القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
تحت عدد: 691
(يجب تغيير كل شيء ،من أجل أن لا يتغير شيء.
(Lampedusa ,le Guépard)

صور البرلمانيين المغاربة وهم ينقلون الحلوى من البرلمان إلى بيوتهم، هي صور جد معبرة(الحلوى المخصصة لحفل الإفتتاح ، كميتها كبيرة وتتجاوز بكثير عدد المدعوين من خلال وجود فائض كبير وبالتالي غياب التوقع والتقدير الصحيح لبعض النفقات بينما نفقات أخرى أساسية تواجه بسلاح غياب الإعتمادات دون أي مبرر عقلاني ومقبول) ، وتؤكد أن الدولة في المغرب قيمتها جد مرتفعة بالنسبة للخدمات التي تقدمها للمجتمع ، وبالتالي الحل يكمن في إخضاع الدولة للتحليل الإقتصادي ، من أجل الإنتقال من الدولة المستهلكة إلى الدولة الفاعلة والدولة التدبيرية، إخضاع الدولة للتحليل الإقتصادي، ليس فقط من أجل تحديد الأجندة بل وكذلك من أجل التفريق بين الأجندة وغير الأجندة، مما يساهم في خلق ما أطلق عليه آيكور وبيل كلينتون سنة1993،إعادة إختراع الحكومة ، والتي إستهدفت خلق حكومة تمشي بشكل جيد(بدل حكومة عاجزة عن الوقوف أو في أحسن الحالات واقفة ولكن للأسف تتفرج) وأقل كلفة(بدل حكومة مستهلكة ومكلفة).

لا تتميز الدولة المستهلكة فقط بكون قيمتها جد مرتفعة بالنسبة للخدمات التي تقدمها للمجتمع ، بل وكذلك بعدم قدرة إقتصادها على النمو وعلى الإبتكار، نظرا لعجز هذه الدول عن تحقيق مجموعة من الظروف الأساسية للإقلاع الإقتصادي، الشرط الأول مرتبط بعدم وجود دولة فاعلة قادرة على تأمين أخطار السوق، أما الشرط الثاني فمرتبط بعدم خلق نسيج قوي من المؤسسات الإقتصادية الموجهة للأنشطة التي تنتج قيمة مضافة عالية، ويبقى الشرط الثالث مرتبط بعدم القدرة على جذب وتثبيت رؤوس الأموال والعقول ،أما الشرط الأخير فمرتبط بغياب الحرية الكاملة للعمل، ( الباحث نيكولاس بافريس)غياب هذه الشروط ،يعني أن هذه الدول تبقى تحت رحمة الشعار المشؤوم-انتظروا الجوع والفقر من خلال نهاية العمل(عدم وجود نمو وعدم وجود إستثمارات، إذا عدم وجود عمل) والضريبة(عدم وجود نمو يعني العجز والمديونية والضرائب الجديدة)-، وللأسف فإن المغاربة اليوم يشعرون أنهم أمام الواقع المر الذي يتميز، بنهاية العمل والمزيد من الضرائب (الضرائب المتدرجة والتي تنضاف من قانون مالي لآخر).

الفقر الذي نعيشه و الذي ينتظرنا في المستقبل من خلال نهاية العمل والضريبة ، هو بسبب الأخطاء المتعددة والطويلة للسياسات الإقتصادية(فشل النموذج التنموي)، وهو نتيجة كذلك لعجز الدولة والدائرة العمومية ،و أساسا النواة الصلبة للطبقة القيادية داخل الدولة عن صنع الحلول.

هذا الوضع المأساوي ليس قدرا محتوما ، بل بإمكان المغاربة مواجهته من خلال البحث عن الحلول ، ولكن البحث عن الحلول يتطلب طرح الأسئلة التالية: لماذا عجزت الطبقة السياسية في المغرب عن إنتاج الحلول ؟ وأين يكمن الخلل؟ وماهي الشروط المطلوبة لتجنب الهاوية؟

(1-دستور 2011،واستمرار الأزمة المؤسساتية في المغرب
على المستوى المؤسساتي يتوفر المغرب على دستور جديد، ولكن الممارسة أثبتت أن هذا الدستور يحمل في طياته دستورين على طرفي نقيض، واحد يرسخ ملكية رئاسية وحكم عمودي ،ودستور آخر من المفروض أن يرسخ ملكية مؤسساتية تحكم بتعاون مع باقي السلط الأخرى في إطار حكامة أفقية وحكامة عامة، تعطي أولوية للتنسيق والتشاور بين المؤسسات في كل ما هو استراتيجي وتقريري ، وتعمل على التفريق بين ما هو تقريري وما هو تنفيذي ،وتهيء الشروط والوسائل من أجل ترسيخ آليات تمكن من المراقبة والتقييم والمحاسبة، للمستوى التقريري والمستوى التنفيذي.

هذا الدستور الذي يحمل في طياته دستورين ، يجعلنا أمام حقيقة مرة ،تتمثل في غياب قانون أساسي ،وعقد سياسي واضح ومفهوم ما بين المواطنين، مما يحرم المغرب من التوفر على نظام فعال لاتخاذ القرار العمومي، ويحرمه كذلك من ترسيخ دولة القانون الفعالة(باعتبارها الشرط الوحيد القادر على منح الدولة استقرارا قانونيا ،سواء في مواجهة الفساد أو في إقرار فعالية الجهاز القضائي وكذلك فعالية اشتغال الجهاز التشريعي وفعالية اشتغال الجهاز التنفيذي وكذلك الإدارة) ، كما أن هذه الأسباب تحرم المغرب من وسائل القوة التي تمكنه من مواجهة الهزات والأزمات في الحاضر والمستقبل .

(2-الطبقة السياسية في المغرب والجهل بعلم الاقتصاد
الإقتصاد يهتم بما نربحه، وبما يمكن ان نشتريه، مما يجعله في قلب حياتنا الاجتماعية، لهذا فان معرفة الاقتصاد هي جزء أساسي من معرفة الاهتمامات الأساسية للشعوب، كما يمكننا الإقتصاد من معرفة ما تعانيه الشعوب من خلال البطالة وتدهور القدرة الشرائية، ولكن وجب التأكيد كذلك ، على ما سبق وأكد عليه السياسي الفرنسي ميشيل روكار، من أن الإقتصاد ليس مجال مفرح لمن يحمله(خصوصا في الدول العاجزة)، فهو مرادف للبطالة والفقر والفوارق والعجز والمديونية، وبالتالي هو مجال مرقم وصريح ومكشوف و معقد ويحمل الحزن معه، لهذا يبتعد عنه بعض الساسة ويرفضون دراسته أو الخوض فيه .

ونستون تشرشل اعترف علانية ، بأنه يجهل الإقتصاد، وبأن الاقتصاد يهزمه، أما رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر، فقد دخلت إلى مجلس العمومي البريطاني وهي تحمل كتاب الاقتصادي حايك la route de la servitude))وخاطبت الحكومة والبرلمانيين قائلة إنني مقتنعة بما يقوله هذا الاقتصادي فريديريش حايك، وسأعمل على تطبيق أفكاره وبالتالي أدعو النواب والحكومة، لقراءة الكتاب لمعرفة الافكار التي سنعمل على تطبيقها جميعا.

أما الرئيس الأمريكي بيل كلينتون فقد رفع في حملته الإنتخابية شعاره القوي –إنه الإقتصاد ياغبي- بل وكتب هذا الشعار في مكتبه ليذكره دائما ، بأن أولوية الناخب الأمريكي هي صحة الإقتصاد، وبالتالي من المفروض على السياسي وبشكل مستمر العمل على تحسين مستوى دخل ومستوى معيشة المواطنين وإلا عليه أخلاقيا أن يرحل.

وبالتالي يلعب العقل الاقتصادي دورا كبيرا، في ممارسة فن الحكم( وأحسن وسيلة لتعلم فن الحكم ،هي القدرة على التعلم من خلال العودة إلى تجارب التاريخ، كما شرح ذلك ميشيل فوكو) ، وكذلك في مساعدة الطبقة السياسية على قراءة الواقع الاقتصادي ومن ثم يساعدها على إقتراح الحلول.

جهل العقل السياسي المغربي لعلم الإقتصاد ، يجعل الطبقة السياسية غير متمكنة من قراءة الوضع الاقتصادي وغير قادرة بالتالي على إقتراح الحلول الصعبة وعاجزة كذلك عن فتح النقاش العمومي ، حول الحلول المقترحة للخروج من الأزمة، وبالتالي غير قادرة على إقناع المواطنين بجدوى الحلول المقترحة.

إذا كان التصريح الذي أدلى به الرئيس البريطاني وينستون تشرشل قد جاء في زمن كان المطلوب فيه معرفة الإقتصاد بالأساس وخصوصا الماكرو اقتصادي ، إلا أن فن الحكم في العصر الحاضر ، صار يتطلب التمكن من اختصاصات جديدة تخص بالأساس المعرفة بالميكرو اقتصاد ، والمحاسبة ومعرفة علم الإحصاء وعلم التدبير لأن تجارب الإصلاح الناجحة تخبرنا أن نيوزيلاندا قامت بإصلاح إعتمد على المحاسبة(وبالتالي إعتمد رئيس الوزراء النيوزيلندي على الطلب من الحكومة والإدارة العمل على بلوغ الأهداف كاملة من خلال إعتمادات مالية أقل وأكد أن الوزراء والإداريين الناجحين هم القادرون على الوصول إلى الأهداف بأقل كلفة ممكنة، وبأن هؤلاء الناجحين يجب تتويجهم أمام الرأي العام الوطني كأبطال وطنيين حافظوا على أموال دافعي الضرائب وعملوا على تحسين الخدمة العمومية، بينما في بلادنا للأسف يقاس نجاح الحكومة بمدى سرعة إستهلاكها للموارد المرخص بها) ،بينما أستراليا إعتمدت على إصلاح ركز على الإقتصاد وعلم الإحصاء، ولكن الطبقة السياسية في المغرب(الطبقة السياسية في المغرب تكره الإحصاء والمؤشرات، وتعشق العموميات والغوغائية ،وقال لي وزير أجنبي أن الأمور بخير) لا تريد مشاكل الإقتصاد والمتمثلة في البطالة والفقر والفوارق وتخصيص الأرباح وتعميم الخسائر وبالتالي لا تريد صراحة وواقعية الإقتصاد، وتعمل بالتالي على تطبيق حكمة المثل الذي يقول كم حاجة قضيناها بتركها(من خلال عدم معرفتها).

3)العقل الاقتصادي المغربي لازال سجين مقولة ليوطي من جهة ورماد أفكار كينز من جهة أخرى
لا زال الاقتصاد المغربي لحد اليوم تحت رحمة الموسم الفلاحي والأمطار ،مما يؤكد أن الطبقة السياسية المغربية ، لا زالت تقود البلد وفق مقولة المارشال ليوطي، الذي عمل كمقيم عام فرنسي في المغرب، من سنة 1912الى سنة 1925،والذي كان قد أطلق عبارته الشهيرة؛ في المغرب ،الحكم يعني التساقطات المطرية:

(Au Maroc, gouverner, c’est pleuvoir)
الداهية ليوطي، كان يؤكد على أن البلد ليس في حاجة إلى استقلال، وانتخابات، وتمثيلية شعبية، وحكومة منتخبة، بل هو فقط في حاجة إلى المطر، لأن التساقطات المطرية تعني موسم فلاحي جيد، والموسم الفلاحي الجيد يعني الحفاض على التوازنات الإقتصادية والإجتماعية.

كما اعتمدت السياسات الإقتصادية في المغرب منذ الإستقلال ،على نظرية كينز والتي تؤكد على تدخل الدولة من أجل إعادة الدوران للعجلة الإقتصادية، وإذا كانت نظريات كينز قد استطاعت العمل بشكل جيد من سنة 1945-1973، إلا أن هذه النظرية تعرضت لضربة قوية بعد الأزمة البترولية، لأن الأزمة هاته أثبتت أن ارتفاع ثمن البترول أدى إلى وجود البطالة والتضخم، مع بروز اقتصاد عالمي متميز بوجود أسواق تنافسية وغير مستقرة ، بالإضافة إلى التأثير الذي أحدثته التكنولوجيات الجديدة على تنظيم العمل وتدبير المؤسسات والمتمثل في فقدان الإشباع في العمل وبالتالي إلى التنافس نتيجة تضخم الكلفة، هذه الوقائع الإقتصادية ،عجلت بتحويل جزء كبير من نظريات كينز إلى رماد.

تحول بعض نظريات كينز إلى رماد ، سيفتح المجال لنظريات جديدة لاقتصاديين جدد ومنهم ، الاقتصادي ميلتون فريدمان، والتي تعتمد على مواجهة تضخم الكلفة ، هذه النظريات استطاعت إقناع جزء مهم من الرأي العام والطبقة السياسية، بل واستطاعت هذه الافكار إقناع مجموعة من القادة العالميين والذين ينتمون إلى اليسار من أمثال طوني بلير وبيل كلينتون(مما يثبت ما سبق وأكد عليه ميشيل فوكو ، حيث قال أنه لا توجد على الإطلاق حكامة اشتراكية مستقلة، وأن التجارب أثبتت بأن الإشتراكية كانت دائما مرتبطة بالحكامة الليبرالية أو الحكامة الإدارية) ، من خلال دفعهم إلى تطبيق بعض هذه الأفكار ، خصوصا وأن جزء مهم من هذه السياسات ساعد هؤلاء القادة على خلق الثروة والفائض الضروري لتمويل البرامج الإجتماعية .

ولكن غياب تيار ليبرالي فعلي في المغرب حرم الحياة السياسية في البلد من نفس جديد للنقاش السياسي المعتمد على الرأي و الرأي المضاد ، مما جعل العقل الاقتصادي في البلد حبيس ثنائية نظرية ليوطي من جهة ورماد نظريات كينز من جهة أخرى، واستثناءا وفي المراحل التي يكون فيها إقتصاد المغرب على حافة الهاوية ، يتم اللجوء إلى الإجراءات النيوليبرالية دون هوية وتيارات نيوليبرالية(الخصخصة-إصلاح التقاعد- ما يسمى بإصلاح صندوق المقاصة....)، مما يثبت أن المغرب بقي عاجزا عن الدخول في نظام اقتصادي جديد ،يؤسس لنموذج تنموي جديد، قادر على خلق الثروة في المغرب .

تحول جزء كبير من نظريات كينز التدخلية وكذلك النظريات النيوليبرالية الجديدة إلى رماد ، جعلهما عاجزين عن خلق الثروة والحفاظ على العقد الإجتماعي، مما رسخ اللايقين في التدبير الكينزي والتدبير النيوليبراليي، و جعل الدول تحتاج إلى طبقة سياسية عالمة ومنفتحة وخبيرة، ومطلعة على الفكر الاقتصادي وتنهل منه ، ما يوافق الظرفية والواقع الوطني ، من خلال تبني النظريات القادرة على تحقيق المخارج والنتائج على أرض الواقع.

وهنا يحضر الشعار الذي رفعة توني بلير في حملته الإنتخابية ،حيث أكد أن تدبير الإقتصاد ليس لا يساري ولا يميني ، بل هو في الأساس إما تدبير سيء أو تدبير جيد ، والتدبير الذي يأخذ بعين الاعتبار هو التدبير الذي يحقق نتائج على أرض الواقع، مما يعني التركيز الأساسي على المخارج .

إن طبقة سياسية حبيسة الماضي ، غير قادرة على صنع الجسور ما بين مغرب الأزمة الذي نعيش فيه، ومغرب النمو والثروة والعيش الكريم الذي يبحث عنه الكل. إن الأمر ليس مستحيل ، بل يتطلب فقط امتلاك فن الحكم والتعلم من تجارب الدول الناجحة .

وقد أثبتت التجربة الدولية أن مجموعة كبيرة من النخب المتشبعة بالتدبير الكينزي، قد تحولت إلى التدبير المعتمد على النتائج والواقعية والحداثة(رايمون بار-جاك دولور-بيل كلينتون-توني بلير....) ، وبالتالي تحولت تلك النخب ومعها مجموعة من النخب الإدارية، من المطالبة بالمزيد من الضرائب والمزيد من الموارد المالية والبشرية، بكل ما يعنيه ذلك من عجز ومديونية، إلى نخب مهتمة بتعزيز سلطتها ومشروعيتها التدبيرية من خلال المخارج والنتائج المرتفعة من خلال موارد أقل، وقدرتها على تحمل المسؤولية عن النتائج، و تعميم التنافس و تعميم التعاقد.

وبالتالي يطرح السؤال متى تخرج الطبقة السياسية في المغرب من سجنها الإفتراضي؟ والمتمثل في الإعتماد الكلي على الأمطار ورماد نظريات كينز، ومتى تتخلص الطبقة السياسية المغربية من ثقافتها المتشبعة بالسياسات التدخلية وسياسة الوسائل والشهية الكبيرة للصرف، والتي لم تنتج إلا العجز والبطالة ، والسياسات السهلة المعتمدة على النفقة اليوم والأداء في المستقبل ، مما يعني العمل على رهن مستقبل أجيالنا من خلال المديونية ؟.

فشل وصعوبة هذا التحول في المغرب ، يكمن فيما سبق وحذر منه كينز من خلال مقولته الشهيرة- حيث أكد أنه ليس من الصعب فرض أفكار جديدة ،ولكن المشكل الأساسي يكمن في التخلي عن الأفكار القديمة-والطبقة السياسية في المغرب، ومن خلال فعلها العمومي على أرض الواقع تثبت أنها عاجزة عن تجاوز الأفكار والمقولات القديمة.

4)- عجز الطبقة السياسية عن إقتراح الحلول الفعالة، يدفعها نحو إنتاج الحلول المعقدة والغير النافعة
الاقتصادي الفرنسي جاك بيشو: أصدر كتابا مهما تحت عنوان التيه من خلال التعقيد ،في هذا الكتاب حاول الاقتصادي الفرنسي ، تطوير نظرية كلما زاد تعقيدنا للأشياء، كلما زادت سلطتنا،،وبالتالي عمد الباحث إلى التركيز على أن الهدف الأول من التعقيد هو كون التعقيد هو الحل الوحيد الذي تملكه الطبقة السياسية التي تعجز عن تقديم الحلول وعن الابتكار ، لأننا عندما نجهل الأشياء ،لا نملك القدرة والاستطاعة ، لإقتراح حل بسيط وسهل ،وبالتالي يتأكد ما سبق وصرح به ليوناردو فانشي -البساطة هي التطور الأسمى-( لنأخذ مثال إصلاح التقاعد، الحل البسيط والأمثل كان هو توحيد الصناديق، ولكن هذا الحل هو حل معقد ، ويتطلب بالتالي ملكات ومهارات مرتفعة ،وهي الشروط التي يفتقدها السياسيون في بلادنا ،وعند ما يشعر السياسيون أنهم عاجزون عن إقتراح الحل الأمثل والبسيط، يتوجهون مباشرة إلى الحلول المعقدة، مما يجعلهم يفضلون القيام بإصلاح يضيف تعقيد على التعقيدات الموجودة أصلا، هذه الإصلاحات المعقدة والمكلفة، جعلت الزوج يحال على التقاعد في سن الستين بينما زوجته فتتقاعد في سن الثالثة والستين رغم أنهم ينتمون لنفس الإطار، لا لشيء إلا لكون انظمة التقاعد مختلفة، فأين هو مبدأ المساواة الدستوري، هذا دون أن ننسى أن هذا الحل هو حل ترقيعي وضرفي ولا يحل بشكل جذري التوازن المالي لصندوق التقاعد).

أما السبب الثاني للتيه حسب الباحث جاك بيشو: فيمس المستوى الأدنى في التراتبية الإدارية ،حيث أن كل وزير في الحكومة يريد القيام بإصلاحات تحمل إسمه وبصمته ،ولكنه لا يملك المعرفة والقدرة على ذلك وبالتالي يضطر للإستنجاد بكبار الموظفين داخل الإدارة، هؤلاء يتحينون الفرصة السانحة لتمرير ما يريدون من خلال تعقيد الإصلاحات ،وذلك نظرا لأن الحل في نظرهم يكمن في التعقيد ، فالوزير مع التعقيد لن يفهم أي شيء وسيضطر بالتالي للموافقة لأنه عاجز عن القول أنه لم يفهم شيئا لكبار موظفيه.

التعقيد في المغرب يتضح جليا كذلك من خلال عملية الخصخصة في نهاية الثمانينيات ، إذ ورغم غياب تيارات ليبرالية فعلية في المغرب ،فإن الأحزاب في المغرب بمختلف تلاوينها، تبنت الخصخصة مما يثبت تبنيها لأدوات ليبرالية دون هوية ليبرالية، (وهنا يكمن الخطر نخصخص دون إستراتيجية فنبيع مؤسسات عمومية، كلفت الكثير بالفتات ونعيد إنشاء مؤسسات عمومية باعتمادات جديدة مكلفة) ، كما يتجلى التعقيد كذلك من خلال القيام بالخصخصة وما تتطلبه من بيع مؤسسات عمومية، وفي نفس الوقت القيام بإنشاء مؤسسات عمومية جديدة بدون أن يتمكن المواطن المسكين من معرفة ما يجري ولماذا؟ وما الفائدة المرجوة من ذلك ؟.

يتجلى التعقيد كذلك في تمويل برنامج المغادرة الطوعية(من أجل التخفيض من النفقات المخصصة لأجور وتعويضات الموظفين) والذي هم ما يقارب الأربعين ألف موظف ،ومباشرة بعد ذلك القيام بتوظيفات كبرى عملت على تعويض وتجاوز أعداد من غادروا ، ويتجلى التعقيد كذلك في بناء سدود كبيرة ،بينما الساكنة الإجتماعيية القريبة من السدود تعيش العطش في الصيف،(سد الوحدة نموذجا)، ومحرومة من الري.

كما أن مرض التعقيد هذا، هو الذي يجعل التوافق داخل السلطات العمومية وداخل الأغلبية البرلمانية، وفي حوار السلطات العمومية والفرقاء النقابيين والمجتمع المدني ،يفشل لأن الكل غير قادر على إقتراح الحلول ويلجأ بالتالي إلى التعقيد، حتى يثبت سلطته، وهكذا يساهم الكل في تحريك الماكينة التي تنتج التعقيد فقط، وبالتالي يغيب الحل ويستمر الستاتيكو ويستمر التأزيم.

5)-الإصلاحات التي لا يهضمها الجهاز التنفيذي والإدارة، مصيرها الفشل
أقدم المغرب بعد المصادقة على الدستور الجديد، على تنزيل مجموعة من الإصلاحات الإستراتيجية ،والتي كان من المفروض أن تفتح للمغرب بابا على المستقبل ،حيث كان المطلوب من القانون التنظيمي للمالية، أن يفتح الباب على تدبير عمومي جديد فعال ومرقم وتقنيات تدبيرية معتمدة على النتائج ، بينما أنتج الإصلاح على أرض الواقع قانون تنظيمي جديد تم استيعابه من طرف القانون التنظيمي السابق لسنة 1998والمرتكز على سياسة الوسائل.

أما القانون التنظيمي للجماعات الترابية، فكان المفروض فيه أن يعمل بالأساس على التفريق بين الطبقة السياسية المحلية والطبقة السياسية الوطنية، ويفتح الباب على مغرب الجهات ومغرب الحكومات المحلية، بينما رسخ الإصلاح على أرض الواقع دمج الطبقة السياسية الوطنية مع الطبقة السياسية المحلية، فلا أبدعت هذه الطبقة السياسية في التدبير المحلي ولا أبدعت في التدبير الوطني ، وبالتالي أقصى ما رسخه القانون التنظيمي الخاص بالجماعات الترابية على أرض الواقع هو نصا يستهدف تنفيذ السياسات الوطنية بشكل مرن.

القانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة، كان إصلاحا مطلوبا منه، أن يجعل الفعل الحكومي منفتح على الديمقراطية والإختلاف، وأن يرسخ التصويت داخل المجلس الحكومي، وأن يفتح الباب على شروط تمكن من ترسيخ مؤسسة رئيس الحكومة ومؤسسة الحكومة، وأن ينص على المحاضر التي توثق المواقف ،حتى يفتح الباب على المحاسبة السياسية والمحاسبة الشعبية ،بينما رسخ لنا النص مجلسا حكوميا عبارة عن صندوق لمشاريع المراسيم المطلوب توقيعها، ولتؤكد من ذلك يكفي الإطلاع على جدول أعمال المجلس الحكومي .

وفي الأخير عجز القانون التنظيمي المتعلق بالحق في الوصول إلى المعلومة ، عن نقل الدولة من الدولة السرية إلى الدولة المفتوحة، حيث رسخ النص على أرض الواقع حق المرتفق في طلب بعض الوثائق .

فشل هذه الإصلاحات كان بسبب تخوف الجهاز التنفيذي والإدارة، من أن تمس هذه الإصلاحات بامتيازاتهم ومصالحهم ، وبالتالي لم تقف جيوب المقاومة هاته موقف المتفرج من عملية الإصلاحات، بل عمل الجهاز التنفيذي والإداري على تحييد وعدم هضم الإصلاحات التي تمس وضعيته وامتيازاته(وكما قال السياسي الفرنسي بيير جوكس ،فإن الإصلاحات التي لا تهضم من طرف الجهاز التنفيذي والإدارة تعرقل أو يتم استيعابها وبالتالي لا تنفذ).

تحييد وتجميد هذه الإصلاحات ، تم من خلال استعمال الحكومة مجموعة من الأسلحة، منها: الخصوصية المغربية ،والتشبث بالاستقرار. واستعملت الحكومة المغربية كذلك، مورد القانون الذي تتحكم فيه بشكل كبير وللأسف فإن الحكومة في المغرب صارت مشرعا تنظيميا( القانون التنظيمي) بامتياز ،بحيث لا يخلو أي قانون تنظيمي من إحالة على مرسوم أو منشور(مما يدعونا إلى التحسر عندما نرى اتفاقات في التجارب الدولية على عدم التدخل الحكومة في القوانين التنظيمية من خلال المراسيم أو المناشير، وعلى ضرورة تقيد كل المؤسسات بالإختصاصات المحددة لها في الدستور)، سواء من خلال صياغة مشاريع القوانين التنظيمية(التحكم في مرحلة التهيء، مما يضمن صياغة النص بأريحية وعدم المس بتوازن المصالح ،وبلغة القانونيين الحفاظ على الحقوق المكتسبة) أو من خلال مساندة وجهة نظرها في البرلمان بواسطة الفعل الأغلبي(التحكم في مرحلة المصادقة)، أو بالتحكم المطلق في القانون المشتق(التحكم في مرحلة تفويض التنفيذ من خلال المراسيم والقرارات).

وستعتمد الحكومة كذلك على مورد المعلومة(التحكم في المعلومة المرتبطة بالوقائع على الأرض)، والذي تتحكم فيه بشكل كلي، ومورد التنظيم من خلال توافق الحكومة مع مجموعة من الفاعلين. وبالتالي يتضح أن حتى الإصلاحات المصادق عليها والتي تحمل جزء بسيط من الحلول المطلوبة للإصلاح، يتم الإنحراف بها عن الأهداف المطلوبة والمرجوة، كأنما قدر المغرب أن يعيش في مرحلة الستاتيكو والتي تقود عمليا إلى المزيد من التأزيم، لأنها الوضعية الوحيدة القادرة على الحفاظ على مزايا الطبقة السياسية المغربية ،ولأنها كذلك الوضعية، التي تمكن كذلك الحاكمين من تثبيت سيطرتهم على مفاصل السلطة.

)-في غياب الأفكار والحلول، يحظر الستاتيكو و تستمر الأزمة
في غياب الأفكار والحلول، يختفي صراع الرأي والفكر لصالح التوافق، وفي حضور التوافق تتجسد الحلول القليلة والضيقة،- muni choix-، وبحضور الحلول الضيقة، تتوحد آليات الفعل، عند مجموع الطبقة السياسية، وبالتالي لا نجد أي فرق في الفعل بين حزب وآخر ،عندما يتحملون مسؤولية تدبير الشأن العام، لأنهم في كل الحالات يعتمدون جميعا، على اقتطاعات مرتفعة من جيوب دافعي الضرائب، ويعتمدون كذلك على نقل المصاريف من ولاية لولاية ومن قانون مالي لآخر(ويمكن للمتتبع أن يلاحظ ذلك من خلال مشروع القانون المالي للسنة المقبلة)، باختلافات بسيطة وهامشية مرتبطة، بتلبية مطالب الزبائن السياسيين المختلفين و الموجودين في كل حزب، والذين يمثلون النواة الانتخابية الصلبة لهذه الأحزاب.

وبالتالي قد لا تتجسد الحلول في الدعوة لانتخابات جديدة، أو البحث عن حزب متصدر جديد، لان كافة الأحزاب تنهل من نفس مخزن الأفكار(ليوطي-كينز-وعند الأزمة بعض الإجراءات النيوليبرالية، ومن ثم العودة إلى ليوطي وكينز) الضيق والهامشي والبئيس، بل المطلوب بإلحاح هو ثورة فكرية وعلمية داخل الطبقة السياسية المغربية تجعلها قادرة على طرح الحلول والبدائل القابلة للتطبيق، والتي تحقق نتائج على أرض الواقع.

غياب الأفكار والحلول لدى الطبقة السياسية المغربية ، تجعل المتتبع لطروحات الطبقة السياسية في المغرب ، يلاحظ أنها لا تتوفر على جبهات سياسية تمكن المتتبع، من التفريق بين جبهة يمينية ليبرالية وتدبيرية ،وجبهة يسارية تدخلية ومدافعة عن تصور قانوني للوظيفة العمومية ، وبالتالي تتوحد الطبقة السياسية المغربية حول حماية وإنقاذ النموذج المغربي للخدمة العمومية والذي تم إرسائه منذ عهد الحماية.

غياب الأفكار الجديدة لدى الطبقة السياسية ، تجعل البرلمان المغربي غير قادر على القيام بمهامه التشريعية والرقابية والتقييمية، خصوصا وأن الأفكار والحلول من المفروض أن تأتي من التمثيليات السياسية، لأن البرلمان يعتبر سلطة تمثيلية ، ونعني بالتمثيلية، تمثيلية للإيديولوجيات و تمثيلية للحلول التي تتصارع من خلال الافكار، حتى يستطيع هذا البرلمان الحسم في الحلول الخاصة بالأزمات التي يعيشها البلد، من خلال التركيز على الحل المطابق أو الأقرب للمصلحة العامة.

العجز الكبير عن تحديد المصلحة العامة ، يجعل البرلمان فريسة سهلة أمام اللوبيات التي تتردد باستمرار على أروقة البرلمانات الضعيفة عبر العالم، وتعمل هذه اللوبيات على تحويل البرلمانات الضعيفة من خدمة المصلحة العامة إلى خدمة المصالح الخاصة باللوبيات (فالمواطن اليوم ،يجد نفسه ضعيفا، ليس أمام المصلحة العامة، بل أمام اللوبيات التي تحكم فعليا وتشرع فعليا، لوبيات المحروقات، لوبيات المدارس الخصوصية، لوبيات العقار، لوبيات الصناعة الغذائية، لوبيات المصحات الخاصة، لوبيات الأبناك ،لوبيات المساحات التجارية الكبرى ،لوبيات المؤسسات العمومية التي انتقلت من تقديم خدمة رديئة إلى تقديم خدمة تحصد أرواح المواطنين –فاجعة القطار مؤخرا-وقس على ذلك).

العجز تجسد كذلك على المستوى الحكومي ، من خلال عدم قدرة الحكومة على تجسيد كونها سلطة الخبرة والحلول والتواصل، هذا العجز جعلها فريسة سهلة أمام اللوبيات، وتخبرنا التجارب الدولية ، أن هذه اللوبيات لا تمل من التردد على الغرف السرية للوزارات، وأن الخطر الكبير الذي يتهدد المغرب هو رضوخ واستسلام السياسي والاداري لوحش الاقتصاد والسوق واللوبيات المرتبطة بهما، مما يمثل خطرا كبيرا على البلد ، واستمرارية مؤسساته الدستورية وسلمه الاجتماعي ،وينقل الوضع من مرحلة الستاتيكو إلى مرحلة الدخول في المجهول.

الخلاصة:
كان أمل المغاربة أن يكون دستور 2011، هو نقطة إنطلاق الإصلاح الفعلي والحقيقي ،وذلك لأن إصلاح الدستور يعتبر كقبعة الإصلاحات ، وكان من المفروض أن تفتح قبعة الإصلاحات ، الباب على مصراعيه من أجل إصلاحات أخرى، سواء تعلق الأمر بالإصلاحات عن طريق القوانين التنظيمية ،أو الإصلاحات عن طريق القوانين ، والتي كان من المفروض أن تمهد الطريق للإصلاحات البنيوية التي من المفروض أن تعمل على بث الروح في التنظيمات من خلال التجميع والفعالية وخدمة المواطن، ومن ثم الإصلاحات التنظيمية والتي كان مطلوب منها أن تعمل على تطبيق طرق جديدة في التدبير الحديث، وخصوصا و أن الدولة في المغرب تصنف كمدبر(جد) سيء، ولكن وكما أكدت الباحثة البرازيلية صرفيا أورنك، فإن الحلول التي جاءت بها الطبقة السياسية كانت حلولا تبحث عن المشاكل وليس حلولا للمشاكل الموجودة.

البحث الفعلي عن الحلول ، كان يتطلب من الطبقة السياسية المغربية ،أن تعمل على تجربة وصفة(خصوصا من خلال عجزها عن إبتكار وصفة فعالة للإصلاح وقابلة للتطبيق وتحضى بدعم شعبي) الباحث الفرنسي فرانك مورداك لإصلاح الدولة، وصفة الباحث الفرنسي ركزت على إقتراح الحلول المتعلقة بإصلاح الدولة، أولا من خلال الانضباط الميزانياتي ،حيث تعمل الدولة على التخفيض من الوسائل المالية والبشرية من أجل فرض الإصلاح من خلال الضغط على الوسائل ،وهي من الوسائل التقليدية للإصلاح، ولا تمس بالتوازن المصلحي بشكل جذري.

كما طالب الباحث بإصلاح الدولة ، من خلال التدبير والذي يتوخى الإصلاح من خلال تطوير التدبير التنظيمي للدولة من أجل البحث عن الفعالية ،وركز الباحث كذلك على مطالبة الطبقة السياسية، بتنزيل الإصلاح من خلال التبسيط(تبسيط المساطر والإجراءات)، وطالب الباحث الفرنسي الطبقة السياسية، بالقيام بإصلاح الدولة من خلال نقل المسؤوليات والسلط، من خلال التنزيل الفعلي لمغرب الجهات وتنزيل اللاتركيز الإداري ،وشدد الباحث كذلك على ضرورة القيام بإصلاح الدولة من خلال المهام، وهو إصلاح مهم يعتمد على جعل الدولة تركز على المهام الأساسية،( لأن الدولة التي تطمح لفعل كل شيء لا تفعل شيء)، عبر القيام بإعادة تحديد مهام الدولة، كما شدد على دور وأهمية الإصلاح من خلال الميزانية عبر التنزيل الفعلي للقانون التنظيمي للمالية، وفي الأخير شدد الباحث فرانك مورداك ،على أهمية الإصلاح من خلال التقييم(تقييم كل المؤسسات الدستورية-تقييم كل الإدارات-تقييم كل المؤسسات والشركات التي تملكها الدولة أو تساهم فيها، التقييم من خلال الإجابة عن سؤال ما جدوى هذه المؤسسات ؟ماذا تقدم للمواطن؟ هل منفعتها توازي كلفتها؟ هل من الممكن تخريجها أو خذفها أو دمجها؟) والتقييم وإعادة التقييم.

غياب تقديم الحلول من طرف الطبقة السياسية المنتخبة بشكل سيء(بالنظر إلى نسبة المشاركة)، والرفض المعلن للإصلاح المتدرج، من خلال الرفض القاطع لأية تفكير حول إعادة تحديد مهام الدولة، و الجنوح نحو الترتيبات الداخلية بين الطبقة السياسية بعيدا عن الرأي العام، والتركيز على سياسة توسيع شبكة الزبناء السياسيين من خلال توزيع الريع ، يؤكد أن الطبقة السياسية في المغرب تفضل القيام بكل ما يلزم من أجل الإستمرار في الحكم ،من خلال عدم الحكم.

الإستمرار في الحكم من خلال الجمود والستاتيكو، ومن جهة أخرى الإستمرار في شراء السلم الإجتماعي من خلال مزيدا من الإعتمادات(في ضل العجز والمديونية وغياب النمو والحلول) ، بينما في التجارب الدولية الحلول لم تركز على مزيد من الإعتمادات، بل الشعار المركزي الذي رفع في التجارب الدولية وكان من المفروض أن يرفعه المغرب كذلك هو-Welfare to Work- أي ضرورة الإنتقال من المساعدة الإجتماعية إلى العمل، وكذلك شعار لا حقوق جديدة دون مسؤوليات جديدة-مع تطبيق هذا الشعار على الكل سواء تعلق الأمر بالمؤسسات الدستورية أو التقريرية أو المؤسسات التنفيذية أو السلطة القضائية أو السلطة التشريعية أو الإدارة أو المواطن، لأننا نعيش داخل سفينة تنزف وتهددنا جميعا بالغرق، ولكن للأسف أصبنا جميعا بمرض الأنانية أمام الوسائل والإعتمادات.

إن مواجهة أية مشاكل تعترض البلد من خلال سياسة الإعلان عن نفقات عمومية جديدة ، يعني الإعتماد ،على ما سماه بعض الباحثين، بقوة الضرب الميزاناتية LA Force de frappe budgétaire))رغم أن المغرب لم يتوفر أبدا على فائض ميزانياتي كبير يتيح له التوفر على هذه القوة الميزاناتية الضاربة(ولكنه وهم القوة الميزاناتية لدى الطبقة السياسية المغربية) و إعتبار ذلك هو الحل الأمثل لأي مشكل يعترضنا ، في ضل غياب نمو فعلي مقبول، و رغم العجز والمديونية المرتفعة ، يؤكد أن الطبقة السياسية في المغرب و أمام غياب الحلول والأفكار ، إختارت نهج سياسة النفقة اليوم والأداء تتكفل به الأجيال والحكومات القادمة، هذا الخيار هو خيار الساسة العاجزين ،وكلفته المستقبلية باهظة لأنه يكرس الموت البطيء للدولة والمجتمع ويرهن الأجيال القادمة .

خيار الانتحار ببطيء وخيار البقاء في غرفة الإنعاش، وخيار حافة الهاوية ، تم التصدي له في التجارب الدولية ، من خلال جزء من الطبقة السياسية والتي عملت على توضيح الصورة السوداوية(وضرورة العلاج بالصدمة) ، حيث صرح وزير الميزانية في فرنسا لسنة(2002-2004)، ألان لومبير قائلا ،سأبعث لكل مولود فرنسي بطاقة تهنئة -مكتوب فيها مرحبا بك يا صغيري في الدولة، ولكنك مدين لهذه الدولة ب 16000أورو-،(لأن من يطالب بمزيدا من النفقات دون وجود موارد هو كمن يحكم على الأجيال القادمة بالتعاسة والموت من خلال أنانيته).

أما الإقتصادي الفرنسي جاك أطالي، فقد ذهب أبعد من ذلك في توصيف الوضعية التي توجد عليها الدولة الفرنسية: حيث أكد أن الدولة صارت اليوم على شكل تيتانيك تنزف من عروقها الأربع.

كان المطلوب في المغرب تمرير جزء كبير من الإصلاحات بالقوة والسياسة والأغلبية البرلمانية(وفقط جزء بسيط من الإصلاحات يمكن تمريرها من خلال التوافق) ،عن طريق الصدمة ، لأن آخر العلاج هو الكي(مطالبة الطبقة السياسية بعقد سياسي يحدد نسب صارمة للعجز والمديونية، وإمكانية تضمين ذلك في الدستور أو القانون التنظيمي للمالية) إصلاح ريع البرلمان والوزراء، إعادة النظر في تضخم الهياكل في الإدارة، تجفيف كل منابع الريع ،سياسة جريئة في محاربة الفساد.... ) ، وبالتالي كان المطلوب إصلاحات سياسية من فوق تفرض على الطبقة السياسية من طرف السلطة الملكية لأن انتظار الإصلاحات من داخل العائلة السياسية (لأن المعروف أن أقصى ما تفعله العائلات في البلد هي إقتسام الإرث، وهذا ما تعودت عليه الطبقة السياسية في المغرب للأسف) هو أمر مستحيل في الوضع الحالي.

وفي الأخير وجب التأكيد، أن طموح المواطنين المغاربة في وجود سياسات عمومية لها تأثير فعلي على قدرتهم الشرائية وقادرة على خلق فرص للشغل، هو طموح غير قابل للتطبيق، في ظل وجود طبقة سياسة إختارت إستراتيجية الحكم من خلال عدم الحكم ، وإختارت إستراتيجية التفرج على الأحداث ،واختارت استراتيجية الإستقالة الفكرية والسياسية، ومن خلال رفض الطبقة السياسية لنهج الإصلاح ، فإنها فعليا تمهد الطريق نحو الفوضى، فلك الله يا وطني.

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
 


أعلى الصفحة