القانون التجاري

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
تحت عدد: 253
تعليق على القرار عدد 897 الصادر عن المجلس الأعلى بتاريخ 1999/6/9 في الملف التجاري رقم 1078/93 - حكم منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى- الإصدار الرقمي دجنبر 2004


موضوع التعليق:

القاعدة:

" علاقة الأجير والشريك – أصل تجاري – تسييره

لا تتنافى علاقة الأجير والشريك، إذ ليس هناك ما يمنع أن يكون الشخص أجيرا وشريكا في نفس الوقت، كما لا تلغي كل واحدة منهما الأخرى.

تكون المحكمة قد طبقت وعن صواب، قاعدة العقد شريعة المتعاقدين لما قضت بأحقية الشريك في نسبة 20% من الأرباح عن تسييره الأصل التجاري واستغلاله استغلالا مفيدا للطرفين معا.

 

لا بد لقيام الشركة من وجود ركن مهم ألا وهو توافر " نية المشاركة " عند أعضائها فهذه النية هي التي تميز الشركة عن بعض الأنظمة المشابهة التي تتوفر فيها أركان التعدد والمساهمة في راس المال واقتسام الأرباح وتحمل الخسائر ولا تعتبر شركة بالضبط لعدم توفر نية المشاركة لدى أطرافها. ويقصد بنية المشاركة أن تتوافر لدى الشركاء الرغبة في التعاون، وتتجه إرادتهم نحو العمل المشترك على قدم المساواة لاستغلال أموالهم أو عملهم أو هما معا لتحقيق هدفهم المشترك الذي هو الربح.

ويلاحظ ان نية المشاركة تظهر بشكل واضح في شركات الأشخاص. حيث يتولون مباشرة، أو على الأقل يهتمون بكيفية إدارتها ويمارسون رقابتهم على ذلك.

والقرار الذي بين أيدينا، وهو صادر عن المجلس الأعلى تحت عدد 897  بتاريخ 1999/6/9 في الملف التجاري رقم 1078/93، يثير هذه الإشكالية القديمة-الحديثة بخصوص مدى توافر نية المشاركة لدى الشركاء في عقد الشركة، وإن كان المجلس الأعلى، في قراره، قد نحى منحى مغايرا للقول بوجود عقد الشركة من عدمه، معتمدا في ذلك على وسائل ومبررات قانونية مختلفة تماما عما هو مضمن في القواعد العامة للشركة الواردة بالفصول من 959 إلى 1091 من ظهير الالتزامات والعقود.

ملخص وقائع النازلة:

تتلخص وقائع القضية في أنه بتاريخ 23 أبريل 1975 ارتبط الطرف الأول المدعو الموصلي مولاي علي بعقدة مع الطرف الثاني المدعو الزاكي عبد الرزاق، بمقتضاها يحصل الأول على نسبة 20% من الأرباح مقابل التسيير الجيّد للأصل التجاري واستغلاله استغلالا مفيدا للطرفين والحرص على أمن الزبناء.

وأنه بتاريخ 11 سبتمبر 1981 تقدم السيد موصلي مولاي علي بمقال لدى المحكمة الابتدائية بمكناس يلتمس من خلاله – وبناء على العقد المبرم بينه وبين السيد الزاكي عبد الرزاق – تمكينه من نسبة 20% من الأرباح عن مداخيل المقهى من سنة 1975 إلى سنة 1980. بعد انتداب خبير في الحسابات لتقدير ما نابه من أرباح عن مداخيل المقهى وحفظ حقه في التعقيب على الخبرة.

وتقدم السيد الزاكي عبد الرزاق بمذكرة جوابية مع مقال مقابل يعرض فيه أن البند الأول من العقد جاء صريحا في كون العارض يقبل السيد موصلي مولاي علي شريكا له في حانة "ليطونيل" بنسبة 20% من الأرباح ومدلول الحانة يعني المكان المخصص لبيع الخمور بغض النظر عن بيعها للمسلمين أو غير المسلمين وأن الخمر مادّة محرّمة لا يجوز التعامل فيها و لا إبرام شركة فيها بصريح الفصل 986 من ظهير الالتزامات والعقود ملتمسا الحكم ببطلان عقد الشركة واعتبار جميع الآثار الناتجة عنه باطلة.

فاستجابت المحكمة الابتدائية لطلب المدعي، وأصدرت حكما تمهيديا بإجراء خبرة تم قضت بأداء المدعي عليه مبلغ 720.000 درهم كنصيب في الرباح عن المدة من 1975 إلى 1980 بنسبة 20%.

وبعد أن تمسك كلا من الطرفين بطلباتهما أمام محكمة الاستئناف قضت هذه الأخيرة بتأييد الحكم الابتدائي مع تخفيض المبلغ المحكوم به إلى 318.000 درهم عن الأرباح المستحقة من بداية 1976 لمتم ماي 1980.

وبعد أن تم الطعن بالنقض في القرار الاستئنافي من طرف السيد الزاكي عبد الرزاق، معتمدا في ذلك على الوسائل التالية:

انعدام الأساس القانون والنقص في التعليل الموازي لانعدامه وخرق قاعدة مسطرية جوهرية وخرق الفصول 410 و451 و983 من ظهير الالتزامات والعقود بدعوى أن الفصل 410 يقصي بأن الإقرار القضائي حجة قاطعة على صاحبه وأنه سبق للمحكوم له أن أقر بكونه مجرد أجير عند مطالبته بالحكم له بتعويضات عن الطرد التعسفي مع باقي التعويضات الأخرى وهو ما استجابت له محكمة الشغل (

انعدام الأساس القانون والنقص في التعليل الموازي لانعدامه وخرق قاعدة مسطرية جوهرية وخرق الفصول 410 و451 و983 من ظهير الالتزامات والعقود بدعوى أن الفصل 410 يقصي بأن الإقرار القضائي حجة قاطعة على صاحبه وأنه سبق للمحكوم له أن أقر بكونه مجرد أجير عند مطالبته بالحكم له بتعويضات عن الطرد التعسفي مع باقي التعويضات الأخرى وهو ما استجابت له محكمة الشغل ( آنذاك ) بمقتضى قرار نهائي. و لا يمكن إلا أن يكون حجة قاطعة على علاقة العمل التي ربطت الطرفين.

كما أن الفصل 451 جعل الأحكام قرينة قاطعة على ما ورد بها.

وأن تعليل محكمة الاستئناف بجواز إمكانية قيام علاقة شغل مع عقد شركة تعليل به قصور لأن العلاقة إما أن تكون علاقة شغل أو علاقة شركة وكل علاقة تلغي الأخرى.

كما أن الفصل 983 من ظهير الالتزامات والعقود جاء صريحا في التنصيص على أن الاشتراك في الأرباح الذي يمنح للمستخدمين ولمن يمثلون الشركاء أو الشركة في مقابل خدماتهم كليا أو جزئيا لا يكفي وحده ليخولهم صفة الشركاء على اعتبار أن الشركة تقتضي اتجاه إرادة الطرفين للاتحاد في الأرباح وكذلك في الخسائر.

فأصدر المجلس الأعلى قراره رقم 1078/93 بتاريخ 9 يونيو 1999 قصى فيه برفض طلب صاحبه السيد الزاكي عبد الرزاق، وذلك للأسباب التالية:

-            أن المحكمة المطعون في حكمها – وهي محكمة الاستئناف – قد طبقت عن صواب مقتضيات الفصل 230 من ظهير الالتزامات والعقود الذي يقرر قاعدة العقد شريعة المتعاقدين حينما اعتبرت أن العقدة الرابطة بين الطرفين تفيد قبول موصلي مولاي علي كشريك بنسبة 20% من الأرباح مقابل التسيير الجيّد للأصل التجاري.

-            اعتبار المذكرة الجوابية المدلى بها من طرف السيد الزاكي عبد الرزاق والتي طالب فيها بإبطال عقد الشركة استنادا لمقتضيات الفصل 986 بمثابة إقرار قضائي بقيام عقد الشركة بينه وبين السيد موصلي عبد الرزاق.

-            وأخيرا بجواز إمكانية قيام علاقة شغل وعلاقة شركة بين طرفين في آن واحد.

مناقشة رأي المجلس الأعلى:

يمكن القول منذ البداية بأن الوسيلة أو الوسائل التي اعتمدها المجلس الأعلى كأساس لتبرير قرار ه لم تكن في نظرنا كافية لتولد القناعة القانونية في نفوس المهتمين بصياغة القرارات القضائية.

فمبدأ حرية الإرادة والذي تقرره قاعدة " العقد شريعة المتعاقدين "، صحيح أنه يضع ويسطر حدود وأبعاد المعاملة العقدية، لكنه أكيد أنه يصطدم بالمقتضيات والنصوص الآمرة الأخرى خاصة منها تلك المتعلقة بالنظام العام.

فصحيح أن الاتفاقات الناشئة بين طرفي العلاقة تقوم مقام القانون بالنسبة لمنشئيها، لكن التكييف القانوني للعقد بصفة خاصة وللمعاملة بصفة عامة تحكمه العديد من الضوابط القانونية والأمور الأخرى الواقعية.

ولفهم هذه الفكرة – بعد إسقاطها على محور الشروط الموضوعية الخاصة بتشكيل عقد الشركة – يتعين تناولها في إطار المعطيات التالية:

أولا: قصد تحقق " الشركة " كفكرة قانونية و كعقد، يجب النظر والتمحيص في بعض المقتضيات القانونية الخاصة، ومنها الفصل 982 من ظهير الالتزامات والعقود الذي يعرف الشركة بأنها " عقد بمقتضاه يضع شخصان أو أكثر أموالهم أو عملهم أو هما معا لتكون مشتركة بينهم بقصد تقسيم الربح الذي ينشا عنها ". وانطلاقا من هذا الفصل تتحد الأركان الموضوعية الخاصة بالشركة في تعدد الشركاء والمشاركة في رأس المال وقصد تقسيم الربح وتحمل الخسارة ثم ركن رابع وهو نية المشاركة.

فيشترط لصحة تأسيس الشركة أن يقدم كل شريك حصة في رأسمالها وهذا التقديم شرط جوهري لقيامها.

كذلك يجب أن يكون الغرض من تأسيس الشركة السعي إلى تحقيق الربح وتوزيعه بين الشركاء من خلال استغلال المال المشترك، وإذا أدّى ذلك الاستغلال إلى إلحاق خسارة بالشركة فيجب أن تكون إرادة الشركاء قد اتجهت كذلك إلى تحمل تلك الخسارة بنفس نسبة توزيع الأرباح.

كذلك لابد لقيام الشركة من وجود ركن رابع وهو توفر نية المشاركة عند أعضائها، ويقصد بنية المشاركة أن تتوفر لدى الشركاء الرغبة في التعاون وتتجه إرادتهم نحو العمل المشترك على قدم المساواة لاستغلال أموالهم أو عملهم أو هما معا لتحقيق هدفهم المشترك الذي هو الربح. ويشكل هذا الركن المعيار الحاسم في تمييز عقد الشركة عن بعض العقود المشابهة التي يساهم فيها أحد الطرفين بماله أو بعمله مقابل نسبة من الأرباح دون أن يشكل ذلك مشاركة بالمفهوم القانوني، ومن هذه العقود، مثلا:

-            عقد العمل مع الاشتراك في الأرباح.

-            حالة الشياع.

-            عقد القرض مقابل نسبة من الأرباح.

ثانيا: نظرا لأن مضمون البند المدرج في العقد ينص فقط على نسبة الأرباح دون تحديد لنسبة الخسائر. لذلك فلا يكفي الاعتماد عليه إما للقول بوجود نية المشاركة وإما للقول بتحقق أركان عقد الشركة الموضوعية الخاصة.

ثالثا: اعتبار الطلب المبني على الفصل 986 من ظهير الالتزامات والعقود ليس غاية في حد ذاته، وإنما هو مجرد وسيلة لرد طلب. وبالتالي كان على المحكمة مصدرة القرار أن تبحث في أصل الطلب ألا  وهو تحقق عقد الشركة من عدمه.

رابعا: استناد المجلس الأعلى في تبريره كون المحكمة التزمت بمضمون الفصل 230 من ظهير الالتزامات والعقود، يوحي بأن المجلس الأعلى لم تكن تبريراته ومنطقه الخاص – ليس في الحكم على الوقائع مادام أنه محكمة قانون فقط – ولكن موقفه من استبعاد المحكمة المصدرة للحكم الاستئنافي في مناقشة حيثية إمكانية اشتراك شخصين أو اكثر في علاقة شغل وعلاقة شركة في وقت واحد، خاصة أن الفصل 953 من ظهير الالتزامات والعقود كان صريحا في مضمونه حين نص على أن " الاشتراك في الأرباح الذي يمنح للمستخدمين ولمن يمثلون شخصا أو شركة في مقابل خدماتهم كليا أو جزئيا لا يكفي وحده ليخولهم صفة الشركاء ما لم يتم دليل آخر بالعقد على الشركة " وما دام أن الدليل الذي اعتمدته محكمة الاستئناف في حد ذاته لا يزكي إلا الطرح الوارد بالفصل السابق بنصه في احد البنود على الحق في نسبة من الأرباح. فالأسلم كان هو بحث هيئة المحكمة عن الظروف المعاصرة لعملية التعاقد ومحاولة استخراج باقي العناصر الأخرى المكونة لعقد الشركة ومنها خاصة ركن المساهمة في رأس المال وتحمل الخسارة ونية المشاركة، وهي في بحثها هذا لن تنظر طلبات جديدة أو تحكم بما لم يطلب منها وإنما ستبقى في صميم بحث طلبات الأطراف ما دامت الاستجابة إليها أو رفضها معلق أصلا ووجوبا بمسألة تحقق عقد الشركة من عدمه.

لكل ما سبق. وعندما لم يستجب المجلس الأعلى لطلب العارض يكون قد قصر نظر النازلة من زاوية، وأغفل عدّة زوايا، كان من شأن الاهتمام بها إنارة أجزاء أخرى من الحقيقة القانونية التي لا تقبل التجزئة.

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
 


أعلى الصفحة