القانون التجاري

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
تحت عدد: 248
تعليق على الحكم عدد 12776
الصادر عن المحكمة التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 29/12/2009
في الملف رقم 6725/6/2009
- حكم غير منشور -

موضوع التعليق: " شركة تضامن – عزل مسير – حل الشركة – نعم

 

 

 

القاعدة:

لا علاقة بين تأسيس شركة أخرى والمطالبة بعزل مسير في إطار الشركة القائمة بين الطرفين لأن كل نزاع له قواعده التي تحكمه.

العزل  وإن رتب عنه المشرع في المادة 14 من قانون الشركات فقرة 2 حل الشركة بالنظر للطابع التضامني القائم بين الشركاء، والذي لا يتصور معه بقاء الشركة مسيرة من طرف شريك متضامن يتحمل معه الشريك الآخر المعزول تبعات النشاط التجاري دون أن يشارك فيه، فإنه بثبوت الأخطاء المنسوبة للمدعى عليه يصبح قيامه بالتسيير يشكل ضررا بالشركة والشريك المدعي مما يكون معه طلب العزل مؤسسا ".

شركة التضامن شركة تجارية بالشكل، تتكون من شريكين أو أكثر يكتسبون جميعهم صفة التاجر، يسألون بصفة غير محدودة وعلى وجه التضامن عن كافة ديون الشركة. وهي تمثل بامتياز شركات الأشخاص لقيامها على الاعتبار الشخصي، ولكونها تنشا بين عدد محدود من الشركاء يعرفون بعضهم البعض، وتدفعهم إلى المشاركة الثقة المتبادلة بينهم، وما يتمتع به كل واحد منهم من مؤهلات خاصة ومالية من شأنها أن تحقق نجاح الشركة، بحيث لو تخلف احدهم لربما لم يقبل الآخرون الدخول في الشركة.

وفي هذا الحكم الصادر عن المحكمة التجارية بالدار البيضاء تحت عدد 12776 بتاريخ 2009/12/29 سنقف على مدى وجاهة التبريرات التي اعتمدتها الهيئة المصدرة للحكم وذلك للقول باستحالة استمرار شركة التضامن بين الشريكين المتضامنين، هل على اعتبار الخطأ الجسيم من الشريك المسير والذي يؤدي عزله إلى استحالة استمرارها بشريك وحيد؟ أم أن السند الواقعي والقانوني للنازلة يقع بالأساس تحت طائلة المقتضيات المتعلقة بحل شركة التضامن لوجود أسباب وجيهة تتعلق اساسا بالخلافات بين الشركاء والتي تهدم روح شركة التضامن القائم على الاعتبار الشخصي؟

ملخص وقائع النازلة:

يتعلق موضوع الحكم بشركة تضامن مؤسسة بتاريخ 18/3/1998 بين شريكين فقط، وبرأسمال محدد في 60.000 درهم، ويتمثل في نشاطها إدارة مطعم للمأكولات الأسيوية. على أن يكون التسيير مشتركا بينهما. إلا أنه تبين لأحد الشريكين المدعي " خالد لعويفي " أن شريكه الثاني في الشركة المدعى عليه " أسامة ملاحفي " ومنذ سنة 2005 استأثر بالتسيير بصفة غير قانونية، كما استأثر بأرباح الشركة إضافة إلى عدم استدعائه للحضور للجموع العامة التي كانت تعقد كل سنة ليتسنى له الانفراد بالقرارات التي تناسبه، بل قام بتزوير توقيع العارض على محضر الجمع العام المؤرخ في 17/7/2006 بمصلحة السجل التجاري والذي بمقتضاه تم إقرار ميزانية 2005 بما فيها من خروقات واختلاسات وتحويلات لأموال الشركة لحسابه الخاص، كما تم بمقتضاه الحصول على إبراء التسيير حول نفس السنة رغم عدم حضور العارض للجمع المذكور، وقد حاول معه على إيجاد حل حبي بدون جدوى، فاضطر إل تقديم شكاية فتمت متابعته من أجل صنع وثيقة تتضمن وقائع غير صحيحة واستعمالها والتصرف بسوء نية في مال مشترك وحكم عليه بالحبس الموقوف مدة أربعة أشهر وبالغرامة وتعويض قدره 150.000 درهم بمقتضى الحكم الجنحي الصادر بتاريخ19/2/2009 في الملف رقم 37520/08، ولأجل ذلك فقد اضطر لتقديم طلب حل الشركة وإجراء خبرة حسابية ، إلا أنه في انتظار ذلك سوف تزداد أضرار العارض، ولأن ما نسب للمدعى عليه يشكل خطأ جسيما في التسيير يستوجب بالضرورة عزل المسير طبقا للفصل 69 من قانون الشركات، لأجله فهو يلتمس الحكم بعزل المدعى عليه من التسيير مع تحميله الصائر، وأدلى بمذكرة أرفقها بصور من القانون الأساسي ومحضر جمع عام والنموذج 7 وحكم جنحي ومقال.

فأجاب المدعى عليه الأول أن تقديم المدعي لطلب حل الشركة هو تعبير عن عدم رغبته في الاستمرار فيها، وبالتالي لا يعقل تقديم مقال بعزل مسير، لكنه لا غرابة في ذلك لأن المدعي عمل على تأسيس شركة تتعاطى لنفس النشاط ويمارس بذلك منافسة غير مشروعة في حق الشركة، ويكون الهدف من طلب العزل هو الاستئثار بالتسيير ونقل وتحويل زبائنها ومعداتها إلى الشركة التي أسست تحت إسم ” اسيا كاردن” وأن العارض لما اكتشف ذلك ومخالفة المدعي لمقتضيات الفصل 14 من النظام الأساسي فقد تقدم بمقال إخراجه من الشركة والحكم عليه بعدم إنشاء شركة منافسة مع التعويض، أما المبررات المعتمدة من طرف المدعي فهي غير كافية لأن التسيير يتم من الطرفين معا طبقا للفصل 15 من القانون الأساسي، ولا يمكن التذرع بعدم استدعائه للجمع العام بحكم أنه شريك ومسير في نفس الآن ويحضر الجموع العامة، أما الحكم الجنحي فهو مجرد حكم ابتدائي غير نهائي، وهو موضوع مسطرة جارية أمام محكمة الاستئناف، وقد صدر خطأ في حق العارض، ملتمسا الحكم برفض الطلب. وأرفق مذكرته بصورة من القانون الأساسي وصورة مقال.

وبناء  عل تعقيب المدعي أن سنده في الطلب هو الفصل 69 من قانون الشركات، وقد أدلى بما يفيد ارتكاب المدعى عليه لخروقات التسيير مما يكون معه طلبه مؤسسا في انتظار صدور حكم بالحل والمحاسبة، أما تأسيس العارض لشركة فلم يتم إلا سنة 2007 في شهر يوليوز، أي أزيد من سنتين على ارتكاب المدعي للإخلالات في التسيير، وبالتالي حرمان العارض من الأرباح كما أنه بالرجوع إلى المقر الأساسي للشركة فلا توجد أي منافسة بينهما، ملتمسا الحكم وفق طلبه.

وبناء على تعقيب المدعى عليه أكد فيه دفوعه السابقة مضيفا أن المدعي أقر بإنشاء شركة خاصة به وهو ما يعبر عن رغبته في الخروج من الشركة وانعدام نية الشركة لديه.

فأصدرت المحكمة حكمها في الموضوع مستجيبة لطلب المدعي وحكمت بعزل المدعى عليه من التسيير، وقد اعتمدت المحكمة في حكمها أعلاه على التبريرات التالية:

-         أنه لا علاقة بين تأسيس شركة أخرى والمطالبة بعزل مسير في إطار الشركة القائمة بين الطرفين لأن كل نزاع له قواعده التي تحكمه.

-         أن واقعة مؤاخذة المدعى عليه من أجل جنحة صنع وثيقة تتضمن وقائع غير صحيحة واستعمالها والتصرف في مال مشترك بسوء نية قبل قسمته ثابتة بمقتضى الحكم الجنحي المدلى به والذي برغم الصفة الابتدائية تظل له حجية الشيء المحكوم به.

-          أن العزل المطلوب وإن رتب عنه المشرع في المادة 14 من قانون الشركات فقرة 2 حل الشركة بالنظر للطابع التضامني القائم بين الشركاء، والذي لا يتصور معه بقاء الشركة مسيرة من طرف شريك متضامن يتحمل معه الشريك الآخر المعزول تبعات النشاط التجاري دون أن يشارك فيه، فإنه بثبوت الأخطاء المنسوبة للمدعى عليه يصبح قيامه بالتسيير يشكل ضررا بالشركة والشريك المدعي مما يكون معه طلب العزل مؤسسا وتتعين الاستجابة له مع ما يترتب عن ذلك من آثار.

مناقشة رأي المحكمة:

يمكن القول على العموم أن حكم المحكمة التجارية للدار البيضاء، بخصوص هذه النازلة، كان صائبا في تقريره عزل المدعى عليه من تسيير الشركة، وهو في قراره هذا تماشى وروح المشرع المغربي في قانون الشركات الجديد الذي وإن أصبح في ظله أصبح المتصرفون يستمدون سلطتهم في ظل القانون الجديد للشركات من القانون مباشرة، ولم يعودوا يعتبرون وكلاء الشركة كما كان الشأن في السابق. إلا أن قرارتهم في التسيير مقيدة بتحقيق الغرض الذي أنشئت من أجله، إلا أن المنطوق الذي يطالعنا به الحكم، يقتضي إبداء الملاحظات التالية:

الملاحظة الأولى: وهو إن كان الحكم صائبا فيما ذهب إليه من اعتبار الأخطاء المنسوبة للمدعى عليه تجعل من استمراره بالتسيير يشكل ضررا بالشركة والشريك المدعي، إلا أنها كانت قاصرة جدا في الأساس والتبرير القانونيين، حيث كان الأسلم قانونيا ول كذا بغية إعطاء صلابة قانونية للحكم، بناء الحيثية السابقة على العديد من المقتضيات القانونية ذات العلاقة المباشرة بطبيعة الدعوى. كيف ذلك؟

إنه ضمانا لحقوق الأغيار، ولتفادي تعثر الشركة، أورد المشرع المغربي جملة مقتضيات جديدة لتجنب الخلافات بين الشركاء، أو إطلاق يد المسير في تسيير الشركة.

-         فيجوز للشركاء من غير المسيرين التدخل في أعمال الإدارة، والاعتراض على الأعمال التي يجريها المسير إذا تجاوزت حدود العمليات التي هي محل الشركة، أو تضمنت مخالفة واضحة للعقد أو للقانون.

-         وإذا تعدد المسيرون، وكان العقد لا يحدد صلاحيات كل واحد منهم، أو لا يحدد طريقة اتخاذ القرارات فيما بينهم، فلكل واحد من الآخرين حق التعرض على أية عملية قبل إبرامها (ف2 م7)

-         ولا يحق للمسير منافسة الشركة عن طريق القيام بنشاط مماثل لنشاطها، ما لم يحصل على موافقة بذلك من باقي الشركاء. كما أن كل اتفاقية بينه وبين الشركة يجب أن يحصل بشأنها على إذن سابق من الشركاء (ف3 و4 م7).

-         وعلى العموم فإنه لا يسوغ للمسير أن يجري أي تصرف يتجاوز حدود صلاحياته، وعليه أن يبدل في تدبير مصالح الشركة عناية الرجل المتبصر حي الضمير وإلا كان مسؤولا بصفة فردية أو بالتضامن – في حالة تعدد المسيرين – تجاه الشركاء عما أجراه من أعمال مخالفة للقانون أو للنظام الأساسي (ف4 م8).

-         إذا كان يمنع على الشركاء من غير المسيرين التدخل في أعمال الإدارة، فإنهم يتمتعون ببعض الصلاحيات الأساسية التي تتعلق بسير الشركة، منها إعطاء الإذن في شأن بعض أعمال التسيير التي ينص عليها النظام الأساسي في حالة وجودها، وتعيين المسير وعزله وتعديل النظام الأساسي. وعلى الخصوص المصادقة على الموازنة السنوية، ومراقبة مالية الشركة ومراقبة تسييرها، وتعيين مراقبين للحسابات. وتتخذ القرارات بشأن كل ذلك بالإجماع ما لم ينص النظام الأساسي على خلاف ذلك بالنسبة لبعض القرارات (ف1 م9).

وبالتالي كان بإمكان اعتماد المحكمة على هذه النصوص المستمدة مباشرة من قانون 96-5 المنظم لشركة التضامن منح الصياغة القانونية للحكم نوعا من الصلابة المفتقدة في ظل الحيثية المشار إليها أعلاه.

الملاحظة الثانية: أن المحكمة لم تكن صائبة في حكمها عندما استبعدت تماما ما جاء في دفوع المدعى عليه واعتبرت إنه لا علاقة بين تأسيس شركة أخرى والمطالبة بعزل مسير في إطار الشركة القائمة بين الطرفين لأن كل نزاع له قواعده التي تحكمه. ذلك أن تأسيس المدعي لحسابه الخاص شركة تدعى “اسيا كاردن” تقوم بممارسة نفس عمليات ونشاط الشركة، وهو ما يعد إخلالا بالتزاماته العقدية الناتجة عن عقد الشركة، وأن فعله هذا يقع تحت طائلة الجزاءات المنصوص عليها في الفصل 1004 من ق ل ع الذي يعطي الحق للشريك في المطالبة بإخراج الشريك الآخر المخل بالتزاماته، كما أن المدعى خالف مقتضيات الفصل 14 من القانون الأساسي وأيضا مقتضيات المادة 7 فقرة أخيرة من قانون شركات التضامن حيث إنه بصفته مسيرا إلى جانب المدعي عليه يعتبر مسؤولا تجاه هذا الأخير عما قام به من أعمال مخالفة للقانون أو للنظام الأساسي طبقا للفقرة الأخيرة من المادة 8 من القانون المذكور.

فإذا كان نشاط المطاعم يعتبر نشاطا مبتذلا ولا يمكن تمييز مطعم عن آخر إلا من خلال جودة ما يقدمه من مأكولات وخدمات مرافقة، فإنه بالنسبة لنازلة الحال يتميز النشاط الممارس من الشركتين بأنه متخصص في تقديم الأكلات الأسيوية، وهو تخصص يعتبر نادرا ولا يصل إلى حجم ما هو عليه نشاط المطاعم الأخرى، وبالتالي فهو يستقطب عينة خاصة من الزبناء. و مؤدى هذا الأمر، وبحكم تواجد المطعمين في بقعة جغرافية متقاربة، فإن استقطاب الشركة الثانية لزبائن هو في المقابل حرمان للشركة الأخرى منهم، وبالتالي أي نقص في الربح أو حصول خسارة يجب ربطه بنشاط المطعم المنافس، إذ هناك علاقة سببية بين مزاحمة الشركة الثانية والخسارة المحققة. لأجله وجب الحكم أيضا بإيقاف نشاط الشركة المنافسة لإزالة الضرر وهو تعويض عيني يتعين على المدعى في هذه النازلة القيام به لمحو الآثار المستقبلية لتصرفه غير المشروع ومن ثم كان يتعين الاستجابة للطلب.

الملاحظة الثالثة: أنه سواء اعتمدنا الأساس الأول الذي تبنته المحكمة وأورد بحكمها، والمتعلق بثبوت خطأ المدعى عليه بمقتضى الحكم الجنحي الابتدائي مما قد يشكل معه استمراره في التسيير ضررا بالشركة وبالشريك، وكذا باعتماد تحليل عكسي للدفع المرفوض من قبل هيئة المحكمة واعتبار أن هناك علاقة بين تأسيس شركة أخرى من طرف الشريك المسير وبين اعتباره ارتكب خطأ جسيما وخالف نصوص قانونية واضحة في هذا الشأن مما قد يجعله هو الآخر معرضا للعزل، وهنا نصل إلى بيت القصيد، ونقول أنه كان من الأجدر بالمحكمة البحث في مدى توافر شروط تطبيق 1030 و 1056 من ظهير الالتزامات والعقود باعتبارهما يجمعان كل الظروف والملابسات القانونية والواقعية التي أغفلها الحكم المذكور. فالفصل الأول يحدد أسباب العزل المشروعة وهي سوء الإدارة، والخلافات الخطيرة بين المسيرين في حالة تعددهم، والإخلال الجسيم الواقع من المدير في أدائه لمهامه أو استحالة قيامه بتلك المهام، بينما بحسب الفصل 1056 يسوغ لكل شريك أن يطلب حل الشركة، ولو قبل انقضاء المدة المقررة لها، إذا وجدت لذلك أسباب معتبرة كالخلافات الخطيرة الحاصلة بين الشركاء والإخلال الواقع من واحد او أكثر منهم بالالتزامات.

 
بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
 


أعلى الصفحة