القوانين

بقلم ذ سعيد تمّام
باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، جامعة الحسن الثاني المحمدية
تحت عدد: 610
أصدَرت المحكمة الدستورية بتاريخ 06 مارس 2018، قرارها رقم 18/70 بشأن البتّ في دستورية القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلّق بتحديد شُرط وإجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور، وبالنظر لأهمّية القرار المذكور

، التي تعود أصلاً لأهمية القانون التنظيمي المومأ إليه، باعتباره يُنظِّم آليةً جديدة للرقابة البعدية على دستورية القوانين، التي تُشكل إحدى أهم مستجدّات دستور 2011، فلا بد من الوقوف عند هذا القرار، سيما وأنه أعاد التذكير بقواعد دستورية، سبق للقاضي الدستوري المغربي أن نبّه إليها في قرارات سابقة، منها ما يعود إلى 18 سنة، مثل قاعدة "تجنُّب الإغفال التشريعي"، كما قدّم هذا القرار دروساً أخرى، ستصير أحكاماً، لا تقبل الطعن من أي جهة، حين إقراره بمخالفة "نظام التصفية" للدستور، وإقرار حق النيابة العامة في الدفع بعدم الدستورية، كما سنبيّنه على النحو التالي:

أولاً: قاعدة "تجنُّب الإغفال التشريعي"
صرّحت المحكمة الدستورية، في قرارها المذكور، حين نظرها في المادة 14 من القانون التنظيمي السالف الذكر، بمخالفة هذه المادة للدستور، والتي تركت للنظام الداخلي للمحكمة الدستورية، المنصوص عليه في المادة 43 من قانونها التنظيمي رقم 066.13، صلاحية تحديد الإجراءات المتعلقة بالبتّ في عدم دستورية قانون أمامها مع مراعاة القواعد الواردة في المواد من 16 إلى 24 (من القانون التنظيمي رقم 86.15)، وعِلّة المحكمة في رفضها لهذا المقتضى التشريعي، كونُ "إحالة القانون التنظيمي على النظام الداخلي للمحكمة الدستورية، لتحديد قواعد تتعلق بالدفع المثارة أمام المحكمة المذكورة، بخصوص المنازعة في انتخاب أعضاء البرلمان، ، يُعد تخلّياً من المشرّع عن ممارسة اختصاص موكولٌ له حصراً بمقتضى الدستور".

وخلُصت المحكمة الدستورية إلى أن ذلك يُشكل "إغفالاً تشريعيا" بعدما أبرزت في تعقيبها على رفضها لمقتضيات المادة المذكورة، "غياب أحكام مرتبطة بتطبيق حقوق وضمانات دستورية، لا سيما ما يتعلق منها بإجراءات التقاضي وحق الدفاع".
وبناء عليه، تجدر الإشارة إلى أن هذه القاعدة، أو هذا التنبيه الصريح الذي وجّهه القاضي الدستوري، للمشرّع بوصفه تخلّى عن اختصاص موكول له حصراً بمقتضى الدستور، أي لم يقُم بما يخوّلهُ إيّاه اختصاصه، ليس مستجدّاً، بل يعود إلى سنة 2000 حين نظر المجلس الدستوري، بموجب قراره رقم 382 بتاريخ 15 مارس 2000، في المادة 142 من القانون رقم 97-15 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية، ، حيث أقرّ المجلس بمخالفة أحكام المادة المذكورة للدستور، مادام المشرّع بموجبها أحدث أحوالاً للتنافي بين وضعية الشخص الذي لم يؤدّ ديوناً عمومية مستحقّة ومزاولة مهمة رسمية أو تمثيلية وبرّرها بـ تخليق الحياة العامة"، فإنه لم يُضمِّن هذا العمل القانوني القواعد الجوهرية التي كان عليه سنّها بالنظر لطبيعة المادة وصفة الاختصاص الممنوحة له من لدن الدستور.....

وتأسيساً على ذلك صرّح المجلس الدستوري، بأن المُشرّع لم يُمارس في هذه النازلة كل ما يُخوّله إياه اختصاصه، ووجّه من خلال ذلك تنبيهاً صريحاً للمشرع بتجنُّب التّخلّي عن اختصاصه، الذي تخلّى عنه مرّةً أخرى بمناسبة تصويته على أحكام المادة 14 من القانون التنظيمي رقم 86.15، لتُعيد المحكمة الدستورية تذكيره بالحرص على تجنّب الإغفال التشريعي، وعدم تخلّيه عن اختصاص موكول له حصراً بمقتضى الدستور.

ثانياً: قاعدة خُصوصية القضاء الانتخابي وتكامله مع القضاء الزجري أعادَ قرار المحكمة الدستورية، ولو بشكلٍ عابر، التذكير بهذه القاعدة البالغة الأهمية، التي سبق أن وردت في قرار المجلس الدستوري رقم 644 بتاريخ 18 يوليو 2007،

حيث قضى بإلغاء نتيجة انتخاب، بعمالة مراكش، بناء على وقائع حدّدها في مناورات تدليسية وممارسات لا قانونية أثناء الحملة الانتخابية أو عند الإعداد لها، واستغلال بعض المرشحين كل الظروف الاجتماعية من مواسم ومناسبات لاستمالة أصوات الناخبين، رغم صدور حكم عن محكمة الاستئناف يقضي بعدم مؤاخذة الضنين، وعلّة المجلس الدستوري في إقرار عدم تعارض قراره الذي يلغي نتيجة الانتخاب وحُكم محكمة الاستئناف الذي لم يُدن المعني بالأمر، بناء على نفس الوقائع، كونُ هذا الاختلاف يؤسِّس في نفس الوقت خصوصية القضاء الانتخابي وتكامله مع القضاء الزجري، حيثُ الأول يُصرّح بإلغاء الانتخاب باعتماد الشك المؤسس على وقائع تمّ التحقيق فيها، والثاني لا يتّخذ قراره بالإدانة إلا باعتماد اليقين.

إن قرار المحكمة الدستورية الذي نحن بصدده، حين قضائه بدستورية إدراج المُشرّع لحالة الطعون الانتخابية ضِمن القضايا المعنية بتطبيق أحكام الفصل 133 من الدستور، بموجب الفقرة الأولى من المادة 3، استَنَدَ في ذلك إلى قاعدة سابقة، حينما أعاد التذكير بأن "نظر المحكمة الدستورية يتوقّف على التحقُّق من صدقية ونزاهة العملية الانتخابية، دون البتّ في دستورية الأحكام أو المقتضيات المطبّقة على النزاع"، وهو ما كان قد توسّع في بيانه قرار المجلس الدستوري المومأ إليه أعلاه، رقم 644، حينما قال بأن المجلس الدستوري عند ممارسته لاختصاصه في المجال الانتخابي، فإنه ينظر في الطعون المُحالة عليه، بوصفها طعوناً مُوجَّهة ضد الانتخاب قصد الحصول على إلغاء نتيجة، وليس ضد الشخص المُعلن عن انتخابه، أي أن مهمة القاضي الدستوري تنحصر في البت في صحّة الانتخاب ، دُون أن تَشْمل هذه المهمة المعاقبة الجنائية لُمرتكبي الأفعال المعتمدة لإلغاء الاقتراع، الذي يبقى النظر فيها موكولاً للقضاء الزجري.

ثالثاً: وُجوب تبعِية مذكرة الدفع بعدم الدستورية للدعوى الأصلية
صوناً من المحكمة الدستورية، للمقتضيات الدستورية المتعلقة بحقوق الدفاع، وفق ما نصّت عليه الفقرة الأخيرة من الفصل 120 من الدستور (حقوق الدفاع مضمونة أمام جميع المحاكم)، وذلك تكريساً لقاعدة "الانسجام التشريعي" نبّه المُشرّع إلى وُجُوبِ تفسير الاختيار الوارد في المادة 5 من القانون التنظيمي، درءً لأي تأويلٍ، يُبنى على أحكامٍ أخرى من القانون، يكون مُجانباً للقصد الذي ارتضاه المُشرّع.

إن المادة المذكورة، نصّت على أنه " يجب، تحت طائلة عدم القبول من قبل المحكمة المعروض عليها النزاع، إثارة الدفع بعدم الدستورية بواسطة مذكرة كتابية...."، وهو ما يبدو من خلال قرار المحكمة الدستورية، أنه مقتضى غامض، قد يؤل بأن إثارة الدفع بعدم الدستورية يُتيح للطرف المعني الخيار بين توقيعه شخصياً على مذكرة الدفع أو رفعها من قبل محام، و بناء عليه دعت المحكمة الدستورية إلى أن "الدفع بعدم الدستورية، يتبع الدعوى الأصلية بخصوص ما تتطلّبهُ من موضوع الاستعانة بمحام، فتكون إجبارية الاستعانة بمحام في الحالة التي تُوجب الدعوى الأصلية ذلك، في حين يكون للمعني بالأمر الحق في توقيع مذكرة الدفع، إذا كانت الدعوى الأصلية التي أُثير بمناسبتها معفية من تطبيق قاعدة الاستعانة الوجوبية بمحام،" أي وُجوب تبعية مذكرة الدفع بعدم الدستورية للدعوى الأصلية.

ومن باب تقريب قرارات القضاء الدستوري من بعضها البعض، لاستنتاج قاعدة، تجدر الإشارة، إلى أنه لمّا كان هذا المقتضى الذي دعت المحكمة الدستورية إلى تفسيره، أو بالأحرى كشفه، يُشكل في جوهره دفاعٌ من القضاء الدستوري على صون حقوق الدفاع، وعدم تقييده بأقل القيود، التي قد تنتُج عن تعسّفٍ في التأويل، من أنْ يتم اعتبار أنّ مذكرة الدفع بعدم الدستورية تكون وُجوباً موقعة من قبل المعني بالأمر في جميع الحالات، أو ووجوباً من قبل محام، دون اعتبار لإجراءات الدعوى الأصلية، فقد سبق للمجلس الدستوري بموجب قراره رقم 943 بتاريخ 25 يوليو 2014، حين نظره في الفقرة الأولى من المادة 35 من القانون التنظيمي رقم 066.13 المتعلق بالمحكمة الدستورية إلى إقراره مخالفتها لأحكام الدستور، لمّا اشترطت المادة المذكورة، تقديم عرائض الطعن في صحّة الانتخاب أمام المحكمة الدستورية، من طرف محام.

رابعاً: المحكمة الدستورية تُخلّص الدفع بعدم الدستورية من معيارية النموذج الفرنسي
أرسى قرار المحكمة الدستورية، بمناسبة تحديده، من جهة أولى، لأطراف الدعوى، المنصوص عليهم في البند (ب) من المادة 2، وبمناسبة بتّه في دستورية المواد 6و10 و11 (المقتضيات المتعلقة بنظام تصفية الطلبات)، اجتهاداً مُهمّاً، كأنه استجابةً لتخوف بعض أعضاء لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان في مجلس النواب، الذين أعربوا عن "تخوّفهم من التقيّد بالتجربة الفرنسية..." ودعوا إلى "ضرورة تنزيل الفصل 133 من الدستور بشكل يقطع مع التجربة الفرنسية..."، وِفق ما هو وارد في تقرير اللجنة النيابية المذكورة.

في ما يخص حق النيابة العامة في الدفع بعدم الدستورية *
قضى قرار المحكمة الدستورية، بمناسبة نظره في المادة 2 (البند ب)، بمخالفتها لما قرّرته الفقرة الأولى من الفصل 133 من الدستور، التي جعلت الدفع بعدم الدستورية حقّاً مُخوَّلاً لأطراف الدعوى بصيغة العموم.

وبالعودة إلى تفحّص المادة 2 (البند ب)، التي نصّت، في تعريفها لأطراف الدعوى، بأنهم "كل مدع أو مُدّعى عليه في قضية معروضة على المحكمة، وكل متَّهم أو مُطالب بالحق المدني أو مسؤول مدني في الدعوى العمومية..."، يَبرزُ كما جاء في قرار المحكمة الدستورية، أن مقتضياتها أسقطت النيابة العامة، ولئن كانت هذه الأخيرة، باعتبارها طرفاً في الدعوى المدنية، قد يشملها تعبير "مُدّع أو مدّعى عليه" من أطراف الدعوى العمومية المعنيين بمسطرة الدفع، بحصره الجهات المُخوَّل لها هذا الحق في المُتّهم أو المُطالب بالحق المدني أو المسؤول المدني.

وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، وِفقَ ما هو وارد في تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان فإن بعض أعضائها أثاروا هذه النقطة من خلال التساؤل عن مدى تخويل هذه المادة، للنيابة العامة حق الدفع بعدم الدستورية، على غرار النموذج الاسباني، الذي يُتيح للنيابة العامة هذا الحق، عكس النموذج الفرنسي، الذي لا يُقره للنيابة العامة، من خلال القانون التنظيمي رقم 1523-2009 (10 ديسمبر 2009).

ومن خلال تقرير اللجنة المذكورة دائماً، وبالاطلاع على تعقيب الحكومة (وزير العدل) على ملاحظة "مدى حق النيابة العامة في إثارة الدفع بعدم الدستورية"، نجد أن الحكومة "فسّرت" (البند ب) بأنه يُخول للنيابة العامة إثارة الدفع بعدم الدستورية، من خلال التذكير بمقتضيات المادة 4 من المشروع، التي "أحالت على قواعد المسطرة المدنية التي نظَّمَت موضوع أطراف الدعوى بمن فيهم النيابة العامة التي لا مانع يمنعها من إثارة الدفع بعدم دستورية قانون في الدعوى العمومية في جميع الأحوال ، وكذا في كل الدعاوى المدنية متى كانت طرفاً رئيساً".

إلاّ أنه، في تفسير الحكومة لمقتضى الفصل 110 من الدستور، باعتبار أعضاء النيابة العامة قضاة، وأنه "طبقاً للمادة 3 من المشروع فالقاضي ليس طرفاً في الدعوى وليست له أي مصلحة مرتبطة بموضوع الدفع، كما أن الدور المنوط بالقاضي هو الحرص على حُسن التطبيق العادل للقانون" جَعلَ المحكمة الدستورية تتصدى لذلك من خلال تأكيدها على أن "ممارسة النيابة العامة للاختصاص الدستوري الموكول لها، والمُتمثّل في تطبيق القانون (الفصل 110)، يجب أن يتم في استحضار لِما وَرَد في الفصل السادس منه، من أن دستورية القواعد القانونية تُشكل قواعد ملزمة، " وتُضيف تبعاً لذلك، أنّ " التقيّد بإلزامية دستورية القواعد القانونية، يقتضي من النيابة العامة بصفتها طرفاً، أن تدفَعَ بعدم دستورية قانون، في حال تقديرها أو شكّها من أن مقتضياته الواجبة التطبيق، تعتريها شُبهة عدم الدستورية".

في ما يخص إلغاء نظام التصفية *
تَجدُر الإشارة، قبل الخوض في تعقيب قرار المحكمة الدستورية، على هذا الموضوع، إلى أن "نظام التصفية في الدفع بعدم دستورية قانون" يَتّخذ عدّة أشكال، في القانون المُقارن، لن نخوض فيه تفصيلها، ونكتفي بالإشارة إلى أنها تلك الإجراءات المتخذة من طرف محاكم أول وثاني درجة ومحكمة النقض، أو جهةٍ أو جهات أخرى، يُحدّدها القانون، والرامية إلى تفحّص طلبات الدفع بعدم الدستورية، قبل إحالتها على القضاء الدستوري، للحيلولة دون إغراق هذا الأخير بالطلبات التي قد تنتج عن تعسّفات في استعمال حق، إلا أنه بالمقابل يَطرح نظام التصفية إشكالية اعتداء محاكم التنظيم القضائي على اختصاص موكول حصرا للمحكمة الدستورية، وهو الخيار الذي ذهب إليه قرار المحكمة الدستورية حين البتّ في دستورية المواد 6و10 و11.

إن قرار المحكمة الدستورية، بالرغم من استحضاره، لهاجس المشرع الذي أثاره أثناء مناقشة مشروع القانون التنظيمي، والمتجلّي في اعتماد نظام التصفية من أجل "استبعاد الدفوع الشكلية والكيدية والاقتصار على إحالة الدُّفوع الجدّية إلى المحكمة الدستورية لمراقبة مدى مُطابقتها للدستور" حَسَم في شأن هذا التخوّف، من خلال التشبّث بمبدأ عدم التفريط في اختصاصات القضاء الدستوري، انطلاقاً من أحكام الفصل 132 والفصل 133 من الدستور اللّذان أوْكلا للمحكمة الدستورية، حصراً، اختصاص النّظر في الدفع بعدم دستورية قانون، "وليس وفْقَ القانون التنظيمي المتعلّق به" كما أنه اختصاصٌ عام ويندرج في ولايتها الشاملة، ولا يُبرَّرُ تجزيئه ولا نقْلًه لغير المحكمة الدستورية، حتى ولو كانت الغاية التي يستهدفها المُشرّع معقولة، بالنظر لمبادئ مُقرّرة دستورياً، "من قبيل إصدار الأحكام داخل آجال معقولة، وضمان النجاعة القضائية، حيث تبقى هذه المُبرّرات تخالف قاعدة الاختصاص التي تُعدُّ من النظام العام.

ولَئِن كان قرار المحكمة الدستورية، بهذا التعليل، أغلَق الباب بصفة نهائية في وجه محكمة النقض، لتقدير جدّية طلبات الدفع بعدم الدستورية، حتى لا تتحوّل إلى "مُراقب سلبي للدستورية، بالنّظَر إلى صُعوبة تحديد العناصر المُشكّلة للجدّية وارتباط تقديرها بالموضوع، وليس بالشكل، تَجب الإشارة إلى أن الحكومة والبرلمان، حين مناقشة مشروع هذا القانون التنظيمي، كانا معاً مُدركين للإشكالات التي يطرحها نظام التصفية، لكن دون أن يتمكَّنا من ترجيح الرأي الذي صار حُكماً بموجب قرار المحكمة الدستورية وألغى هذا الأسلوب، سيما وأن الحكومة التي تشبّثت به، في تعقيبها على ملاحظات أعضاء لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان، تبعاً لما هو واردٌ في تقرير اللجنة المذكورة، اعتبَرت أن "خيار نظام التصفية، يُشكِّلُ في البداية الأولى لتجربةٍ ستُمكِّنُ من الوقوف على إيجابياتها وسلبياتها من أجلب تطويرها إلى خيار آخر وفق ما سيظهر من النتائج والآثار المترتّبة."

المُلاحَظ إذن من خلال جواب الحكومة، أن اعتماد نظام التصفية، هو للتجريب، بمعنى هي أيضاً غير مقتنعة بجَدْواه، وفي هذه الحالة، كان يُفترض في البرلمان، مادام أعضاءه أثاروا سلبيات هذا النموذج، ودعوتهم لتنزيل أحكام الفصل 133 من الدستور، بشكلٍ يتخلّص من النموذج الفرنسي، أن يتشبّث باختصاصاته في التشريع وتجنّب الوقوع في"إغفال تشريعي" ، كما أشرنا إليه أعلاه، ترتّب عنه ما جاء في قرار المحكمة الدستورية بالقضاء بعدم دستورية أحكام المواد 6 و10 و11 والمواد 5 و7 (الفقرة الثانية) و12 المرتبطة بها.
على سبيل الختم
من خلال كل ما سبق، يَحقُّ القول بأن قرار المحكمة الدستورية رقم 18/70 بشأن البتّ في دستورية القانون التنظيمي رقم 86.15 المتعلّق بتحديد وإجراءات تطبيق الفصل 133 من الدستور، قدّم لكافة الجهات المَعنية بمسطرة التشريع دروساً، لا يمكن إغفال مضامينها فيما بعد، منها ما هو تذكيرٌ بقواعد سابقة ورَدت في قرارات المجلس الدستوري، يُشكل عدم الانتباه إليها عيباً من العيوب الموجبة للطعن بعدم الدستورية.

ولعلّ من الدروس التي يجب على المُشرّع الانتباه إليها أكثر، هو درس عدم التخلّي عن اختصاص موكُولٌ له حصراً (الإغفال التشريعي)، انطلاقاً من تشبّث المحكمة الدستورية باختصاصها، بالرغم من مبرّرات المُشرع التي تهدف إلى تيسير عملها، وبالمقابل فالقضاء الدستوري وإنْ كان أقرّ بأنه لا يُفرّط في اختصاصه، فإنه بموازاة ذلك، أقرّ بعدم ممارسته لاختصاص غير موكولٍ له حين رفَض طلب رئيس الحكومة بـ"إصلاح أخطاء مادّية" شابت بعض مواد القانون التنظيمي، وهو إجراء يُكرّس ما ذهبت إليها قرارات سابقة للغرفة الدستورية وللمجلس الدستوري، في شأن الحالات التي لا تندرج ضمن اختصاص القضاء الدستوري، مثل "إبداء الرأي"(مقرّر الغرفة الدستورية رقم 66 بتاريخ 15 شتنبر 1971، وقرار المجلس الدستوري رقم 618 بتاريخ 02 غشت 2006).
بقلم ذ سعيد تمّام
باحث في القانون الدستوري والعلوم السياسية، جامعة الحسن الثاني المحمدية
 


أعلى الصفحة