه حكم من طرف القضاء
: وعليه، سأناقش هذا الموضوع في مبحثين وفقا للتصميم التالي
-المبحث الأول: رد الاعتبار القانوني
-المطلب الأول: الآجال المطلوبة قانونا لرد الاعتبار القانوني
الفقرة الأولى: رد الاعتبار القانوني في الجنح
الفقرة الثانية: رد الاعتبار القانوني في الجنايات
المطلب الثاني: الجهة المختصة بتطبيق أحكام رد الاعتبار القانوني ومآله -
الفقرة الأولى: الجهة المختصة بتطبيق أحكام رد الاعتبار القانوني
الفقرة الثانية: مآل رد الاعتبار القانوني
المبحث الثاني: رد الاعتبار القضائي -
المطلب الأول: الشروط والآجال المطلوبة قانونا لتقديم طلب رد الاعتبار القضائي وإجراءاته -
الفقرة الأولى: الشروط والآجال المطلوبة قانونا لتقديم طلب رد الاعتبار القضائي
الفقرة الثانية: إجراءات رد الاعتبار القضائي
المطلب الثاني: الجهة المختصة بالبت في طلب رد الاعتبار القضائي ومآل القرار الصادر فيه -
الفقرة الأولى: الجهة المختصة بالبت في طلب رد الاعتبار القضائي
الفقرة الثانية: مآل القرار الصادر في طلب رد الاعتبار القضائي
المبحث الأول: رد الاعتبار القانوني
المطلب الأول: الآجال المطلوبة لرد الاعتبار القانوني -

يخضع رد الاعتبار القانوني لأحكام المواد 688-689 من قانون المسطرة الجنائية
ويكتسب المحكوم عليه رد الاعتبار بقوة القانون ما لم يصدر ضده داخل الآجال المحددة فيما بعد أي حكم جديد بعقوبة سالبة للحرية من أجل جناية أو جنحة
وعليه سوف أوضح آجال رد الاعتبار القانوني في الجنح، ثم سأتحدث عن رد الاعتبار القانوني في الجنايات
-الفقرة الأولى: رد الاعتبار القانوني في الجنح
1-بالنسبة للعقوبة الوحيدة النافذة

: فيما يخص العقوبة الوحيدة النافذة الصادرة بالغرامة
ينص الفصل 35 من القانون الجنائي على أن الغرامة هي إلزام المحكوم عليه بأن يؤدي لفائدة الخزينة العامة مبلغا معينا من النقود، بالعملة المتداولة قانونا في المملكة
ويبت بالغرامة كعقوبة في المخالفات من 30 إلى 1200 درهم طبقا للفصل 18 من القانون المذكور، وفي الجنح فيما يتجاوز عن 1200 درهم طبقا للفصل 17 من القانون الجنائي كذلك
غير أن ما يعنينا في هذا المقام، هو الغرامات الصادرة في الجنح دون المخالفات التي لا يشملها رد الاعتبار. ويرد اعتبار المحكوم عليه بغرامة بقوة القانون، بعد انتهاء أجل سنة واحدة تحسب من يوم أدائها أو من يوم انتهاء الإكراه البدني أو انصرام أمد التقادم
والملاحظ أن المشرع حدد نفس المدة -بالنسبة للغرامات -في رد الاعتبار عموما سواء كان قانونيا أو قضائيا غير أنه يحتسب من يوم أدائها أو من يوم انتهاء الإكراه البدني أو انصرام أمد التقادم بالنسبة لرد الاعتبار القانوني ومن يوم أدائها بالنسبة لرد الاعتبار القضائي
: فيما يخص العقوبة الوحيدة النافذة الصادرة بالحبس لمدة لا تتجاوز ستة أشهر
بعد انتهاء أجل خمس سنوات إما من يوم انتهاء العقوبة المنفذة على المحكوم عليه وإما من يوم انصرام أجل التقادم فيما يخص العقوبة الوحيدة النافذة الصادرة بالحبس لمدة لا تتجاوز سنتين
بعد انتهاء أجل عشر سنوات تبتدئ إما من يوم انتهاء العقوبة المنفذة على المحكوم عليه وإما من يوم انصرام أجل التقادم
: فيما يخص العقوبة الوحيدة النافذة الصادرة بالحبس لمدة تتجاوز سنتين
بعد انصرام أجل خمس عشرة سنة تحسب بنفس الطريقة أعلاه، أي تبتدئ إما من يوم انتهاء العقوبة المنفذة على المحكوم عليه وإما من يوم انصرام أجل التقادم
2-بالنسبة للعقوبة المتعددة في الجنح
ويراد بها العقوبات الحبسية المتعددة
فيما يخص عدة عقوبات لا يتجاوز مجموعها سنة واحدة
يكون رد الاعتبار بقوة القانون بعد انتهاء أجل عشر سنوات تبتدئ إما من يوم انتهاء العقوبة المنفذة على المحكوم عليه وإما من يوم انصرام أجل التقادم
فيما يخص عدة عقوبات يتجاوز مجموعها سنة واحدة من أجل جنح
بعد انصرام أجل خمس عشرة سنة تحسب بنفس الطريقة؛ أي من يوم انتهاء العقوبة المنفذة على المحكوم عليه وإما من يوم انصرام أجل التقادم
3- بالنسبة للعقوبات المزدوجة في الجنح
يقصد بها حالة الحكم بالحبس والغرامة، حيث يحتسب الأجل الساري في العقوبة السالبة للحرية من أجل رد الاعتبار القانوني

الفقرة الثانية: رد الاعتبار القانوني في الجنايات -
فيما يخص العقوبة الجنائية الوحيدة أو العقوبات الجنائية المتعددة، بعد انصرام أجل عشرين سنة ابتداء من يوم انقضاء آخر عقوبة أو انصرام أمد تقادمها
وفي محل ختم هذا المطلب، يجب التذكير بأنه يعادل الإسقاط الكلي أو الجزئي للعقوبة بطريق العفو، تنفيذ هذه العقوبة كليا أو جزئياً، كما يجب التذكير بمقتضيات المادة 689 من قانون المسطرة الجنائية، حيث يرد الاعتبار كذلك بقوة القانون لكل محكوم عليه بعقوبة حبس أو غرامة مع إيقاف التنفيذ، وذلك بعد انتهاء فترة اختبار مدتها خمس سنوات ما لم يقع إلغاء إيقاف التنفيذ، تحسب من التاريخ الذي أصبحت فيه العقوبة مكتسبة لقوة الشيء المقضي به
في حالة ازدواجية العقوبة بالغرامة النافذة والعقوبة السالبة للحرية الموقوفة التنفيذ، يحتسب الأجل الساري على الحبس الموقوف لرد الاعتبار

-المطلب الثاني: الجهة المختصة بتطبيق أحكام رد الاعتبار القانوني ومآله
الفقرة الأولى: الجهة المختصة بتطبيق أحكام رد الاعتبار القانوني

بخلاف رد الاعتبار القضائي الذي يكون بحكم المحكمة المختصة وفقا لما نص عليه المشرع، يكون رد الاعتبار في هذا المقام بقوة القانون، إذ يستفيد المحكوم عليه ويرد له اعتباره بحكم القانون بتدخل الجهة الموكول لها تطبيق قواعد المسطرة الجنائية وهي تتحدث عن أحكام السجل العدلي الذي يميز في إطاره بين
-السجل العدلي الوطني التابع لوزارة العدل والحريات يختص بمراقبة المراكز المحلية ويتولى مسك سجل عدلي خاص بالأشخاص المولودين خارج المملكة من غير اعتبار لجنسيتهم، ومسك بطائق السجل العدلي للأشخاص المعنوية المنصوص عليها في المواد 678 وما بعدها من القانون المذكور
-ومراكز محلية بالمحاكم الابتدائية يتم تعيينها بقرار لوزير العدل، وتتولى مسك السجلات العدلية لجميع الأشخاص مهما كانت جنسيتهم المولودين بدائرة محكمة من المحاكم المحددة طبقاً للقرار المشار إليه
وحسب المادة 655 من قانون المسطرة الجنائية فانه يتولى إدارة مركز السجل العدلي الوطني أحد القضاة العاملين بوزارة العدل، في حين تسند إدارة السجل العدلي المحلي لأحد قضاة النيابة العامة
وبالرجوع للمادة 656 من نفس القانون فانه تمسك مراكز السجل العدلي المحلي، بطائق تسمى البطائق رقم 1 للسجل العدلي، وتسلم حسب الشروط المحددة في المواد 665 وما يليها، بيانات أو ملخصات منها تدعى البطائق رقم 2 أو رقم 3
كما يمسك مركز السجل العدلي الوطني نفس البطائق ويسلم نفس البيانات بالنسبة للأشخاص المولودين خارج المملكة وللأشخاص المعنوية
وبمجرد تحقق الآجال المنصوص عليها بالنسبة لرد الاعتبار القانوني فان الأمر يستوجب إدخالها كتغييرات على البطاقة رقم 1 طبقا للمادة 661 من القانون المذكور
وعمليا، فانه في حالة إغفال ذلك يقدم طلب في الموضوع من طرف المعني بالأمر إلى وكيل الملك المختص، وبعد الدراسة يتقرر إما الموافقة على الطلب وتحرير أمر بذلك للجهة المكلفة من أجل إدخال رد الاعتبار القانوني كتغيير على البطاقة رقم 1 كما سلف الذكر، وإما رفض الطلب إذا اختل شرط من الشروط الواجبة للاستجابة للطلب
على أنه في حالة وجود نزاع بشأن رد الاعتبار بحكم القانون تفعل مقتضيات المادة 672من قانون المسطرة الجنائية، حيث يقدم الطلب في شكل مقال إلى رئيس المحكمة التي أصدرت المقرر
ويطلع رئيس المحكمة النيابة العامة على المقال ويكلف عند الاقتضاء، قاضيا بتقديم تقرير في الموضوع
وتجري المناقشات ثم يصدر المقرر في غرفة المشورة إما برد الاعتبار القانوني أو بالسلب
الفقرة الثانية: مآل رد الاعتبار القانوني
باستقراء المواد 687 إلى 689 من قانون المسطرة الجنائية، نجد أن المشرع لم يبين الإجراءات الواجب إتباعها بعد مباشرة رد الاعتبار بحكم القانون
وإذا كانت المادة 661 تسعف بالقول إن المشرع نص صراحة على إدخال رد الاعتبار القانوني كتغيير في البطاقة رقم 1 من السجل العدلي، فانه يجب كذلك تضمينه بطرة المقررات الصادرة بالعقوبة قياسا على رد الاعتبار القضائي احتراما للمادة 702 من قانون المسطرة الجنائية
المبحث الثاني: رد الاعتبار القضائي
المطلب الأول: الشروط والآجال المطلوبة قانونا لتقديم طلب رد الاعتبار القضائي واجراءاته
الفقرة الأولى: الشروط والآجال المطلوبة قانونا لتقديم طلب رد الاعتبار القضائي
أولا: الشروط المطلوبة قانونا لتقديم طلب رد الاعتبار القضائي-

1-الأشخاص المسموح لهم مباشرة رد الاعتبار القضائي
مبدئيا، يجب التمييز بين الأشخاص المسموح لهم مباشرة رد الاعتبار القضائي والمحكوم عليه على قيد الحياة ثم حالة تتبع طلب رد الاعتبار سبق تقديمه من طرف المحكوم عليه قبل وفاته
ففي الحالة الأولى، لا يمكن للمحكمة أن تستجيب للطلب-إذا توافرت شروطه الشكلية والموضوعية بطبيعة الحال-إلا إذا قدم من قبل المحكوم عليه شخصيا
وعليه، لا مجال لإعمال أحكام النيابة القانونية أو الاتفاقية في هذا المقام، غير أن هذه النتيجة في حقيقة الأمر ليست مطلقة لعلة أن المشرع المغربي أورد عليها استثناءين، ذلك أنه يمكن مباشرة رد الاعتبار القضائي من قبل الممثل القانوني للمحكوم عليه شرط أن يكون هذا الأخير محجورا عليه أو شخص معنوي مع ضرورة الإدلاء بما يفيد ذلك. أما في الحالة الثانية، فالأمر لا يتعلق بتقديم طلب رد الاعتبار مباشرة وإنما تقديم طلب بتتبعه أمام القضاء، بعد وفاة المحكوم عليه طبقا للفقرة 2 من المادة 691 من قانون المسطرة الجنائية
وقد حصر المشرع الأشخاص الذين يمكنهم ذلك في زوج المحكوم عليه أو أصوله أو فروعه
ويراد بالزوج، شريكة المحكوم عليه أو شريك المحكوم عليها وفقا لعقد الزواج
أما المقصود بأصول المحكوم عليه والديه وان علا، أما فروعه فينصرف المعنى لأولاده وان سفل أي نزلوا في درجة القرب
ولا ضير في هذا التوسع مادام أنه لم يجرم فعلا ولم يخلق عقوبة، بل الأكثر من ذلك يجب الاستجابة للطلب حتى في الحالة التي تربط المحكوم عليه بالأصل-إن صح التعبير-أو الفرع علاقة بتبني الجزاء أو التنزيل منزلة الولد أو ما يسمى كذلك بالكفالة
2- يجب أن يكون طلب رد الاعتبار شاملا لمجموع المقررات القاضية بالإدانة
فبصيغة الوجوب جاء المشرع واضحا عندما اشترط أن يكون طلب رد الاعتبار شاملا لمجموع المقررات القضائية، غير أن السؤال يبقى مطروحا حول قصده من كلمة -شاملا-فهل يراد بها الإشارة إلى مراجع المقررات المذكورة، على أن يتولى وكيل الملك بمسعى منه طلب نسخ منها طبقا للمادتين697-698 من قانون المسطرة الجنائية، أو أن طالب رد الاعتبار القضائي ملزم بتقديم الطلب مرفق بنسخ مصادق عليها من المقررات القضائية الصادرة بالإدانة؟ عمليا تجدر الإشارة إلى أنه تقدم الطلبات مرفقة بنسخة أو نسخ مصادق عليها بحسب تعدد قرارات الإدانة، رفقته شهادة أو شواهد بعدم الطعن تفيد حيازة المقرر القضائي لقوة الشيء المقضي به تسريعا للإجراءات، غير أنه يجب القول بضرورة تفعيل المادتين المذكورتين في حالة تقديم الطلب متضمنا لمراجع مقررات الإدانة فقط ومجردة من الوثائق اللازمة
بقلم ذ محمد حلمناش
منتدب قضائي من الدرجة الثانية بالنيابة العامة لدى محكمة الاستئناف بآسفي
 


أعلى الصفحة