//

 
القضاء الجنائي

إصلاح العدالة الجنائية، أية استراتيجية؟

القاعدة


لقد كثر الحديث عن إصلاح جهاز العدالة عموما و العدالة الجنائية على الخصوص، و لا أحد منا ينكر المجهودات التي تبذلها الوزارة المعنية من أجل إخراج منظومتنا القضائية من بعض المشاكل التي تعاني منها، سواء على المستوى البنيوي أو الوظيفي. و مع ذلك تبقى هذه المجهودات على أهميتها، مجرد عملية أولى تمهد لتدشين ورش الإصلاح الحقيقي، الذي بنظرنا المتواضع، لا يتطلب فقط تصحيح بعض المفاهيم و تحريرها مما قد يحول دون اشتغالها وفق التأويل السليم، و لا حتى اعتماد بعض الآليات الجديدة من أجل تحديث المنظومة المذكورة و جعلها في مستوى مواكبة التطور الذي يعرفه المجال القضائي، بل يستوجب بالأساس ضرورة التفكير فيما ينتظرقضاء المستقبل من تحديات وطنية و دولية كذلك.




مما لا شك فيه أن مجهود الحكومة اليوم أصبح يميل كل الميل إلى الاهتمام أولا بفكرة إصلاح العدالة الجنائية، ليس فقط لأنه مطلب مجتمعي بامتياز، و لكن أيضا لأنه يلتقي تماما مع ما توافر لدى الفاعلين الحقوقيين من تصور مبدئي لمقاربة موضوع الإصلاح من زاوية مواجهة ظاهرة الجريمة بمفاهيم متطورة من شأنها أن تقنع الجميع بأن إشكالية الأمن و الاستقرار هي أيضا مسؤولية قضائية. و حتى لا نذهب بعيدا في رصد المشاكل المطروحة، يكفي أن نقول و ربما نؤكد على أن أكبر المشاكل التي تواجهها أغلب الدول – بما فيها الأكثر ديمقراطية – الحجم المقلق الذي عليه ظاهرة الجريمة، و كثيرا ما تم إرجاع تفاقم هذه الأخيرة للمشاكل الاقتصادية و الاجتماعية، بل وحتى الثقافية التي تعاني منها بعض الدول، و باعتقادنا يكفي استحضار الطبيعة المنظمة التي أصبحت عليها ظاهرة الجريمة و المستوى المعقد الذي أصبحت تعرفه طرق إنجازها و الفضاءات الأكثر ديمقراطية التي بدأت تفضل أن تحيا فيها، ليتوفر لدينا المبرر الموضوعي للتشكيك في المعطيات التي تربط بين تخلف الدولة و تنامي ظاهرة الجريمة. صحيح أن مستويات الإجرام، طبيعته و طرق إنجازه، تختلف بحسب تقدم الدولة و مدى قدرتها على توفير معطيات العيش الضرورية للحد من إكراهات التناقضات الاجتماعية. إلا أن صعوبة ضبط آليات العيش داخل المجتمع المنظم، كانت و ستبقى الحقيقة الدالة على وجود هامش من الاختلال لابد و أن تحيا فيه ظاهرة الجريمة على الأقل باعتبارها ظاهرة اجتماعية تفرض وبشكل دائم ضرورة الانتباه إليها، بل و تكريس واجب الترقب لمستويات تطورها خصوصا بعدما أصبحت لا تعرف حدودا وطنية و أخطارها بدأت تهدد المجتمع الدولي في كل مكوناته. و من دون الدخول في تفاصيل هذه الإشكالية المعقدة و المتمثلة فيما أصبحت تحمله ظاهرة الجريمة من بعد دولي، نفضل أن نلتزم بفكرة إصلاح العدالة الجنائية أو بشكل مبسط جدا طرح التساؤلات التالية: أولا: من أين تبدأ فكرة الإصلاح؟ ثانيا: ما هي الأهداف المتوخاة منه؟ ثالثا: كيف يمكن تصوره على مستوى البنية و الوظائف؟ أولا: من أين تبدأ فكرة الإصلاح؟ لا بد من الاعتراف بداية بأن المشكل الأساسي الذي يواجه العدالة الجنائية، النوعية الخاصة التي تتميز بها القضايا المعروضة عليها. فبغض النظر عن كثرتها و تنامي الوتيرة التي تتزايد بها، فهي تعكس أيضا – و هذا الجانب لا يطرح كثيرا – مستوى معين من الاختلال المجتمعي الذي بنظرنا لا يرجع فقط إلى اتساع هامش التمرد على القيم التي ينبغي أن يقوم عليها التعايش الاجتماعي، و لكن يمكن أن يعزى كذلك، و على الخصوص، إلى الصعوبة التي تواجهها العدالة الجنائية في امتصاص هذا التمرد، حيث ظلت الآليات الموضوعة بيد العدالة المذكورة غير قادرة على مواجهة كل تجليات الظاهرة الإجرامية، فبالأحرى احتوائها و الخروج بيسر من تفكيك تعقيداتها المتعددة، الأمر الذي أدى بالتالي إلى تصادم شبه تام بين الرغبة في استئصال الظاهرة المذكورة و الخطاب الزجري المخصص لذلك. و بنظرنا المتواضع، فكرة الإصلاح ينبغي أن تنطلق من حل هذا الإشكال و ذلك بتنويع الخطاب الزجري و تدريج سلوك منطق القسوة فيه بكل الدقة التي تتطلب و في نفس الآن البحث عن تكثير فرص إعادة الإدماج من دون إغفال منطق الردع الذي ينسجم و بكل موضوعية، مع خطورة الإجرام المنظم. و هنا لا بد و أن نؤكد على مدى فعالية الدور البيداغوجي الذي ينبغي أن تلعبه القاعدة الجنائية على المستوى العقابي حتى تصبح هذه الأخيرة آلية لها من التأثير ما يكفي لتوعية المواطن بنماذج السلوك التي يستهدف الخطاب الزجري تكريسها داخل المجتمع، و من ثم كلما كان المشرع واعيا بهذا الدور و باحثا عن أهم الصيغ المساعدة على توفيره، كلما نجح في النفاذ إلى عمق الظاهرة الإجرامية، و هو ما يعتبر بنظرنا بداية مشجعة على احتوائها و بخاصة الحد من إعادة انتشارها. إصلاح النظام العقابي لا يمكن أن يكون مجديا من دون إعادة النظر في موضوع المصالح المجتمعية واجبة الحماية جنائيا. و من دون الادعاء أننا ننوي هنا وضع قائمة حصرية للمصالح المذكورة، لا بد من الاعتراف بأن الأسلوب الذي سلكته التشريعات الجنائية غالبا ما هيمن عليه الطابع الاحتوائي – أي غير الانتقائي – لكل ما من شأنه أن يمس بالقيم و الضوابط التي تميز النظام المجتمعي، بل و إلى هنا تتجه ملاحظتنا، حاولت التشريعات المذكورة و بمنطق حمائي مشروع، أن تؤسس توجهها الاحتوائي على مفاهيم جد موسعة و صيغ أكثر عمومية، الشيء الذي أثقل الخطاب الزجري بكثير من التأويلات لم يتمكن القضاء من الخروج بشأنها بتطبيقات حاسمة، و هو ما ندعو إلى تفاديه على الأقل للحفاظ لتقنيات التجريم على هامش الاختيار النوعي لمواجهة الإجرام المنظم. من أجل ذلك نقترح أولا الرجوع بتقنيات التجريم إلى الضوابط المتحكمة فيها و بالأساس الاحتكام إلى منهجية الدقة و الوضوح في الصياغة، و لعلها الحكمة المتوخاة من إقرار مبدأ الشرعية الذي لا يمانع حسب اعتقادنا المتواضع، من إعادة النظر في التقنيات المعتمدة كلما أصبحت غير مستجيبة للتطور النوعي الذي تعرفه ظاهرة الجريمة و باستمرار. ثم لا بد من التأكيد ثانيا على أن انطلاق فكرة الإصلاح الحقيقي تستوجب إعادة النظر كذلك في تحديد القيم و الضوابط التي يقوم عليها النظام المجتمعي: صحيح أن الكثير منها ليس مثار جدل، بل أصبح أمر التأكيد عليها يحوز أهمية قصوى خصوصا ما يرجع منها إلى حماية الدولة، نظامها و أمنها و مؤسساتها، و إن كنا هنا نطالب بتكريس الخطاب الزجري في الاتجاه الذي يدفع إلى توعية المواطن بأن الحفاظ على الأمن و الاستقرار واجب وطني و مطلب حضاري يعمق فكرة الانتماء و يمتن أسس التعايش الاجتماعي. إلا أنه مازال على التشريعات الجنائية الوطنية أن تبذل مجهودا إضافيا ليس فقط لتحقيق نوع من الانسجام مع الضوابط و المعايير الدولية، ولكن أيضا و على وجه الخصوص، من أجل تمكين تقنيات التجريم من الانفتاح على واقع الظاهرة الإجرامية و احتواء تجلياتها الحقيقية في إطار سياسة جنائية توفق و بحكمة تشريعية بين الاستجابة لردود الفعل المجتمعية الحقيقية التي تتطلب تدخلا حاسما على مستوى التجريم و العقاب و بين مجرد استثمار الخطاب الزجري في الاتجاه الذي يجعل منه ضابطا مؤصلا لنماذج السلوك الواجبة الإتباع، و لعل غياب هذه السياسة التوفيقية عن تقنيات التجريم الخاصة هو الذي ساهم في توسيع الهوة بين الرغبة في استئصال الظاهرة الإجرامية و تصاعد وتيرتها من حيث الواقع. ثانيا: ما هي الأهداف المتوخاة من الإصلاح؟ لسنا بحاجة للتأكيد على أن أية رغبة في الإصلاح مهما كانت صادقة لا يمكن أن تكون منتجة إلا إذا رسمت لها أهدافا محددة. و قد يعتقد بعض الباحثين في هذا المجال أن الهدف من إصلاح العدالة الجنائية واضح تماما بل و يغني عن ضرورة التوقف عنده. إلا أننا نعتقد أن عملية الكشف عن الأهداف فائدتها لا تنحصر فقط في التأكد – بمفهوم الاطمئنان – من رغبة المشرع في الإصلاح و قبوله بالنتائج المرتبة عنه، و لكن تمكن المشرع نفسه من مقاربة فكرة الإصلاح بأضمن الطرق التي تساعد على تصوره و بالتالي وضع الآليات الكفيلة بتحقيقه و تطبيقه. إن الهدف الأول من الإصلاح لا ينبغي أن يتحدد من خلال الشعور بأنه واجب أو حتمية تفرض نفسها كلما تخلفت الآلة القضائية عن تحقيق نتائج جد إيجابية. فهذا الشعور و على الرغم من اشتغاله الطبيعي كآلية محفزة على الإصلاح، إلا أنه ينبغي أن لا يصل إلى حد التحكم في فلسفة الاختيار التي ينبني عليها الهدف الأساسي منه، لأن التجربة مهما كانت متواضعة – هذا إذا افترضنا أنها كذلك – لا تعني قطعا أنها لا تحوز أهميتها كاختيار، كما يحتمل تصور إنجاحه على مستوى الممارسة، يمكن أن يأخذه الواقع في الاتجاه المعاكس: و لعل هذا الاحتمال هو الذي يدفعنا إلى التركيز على أن إصلاح العدالة الجنائية على الخصوص ليس عملية أوتوماتيكية يكفي رصد الوسائل البشرية و المادية لإنجاحها لتصبح حقيقة ثابتة، بل يعد مشروعا له ثوابت ينطلق منها و تحديات يرغب في رفعها، و من ثم فهو عملية دائمة التطور لأنه يرتبط بأشخاص و يتحكم في مصير مجتمع. و حتى لا نطيل في الحديث على أن الإصلاح بالأهداف طموح كبير ينبغي الوعي باستمرارية الرغبة في تحقيقه، يكفي بنظرنا استحضار المعطيات الأساسية التي نعتبرها الهدف الأسمى من أي إصلاح، و المتمثلة في أن القضاء أمانة تزكيها ثقة المواطنين فيه. و لعل العدالة الجنائية تعكس و بكل المقاييس هذه الحقيقة، لأن إصلاحها و كما سبق القول، يتحكم في مصير المجتمع – بالمفهوم الايجابي – و يحدد له ضوابطه و يقوم سلوكه. و من ثم كان من الضروري و الحتمي كذلك التفكير في أن فضاء العدالة الجنائية لا يتغذي فقط بحكمة القانون و التمسك بكل صرامة بتطبيقه، بل أيضا بما يرمز له من تمسك و دفاع عن الخصوصيات التي تميز النظام المجتمعي. و قد يعتقد البعض أن ربط إصلاح العدالة الجنائية بما ترمز له هذه الأخيرة من دفاع عن القيم المجتمعية يتسم بالكثير من السطحية، الشيء الذي من شأنه أن يفرغ فكرة الإصلاح من محتواها الحقيقي. إلا أننا نرى واجب التذكير بأننا مازلنا بصدد تكريس المشروع المجتمعي المغربي المتميز الذي يحتاج بنظرنا إلى تظافر كل الجهود من أجل إنجاحه و بالخصوص تحديد القيم المجتمعية التي يقوم عليها مفهوما و فلسفة و تطبيقا. ما من شك في أن الحديث عن النزاهة و الاستقامة و الإيمان العميق بشرف الوظيفة القضائية أمور لا خلاف حولها كمبادئ أساسية، لكن الإشكال يطرح عندما تأخذ تلك المبادئ شكل سلوك يواجه إكراهات الواقع، فيصبح بالتالي حجم المبدأ أكبر من أن تكرسه طبيعة الممارسة القضائية مادام أن فكرة الإصلاح، خصوصا في الميدان الجنائي، لا تستهدف فقط تقديم الحلول الناجعة و الحاسمة للحد من تنامي ظاهرة الجريمة، بل تندرج في إطار فلسفة عميقة تجعل من العدالة الجنائية مقياسا لتحضر الدولة و محصنا للمجتمع من كل الانزلاقات المحتملة. و لعل ضرورة الوعي بهذه الأمانة التي يتحملها القضاء في المجال الجنائي هو الذي سيعطي لفكرة الإصلاح أبعادها السامية النبيلة، بحيث كلما وقع الدفع بهذه الأخيرة في الاتجاه الذي يبحث عن إضفاء مزيد من الثقة في هذه المؤسسة القضائية، كلما أصبح بالإمكان أن يعول عليها لرفع الكثير من التحديات الوطنية و الدولية كذلك. و لسنا هنا بحاجة إلى التأكيد على الدور الاقتصادي الذي يمكن أن تلعبه العدالة الجنائية – و على خلاف ما يعتقده البعض – كمساهمة فعلا في تحقيق الأمن و الاستقرار كما سبق القول، بل لا بد أن نضيف كذلك لهذا الدور المهم الفرص الهائلة التي يمكن أن يوفرها قضاء جنائي يحظى بالثقة لتكريس ثقافة الصلح الاجتماعي، و هو ما نعتبره الهدف الأسمى الذي ينبغي أن تتشبع به فلسفة الإصلاح. و مع ذلك، لا بد من التأكيد على أن الإستراتيجية التي يقوم عليها الإصلاح لا يمكن أن تتحقق بدون إعادة النظر في البنية التي عليها المؤسسات القضائية في المجال الجنائي و كذلك الوظائف التي تؤديها و هو ما سنختم به هذا الموضوع. ثالثا: كيف يمكن تصور الإصلاح على مستوى البنية و الوظائف؟ إن مجرد التفكير في إصلاح البنية التي عليها المؤسسات القضائية في المجال الجنائي و كذلك وظائفها قد يحيل على كثير من الموضوعات لا نعتقد أننا نملك القدرة على الخوض فيها جميعها، فبالأحرى التخطيط لإستراتيجية شمولية كفيلة بوضع التصور المنهجي الذي سيسير عليه الإصلاح مفهوما و تطبيقا. إلا أننا مع ذلك سنحاول أن نركز – و حسبنا أن لا نبخل بمساهمتنا المتواضعة – على أهم ما يطرحه هذا الموضوع من أفكار يمكن أن تساعد على ملامسة المنهجية الأقرب إلى الاقتناع بضرورة تكريس فكرة الإصلاح و كذا تسريع وتيرة تطبيقه. فعلى مستوى البنية لا يمكن أن نتنكر للمجهود الكبير الذي بذل في إطار القانون الجديد للمسطرة الجنائية، إلا أن الملاحظ أن الاتجاه الذي سلكه المشرع المغربي في تحديث البنية المذكورة لم يخرج عن تعزيز بعض المواقع و إضافة أخرى، و كأن إصلاح هيكلة القضاء في المجال الجنائي ينحصر فقط في حل هذه الإشكالية. إلا أن فكرة الإصلاح بنظرنا تضيق بهذا الاختزال لدرجة أننا مازلنا لم نصل بعد إلى تكوين فكرة محددة ودقيقة عن التنظيم الأمثل الذي ينبغي أن تأخذه العدالة الجنائية، و لعله مشكل دولي أكثر منه وطني. بداية لابد و أن نحذر من أن تعدد المؤسسات القضائية في المجال الجنائي لا يعني تكثير المواقع بهدف خلق أجهزة لها من النفوذ ما يكفي للتحكم في أهم الضوابط التي تحرك الآلة الزجرية. و ربما هذه المعطيات هي الأساس الذي بنيت عليه الكثير من الأفكار و المبادئ لا نعتقد أنها ساهمت و بشكل عميق في دعم فعالية القضاء في المجال الجنائي حتى في الدول الأكثر تقدما. بل إن التعدد المتحدث عنه لابد و أن يشتغل في إطار هيكلة ينبغي استثمار كل مكوناتها في سبيل تحقيق فلسفة، كما عليها أن توفق بين ضرورة الاستجابة لحماية المجتمع من خطر الجريمة و توفير ضمانات المحاكمة العادلة، يستلزم كذلك أن تعكس لدى المواطن العادي مدى جسامة المسؤولية التي يحملها القضاء في هذا المجال، و لعلها الحكمة المتوخاة من تكريس منطق التعدد بخلاف المجالات القضائية الأخرى. نعتقد أن موضوع مكافحة الجريمة و لو أنه يدخل في صميم مسؤولية الدولة التي عليها أن تضع له سياسة جنائية متجددة و متطورة، يجب أن لا يقفز على ما يضطلع به القضاء الجنائي من دور في هذا المضمار باعتباره المؤسسة المؤهلة التي تضمن للدولة كذلك الهامش المطلوب للمحافظة على حيادها في تدبير التناقضات المجتمعية. و بنظرنا المتواضع، لا يمكن أن يتأتى ذلك من دون هيكلة، قوتها تظهر بالأساس في مدى استجابتها للطبيعة المركبة التي يعرفها مفهوم الدعوى في المجال الجنائي مع استحضار بعض مظاهر التعقيد التي قد تفرزها خصوصية الحسم في بعض الجرائم. و في هذا الصدد لا نرى ما يمنع من أن تشغل النيابة العامة دور المفعل والمطبق لسياسة الحكومة في مكافحة ظاهرة الجريمة، كل ذلك في إطار علاقة واضحة و مسؤولة مع السلطة السياسية المسؤولة عن القطاع. فالتبعية هنا لا تعني المساس بمبدأ استقلال القضاء بقدر ما تهدف إلى تحصين الجهاز الذي أنشئ في الأصل ليكون مؤتمنا على تجسيد الحق العام في مفهومه الحضاري، أي المستجيب لما تفرضه دولة الحق و المؤسسات من أمن و استقرار يحفظ للدولة مكانتها و يعزز ثقة المواطنين بمؤسساتها و يؤمن للمجتمع حقوقه الواجبة. مع ذلك لا بد و أن نثير الانتباه إلى أن تمتين هيكلة القضاء في المجال الجنائي يصبح غير ذي معنى إذا لم يسترجع قضاء التحقيق مكانته الطبيعية التي تجعل منه فعلا صمام الأمان الذي يحصن مفهوم الدعوى العمومية ضد كل المشاكل المحتملة و التي غالبا ما يكون سببها عدم الاحتكام لهذه المرحلة المهمة. فقاضي التحقيق باعتباره قاضيا و رجل بحث و استدلال نعتبره المؤهل أكثر من غيره ليلعب دور الوسيط المؤتمن على مصير الأشخاص المقدمين للعدالة. فالمتابعة لا تعني حتما الإدانة، و وضعية الشاهد يمكن أن تحمل بين طياتها ما يستدل به على التورط في ارتكاب الجريمة، إذا أضفنا لهذا و ذاك ما توفره مرحلة التحقيق من ظروف نفسية ملائمة من شأنها أن تلطف من بعض ردود الفعل السلبية المرتبطة فقط بطبيعة القضايا في المجال الجنائي، نستطيع أن نرد على المشككين في الدور الاستراتيجي الذي يضطلع به قاضي التحقيق بأنه لم يعد اليوم مستساغا اختزال هذا الدور في بعض القضايا، كثيرا ما ساد الاعتقاد بأن تعقيدها يكمن في مدى جسامة عقوبتها: و لعلها المغالطة التشريعية و الفقهية التي كثيرا ما تساهلت مسطريا مع بعض الجنح مع أن خطورتها ليست مثار جدل. حتى لا نطيل في هذا الجانب، يكفي القول بأن توزيع العدل الجنائي بين عدة مؤسسات و جهات قضائية هو في أمس الحاجة اليوم إلى منهجية عقلانية تبحث عن إضفاء مزيد من الثقة في العدالة الجنائية، و هذه لا يمكن أن تتأتى سوى بتوسيع هامش الاقتناع بأن موقع العدالة الجنائية لا يتعزز فقط بإصدار الأحكام و عدم التساهل مع مرتكبي الجرائم – مع اعتبارنا لأهمية ذلك – بل أيضا بما تبثه من ثقة في نفسية المواطنين و ما تكرسه من وعي بالتمسك بالقيم الحضارية التي اختارها المجتمع و قبل السير وفقها. أما على مستوى الوظائف، فمع اعتبار التحسين الواضح الذي أدخله القانون الجديد للمسطرة الجنائية و الذي حاول به و من خلاله تحديث منهجية التعامل القضائي مع ظاهرة الجريمة بتكريس المقاربة النوعية للحسم في بعض القضايا، نعتقد أنه مازال على المشرع أن يبذل مجهودا إضافيا خصوصا في الجانب الذي يعترف فيه للعدالة الجنائية و بشكل حاسم و جريء باستثمار مجالها الخاص لخوض تجربة التخصص، مادام أن الواقع أصبح يؤشر و بشكل غير مسبوق على تطور مقلق لتجليات السلوك الإجرامي و الذي أخذت فيه الخطورة و التعقيد أقصى درجاتهما، بحيث لم يعد مقبولا اليوم التخلي عن الخصوصية التي تحوزها المادة الجنائية و تبرير ذلك بعقلنة الموارد البشرية. و هنا لابد و أن نستحضر المنحى المتطور الذي سلكه القانون الجديد للمسطرة الجنائية باستحداث مؤسسة قاضي تطبيق العقوبات، و نحن نرى في هذه المنهجية السليمة اعترافا تشريعيا بمدى تجذر الخصوصية التي تحوزها الوظائف القضائية في المجال الجنائي، و التي بنظرنا، تنطلق من واجب مكافحة الجريمة و الحد من إعادة انتشارها إلى أن تصل إلى تكريس المستوى المطلوب من الثقة في أجهزة العدل مرورا بتأصيل الوعي بالاحترام الواجب للدولة و مؤسساتها وتحصين المجتمع مما يهدد أمنه و استقراره و ضمان الحقوق و الحريات ، و لعل في تكرار هذه الأمور الحيوية فائدة منهجية لتوجيه فكرة الإصلاح. إن إصلاح العدالة الجنائية على مستوى الوظائف لا يمكن اختزاله أو تحجيم أهميته في ضمانات المحاكمة العادلة، فأهمية احترام هذا المبدأ الاستراتيجي لا يمكن أن تظهر سوى في إطار فلسفة تشريعية جديدة تستثمر مبدأ الفصل بين الوظائف القضائية فيما يشعر كل مؤسسة قضائية بأن نجاح عملها يرتبط وظيفيا بما تساهم به في تسهيل القيام بالوظائف الأخرى، و هنا لابد و أن نؤكد على فكرة وحدة الملف في المادة الجنائية بالرغم من تعدد الجهات القضائية المتدخلة فيه – و المرشحة للارتفاع – . فمبدأ المراقبة المتبادلة لا تعني التشكيك في مصداقية المهام المنجزة سابقا، و لا حتى إقامة حدود مسطرية فاصلة غالبا ما ساهمت في تقليص فرص التعاون بين المؤسسات القضائية المتدخلة. بل إن المقصود من المراقبة هنا بذل مزيد من الحرص و التريث بالحسم في الإدانة. و لعلها القيمة المسطرية المثلى التي يحوزها مبدأ البراءة الأصلية الذي أصبح المشرع المغربي يتصدر به مواد المسطرة الجنائية. و إلا كيف يمكن أن نقبل منطقا و قانونا استمرار أغلب التشريعات في تسخير كل هذه الوسائل المادية و البشرية للحسم في النازلة الواحدة؟ أيضا لا يمكن للوظائف القضائية أن تعرف تطورا نوعيا في المجال الجنائي من دون تحريرها من الانغلاق، أي بجعلها عدالة قريبة من المواطن في تواصل دائم معه، مستجيبة لردود فعله، عاكسة لتصوراته و تطلعاته، باحثة عن تقدمه و تحضره. فوظائف العدالة الجنائية، و على خلاف ما يعتقده البعض، نجاعتها تقاس بمدى قدرتها على استثمار فرصة المحاكمة من أجل احتواء مظاهر التوتر و الاضطراب التي يتسبب فيها السلوك الإجرامي، و هذا لا يمكن أن يتم سوى بتحريك الخطاب الزجري في الاتجاه الذي لا يقف عند حدود الردع، بل يتعداه إلى إشعار كل المخاطبين به بأن للحقوق و الحريات حدود، فلسفتها تنبني بالأساس على قبول العيش ضمن المجتمع بكل مكوناته ، و أن لا سبيل لإضفاء الشرعية على الانحراف عن الثوابت و القيم الحضارية باعتبارها مكتسبات مجتمعية، لا محيد عن تكريس الوعي بضرورة الحفاظ عليها، ولعلها بنظرنا المتواضع، النتيجة المثلى التي ينبغي أن تستهدفها إستراتيجية الإصلاح. ختاما، ونحن ننتظر بكل تفاؤل توصيات الهيئة العليا للحوار الوطني حول إصلاح العدالة ، واثقين في تكلل أعمالها بالنجاح المنشود بعد المباركة المولوية السامية لسيدنا المنصور بالله جلالة الملك سيدي محمد السادس حفظه الله،لابد من التأكيد على أن إصلاح العدالة لابد وأن يرتبط في روحه وفلسفته باستشراف مستقبل كلية الحقوق ببلادنا، حتى يرتبط تحديث منظومة العدالة بتطويرالجهة التي كانت ولاتزال تزودها بالأطر المؤهلة.



 


أعلى الصفحة