قانون الأسرة

بقلم ذ لطيفة الشدادي
دكتورة في الحقوق
تحت عدد: 547
يقصد بالولاية في الزواج: الصلاحية التي يملكها الولي

في تزويج المرأة المولى عليها، وهذه الصلاحية تعني من جهة سلطة أو رفض الزواج، كما تعني من جهة ثانية انفراد الولي بتولي الإجراء الشكلي لإبرام العقد.

الولاية على المرأة في الفقه الاسلامي

إن الإسلام أقر من الناحية التاريخية فكرة الولاية باعتبارها مساعدة وتكريما للمرأة، ومظهرا من مظاهر التماسك العائلي ومؤشرا على استمرار علاقة المرأة بعائلتها بعد الزواج، غير أن الفقهاء اختلفوا في حكم الولاية، فمنهم من اعتبرها ضرورية وإلزامية وهو الرأي السائد عند جمهور الفقهاء، ومنهم من اعتبرها اختيارية كالأحناف ومن تبعهم، ولكل فريق أدلته وتأويلاته، فالأصل أن للرجل البالغ العاقل الولاية الكاملة في العقد على أية امرأة شاء الزواج منها، أما المرأة البالغة بكرا كانت أم ثيبا، فقد اختلف الفقهاء حول أمر ثبوت هذه الولاية لها.

وعليه سنحصر هذا الإختلاف الواقع في مسألة الولاية في الزواج في رأيين أساسيين:

الرأي الأول: يرى الجمهور أن حضور الولي هو شرط أساسي لا يصح الزواج إلا به، ومقتضى ذلك لا يجوز للمرأة أن تنفرد بالعقد على نفسها أو على غيرها، بل لا بد أن يتولى ذلك وليها، فإن فعلت فلا يصح الزواج بعبارة النساء، بل حتى إذا وكلت رجلا غير وليها بتزويجها كان هذا التوكيل باطلا والزواج المبني عليه فاسدا، لأن الشخص لا يستطيع أن ينقل إلى غيره حقا لا يملكه، وقد احتج هذا الجانب من الفقه بالأدلة الآتية:

يقول الله سبحانه وتعالى : }وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم{ سورة النور، الأية: 32. ويقول جلت قدرته: }ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا{. سورة البقرة، الأية: 221. ووجه الاستدلال بالآيتين الكريمتين هو أن الخطاب موجه إلى الأولياء لا للنساء، ولا يصح عقد الزواج إذ لم يباشر الولي الشرعي حقه فيه، فليس للمرأة ولاية في عقد الزواج أصلا، وإن تولته، كان باطلا.

‌أ-                   وروى إبن ماجة عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تزوج المرأة المرأة ولا تزوج المرأة نفسها فإن الزانية هي التي تزوج نفسها".

‌ب-              وعن عائشة رضي الله عنها أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها لها المهر بما استحل من فرجها، فإن استجروا فالسلطان ولي من لا ولي له.

  الرأي الثاني: خالف الأحناف سائر الفقهاء وذهبوا إلى أن المرأة العاقلة البالغة لها الحق وحدها في مباشرة عقد الزواج بنفسها أو لغيرها، بكرا كانت أم ثيبا، وإن كان يستحب لها أن تستأذن وليها، ويبقى للولي فقط حق الإعتراض على الزواج متى كان الزوج غير كفء أو متى قدم لها مهر لا يليق بمقامها. وقد استدل الأحناف على مذهبهم بالأدلة التالية :

‌أ-                  يقول الله عز وجل: }فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره{. سورة البقرة، الأية: 230. وقوله سبحانه وتعالى: }وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف{. سورة البقرة، الأية: 232.

فوجه الإستدلال بهذه الأية، أن القرآن الكريم قد أسند النكاح إلى المرأة نفسها، دون وليها، بل إن أية العضل - وهو المنع من تزويج المرأة- قد نهت الأولياء عن أن يمنعوا المولى عليهن من أن  يتزوجن بمن يخترنهم من الرجال، ويتراضون فيما بينهم.

على أن أية العضل، تحتمل أن لا يكون للأولياء سلطة أو ولاية أصلا على النساء في أمر زواجهن، مناهضة لما كان عليه الأمر في الجاهلية، من استبداد للأولياء، وتحكمهم في شأن النساء اللاتي كن يخضعن لولايتهم.

‌ب-              روى إبن عباس أن النبي صلى اله عليه وسلم قال : "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن، وإذنها صماتها".

الولاية على المرأة في مدونة الأحوال الشخصية الصادرة سنة 1957 وتعديلات 1993.

ان الجدل الفقهي حول حكم الولاية في الزواج راجع إلى عدم وجود نص صريح في القرآن الكريم أو حديث ثابت عن الرسول صلى الله عليه وسلم يقرر حكم الولاية بعبارة واضحة لا تقبل التأويل.

وعليه، فإن القول بأن ولاية الزواج اختيارية وليست إلزامية وارد في الفقه الإسلامي، وأخذت به بعض مدونات الأحوال الشخصية للدول الإسلامية. فمن حيث الواقع المرتبط بالتشريع المغربي، فإن مدونة الأحوال الشخصية الملغاة حررت المرأة من سلطة الإجبار وأعلنت أحقيتها في الولاية مع تقرير أحقيتها في الاختيار، واعتبرت مهمة الولي مهمة شكلية تتمثل في مباشرة العقد على المرأة بعض التفويض له من جانبها في ذلك، مع أحقيتها في الاعتراض على الزواج في حالة عدم الكفاءة وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل 12 منها والتي ورد فيها : "لا تباشر المرأة العقد ولكن تفوض لوليها أن يعقد عليها".

الأمر الذي يعني أن المرأة غير مؤهلة لتزويج نفسها بل لابد من وسيط ذكر يقوم مقامها للتعبير عن موافقتها في مجلس العقد وهذا الوسيط هو الولي، فإذا كان الرجل يستقل بإبرام عقد زواجه بنفسه وله كامل الحرية في ذلك، فإن المرأة ملزمة بأن تفوض وليا ذكرا لمباشرة شروط العقد.

لذا فإن هذه المقتضيات كانت محل انتقاد شديد من طرف بعض الفقهاء والتنظيمات النسائية والكثير من المهتمين بشؤون الأسرة المغربية بوجه عام، فجاء تعديل سنة 1993 محررا الفتاة اليتيمة الرشيدة من قيد الولاية ثيبا أو بكرا، وبقيت الولاية خاصة بالقاصرة وبالرشيدة ذات الأب، تقديرا لمكانة الأب ودوره في الأسرة.

والظاهر أن هذا التعديل خلق ميزا بين النساء أنفسهن، فالرشيدة التي لا أب لها هي في حل من أمرها تزوج نفسها بنفسها، أو تختار وليا يؤازرها أثناء إبرام عقد الزواج، والمرأة ذات الأب تعتبر الولاية شرط صحة بالنسبة إليها لا يقوم الزواج صحيحا إلا بتوافرها.

فالزوجين في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة لم يكونا على نفس المستوى من المساواة، فإذا كان بإمكان الزوج إبرام عقد الزواج بكل حرية وبصفة شخصية، فإن المرأة، باستثناء الرشيدة اليتيمة لا تملك إبرام عقد زواجها والتعبير عن رضاها إلا بواسطة وليها.

وقد أثار هذا التعديل العديد من الانتقادات، وتوالت الدعوات المطالبة بإقرار المساواة بين الجنسين في عقد الزواج، وإلغاء التمييز الذي يقيد حرية المرأة في اختيار شريك حياتها، وطالبت الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية بإلغاء الولاية في الزواج، والسماح للرشيدة أن تعقد زواجها دون وساطة الولي استنادا إلى مذهب أبي حنيفة.

خصوصا وأنه لا يوجد فارق ذاتي بين الرشيدة اليتيمة والرشيدة ذات الأب يبرر التفرقة بينهما، وأن اعتبار مكانة الأب، واحترام مقامه المرموق في الأسرة لا يتحقق بشكلية عقده على بنته بحكم الولاية، وما تخوله له من سلطة قانونية باعتبار الولاية ركنا أو شرطا في الزواج، بل على العكس من ذلك فقد يكون تفويضها له لتولي عقد زواجها عن طواعية واختيار أكثر وأقوى دلالة على التكريم والتقدير والاحترام لمقام الأب، فالأعراف السائدة في المجتمع المغربي وسائر المجتمعات الإسلامية تأبى أن تعقد المرأة زواجها بنفسها مع وجود الأب، بل إن الواقع المعيش يؤكد أن رأي الأبوين وموافقتهما على الزواج ضرورة أكيدة لكل من يقدم على الزواج، امرأة كانت أو رجلا، لما ترسخ في أذهان الجميع من أن الزواج ارتباط بين عائلتين وليس شخصين فقط.

فمن الإنصاف أن تكون الرشيدة ذات الأب مثل الرشيدة اليتيمة في التحرر من قيد الولاية، والتخيير بين إبرام عقد زواجها مباشرة، وبين التفويض لمن تقدمه لتولي العقد عليها بمحض إرادتها.

فالمرأة اليوم أقتحمت جميع الميادين، وشاركت الرجل في جميع مناحي الحياة، وبلغت من النضج والوعي والاقتدار ما يؤهلها لممارسة جميع حقوقها، لا فرق بينها وبين الرجل متى بلغ كل منهما سن الرشد القانوني، لذلك كان لزاما أن تمنح أحقية العقد على نفسها وتتحمل مسؤولياتها العائلية بمحض اختيارها، وهي قناعة أصبحت راسخة ومشتركة بين جميع فعاليات المجتمع المدني ومهتمي الشأن القانوني والحقوقي، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الولاية بهذا المفهوم اعتبرت متناقضة مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، والتي تكرس المساواة في الحقوق بين الرجل والمرأة وتؤكد على ضرورة تمتع المرأة بكامل حريتها ورضاها في الزواج وفي مقدمتها اتفاقية سيداو. فالزواج القسري حسب ما عبرت عنه اللجنة الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة يعتبر شكلا من أشكال العنف ضد المرأة الذي يحرمها من التمتع بحقوقها المدنية والسياسية والاقتصادية والإجتماعية والثقافية.

الولاية على المرأة في مدونة الأسرة

أمام هذا الوضع فإن المشرع المغربي عمل من خلال مدونة الأسرة على وضع حد لولاية الزواج الإلزامية بالنسبة للمرأة في جميع الأحوال، وأبقى ولاية النفس والمال على الشخص القاصر ذكرا كان أو أنثى تكريسا لمبدأ المساواة بين الجنسين الذي يتجلى في كثير من الأحكام الشرعية.

وهكذا أصبحت الولاية حق للمرأة، تمارسه الرشيدة حسب اختيارها ومصلحتها، فلها أن تعقد زواجها بنفسها، أو تفوض ذلك لأبيها أو أحد أقاربها.

أما القاصر المأذون له بالزواج فتى كان أو فتاة، فزواجه متوقف على موافقة نائبه الشرعي طبقا لمقتضيات المادة 21 من مدونة الأسرة وتتم الموافقة بتوقيع النائب مع القاصر على طلب الإذن بالزواج وحضوره إبرام العقد. وعلى فرض أن النائب الشرعي رفض الموافقة، وحتى لا يبقى أمر القاصر معلقا، فإن قاضي الأسرة المكلف بالزواج يبت في الموضوع.

وعلى هذا الأساس يتضح أن مدونة الأسرة تركت الاختيار للمرأة لممارسة الولاية، وبمعنى آخر لم تبق الولاية شرط صحة في عقد الزواج كما يقضي بذلك الجمهور، بل سارت المدونة على غرار موقف الأحناف من الولاية.

الولاية على المرأة في الزواج في ضوء العمل القضائي

ان المقتضيات الجديدة المنظمة لموضوع الولاية في الزواج أصبحت تجد طريقها إلى التطبيق في الواقع العملي وهو ما يظهر من خلال ملاحظة تطور رسوم الزواج المبرمة بدون ولي والتي تعرف ارتفاعا متواصلا إذ بلغت وفق آخر احصائيات وزارة العدل والحريات ما مجموعه 65.036 عقد زواج أبرم بدون ولي، أي بنسبة مهمة وصلت إلى 20.87 % من مجموع العقود المبرمة خلال نفس السنة .

كما يلاحظ أن محكمة النقض لعبت دورا ايجابيا في تفعيل التعديل الجديد حيث تصدت في وقت مبكر لأي محاولة من أجل تفسير المقتضيات المتعلقة بالولاية في عقد الزواج بشكل يخرق حق المرأة في الاختيار واعتبرت في قرار لها -صدر تحت عدد 62 بتاريخ 01/02/2006 في الملف الشرعي عدد 202 /2/1/2005-بأن "الولاية حق للمرأة الرشيدة ومن حقها أن تعقد على نفسها بدون ولي"، وأضافت بأن "القرار الذي صدر بعد تطبيق مدونة الأسرة واعتبر قيام عقد الزواج بدون ولي يشكل مخالفة، يعد مخالفا لمدونة الأسرة وللمواد 24 و25 والمطبقة بأثر فوري ولذلك يكون معرضا للنقض" .

إن أهم ما اكتسبته المرأة بمقتضى مدونة الأسرة، هو أن الولاية أصبحت لها بقوة القانون، وذلك بمجرد بلوغها سن الرشد، الذي هو ثمان عشرة سنة، إذ أصبحت كالرجل تمارس هذه الولاية حسب اختيارها ومصلحتها، ومن دون الخضوع لأي مراقبة أو موافقة، فاتحة المجال أمام المرأة لتتحمل مسؤولياتها مراعاة لمصلحتها التي تستقل بتقديرها دون غيرها، وهذا يتماشى مع المفهوم الحقيقي للولاية كسند للمرأة في إبرام أهم عقد في حياتها، وليس كسلطة جبر أو إكراه تمارس ضدها.

بقلم ذ لطيفة الشدادي
دكتورة في الحقوق
 


أعلى الصفحة