القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ عبد الناصر ابراهمي
باحث في المساطر القضائية
تحت عدد: 325
يروم مشروع القانون المتعلق بالتنظيم القضائي للمملكة،الذي بلغت مناقشته مرحلة متقدمة

بعد أن تمت المصادقة عليه من طرف مجلس الحكومة بتاريخ 18 فبراير 2016، وأحيل على لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان بمجلس النواب بتاريخ 08 مارس 2016 ، يروم هذا المشروع من خلال ما تم الإعلان عنه تحقيق جملة من الأهداف من بينها مراجعة الإطار القانوني الحالي لهذا التنظيم، وفق مقاربة تهدف إلى توفير النجاعة القضائية والفعالية على مستوى مختلف المحاكم، وذلك في إطار تنزيل مختلف مبادئ الدستور ذات الارتباط بالتنظيم القضائي، وكذا تنزيل توصيات ميثاق إصلاح منظومة العدالة، إلى غيرها من الأهداف التي تم التعبير عنها من خلال الورقة التقديمية للمشروع.

وإذا كنا نسجل بإيجابية مجموعة من المقتضيات التي حملها المشروع الجديد، والتي نعتقد أنه بفضلها  سنتمكن من تجاوز الكثير من سلبيات الماضي، فإن ما يهمنا في هذا المقال هو استطلاع موقع الإدارة القضائية وبالأخص هيئة كتابة الضبط - باعتبارها الجهة التي سيوكل لها النهوض بالجزء الأكبر من مقتضياته - ضمن مشروع القانون موضوع الحديث، وخاصة على مستوى التسيير الإداري للمحاكم، وإن تحقيق هذا الهدف ليقتضي منا مقاربة الموضوع من خلال البنود التي لها ارتباط مباشر بعمل الإدارة القضائية، ومحاولة رصد عناصر التجديد بين هذا المشروع والمسودة السابقة التي أسالت حبرا كثيرا لتغييبها الإدارة القضائية، وعدم إعطائها المكانة اللائقة بها . فإلى أي حد تجاوز المشروع الجديد السلبيات والمحاذير التي وقعت فيها المسودة الأولى ؟ أو بصيغة أخرى ما الجديد الذي أتى به المشروع الجديد لإنصاف الإدارة القضائية والرقي بمركزها القانوني اعتبارا للدور المحوري الذي تطلع به في العملية القضائية ؟

من خلال مطالعتنا لمشروع قانون التنظيم القضائي الجاري مناقشته أمام البرلمان يتضح أنه لم يختلف من حيث الشكل عن المسودة السابقة، فعدد المواد التي تضمنتها هذه الأخيرة ظلت هي نفسها، مع استثناء بسيط  يتعلق بإعادة ترتيب بعض المواد وإعادة صياغة أخرى من جديد بما لا يخل بمضامينها السابقة إلا في نطاق ضيق، فعلى سبيل المثال تم حسم النقاش حول تنظيم موضوع الرأي المخالف عند البت في قضية من اختصاص القضاء الجماعي، حيث تم النص على أن أحكامها تصدر بالإجماع أو الأغلبية...

أما من حيث المضمون فإن أهم ما حمله المشروع الجديد هو إحداث منصب الكاتب العام للمحكمة ليخلف منصب "المسير الإداري" الذي ورد بالمسودة الأولى، والذي كان قد أثار لغطا كبيرا سيما بالطريقة التي كان قد حشر بها  ضمن بنودها، وقد حدد المشروع مهامه من خلال المادة 21 في التسيير والتدبير الإداري بالمحكمة، وضبط عمل مختلف مصالح كتابة الضبط والمصالح المحاسبية بها، والإشراف على موظفي هيئة كتابة الضبط بمساعدة رؤساء مصالح؛ كما نص المشروع على أن الكاتب العام للمحكمة يخضع إداريا للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، ويمارس مهامه تحت السلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين بالمحكمة التي يعمل بها.

إلا أن هذه الصورة الناصعة التي ترسمها المادة المشار إليها أعلاه سرعان ما يكتنفها الغموض عند مطالعة مواد أخرى تناولت دور الكاتب العام للمحكمة كما هو حال المادة 18 التي ذكرت أنه عضو ضمن لجنة المحكمة المكلفة ببحث صعوبات سير العمل بها.وهي اللجنة التي يشرف عليها رئيس المحكمة وتضم في عضويتها وكيل الملك والكاتب العام للمحكمة لكن بصفته مقررا فقط، وكأن من صاغ هذه المادة ندم على جعل الكاتب العام ضمن أعضائها، رغم أن هذه اللجنة تشرك أطرافا لا علاقة لهم بتدبير العمل بالمحكمة كهيئة المحامين وربما باقي المهن القضائية. ومما زاد الطين بلة ما نصت عليه المادة 19 من المشروع خاصة بالطريقة التي صيغت بها والتي تعتبر إشكالا في حد ذاتها، إذ في الوقت الذي نصت فيه على أن موظفي هيئة كتابة الضبط يعملون تحت سلطة وزير العدل، نصت في المقابل على أنهم يمارسون مهامهم تحت السلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين بالمحكمة، وهذا يعني ببساطة أن بإمكان المسؤول القضائي إلغاء دور الكاتب العام، وهو ما يطرح إشكالا حقيقيا حول السلطة التي يخضع لها أطر وموظفو هيئة كتابة الضبط .

على أن ما يسترعي الانتباه هو تكرار عبارة " بما لا يتنافى واستقلال السلطة القضائية" حتى أنني وددت لو أن واضعي هذا المشروع تفضلوا بشرح معنى هذه الجملة الركيكة والغامضة والتي ستظل مفتوحة على كل التأويلات!

ولم يقف المشروع عند هذا الحد بل واصل إصراره على تقزيم دور كتابة الضبط من خلال المادة 24 عند حديثه عن مكتب المحكمة الذي يرأسه على مستوى محاكم الدرجة الأولى رئيس المحكمة، ويضم في عضويته نائب رئيس المحكمة ورؤساء الأقسام ورؤساء الغرف وأقدم القضاة بالمحكمة وأصغرهم سنا، إضافة إلى وكيل الملك ونائبه المعين من قبله؛ حيث أن الكاتب العام وهو المسؤول الأول عن هيئة كتابة الضبط يحضر اجتماعات المكتب بصفة استشارية فقط ؟! والحال نفسه ينطبق على محاكم الدرجة الثانية. وتظل الغاية من حضوره لأشغال الجمعية العمومية حسب منطوق المادة 26 هي إنجاز محضر بأشغال المكتب تدون فيه المناقشات والقرارات المتخذة. بل إن المشروع أقر أن توزع هذه القرارات على جميع قضاة المحكمة دون أن يأتي على ذكر أطر وموظفي الإدارة القضائية ولا رؤسائها، وكأنهم غير معنيين بما يجري داخل فضاء المحكمة أو أن المشرع استكثر عليهم ذلك! والسؤال الذي قد نواجه به هو: ما المطلوب إذن؟

والجواب بسيط ، وهو أن يكون مكتب المحكمة مؤسسة تصاغ فيها القرارات بشكل تشاركي بين رئيس المحكمة ووكيل الملك بها والكاتب العام للمحكمة على مستوى محاكم الدرجة الأولى، ونفس الأمر على مستوى محاكم الدرجة الثانية وكذلك محكمة النقض، مع مراعاة خصوصيات هذه الأخيرة، وبذلك يكون مكتب المحكمة هو الموجه لعملها في إطار من التجرد وتحمل المسؤولية، حتى إذا حدث نزاع بين أعضائه استعصى حله داخل هذا المكتب رفع إلى آلية التنسيق المنصوص عليها في الفصل 51 من القانون التنظيمي للسلطة القضائية. أما أن نخلق مؤسسة صورية بدون صلاحيات، أو أن نغير تسمية رئيس المصلحة ب" الكاتب العام " فأعتقد أنه كان من الأفضل أن تبقى الأمور على ما هي عليه ربحا للوقت والجهد.

إلا أنه ورغم هذا الحيف الظاهر فإن هناك نقطة واحدة تحققت فيها المساواة بين أطر وموظفي الإدارة القضائية ونظرائهم في سلك القضاء، وذلك في الباب المتعلق بالتجريح والمخاصمة، حيث نصت المادة 40 من المشروع على أنه " لا يسوغ لموظفي هيئة كتابة الضبط القيام بأي عمل يدخل ضمن وظيفتهم ، في الدعاوى الخاصة بهم أو بأزواجهم أو أقاربهم أو أصهارهم إلى درجة العمومة أو الخؤولة أو أبناء الإخوة " !!   

على أن ما يشكل استهتارا واستخفافا واضحا بعمل الإدارة القضائية وأشخاصها هو ما أوردته المادة 31 من المشروع التي تناولت مواضيع جدول أعمال الجمعية العامة للمحكمة، التي قلنا إن الكاتب العام للمحكمة يحضرها بصفة استشارية فقط ، حيث ذكرت من جملتها: «عرض النشاط القضائي للمحكمة، دراسة الطرق الكفيلة بالرفع من النجاعة القضائية بالمحكمة وتحديث أساليب العمل بها، دراسة البرنامج الثقافي والتواصلي للمحكمة، حصر مواضيع التكوين المستمر، و تحديد حاجيات المحكمة من الموارد البشرية والمادية».

والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: لماذا الإصرار على تغييب النشاط الإداري للمحكمة والنشاط المالي الذي ظل يشكل هاجسا لكل المسؤولين الذين تعاقبوا على هذه الوزارة ودور كتابة الضبط في استخلاص الغرامات والإدانات النقدية والرسوم القضائية؟ ثم أليست الإدارة القضائية هي الأولى بتحديد حاجياتها التكوينية وحاجياتها من الموارد البشرية والمادية؟ أو على الأقل أن تكون هذه النقاط موضع تداول ومناقشة بين الطرفين؟ كيف يسمح الجهاز القضائي لنفسه بمناقشة أمور تدخل في صميم عمل الإدارة القضائية؟ هل الجهاز القضائي مثلا أكثر خبرة من أطر وموظفي الإدارة القضائية في استخلاص الرسوم القضائية وتحصيل الغرامات والإدانات النقدية واحتساب الرسوم التكميلية؟ أو مباشرة الإجراءات الميدانية في قضايا التنفيذ... ؟

إننا لا نهدف من وراء هذه التساؤلات تبخيس العمل الذي يطلع به السادة القضاة، أنى لنا ذلك وهم المنوط بهم الفصل في المنازعات ؟!، لكنا نعتبر احترام التخصص أمرا مطلوبا حتى بالنسبة للسادة القضاة أنفسهم، وهذا ما تم الإقرار به من خلال الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة؛ وإلا هل من المعقول مثلا تكليف قاض بتدبير جلسة تتعلق بالمنازعات العقارية أو قضايا التلبس بعدما يكون قد قضى خمسة عشر سنة منتدبا في صعوبات المقاولة؟

 ويبدو أن وزارة العدل والحريات وجدت الظرفية ملائمة لتمرير رؤيتها بشأن خصوصية القطاع وما يفرضه ذلك من تقييد  لممارسة حق الإضراب، وجعله رهينا بالمحافظة على  مبدأ استمرارية الخدمة القضائية وعدم جواز تأجيلها، مثلما نصت على ذلك المادة 7 من المشروع والتي شددت على أن المحاكم تمارس مهامها بما يؤمن انتظام واستمرارية الخدمات القضائية، وأنها تعقد جلساتها دون انقطاع وبكيفية لا يترتب عنها توقفها أو تأجيلها.

إن هذا التدخل السافر في عمل الإدارة القضائية يؤكد مدى التخبط الذي وقعت فيه وزارة العدل والحريات بشأن وضعية الإدارة القضائية، هل هي جزء لا يتجزأ من السلطة القضائية وبالتالي وجب أن يتمتع أفرادها بما يتمتع به المنتمون لهذه السلطة من حقوق وامتيازات وحماية قانونية، أم أنها وبحكم تصنيف عملها ضمن أعمال السلطة التنفيذية ينطبق عليها ما ينطبق على هذه الأخيرة من حماية أعمالها من تدخل السلطة القضائية؟. لكنه يكشف في النهاية أن لا مصداقية للكلام الذي يردده الفاعلون من أن كتابة الضبط هي "العمود الفقري" للمحاكم، وأن ما يضمرونه لهذه الفئة هو شيء آخر!، و يطرح أكثر من علامة استفهام حول مقتضيات المادة 51 من القانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والتي جاء فيها " تحدث هيئة مشتركة بين المجلس الأعلى للسلطة القضائية والسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، تتولى التنسيق في مجال الإدارة القضائية. تعمل تحت إشراف كل من الرئيس المنتدب للمجلس والوزير المكلف بالعدل كل فيما يخصه ". أي توازن للسلط وأي تعاون هذا الذي يجري فيه السطو على اختصاصات الإدارة القضائية ليصبح أفرادها مجرد أدوات بيد السلطة القضائية، مع أن مهامها تندرج ضمن أعمال السلطة التنفيذية؟ ألا ينم ذلك عن عقلية تسلطية تعتقد أن القضاء جاه وليس مسؤولية؟ مع العلم أن كتابة الضبط لا تملك أي ضمانات للحفاظ على المكتسبات اليتيمة الواردة بهذا المشروع على ضآلتها، وأن منصب الكاتب العام للمحكمة الذي تم إحداثه بمقتضى هذا المشروع يظل هو الشجرة التي تخفي الغابة، غابة المشاكل التي سترزح تحتها الإدارة القضائية في المستقبل القريب ما لم تسارع لتدارك نفسها.

و لا أريد أن أنهي هذا المقال دون أن أستحضر جملة قالها الراحل " جوليانو أندريوتي "، وهو واحد من أهم السياسيين الذين عرفتهم إيطاليا في النصف الثاني من القرن الماضي، حينما حاصره الصحفيون لمعرفة رأيه في قضية الصحراء، لخص جوابه في جملة يرى المتتبعون أنها ما تزال تلخص واقع القضية إلى اليوم، قائلا – والكلام موجه للمغاربة طبعا - : «لديكم قضية عادلة ولكن بمحامٍ فاشل »؛ فقضية كتابة الضبط عادلة والبقية تعرفونها ...

بقلم ذ عبد الناصر ابراهمي
باحث في المساطر القضائية
 


أعلى الصفحة