القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ عبد الرحيم شميعة
أستاذ باحث بكلية الحقوق مكناس مدير مختبر القانون و التنمية
تحت عدد: 200
إن موضوع التدبير القانوني لجريمة الإجهاض واستشراف إدخال تعديلات عليها في ظل ما يثار حاليا

من نقاش على الساحة الحقوقية والقانونية يتطلب منا ما يلي:

أولا: الوقوف حول راهنية الموضوع:

تحظى جريمة الإجهاض كما نظمها القانون المغربي وما يترتب عليها من نقاشات ومواقف بأهمية على أكثر من مستوى:

1-   يرتب واقع الإجهاض في المغرب نتائج إجتماعية واقتصادية وصحية غاية في الخطورة، وبغض النظر عن الأرقام المتداولة بهذا الخصوص، سواء تعلق الأمر بالعدد اليومي من عمليات الإجهاض، خاصة، السري، التي تجرى، وبغض النظر  عن عدد الأطفال المتخلى عنهم-لأننا بصدد رقم أسود-، فإن الظاهرة موجودة بكثرة، ونتائجها بادية للعيان، تعكس أحدأهمالأعطاب الاجتماعية ببلادنا.

2-        تعتبر مسألة إعادة النظر في تقنين جريمة الإجهاض ببلادنا مطلبا حقوقيا، لا ينفصل عن مجموع المطالب التي بدأت منه مدة غير قصيرة تفرض نفسها على الجميع، في واقع مغربي متحرك ومنفتح أكثر من أي وقت مضى، يحمل في طياته مظاهر التناقض.

3-        يعتبر موضوع إعادة النظر في جريمة الإجهاض من المواضيع المنقسم حولها، إن من حيث مداها أو من حيث منهجية مقاربتها. وتزداد صعوبته من حيث أنه اجتزئ من مسودة القانون الجنائي المعروض بدورها للنقاش العمومي، مما يعكس حساسية الموضوع وصعوبة الحسم فيه.

 

 

ثانيا: الوضع القانوني الحالي لجريمة الإجهاض

لسنا هنا بصدد تناول التنظيم القانوني لجريمة الإجهاض من خلال المواد 449 إلى 458 من مجموعة القانون الجنائي، لكن محددات التجريم والعقاب لها يسهل رسم حدود التغيير المنتظر لها:

1) تعتبر جريمة الإجهاض من الجرائم المصنفة في الباب الثامن من مجموعة القانون الجنائي  في الفرع الأول المعنون ب:" في الجنايات والجنح ضد نظام الأسرة والأخلاق العامة"، وهذا يعني أن الإجهاض ليس جريمة عادية، بل إن إتيانها فيه اعتداء على مؤسسات محددة بعينها، ألا وهي الأسرة والأخلاق العامة. فالتبويب هنا يحمل دلالات بالغة، فهل التعديل سيشمله كذلك؟

2) يترتب على تبويب جريمة الإجهاض تبعا لذلك استحضار الحقوق التالي:

-    صون الحقوق الإنجابية للمرأة طبقا للمعاهدات والاتفاقيات الدولية.

-    حماية الحق في الحياة للجنين كما كفله الدستور المغربي.

-    الحق في حياة الجنين للزوج.

-    واجب المحافظة على النسل كحق عام تكفل الدولة حمايته وتنميته.

ثالثا: سقف المطالب:

من خلال استقراء جانب كبير من النقاش العمومي حول وجوب إدخال تعديلات على جريمة الإجهاض، سنلاحظ أن ثمة ما هو متفق عليه، وما هو مختلف بشأنه.

فمن ناحية أولى يكاد يجمع الكل حول النتائج السلبية التي يخلفها الإجهاض السري ببلادنا، نتائج لها انعكاسات وخيمة على صحة المرأة بكل أبعادها وعلى المجتمع بشكل عام.

ويعزى ذلك إلى الموقف المتشدد للقانون المغربي من هذه الجريمة، دون أن ننسى بطبيعة الحال مجموعة من العوامل الأخرى، يتم تغييبها عند مناقشة هذه الظاهرة ورصد نتائجها، وهو ما يشجع على تفشي ظاهرة الإجهاض السري.

ومن ناحية ثانية، يعتبر هذا المطلب مجالا للانقسام حول السقوف المسموح بها.

ففي الوقت الذي يعمل البعض على جعل مناقشة جريمة الإجهاض من حيث الاعتراف للمرأة بالحق في التخلي عن مواصلة الحمل، تحت ما يسمى بالحقوق الإنجابية للمرأة المؤطر بجانب من الاتفاقيات الدولية، يعتبر البعض  الآخر ممن ينكر على المرأة هذه الحرية أن السماح بذلك فيه مس بثوابت الأمة ومقوماتها خاصة الجانب الديني منها.

إن منهجية طرح الاعتراف للمرأة بحرية الإجهاض من عدمه يندرج في سياق أعم يؤطر العلاقة  بين الرجل والمرأة داخل المجتمع، خاصة فيما يخص العلاقة الجنسية.

ويعكس موقف الاتجاهين حول جريمة الإجهاض، اختلافا أعمق حول المرجعيات التي تؤطر هذا الفعل، والتي يجب أن تحكم المجتمع بشكل أعم.

لذلك يعتبر النقاش الحاد المتنافر أحيانا حول جريمة الإجهاض مناسبة أخرى لتجسيد ذلك الصراع الفكري والإيديولوجي لفرقاء النقاش، والذي يأخذ في بعض الأحيان مدى أبعد، يتعلق بالمشروع المجتمعي الذي يجب أن يحكم المغرب، ومن خلاله العديد من القضايا ذات الارتباط ومنها مثلا العلاقة الجنسية الإرادية بين الرجل والمرأة.

 

رابعا: آليات تدبير الخلاف للوصول إلى مخرجات حول جريمة الإجهاض.

1-                 إذا كانت 39% من الدول تحرم الإجهاض الاختياري لأسباب دينية أو حقوقية، فإن 61% من الدول تسمح للمرأة باتخاذ قرار التخلي عن مواصلة الحمل، دون أن يصل الأمر إلى الاعتراف الكامل لها بحرية التصرف بجسدها.

2-                 لا يمكن بأي حال من الأحوال الوصول إلى اتفاق حول حدود التجريم للإجهاض، دون البحث بداية عن الاتفاق على المحددات التي يجب أن تؤطر أي تنظيم مستقبلي لهذا الجريمة. فبين محاولة إقصاء للمرجعية الدينية المؤطرة لهذا الموضوع واستحضار مجرد جانب من الاتفاقيات الدولية بهذا الخصوص، إلى التمسك بمجرد جانب من الفقه الإسلامي والمذاهب التي تتشدد وتضييق من الحالات التي يسمح بالإجهاض.

3-   إن التوصل إلى اتفاق بشأن هذه الجريمة بين من يرفض المس بها، وبين من يدعو إلى إعادة النظر فيها بشكل جوهري لن يتم إلا ضمن حدود الآليات والسقوف التي ما فتئت تؤطر القضايا الخلافية في المغرب، ولنا في مدونة الأسرة خير دليل، وهو ما تجسد فعلا من خلال تركيبة اللجنة الملكية. وبناء عليه فإننا نعتقد ان التعديل الذي سيطال هذه الجريمة لن يحلل محرما دينيا ولن نبقى في مقابل ذلك حبيسي الروئ المتشددة التي تؤطر اليوم هذا الفعل، وهذا يعني أن حالات الإجهاض التي سيسمح بها التعديل ستعرف بعض التوسع دون أن يتم الاعتراف بحرية المرأة بالتخلي عن الحمل.

4-   لا يجب أن ننظر إلى الصراع الحاد والخلاف المحتدم حول الإجهاض في المغرب بأنه لحظة انتصار فريق على فريق آخر، بل يجب أن ينتصر الجميع لقضايا المرأة والطفل

خـــــــاتمــــــــة:

إن لحظة المخاض التي نعيشها اليوم حول الإجهاض، هي مناسبة للاهتمام بقضايا المرأة وقبلها الطفلة الأم والأطفال عموما.

إنه لا مناص من تجاوز النقاش حول تشديد التجريم والعقاب للإجهاض أو السماح به، دون وضع الأصبع على قضايا أعمق في مجتمعنا لها علاقة بالهشاشة والتوعية والتربية والمواكبة، وهو ما نلاحظه في النقاش العمومي المرتبط بالإجهاض، إذ تعتبر صياغة نص أو نصوص قانونية حول الإجهاض هي الحلقة الأضعف في سلسلة النهوض بأوضاع المرأة والفتاة ببلادنا.

إن إنضاج شروط تعديل جريمة الإجهاض هي التحلي بالشجاعة لملامسة القضايا العميقة للمرأة والطفل بعيدا عن المزايدات وبعيدا كذلك عن التقوقع.

بقلم ذ عبد الرحيم شميعة
أستاذ باحث بكلية الحقوق مكناس مدير مختبر القانون و التنمية
 


أعلى الصفحة