//

 
قانون الأعمال

بقلم ذ يوسف عزوز
باحث في قوانين التجارة والأعمال بكلية الحقوق وجدة
تحت عدد: 184
مقدمة تتميز العلاقة بين الملزم والإدارة الجبائية بكونها علاقة حتمية تفرضها القوانين والتنظيمات

الضريبية والتي تتعلق بمهام الإدارة الجبائية المتمثلة أساسا في تحديد أساس الضريبية تصفيتها وتحصيلها من الملزمين.

فالإدارة الجبائية بمناسبة تدبيرها للضريبة تملك سلطات واسعة، سلطات تصفية وتحصيل الضريبة والفحص والمراقبة، بالإضافة إلى سلطات توقيع الجزاءات والعقوبات، التي خولها القانون لها، تستخدمها إزاء ملزم مثقل بالالتزامات، مما يؤدي إلى العديد من ردود الفعل النفسية السيئة للملزم إزاء الضريبة والإدارة الجبائية معا فهو ينظر للضريبة كتضحية وإلى الإدارة الجبائية كخصم وعدو، فكثيرا ما نسمع “أن الضريبة شر لابد منه، وقد أشار العديد من الباحثين والمهتمين بالمجال الضريبي في أبحاثهم إلى القهر الذي يصاحب الضريبة. وهو الشيء الذي ينتج عنه الجرائم الضريبية التي أصبحت تنخر جسم الاقتصاد لكل دولة، وتقاعس الملزم عن أداء الضريبة سواء باستعمال الغش أو التملص منها بشكل تام، إنما هو اعتقاد منه أنها الوسيلة للدفاع عن حقوقه أمام جبروت الدولة.

وتعتبر مداخيل الضريبة مصدرا مهما لتمويل ميزانية الدولة، وأداة لتنفيذ سيادتها الاقتصادية والاجتماعية، لذلك أحاطتها مختلف التشريعات الحديثة بعناية واهتمام كبيرين، تجسيدا بشكل واضح في إصدار النصوص القانونية والتنظيمية خاصة بها والعمل على تعديلها كلما تبين عدم مسايرتها لتحديات ورهانات الواقع العلمي وذلك قصد ضمان تحمل الأعباء والتكاليف بصورة تأخذ بعين الاعتبار القدرة الجبائية للملزم.

إذن، ما هي علاقة الاضطهاد الجبائي بالمقاومة الضريبية؟ متى تكون الضريبة اضطهادا وغلوا؟ وما هي صور المقاومة الضريبية؟

 

 

 

المحور الأول: الاضطهاد الضريبي وإشكالية العدالة الجبائية

تعتبر المقاومة الضريبية نتيجة حتمية لعدم فعالية النظام الضريبي، ذلك أن هاجس التوازنات المالية والاقتصادية كان هدف أغلب الحكومات على مر الزمن، لذلك فالدولة وجدت نفسها مضطرة للتضحية بالجانب الاجتماعي في سبيل بلوغ تلك الأهداف. وبالتالي فسرعان ما وجدت نفسها مهتمة بالاضطهاد الضريبي من طرف مواطنيها نتج عنه تعارض كبير بين مصلحة الفرد والدولة، كانت له انعكاسات خطيرة من الناحية المالية والاقتصادية والاجتماعية، من هنا انبثقت فكرة العدالة الجبائية وارتبط مفهومها ومبادئها بالضريبة.

أولا: الاضطهاد الضريبي –صورة نطاقه-

مما لاشك فيه أن موضوع الضريبة ومحاولة التملص منها، من المواضيع التي شغلت بال السلطات العامة، كما أثارت اهتمام المواطنين على مر العصور وفي كل مكان، ويرجع السبب في ذلك إلى علاقة الضريبية المباشرة بحياتهم المعيشة وتأثيرها على قدراتهم لإشباع حاجاتهم الاقتصادية، حيث اقترن وجود الضريبة بوجود السلطة في المجتمع السياسي منذ أقدم العصور.

أ : الضغط الضريبي- مفهومه ونطاقه[1]-

يمثل معدل الضغط الضريبي جملة ما تحدثه السياسة الضريبية من تأثير على سلوك الأفراد في المجتمع وتعديل خططهم في مجالات الاتفاق والاستهلاك والادخار والاستثمار، أي ما يؤدي غليه فرض الضرائب المختلفة من تغيرات في مجرى الحياة الاقتصادية، تلك التغيرات التي تتجاوز إبعادها تبعا لحجم الاقتطاعات الضريبية وصور التركيب الفني الضريبي.

1: المفهوم الواسع للضغط الضريبي:

لقد شكل فرض الضرائب في الكثير من الأحيان مصدر سخط وغضب واحتجاج لكثير من الشعوب عبر العالم([2])، وقد أخذت مظاهر السخط في بعض الأحيان، أشكال عنف مفتوح ومباشر في مواجهة الأجهزة الضريبية، وتمر على السلطات المختصة، واللجوء إلى أشكال منظمة لرفض التوجهات الحكومية على المستوى الضريبية.

وإذا كانت نسبة الضغط الجبائي قد عرفت تحولات هامة من المالية التقليدية المحايدة إلى المالية الحديثة الوظيفية، إلا أن هذه النسبة  هي أيضا حصيلة البيانات الاقتصادية المختلفة. إذ أن النسبة تنخفض في بلدان ذات اقتصاديات ضعيفة، كما هو الشأن بالنسبة لدول العالم الثالث المتميزة بضعف الإنتاج الوطني.

ومما لا شك فيه أن مستوى الضغط الضريبي يعتبر من بين السباب المباشرة للمقاومة الضربيبة، حيث شكل هذا الضغط أحد أهم العوامل التي تؤثر سلبا على الطاقة الشرائية للفرد، ويؤدي إلى عرقلة نمو الاستثمارات الاقتصادية([3])، والأمر الذي يترتب عنه تزايد انتشار ظاهرة البطالة وغيرها من العوامل الاجتماعية والاقتصادية والمالية السلبية، التي تعزز منن فرص المقاومة الضريبية، مما يجعل السياسة الضريبية يغلب عليها طابع المردودية المالية وغياب العدالة الجبائية.

وبالرجوع إلى النظام الضريبي المغربي نجد أنه يتكون من ثلاثة أنواع من الملزمين بالضريبة، فالفئة الأولى معفية من الأداء الضريبي، وكان القطاع الفلاحي أبرزها أما الفئة الثانية فهي تختار ما يناسبها من أداء الضرائب وهي مرتبطة غالبا بالقطاع العقاري. أما الفئة الثالثة فهي التي تؤدي نيابة عن الآخرين وتتحمل عبء الجبايات وتتمثل أساسا في فئة الملزمين المكونة من الطبقات الفقيرة والمتوسطة، فهذه الفئة الأخيرة هي التي تشكل القاعدة الواسعة للجبايات في المغرب، فتمثل هذا الحصار الضريبي للملزم المغربي هو ما يسمى في أدبيات العلوم المالية بالضغط الجبائي الذي يعتبر إحدى المميزات السلبية للنظام الجبائي المغربي، إذن يمكن القول، بإن الضغط الضريبي هو جملة ما تحده السياسة الضريبية من تأثير على سلوك الأفراد في المجتمع وتعديل خططهم في مجالات الإنفاق الاستهلاكي والادخار والاستثمار أو بعبارة أخرى، ما يؤدي إليه فرض الضرائب المختلفة من تغييرات في مجرى الحياة الاقتصادية([4]).

2: الضغط الضريبي نافذة للمقاومة الضربيبة

تندرج الإصلاحات الجبائية التي اعتمدها المغرب منذ ثمانينات القرن الماضي في نفس سياق الطرح النيوبرالي، حيث تطرق مخطط (1973-1977) إلى مسألة تخفيض العبء الجبائي، غير أن الإصلاحات المعتمدة أدت إلى نتيجة عكسية وهي تصاعد الشأن بالنسبة لليابان والولايات المتحدة الأمريكية وسويسرا، بالرغم من أن الناتج الوطني الإجمالي للفرد في هذه الدول يضاعف نظيره المغربي بحوالي 25 إلى 30 مرة([5]).

ونتيجة لذلك، عرف مؤشر الضغط الجبائي في المغرب تغيرات مهمة اتسمت بالارتفاع المستمر، فبعدما كانت لا تتجاوز 20% ما بين 1981 و1985 ارتفعت في غضون السنوات اللاحقة، إذا بلغ 23,1%سنة 1990، و21,8% سنة 2002، وفي سنة 2010 وصل معدل الضغط الضريبي نسبة 22% ليستقر في سنة 2012 في نسبة 23%. وهو ما اعتبره صندوق النقد الدولي من المؤشرات السلبية التي يعاني منها النظام النوعي([6]).

المحور الثاني: مظاهر الإضطهاد الجبائي

في دراسة أجرتها مؤخرا مؤسسة “KPMG” السويسرية على النظام الضريبي المغربي، نجدها وضعته في المرتبة 12 عالميا من حيث نسبة الضرائب التي تفرضها الدول على المواطنين واعتبر التقرير، الذي شمل تقيما للأنظمة الجبائية لأكثر من 155 دولة أن نسبة الضرائب غير المباشرة في المغرب “مرتفعة”، حيث تصل إلى 30%، ومقارنة بالدول العربية، فقد جاء المغرب في المرتبة الثالثة في منطقة شمال إفريقيا والشرق الأوسط بعد كل من الإمارات والسودان.

وانتقد التقرير، الذي صدر عن المؤسسة الأرقى في مجال الخدمات الضريبية تعدد الضرائب غير المباشرة المفروضة على المغاربة وأيضا على الشركات، ودعا إلى ضرورة إيجاد نظام يكون شاملا ومحفزا لتوسيع الوعاء الضريبي”([7]).

أولا: توزيع الضغط على أنواع الضرائب

أهم ما يلاحظ فيما يتعلق بهذا التوزيع هو استمرار هيمنة الضرائب غير المباشرة داخل البنية الجبائية، وهذا مما لا شك فيه، يرجع إلى تقليد قديم يعتبر أن الضرائب المباشرة باعتبارها تنصب على دخول العمل والرساميل، وتعرقل عمليات الادخار والاستثمار الضرورية للتنمية، بينما الضرائب غير المباشرة تتميز بغزارة مردوديتها وسهولة تحصيلها وتشجيعها للاستثمار المنتج.

وبصفة عامة يتم اللجوء إلى الضرائب غير المباشرة لتخفيف تكاليف الإنتاج بينها يتم اللجوء إلى الضرائب المباشرة لإعفاء دخول الاستثمارات لكي ترتفع الأرباح باعتبارها المحرك الرئيسي لقرار الاستثمار([8]).

ومن خصائص البنية الضريبية المغربية أيضا درجة تركيزها الشديد، مثل باقي دول العالم الثالث، إذ بالرغم من تعدد الضرائب إلا أن بعضها فقط يساهم بالنسبة الأكبر من المردودية، وهذا الأمر تدعم بفعل الإصلاح الضريبي واعتماد النظام الضريبي التركيبي.

ثانيا: توزيع الضغط الجبائي على القطاعات المختلفة([9])

هناك تمايز كبير فيما يتعلق بتوزيع الضغط على القطاعات، وهو إما تمايز اختياري ناتج عن إرادة المشرع في إقراره كما هو الشأن بالنسبة لإعفاء القطاع الفلاحي سابقا وعدم تضريب الثروة والتسهيلات التي يتمتع بها القطاع العقاري. وإما تمايز منطقي وطبيعي بفعل طبيعة القطاعات، كالمهن الحرة وقطاع الأعمال.

هذا، وقد اثارت الضريبة على القطاع الفلاحي بالمغرب الكثير من النقاشات، وهو نقاش لم ينتهي حتى مع تضريب هذا القطاع في سنة 2014، ويمكن تفسيره بأن حساسية القطاع الفلاحي اتجاه الضريبة خاصة في الدول المتخلفة يمكن إرجاعها لعوامل نفسية تمثل في ضعف اندماج العالم القروي في الانظمة الاجتماعية المركزية التي تعتمد الاكراه الضريبي، وعوامل اقتصادية تتمثل في ضعف ودرجة استعمال النقود في الاقتصاديات الفلاحية.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا يوجد في المغرب ضريبة عامة على الثروة، وبينما بالنسبة للضرائب النوعية فهي تتجه نحو التقلص، وغالبا ما تحدق مشاريع ضرائب الثروة معارضات وانتقادات، بحيث يعتبر معارضو هذه الضريبة أن الرأسمال من أهم عوامل الإنتاج، وبالتالي فإن تضريبه سينقص الإنتاج وتنخفض الدخول ويسوء الاقتصاد وعليه فمن الأفضل فرض ضرائب تصاعدية على الرأسمال قياسيا بالدخل المتأتي من العمل([10]).

أخيرا، يمكن القول أن اي إصلاح ضريبي يجب أن يطلق من فكرة التوفيق بين مصالح الدولة والفرد، بمعنى التوفيق بين ما هو اقتصادي واجتماعي، حتى لا يصبح القانون، كما يقول الأستاذ J.C.Martinez، الجزء الظاهر من الصخرة الجبائية التي تخفي الباقي المنفلت من الشرعية([11])، وحتى ا يسقط في الكليانية الجبائية التي تعد جورا ضريبيا له أربعة أبعاد: إقليمية، زمنية، مادية وشخصية.

 

[1] - يمينة الخير، نجاة السني: ظاهرة التهرب الضريبي وأثارها على التنمية، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتعمقة، تخصص –الإدارة العامة- كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، بوجدة، السنة الدراسية 1999-2000، ص: 10 وما بعدها.

[2] - لم يخل المغرب كغيره من الدول وعلى مر التاريخ من مظاهر الاحتجاج ضد الضريبة، حيث اهتزت الميادين أكثر من مرة احتجاجا على غلو الضريبية، وللتذكير بذلك نقتصر على حدثين:

- الأول: بسوق النجارين بفاس سنة 1873بسبب فرض ضريبة المكوس على المادة الإستراتجية للصناعة التقليدية، واتسم هذا الاحتجاج بطابع التحدي والرغبة في مواجهة السلطة لئنيها وإرغامها على إلغاء هذه الضريبة.

- الثاني: ساحة مشور مراكش سنة 1904 حيث شهدت هذه المدينة احتجاجا شعبيا شارك فيه الصناع والتجار وصغار الحرفيين نتيجة إقدام المخزن على تغيير نظام صرف العملة النحاسية بالعملة الفضية وما رافق ذلك من زيادة ضريبة.

[3] - أحمد حميدوش، “ظاهرة الضغط الضريبي بالمغرب”، المجلسة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 69، يولوز، غشت 2006، ص: 92.

[4] - طارق السلومي: تجريم الغش في المادة الضريبية، السلسلة المغربية للعلوم والتقنيات الضريبية، العدد السادس، مكتبة الرشاد، سطات، ص: 64.

[5] - محمد قيبر: واقع الضغط الجبائي بالمغرب، المجلو المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 83، نونبر/ دجنبر 2008، ص: 100.

[6] - طارق السلومي: مرجع سابق، ص: 66.

[7] - أيوب الريمي: مقال منشور بجريدة “أخبار اليوم”، العدد: 1387، الثلاثاء 3 يونيو 2014، ص: 10.

[8] - عبد المجيد اسعد: الاقتطاع من المرتبات والأجور، المجلسة المغربية لقانون واقتصاد التنمية، عدد 21، سنة 1989، ص: 92.

[9] -مولاي الحسن تمازي: موقع العدالة الجبائية في ثقافة حقوق الإنسان، المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية، عدد 83، 2008، ص: 80.

[10] - محمد قزيبر: مرجع سابق، ص: 106.

[11] - محمد قزيبر: مرجع سابق، ص: 99.

 

بقلم ذ يوسف عزوز
باحث في قوانين التجارة والأعمال بكلية الحقوق وجدة
 


أعلى الصفحة