القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ احمد اولادعيسى
منتدب قضائي – ابتدائية شفشاون
تحت عدد: 487
تعددت الصيغ والتصورات التي وضعت بخصوص مشروع

إصلاح العدالة, واختلفت التوجهات  والرؤى حول تنزيل برامج الإصلاح في مختلف المحاور, .بيد أن  محور الاستقلالية طرح كمرتكز اجمع الكل على ضرورة تعزيز ضمانات تحقيقه, سواء على المستوى  القانوني اوالمالي اوالتنظيمي.

وتأسيسا على هذا صادق البرلمان على مجموعة من القوانين التنظيمية التي  انسجمت في مجملها  مع تلك التوجهات,  بالإضافة إلى هذا تم طرح مشاريع قوانين تهم  موضوع الاستقلالية(- مشروع قانون التنظيم القضائي . مشروع قانون المسطرة المدنية . مشروع قانون المسطرة الجنائية - )  فكل هذا العمل الذي أعقب النقاش الذي احتدم أثناء مناقشة مشاريع الإصلاح, بالإضافة إلى الجدل الذي أثير  حول منهجية  تدبير الحوار حول الإصلاح( الإشراك – الانفتاح – المشاركة –الفعالية )هذه الضوابط نفدت في حدود ضيقة ,وتم استثناء بعض الهيئات المتدخلة في القطاع قصرا , مما شكل نوعا من عدم الرضي والرفض للصيغ الذي طرحت بها مشاريع القوانين لاسيما فيما يتعلق بالاستقلالية .هذه الاخيرة شكلت نقطة اختلاف جوهرية بخصوص بعض الفئات المشكلة لحقل العدالة ,وتحديدا فيما يتعلق  بالتداخل السلطة القضائية في الجانب التنظيمي الخاضع للسلطة التنفيذية , هذا الجدل سيستمر مع طرح مشروع قانون 17/33 المتعلق برئاسة النيابة العامة من قبل الوكيل العام للملك لدي محكمة النقض .

لقد احتوى هذا  مشروع القانون  على مضامين تجسد بشكل جلي قمت التداخل ولا استقلالية, وتجعل من مفهوم الاستقلالية ذو طبيعة خاصة ليست كما اتفق عليها ضمن مشروع الإصلاح.فما جدوى الفصل 107 من الدستور إن كان مشروع القانون 17/33 يتناقض  مع فلسفته ؟ هذه الإشكالية تدفعنا إلى مناقشة وبحث مكامن التداخل والمس بالاستقلالية في  مشروع هذا النص القانوني ومدي تعارضها مع جوهر الدستور .

*السياق العام لنقل اختصاص وزير العدل الى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض

لم يكن دستور 2011 بنصه على جعل السلطة القضائية مستقلة عن باقي السلط  هو إعلان للنوايا  وفقط, بل كانت غايته  هو تكريس الاستقلالية وإحاطتها بكل الضمانة الممكنة لتحقيقيها. هذه الأخيرة التي شكلت مطلب كل التوجهات والحساسيات المتدخلة في ورش العدالة , والتي عبرت من خلال مذكراتها  في خضم مشروع الإصلاح عن مجموعة من التصورات و والرؤى,والتي تركزت بشكل دقيق في مجملها على استقلال القضاء وفق رؤية شمولية ,  هذه التصورات انسجمت بشكل متناغم مع  الشعارات الكبرى والمبادئ  التي التزمت بها الدولة ( دولة المؤسسات – دولة القانون).

وتجسيدا لهذه المرامي انخرط المغرب في تنزيل هذه المقتضيات, بداء  من وضع مشروع متكامل ومنسجم من حيث المحاور والبرامج (مشروع الإصلاح والشامل والمندمج للعدالة)  حيث ركزت هذه البرامج في شق مهم  منها على مسالة الاستقلالية,  وتحديدا استقلال النيابة العامة عن السلطة التنفيذية,هذه الاخيرة  التي شكلت ولمدة طويلة مساسا بجوهر الاستقلالية , اعتبارا لمركز وزير العدل كسلطة سياسية .

 وقد سبق الإشارة من خلال مقتضيات  الفصل 115 من دستور 2011والتي حددت تركيبة المجلس الأعلى للسلطة القضائية دون وزير العدل, حيث  تبنت هذا الطرح ,وهو ما شكل إشارة قوية ورغبة أكيدة نحو تحقيق الاستقلالية بشكل قطعي ,كما أن الأمر لم يقف عند هذا الحد ,حيث ان مقتضيات القوانين التنظيمية لكل من المجلس الأعلى للسلطة القضائية والنظام الأساسي للقضاة بدورهما انسجموا مع هذا التوجه, واخذوا بمبداء الفصل الكلي عن تدخل السلطة التنفيذية , هذا التراكم  سيترجمه مشروع قانون رئاسة النيابة العامة 17/33 ,حيث احتوى على مجموعة من المواد, الغاية منها تنظيم مؤسسة النيابة العامة وتمكينها من كل الوسائل والإمكانيات لضمان حسن اشتغالها بشكل مستقل ,  فالمشروع مكون من 11 مادة حاول أن يمنح أقصى ما يمكن من هامش الاستقلالية لفائدة جهاز النيابة العامة , حتى تحقق غايتها في تصريف المهام والأشغال وفق منضور مستقل ومنسجم,و في الآن ذاته ينهل المشروع من مضامين الحوار الشامل لإصلاح العدالة , وينسجم  مع روح الدستور وفلسفته. إن الاستقلالية هي مشروع متكامل ومحدد المعالم ,يجعل من القضاء حلقة مركزية في بنية تتداخل فيها مجموعة من الهيئات, لكنه يتخذ أبعادا  متساوية ومسافة مضبوطة بين الكل.  هذا المفهوم له معنى واضح ,وهو أن القاضي تكمن مهمته في  قول القانون والفصل فيما عرض عليه وِفْقه.  مع تحصينه وتمتعه بكافة الضمانات من اجل تحقيق هذه الغاية ,فأي توجه يعكس نقيض هذا المفهوم هو مس بالاستقلالية  . فمنح القاضي صلاحية التسيير والتدبير الإداري والمالي لا طائل منه في ظل الاستقلالية ,ولا يستوي وهذا المبداء بالمطلق ويتناقض بشكل جوهري مع مفهوم الاستقلالية, لكون أن القاضي سيوضع محل مسائلة ومحاسبة من قبل هيئات إدارية تابعة للسلطة التنفيذية, وهو ما سيشكل مساسا بهذا المبداء وسيطرح الكثير من التساؤلات والإشكالات على ارض الواقع, هذا ما سنتولى التركيز عليه في الفقرة التالية عبر استقراء بعض فصول مشروع قانون 17/33.

*أهم الاشكالات المطروحة بخصوص مشروع قانون 17/33

"الاستقلالية مشروع متكامل  وليس مجزئ " تبدو هذه العبارة أكثر إيجازا وإيضاحا لمفهوم الاستقلالية ,فلا يمكن بتاتا تكريس استقلالية القضاء إن لم يكون القاضي مستقلا  : في أداء مهامه وفي تدبير أشغاله .

 إن مشروع القانون 17/33 المتعلق بنقل اختصاصات وزير العدل إلى الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض ينص في المادة 5 منه على" الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض بصفته رئيسا للنيابة العامة  هو الأمر بالصرف ...."  هذا المقتضى له من الدلالات الشيء الكثير, فحسب ما هو متعارف عليه قانونا, فالتدبير المالي والإداري لأي مرفق يُخضع المسؤول عنه للمسائلة والمحاسبة من قبل الأجهزة الرقابية الرسمية  (المفتشية العامة التابعة لوزارة المالية – المجلس الأعلى للحسابات - ) فهذه الهيئات هي تابعة للسلطة التنفيذية إذ لا يمكن بتاتا تصور خضوع القاضي للتفتيش من قبل سلطة حكومية بمناسبة  أداء لمهامه, (تدبيره للأموال عمومية) ويعظم الأمر حينما تكون هناك اخلالات في التدبير والتسيير ؟؟

إن التناقض الذي سيطرحه هذا المقتضى, سيشكل مسا خطير بمبداء الاستقلالية, فكما أسلفنا ذكره أنفا ,أن الاستقلالية هو مبداء شمولي يتجسد  جوهره في كون القاضي لا يمكن أن يطاله التدخل من قبل هيئات غير تابعة للسلطة القضائية, وفي الوقت ذاته لا يمكن للقاضي أن يمارس إحدى المهام المتصلة بالسلطة التنفيذية .

وفي نفس السياق  وعلى ضوء مشروع هذا القانون ,كيف يمكن للوكيل العام أن يحرك متابعته بخصوص الاخلالات المضبوطة من قبل المجلس الأعلى للحسابات  والمتعلقة بتدبير جهاز النيابة العامة المحالة على مكتبه , فكما هو جلي سيصبح الوكيل العام للملك خصما وحكما في الآن ذاته ؟

ومن ناحية أخرى و نظرا للمكانة الاعتبارية  التي يحاط بها وزير العدل باعتباره مسؤول عن تنفيذ السياسة الجنائية حسب مقتضى المادة 51 من ق م ج, فانه وحسب مشروع هذا القانون سيصبح الوكيل العام لدى محكمة النقض هو المسؤول عن السياسة الجنائية ,فهذا التحول له من التدعيات والتبعات الشيء الكثير, خصوصا في جانب المسائلة السياسية والبرلمانية , فمن هذا المنطلق هل سيسائل الوكيل العام أمام البرلمان عن تنفيذ وتطبيق السياسة الجنائية ؟ وهل الدستور المغربي يسمح بمثول الهيئات  القضائية المستقلة أمام الهيئات التشريعية في اطار مراقبة الاداء ؟ هذه الإشكالات سيطرحها الواقع العملي وستمس بشكل ملحوظ الوضع الديمقراطي والحقوقي بالمغرب,خصوصا بعد المسار الطويل والشاق الذي قطعه. إن إخراج هذا القانون يتطلب تبصر ورؤية عميقة وشمولية, تتطلب انفتاح المشرع على كل المتدخلين والمتخصصين, لإيجاد مخرج دقيق لبلورة هذا التصور على ارض الواقع بشكل منسجم, يتماشى والتوجهات الكبرى للإصلاح التي تقتضي احترام وتقديس مبداء الاستقلالية  .                               

بقلم ذ احمد اولادعيسى
منتدب قضائي – ابتدائية شفشاون
 


أعلى الصفحة