القانون العقاري

بقلم ذ وائل العياط
خريج ماستر العقار والتعمير - السويسي - باحث في القانون العقاري
تحت عدد: 612
أصبحت سياسة التعمير و تهيئة المجال بالمغرب منذ وقت طويل تشكلان الركائز الأساسية التي تقوم عليها التنمية البشرية و الرهان الأكبر الذي أخذته الدولة على عاتقها .

فأصبحت الإدارة تدخل بأدوات منهجية و وثائق مرجعية لتنظيم استعمال المجال و تقنين و تحديد هذا الاستعمال لكل منطقة من مناطق المدينة و تخصيص وظيفة لكل منها قصد تحقيق تكامل بين أجزائها و انسجام أطرافها من اجل حسن تعميرها و تنظيمها فإن التدبير الحضري يعد أداة التعمير العملياتي التي تبلور الاختيارات المتضمنة بأدوات التخطيط العمراني و ترجمتها ميدانيا .

و أمام هذه الوضعية أصبحت الدولة واعية بمسالة ضرورة التحكم في المجال الحضري و ضبط نموه , و ذلك بهدف إرساء سياسة عمرانية مندمجة . سياسة لا تستوجب و لا ترتكز على ضوابط قانونية تنظم ميدان التعمير فقط , بــــــــل أيضا على إحداث هياكل مؤسساتية تستطيع بلورة مجموع الأهداف العمرانية المسطرة , و هكذا ستعمل الدولة في نهاية القرن العشرين على إحداث مؤسسة عمومية أطلق عليها اسم الوكالة الحضرية , و التي ستسخر كأداة لتهيئة المجال و التنسيق بين مختلف الفاعلين المحليين , باعتبارها بنية مؤسساتية تسهر على التطبيق الفعال لنصوص التشريعية في ميدان التعمير .

و في هذا الصدد تلعب الوكالات الحضارية باعتبارها متدخل و فاعل رئيسي في ميدان التعمير دورا هاما في عمليات التدبير الحضاري و ذلك نظرا لتحولات العميقة المضطردة التي يعرفها هذا المجال بوتيرة سريعة على المستوى الاقتصادي و الاجتماعي و الديموغرافي الذي لطالما يخلق إشكاليات مرتبطة بالميدان السوسيومجالي و الذي يفتقد لتنمية المتناسقة و المتوازنة لمدننا و قرانا

و لعل هذا ما جعل سياسة التعمير لا تعدو أن تكون مجرد عملية وقائية علاجية في بلادنا بالدرجة الأولى لأنها تسوية وضع قائم و ليس عملية وقائية و مستقبلية أيضا الشيئ الذي يطرح اليوم مسألة كيفية إدماج الفرد داخل النسيج الحضري من خلال سياسة التعمير و التخطيط الحضري , فلقد صارت المشاكل الحضرية تشكل تحديات حقيقية و أصبحت تستدعي لزاما إيجاد مخرجات معقلنة مبنية على مقترب شمولي يأخذ بعين الاعتبار التحديات الآنية و المستقبلية من خلال إدماج السلطات العمومية في ميدان تدبير المجالات الحضرية

إن جميع هذه الرهانات تلقي على عاتق المتدخلين في دراسة طلبات الحصول على رخص التعمير مسؤولية كبيرة قبل اتخاذ القرار المناسب سواء بالترخيص الذي يتعين فيه أن يخدم سياسة التعمير الكلية على مستوى المنطقة، أو بالرفض الذي يعني بالمقابل حرمان الطالب من إمكانية الحصول على سكن شخصي، أو عرقلة الاستثمار العقاري، وبين هذا وذاك تقوم الوكالات الحضرية كأحد هؤلاء المتدخلين بدور محوري في دراسة طلبات الرخص بحكم طبيعتها كجهاز فني بالأساس يضم العديد من التقنيين في مجال التعمير والتهيئة الحضرية، وأيضا بالنظر إلى القيمة القانونية التي أعطاها المشرع للرأي الذي تبديه.

و تأسيسا على ما سبق تثور في العلن مجموعة من الإشكالات لعل أبرزها هي المتعلقة بطبيعة الأدوار المسندة للوكالات الحضارية؟

ارتباطا بذلك نتسائل و إياكم عن نوعية و تصنيفات هذه الأدوار و الاختصاصات و القيمة القانونية التي تكتسيها ؟

و للإجابة عن هذه التساؤلات سنعتمد على الهيكلة التصميمية الآتية :

المبحث الأول : الاختصاصات الخاصة للوكالات الحضرية
المطلب الثاني : رخصة البناْء و رخصة التجزيء
المطلب الثاني : رخصة إقامة المجموعات السكنية و رخصة التقسيم
المبحث الثاني : الوكالات الحضرية بين اختصاصاتها العامة و الإكراهات المرتبطة بها
المطلب الأول : الاختصاصات العامة للوكالات الحضرية
المطلب الثاني : إكراهات تنزيل الوكالات الحضرية لقراراتها
المبحث الأول :الاختصاصات الخاصة للوكالات الحضرية
إن تتبع الأدوار الخاصة التي تطلع بها الوكالات الحضرية في مجال التعمـير و التهيئة العمرانية يجعلنا نقف على الإجراءات القانونية المتمثلة في منح الرخص، كرخصة البناء و رخصة التجزيئ من جهة (المطلب الأول) و كذا رخصة إقامة المجموعات السكنية و رخصة التقسيم (المطلب الثاني) من جهة ثانية

المطلب الأول : رخصة البناْء و رخصة التجزيء
بادئ ذي بدء أن أهم الرخص الممنوحة في هذا المجال لا تخرج عن رخص البناء بمعناها الشامل المفتوح (الفقرة الأولى) و كذلك رخص التجزيء ( الفقرة الثانية)

الفقرة الأولى : رخصة البناء
تعتبر رخصة البناء من بين الاختصاصات الخاصة الموكولة للوكالات الحضرية وذلك بالرجوع لقانون 12.90 المتعلق بالتعمير الذي نظمها في الباب الثالث باعتبارها من أكثر الرخص التي يتم تسليمها أو تقديم طلبات الحصول عليها , و المظهر الأساسي للتطبيق السليم لوثائق التعمير .

وإذا كان المشرع لم يعرف المقصود برخصة البناء ,فإن الفقه قد اعتبرها عبارة عن قرار إداري تصدره جهة مختصة بتنظيم المباني تأذن فيه بإجراء معين يتعلق بالمبنى الذي يصدر بشأنه , كما عرفت بأنها الوثيقة الرسمية التي تثبت حق أي شخص طبيعي أو معنوي في إقامة بناء جديد مهما كانت أهميته كما تعتبر وسيلة تمنح للإدارة من اجل العمل على احترام كل التشريعات المتعلقة بالتعمير حيث أن الإدارة لم ترخص سوى البنايات المطابقة لتصميم التهيئة و نظام الطرق و مشاريع التجزئات المصادق عليها

ومن الملاحظ أن قانون 12.90 قد وسع من نطاق تطبيق إلزامية رخصة البناء حيث نصت المادة 40 منه على أنه" يمنع القيام بالبناء دون الحصول على رخصة لمباشرة ذلك : - داخل الدوائر المنصوص عليها في المادة الأولى أعلاه وفي المناطق المشار إليها في ب( من المادة 18من هذا القانون التي تكتسي صبغة خاصة تستوجب خضوع تهيئتها لرقابة إدارية ؛

- خارج الدوائر المنصوص عليها في البند السابق والتجمعات القروية الموضوع لها تصميم تنمية : على طول السكك الحديدية وطرق المواصلات غير الطرق الجماعية إلى غاية عمق يبلغ كيلومترا ابتداء من محور السكك الحديدية والطرق الآنفة الذكر، وعلى طول حدود الملك العام البحري إلى غاية عمق يبلغ خمسة كيلومترات ؛

- داخل التجزئات المأذون في إحداثها عملا بالتشريع المتعلق بتجزئة الأراضي وتقسيمها وإقامة المجموعات السكنية.

ويجب الحصول على رخصة البناء كذلك في حالة إدخال تغييرات على المباني القائمة إذا كانت التغييرات المزمع إدخالها عليها تتعلق بالعناصر المنصوص عليها في الضوابط المعمول بها"

تشترط رخصة البناء قبل إحداث أي بناية أو إدخال تغييرات على المباني القائمة معتبرة أن إحداث المباني دون التوفر على رخصة البناء مخالفة معاقب عليها

و للتعرف على مسطرة دراسة رخصة البناء لابد من الإشارة إلى المنشور الوزاري رقم 222 الصادر عن وزير الداخلية بتاريخ 12 أبريل 1995 و المتعلق بمسطرة دراسة طلبات رخص البناء و إحداث التجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات في دائرة اختصاص الوكالات الحضرية , و أهم ما يمكن ملاحظته على هذا المنشور هو تركيزه على دور الوكالات الحضرية في تكريس لصلاحيات مهمة لفائدتها و هو ما يتبين من خلال مجموعة من العبارات التي تضمنها:

-الوكالة الحضرية هي التي تسلم مذكرات المعلومات

-الوكالة الحضرية هي التي تترأس اللجان المكلفة لدراسة المشاريع سواء كانت مسطرتها سريعة أو عادية .

-الرأي الذي تبديه الوكالة الحضرية رأي مطابق, أي أنه لا يمكن الترخيص لمشاريع دون موافقة مسبقة للوكالة الحضرية المعنية...

و بالمقابل فقد أوضح المنشور أن الوكالة الحضرية لا تقوم مقام الهياكل القائمة و إنما تسعى إلى جعل دراسة الملفات أكثر سرعة و نجاعة , و ذلك عن طريق توحيد المساطر و مد الجماعات بكفاءاتها التقنية باعتبارها جهازا متخصصا تنصب دراسته على المقتضيات القانونية و التنظيمية المتعلقة بالتعمير و البناء و كذلك لوثائق التعمير المعمول بها للوصول إل جـــودة معمارية
و نميز في رخصة البناء بين :
-الرخصة الصريحة , و التي تسلم بعد التحقق بأن المبنى المزمع إقامته تتوفر فيه الشروط التي تفرضها الأحكام التشريعية و التنظيمية الجاري بها العمل . فبعد أن يستجمع طلب رخصة البناء كافة الشروط المتطلبة قانونا , و بعد أخذ الجهة المكلفة بمنحها راي الوكالة الحضرية تسلم رخصة البناء لطالبها باعتبارها حقا لـــه و ليس امتيازا

-الرخصة الضمنية : تعتبر رخصة البناء مسلمة بمرور شهرين من تاريخ إيداع الطلب في حالة سكوت رئيس المجلس الجماعي حسب المادة 48 من قانون 12.90

هذا و تسقط رخصة البناء سواء كانت صريحة او ضمنية إذا انقضت سنة من تاريخ تسليمها بالنسبة لخص الصريحة أو من تاريخ انتهاء أجل الشهرين بالنسبة لرخص الضمنية دون أن يشرع في الأشغال المتعلقة بأسس المبنى المنصوص عليها في التصميم المرخص بشأنها حسب مقتضيات المادة 49 من القانون أعلاه

و بذلك تتجلى أهمية هذه الرخصة في كونها إحدى وسائل تقييد حق الملكية من خلال إخضاعه لمراقبة مسبقة , و عدم ممارسته إلا في نطاق القـــــــــانون و إلا سينتج عن ذلك تعريض المخالف لعقوبات إدارية كإيقاف الأشغال و هدم البناء , و زجرية (غرامات مالية)

الفقرة الثانية : رخصة التجزيئ
إذا ما تركت التجزئات فقط لتقدير الأشخاص بدون تنسيق مع الغدارة المعنية , فإنها تأخذ لا محال أشكال غير قانونية و غير صالحة , و بالتالي فإن جهود السلطات المعنية في و ضع القوانين و التنظيمات تذهب سدى , إذا لم يكن بإمكانها ممارسة التأطير و مراقبة التجزئات في غياب عقوبات زجرية لردع كل مخالفة للقوانين الجاري بها العمل و تجدر الإشارة إلى أن رخصة التجزيء منظمة بمقتضى الباب الأول من قانون 25.90 المتعلق بالتجزئات العقارية و المجموعات السكنية و تقسيم العقارات , حيث نصت المادة 2 على أنه "يتوقف إحداث التجزئات العقارية على الحصول على إذن إداري سابق يتم تسليمه وفق الشروط المنصوص عليها في هذا الباب ".

و يلاحظ هنا أن المشرع استعمل عبارة "الإذن" بدل عبارة "الرخصة " التي استعملها في قانون 12.90 مع أن المعمى الذي يقصد من كل منهما واحدة.

و تعتبر هذه الرخصة آلية تسمح للجهات المختصة –و القول هنا يشمل حتى الوكالات الحضرية- بممارسة الرقابة بشكل أفضل في العمليات العقارية و لتفادي ما أصبح يسمى بالتجزئات غير القانونية لهذا قيد المشرع عملية التجزيء بمجموعة من القيود , و ذلك بفرض رقابة أولية على أشغال التجهيز . و بعد انتهاء أشغال التجهيز يجب على المجزئ أن يقدم تصريحا للجهة المعنية يشعر فيه بانتهاء تلك الأشغال و يشترط توجيه هذا التصريح إلى السلطة المختصة لتسليم الإذن بواسطة رسالة مضمونة مع إشعار بالتوصل أو إيداع التصريح المذكور بمقر هذه السلطة مقابل وصل .

و بعد تقديم هذا التصريح تخضع التجزئة العقارية للمراقبة و التحقيق للتأكد من مدى تنفيذ المجزئ لالتزاماته و بعد ذلك يصدر تسليم التجزيء عبر مرحلتين , مرحلة التسليم المؤقت, و مرحلة التسليم النهائي الذي يصدر بعد مضي سنتين على منح تسليم الأول

و المقصود بالتسليم المؤقت هو معاينة اللجنة المختصة للأشغال و التجهيزات و مدى مطابقة التجهيز لمشتملات المشروع , حيث تتحقق هذه اللجنة من أشغال التهيئة و إعداد الأرض للبناء و للصرف الصحي , ويجب أن يتم التسليم المؤقت داخل 45 يوما التي تلي التصريح بانتهاء الأشغال و الذي على المجزء الإدلاء به للجنة المذكورة إذا طلب منه

أما التسليم النهائي إجراء مكملا لتسليم المؤقت , فهو وسيلة لتأكد من سلامة التجهيز و التحقق من أن الطرق و مختلف الشبكات لا يشوبها عـيب و أنها أنجزت بطريقة تتلائم مع القواعد القانونية و التنظيمية الجاري بها العمل و ذلك بعد مضي سنة على التصريح المؤقت

و نخلص إلى القول بأن التجزيء إذا كان حقا فرديا يرتبط ارتباطا وثيقا بحق الملكية إلا أن هذا الحق ليس مطلقا حيث أن المشرع قيد هذه الحرية بوجوب الحصول على إذن باعتباره الأداة الأساسية في يد السلطات المختصة تسمح لها بمحاصرة البناء العشوائي , و تفاديه , و تأسيس تنسيق بين مختلف التجمعات السكنية و الحفاظ على الطابع المعماري المنظم للمجال, حتى تتماشى السياسة المطبقة في مجال السكن مع متطلبات الأمن و الصحة و السكينة

و بعد قيام المجزئ بجميع هذه الإجراءات و الأشغال التي يفرضها القانون , فإن الوضع القانوني و المادي للتجزئة العقارية يكون صحيحا , الشيء الذي يخول لصاحب المشروع التعامل في التجزئة , سواء بالبيع أو الكراء أو القسمة

المطلب الثاني : رخصة إقامة المجموعات السكنية و رخصة التقسيم
إن التعدد و التنوع في الأنظمة العقارية الحديثة استوجب عمليات تقنين ترسي المعنى الحقيقي لسكن سواء كان على شكل تجمعات عقارية ( الفقرة الأول) أو تقسيمات تصاحبها (الفقرة الثاني)

الفقرة الأولى : رخصة إقامة المجموعات السكنية
للوكالة الحضرية دورا متميزا على مستوى ملفات التعمير العملياتي خصوصا في شقه المتعلق بالدراسة و كذلك بإبداء الرأي في جميع المشاريع المتعلقة بتقسيم و تجزئة الأراضي و إقامة المجموعات السكنية و المباني , و تمر دراسة ملفات التدبير العمراني عبر مسطرة تم التنصيص عليها في المرسوم التطبيقي للقانون 25.90 و كذا بعض الدوريات و المناشير و التي حددت المسطرة التي تتبعها الوكالات الحضرية في دراسة الملفات المعروضة , حيث يمكن في هذا الصدد التمييز بين نوعين من المساطر .

-المسطرة السريعة : و هي التي خصصت للمشاريع العادية "الصغرى " و التي تضم البنايات الفردية (الفيلات) و عمارات التي يساوي علوها أو يقل عن 11,5 متر أي بطابقين على الأكثر , و كذلك التغييرات و التعديلات المدخلة عليها كذلك بناء أو تهيئة المحلات التجارية أو الصناعية حسب تصنيف ظهير 1914 على ألا تتجاوز مساحتها 500 متر مربع و علوها 5.5 متر علاوة على البنايات الموسمية أو المؤقتة .

المسطرة العادية : و التي خصصت للمشاريع الكبرى حيث يمكن اختصارها في التجزئات العقارية و تقسيمات الأراضي و كذلك جميع البنايات المزمع إنجازها من لدن أو لحساب إدارة عمومية أو جماعة محلية أو مؤسسة عمومية (مساجد , مقابر , مدارس ... ) بالإضافة للبنايات الخاصة المخصصة للعموم أو تستقبل العموم (فنادق , المدارس الخاصة ....) وكل البنايات التي تفوق مساحتها 500 متر مربع و علوها 5,5 متر .

و بذلك يلاحظ أن الوكالات الحضرية تلعب دورا هاما على مستوى هذه المساطر حيت أن الجهات المختصة بمنح الرخص ملزمة بضرورة عرض هذه الملفات كبرى أو صغرى على أنضار الوكالات الحضرية لإبداء آرائها .

هكذا و فيما يتعلق بالمشاريع في إطار المسطرة السريعة و بعد إيداع الملفات لدى الجماعة المعنية يتم تشكيل لجنة محلية تتولى الوكالة الحضرية أمانتها و الاجتماع لن يكون صحيحا إلا بحضور الوكالة الحضرية و التي تبدي رأيها في هذه المساطر ومدى قانونية الأشغال المنجزة

أما فيما يتعلق بالمشاريع الكبرى فإن الوكالة الحضرية هي من تتولى رئاسة اللجنة المحلية و تدرس الملفات داخل أجل لا تتعدى 10 أيام ابتداء من تاريخ تسلم هذه الملفات

و عليه نستنتج أن الوكالة الحضرية تحتل مكانة متميزة على مستوى الإجراءات المسطرية و البت في المضمون و هذا في حقيقة الأمر راجع لما تتوفر عليه من وسائل مالية و بشرية و تقنية تمكنها من القيام بدراسة شاملة لمجموع مشاريع التدبير العمراني بصفة عامة و التجزئات العقارية و المجموعات السكنية بصفة خاصة .

إن تناول الجزء الثاني من التجزئات العقارية بالدراسة دون المجموعات السكنية يرجع لكون هذه الأخيرة تخضع لنفس المقتضيات الخاصة بالتجزئة العقارية المنصوص عليها في الباب الأول من قانون 25.90 التي يتم شرحها في هذا الجزء .

و عليه فإن كل الالتزامات التي يخضع لها المجزء طبقا للقانون تكون كذلك مفروضة على كل من يريد إنجاز مجموعة سكنية , و الذي يجب عليه أيضا أن يقدم كل الوثائق و المستندات المقررة في الأحكام التشريعية و التنظيمية التي تسهر الوكالة الحضرية بكل الإمكانيات الموجودة لديها على مراقبتها في المراحل القبلية و البعدية .

الفقرة الثانية : رخصة التقسيم
عالج المشرع المغربي تقسيم العقارات في الباب الرابع من قانون 25.90 حيث لم يورد لها أي تعريف يحدد ماهيتها و عليه يمكن اعتبار التقسيم أداة لتفتيت الملكية العقارية و تقزيمها لقطع أرضية صغيرة المساحة , و هذا يتشابه إلى حد كبير مع التجزيئ بحيث إذا كانت التجزئات العقارية تؤدي إلى تفتيت العقار بشكل منظم متحكم فيه , بغرض تحقيق أهداف تعود بالمصلحة على الجماعة , بحسب نوع التجزئة بحسب نوع التجزئة (سكنية , صناعية , فلاحية , سياحية ...) فإن تقسيم العقارات الذي يشكل في غالب الأحيان عمليات فردية أو منعزلة لا تحقق إلا مصلحة محدودة لفرد أو لأفراد محدودين , و في حالات كثيرة يكون دافعها هو الخروج من حالة الشياع الناتجة عن الإرث خصوصا إذا علمنا أن هذه الأخيرة غير مرحب بها في الوسط القانوني و الفقهي و لعل الشاهد على ذلك المادة 27 من قانون 39.08 المتعلق بالحقوق العينية تأثرا بتوجه محكمة النقض المجلس أعلى سابقا

و عموما فإن التقسيم يكون في المناطق التي لا يباح فيها البناء و بمقتضى وثيقة من وثائق التعمير , ذلك أنه إذا وقع في عقار معد للبناء بمقتضى إحدى وثائق التعمير فالمطلوب هنا هو التجزيئ و ليس التقسيم .

و منه فإن القاسم المشترك بين جميع هذه الرخص هو أن اختصاص منحها يرجع لرئيس المجلس الجماعي أو من يفوض إليه هذه الصلاحية طبقا للمادة 41 من قانون 12.90 بالنسبة لرخص البناء و المادة 3 و 59 من قانون 25.90 . ما عدا في بعض الحالات الخاصة التي يتولى فيها تسليم الرخصة استثناءا من وزير الداخلية أو السلطة المحلية في شخص الوالي أو العامل كما يلاحظ غياب أي إشارة صريحة إلى الدور الذي يمكن أن تطلع به الوكالة الحضرية في دراسة ملف طلب الرخصة و كيفية القيام به سواء قانون 12.90 أو قانون 25.90 مع أنه عند صدورهما كان قد شرع في تطبيق تجربة الوكالة الحضرية بإحداث الوكالة الحضرية بفاس و أكادير المحدثتين على التوالي بتاريخ 1992 .

بل إن القانونين المذكورين أعلاه لم يتطرقا بكيفية دقيقة و واضحة إلى مسطرة دراسة طلبات رخص التعمير من جميع الجهات المتدخلة في تلك الدراسة و للآجال المحدد لها لإبداء آرائها أو منح تأشيراتها , و اقتصرا فقط عل الإشارة بصفة مقتضبة إلى أن تسليم رخصة البناء أو الإذن بالتجزيئ أو التقسيم يتم دون إخلال بوجوب الحصول على الرخص و الإذن المنصوص عليه في تشريعات خاصة و بعد أخذ الآراء و الحصول على التأشيرات المقررة بموجب الأنظمة الجاري بها العمل , الأمر الذي فتح المجال أمام اختلاف و تباين المسطرة المتبعة بين كل جماعة و أخرى .

أما بالنسبة للوكالات الحضرية , فلم يتم الحديث صراحة عن دورها في مسلسل دراسة ملف الرخصة إلا بمقتضى المرسوم التطبيقي للقانونين رقم 12.90 و 25.90 حيث يجب أن يعرض الطلب على الوكالة الحضرية بموجب التشريع الجاري به العمل كما تجدر على أن الوكالة الحضرية لا تمارس اختصاصاتها خارج النفوذ الترابي التابع لها.

و الغرض من الحرص على التنبيه إلى دور الوكالة الحضرية في المرسومين المذكورين إنما يندرج في إطار ملائمة مقتضياتهما مع المقتضيات المتعلقة بإحداث الوكالات الحضرية و التي تخول لـــها إبداء الرأي في جميع المشاريع المتعلقة بالتقسيم و ذلك داخل اجل أقصاه شهـــر ابتداء من توجيه تلك المشاريع إليها و يكون بذلك الرأي الذي تبديه بشأنها ملزما و لم تكن هذه المقتضيات كافية لتوضيح كيفية ممارسة الوكالات الحضرية تدخلها في دراسة طلبات رخص التعمير و الإجراءات العملية لذلك التدخل و حدوده .

المبحث الثاني : الوكالات الحضرية بين اختصاصاتها العامة و الإكراهات المرتبطة بها
لعل تعدد المهام المنوطة بالوكالات الحضرية يجعلها قطب الراحة في مجال التعمير خصوصا عندما يتعلق الأمر بالدراسات القبلية (المطلب الأول) التي تضطلع بها بالرغم من المعيقات التي قد تحول دون تفعيل قراراتها (المطلب الثاني)

المطلب الأول : الاختصاصات العامة للوكالات الحضرية
تلعب الوكالات الحضرية دور أساسي في مجال التخطيط العمراني حيث نجد أن المشرع قد اعترف لها بممارسة مجموعة من الصلاحيات و الاختصاصات هذا الصنف من الاختصاصات المسندة إلى الوكالات الحضرية نصت عليها المادة 3 من الظهير الشريف بمثابة قانون رقم 51-93-1 بتاريخ 10 شتنبر 1993 المتعلق بإحداث الوكالات الحضرية باستثناء البندين الرابع و الخامس منها المتعلقين بالرأي الذي تبديه في المشاريع المتعلق بتقسيم و تجزئة الأراضي و إقامة المجموعات السكنية و المباني و مراقبة تنفيذ تلك المشاريع

و عموما فإن هذه الاختصاصات ذات البعد الشمولي و الواسع يمكن تلخيصها في عدة نقط أساسية :

_ القيام بالدراسات الضرورية لإعداد مخططات توجيهية المرتبطة بالتهيئة الحضرية و متابعة تطبيق التوجيهات المحددة فيها . لهذا فإذا كان إعداد مشروع المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية بمسعى من السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير و بمساعدة من الجماعات المعنية و المجموعات الحضرية في حالة وجودها , فإن هذا لا ينفي تدخل أجهزة أخرى في هذه المسطرة كما هو الحال بالنسبة للوكالة الحضرية التي تتمتع بمجموعة من الاختصاصات على مستوى مسطرة إعداد المخطط التوجيهي للتهيئة العمرانية .

فالاختصاصات المنوطة لها في ميدان التعمير تجعل منها وحدة لا يمكن التقليل من أهميتها في جميع التدخلات في مجال التخطيط العمراني داخل الفضاء الجغرافي الذي تغطيه .

فمن بين أيضا الاختصاصات الموكولة للوكالات الحضرية مهمة إعداد الدراسات التمهيدية اللازمة لإعداد المخططات التوجيهية للتهيئة العمرانية التي تدخل في نطاق اختصاصها .

حيث إن إسناد هذا الاختصاص للوكالات الحضرية قد جاء به المشرع تداركا للضعف الذي كانت تعاني منه الحكومة المكلفة بالتعمير , و هذا ما كان يدفعها إلى اللجوء لإعداد مثل هذه الدراسات إلى مكاتب الدراسات الخاصة .

و عليه فإن الوكالات الحضرية تلعب كذلك دورا مركزيا في مناقشة و بحث و متابعة إعداد مخططات توجيهية داخل نطاقها , هذا دون أن تكون لها صلاحية المبادرة في وضع هذا المخطط .

كما تلعب كذلك الوكالات الحضرية دورا أساسيا في وثائق التعمير التنظيمي و ذلك من خلال المبادرة و الإشراف على إعداد مشاريع تصاميم التهيئة و التنمية و كذا تصاميم التنطيق .

و يجد هذا التدخل أساسه القانوني من خلال البندين 2 و 3 من المادة 3 من الظهير المحدث للوكالات الحضرية .

فبالنسبة لتصميم التنطيق , تبدأ عملية وضع مشروع تصميم التنطيق من طرف الوكالة الحضرية بإنجاز تقرير تمهيدي للمجال المحلي الذي سيغطيه التصميم و يكون الهدف منه فهم و تحليل العوامل الخاصة منها الاجتماعية و الاقتصادية التي تؤثر على المدينة و تفسر نموها .

و اعتمادا على مختلف هذه الدراسات التمهيدية تقوم الوكالة الحضرية بوضع مشروع تصميم التنطيق و ذلك من خلال تحديد تنطيق مختلف المجالات المشمولة لمشروع التصميم, حيث يتم تحديد المناطق المخصصة لمختلف الأغراض التي يجب أن تستعمل لها و بعد إعداده تقوم الوكالة الحضرية بعرضه على اللجنة المحلية للتعمير التي تقوم بإبداء اقتراحاتها و ملاحظاتها حول المشروع و توجه بعد ذلك موجز من أعمالها إلى مدير الوكالة الحضرية و يمكن لهذه الأخيرة أن تقوم عند الاقتضاء بتعديل مشروع تصميم التنطيق وفق ما تم التوصل إليه عند دراسة الملاحظات التي أبدتها اللجنة المحلية و بعد ذلك يتم إحالة مشروع تصميم التنطيق في صورته الجديدة إلى السلطة الحكومية المكلفة بالتعمير قصد الموافقة عليه بقرار ينشر في الجريدة الرسمية .

أما بالنسبة لتصميم التهيئة يتم وضعه كمشروع بمبادرة من الإدارة حسب المادة 23 من قانون التعمير .

حيث أن عملية الإعداد هاته تستوجب أولا فهم المجال المعني بهذه الوثيقة , لهذا تتولى الوكالة الحضرية إجراء دراسات متعددة الاختصاصات يمكن تصنيفها إلى ثلاث مستويات:

دراسة سوسيواقتصادية و كذا الأنشطة الاقتصادية التي تتميز بها المنطقة -
دراسات مجالية من تجديد الخصائص الطبيعية للرقعة المعنية بالتصميم -
دراسات قطاعية تهم مختلف المجالات (السكن , التجهيزات , العقار ..... )-
و بعد تحديد مشروع تصميم التهيئة من طرف الوكالة الحضرية يتم توجيهه إلى اللجنة المحلية المكلفة قصد استشارتها لتقوم بعد ذلك الوكالة الحضرية بتوجيه المشروع إلى المجالس المحلية , تحت إشراف العامل للقيام بالمسطرة القانونية المتعلقة بالبحث العمومي , ليتم بعد ذلك إرجاع المشروع إلى الوكالة الحضرية قصد إدخال التعديلات و المقترحات اللازمة على التصميم .

المطلب الثاني : إكراهات تنزيل الوكالات الحضرية لقراراتها
رغم الإكراهات المرتبطة بالمحيط الذي تشتغل فيه كل وكالة حضرية على حدا , حيث لكل وكالة حضرية خصوصيات تستمد تركيبتها من طبيعة المجال الذي تشتغل فيه فإن الإشكالات التي تعاني منها الوكالات الحضرية بصفة عامة تبقى متشابهة و متقاربة .

فمن جهة هناك الإكراهات المرتبطة بضعف و جمود المنظومة القانونية المنظمة لتدخل الوكالات الحضرية ومن جهة أخرى نجد أن الوكالات الحضرية تعاني من مجموعة من الاختلالات المرتبطة بالواقع و التي يسعى القضاء جاهدا تجاوزها و ذلك من خلال الطعون و كل الوسائل القانونية المتاحة .

الفقرة الأولى : الإكراهات القانونية و العملية
يعتبر الظهير الشريف رقم 51-93-1 بمثابة الأساس و المرجع القانوني المنظم للوكالات الحضرية و يفترض أنه استنبط وجوده من الممارسة أي انه لم يأت بشكل منفصل على الواقع بل كان هذا الأخير هو مصدر انبثاق هذا المرجع القانوني و لكن بالرغم من ذلك فقد ظ أو على مستوى التدبير العمراني هرت من بين ثناياه مجموعة من الإشكالات العملية سواء على مستوى التخطيط الحضري أو على مستوى التدبير العمراني .

فيما يخص التخطيط فدور الوكالات الحضرية يرتبط وجودا و عدما بوثيقة التخطيط التقديري الذي لا تملك هذه المؤسسة في إطاره أي صلاحيات قانونية تخول إمكانية اتخاذ المبادرة في إعداده , مما يجعل الوكالة الحضرية تابعة في إعداد هذه الوثيقة إلى قرارات المركز

أما فيما يخص التعمير التنظيمي فنجد أن الوكالة الحضرية تتمتع بصلاحيات أكبر من صلاحياتها بخصوص التعمير التوجيهي , إلا أن هذا الدور يبقى هامشيا إذا ما ربطناه برخصة المصادقة التي تبقى مركزية , كما أن آجال المصادقة يزكي ثقل الوصاية و هامشية دور الوكالة الحضرية في صياغة وثائق التعمير في شقها التنظيمي كما أنها تمارس عملها بالتفويض لا بمقتضى التمثيل و كذلك هي مقيدة وفقا لمبدأ التخصص و خاضعة لوصاية السلطة التنظيمية المكلفة بالتعمير .

علاوة على ما ذكر هناك إكراهات مرتبطة بقوانين التعمير و التي تتمثل في كثرة المخالفات مما يساهم في تدهور البنيات التحتية العامة للمدن و القرى مما حدا بالدولة إلى إحداث مفتشيات جهوية للتعمير .

و الوكالات الحضرية بمختلف جهات المملكة مبدئيا تلعب دورا أساسيا للمساهمة في توعية المواطنين لاستيعاب مضامين قانون التعمير , غير أن هذا يبقى غير كاف لحل إشكالية البناء الفوضوي لأنه يكرس فقط الشرطة الإدارية , فتقوم الدولة أو الجماعة المحلية التابعة لها بهذا الدور التقليدي الذي يبقى إلى حدود الآن جد محدود لازدياد حاجيات السكان نحو البناء و التشييد لدورهم السكنية أو محلاتهم المهنية باعتبارها من الأولويات الاجتماعية, هذا ما دفع بعض الفقه إلى جعل قانون التعمير قانونا عملياتيا أكثر منه إداريا و لكن هذا الرهان بات صعبا مع تعقد المساطر و بطئها في السريان أمام الواقع, إذ أن الدراسات غالبا لا تأخذ بعين الاعتبار التصورات المستقبلية في مجال التعمير مما يخلق مشكل في الوعاء العقاري و سياسة التعمير الحديثة إذ لا ينبغي أن يكون مفهوم هذه السياسة مقتصرا على الآنية في التدخلات بقدر ما يحتاج لنظرة تقديرية تتوقع المستقبل و تخطط له على المدى البعيد , وخصوصا إذا علمنا أن هناك تعقد في قضايا التعمير و ضعف الممارسة الفعلية للجماعات المحلية بغياب الربط بين التعمير و إعداد التراب الوطني مما أدى إلى عدم انسجام البنية العقارية , و ذلك لتداخل الاختصاصات بين السلطة الإقليمية من جهة ممثلة في الوكالة الحضرية و الجماعات المحلية ثم السلطة المركزية من جهة أخرى , فتعدد هذه القنوات يؤدي إلى تضارب في القرارات .

و هذا ما يستوجب تطبيق و تنفيذ رزنامة من النصوص التشريعية و التنظيمية و التي يكون طابعها القانوني متجدد و مرن في التطبيق , فكثرة الدوريات و المناشير تدل على أن قانون 12.90 صار متجاوزا, فالسياق الذي جاء فيه هذا القانون لم يعد كما كان عليه, حيث كانت وتيرة العمران مغايرة لما تشهده اليوم من ارتفاع مضطرد , و بالتالي اتسع النطاق الجغرافي لتطبيق هذا القانون لما يفوق مئات التجمعات الحضرية و القروية .

هذه الهشاشة التي تعاني منها الترسانة القانونية المنظمة لميدان التعمير بسبب قدمها و تعددها و تداخلها انعكس بشكل مباشر على دور الوكالات الحضرية , مما جعلها أمام مجموعة من التحديات لعل أبرزها يتمثل في تداخل اختصاصاتها مع الجماعات المحلية على مستوى المسؤليات و الأدوار المنوطة بكل واحدة على حدا حيث يمكن أن ترى الجماعات المحلية رأي من الآراء صادر من الوكالة الحضرية يمس بالاختصاصات المسندة إليها و هو الأمر الذي قد يؤدي ببعض رؤساء المجالس الجماعية إلى الموافقة على رخص التعمير ضــــــدا على رأي الوكالة الحضرية أو إلى الامتناع عن تسليم الرخص , رغم توفر الرأي الإيجابي للوكالة الحضرية الفقرة الثانية : طبيعة الطعن في قرارات الوكالة الحضرية إن البحث في مدى انسجام فكرة الأثر القاني كشرط لقيام القرار الإداري مع الأعمال الصادرة عن الوكالة الحضرية في مجال رخص التعمير ينطلق من زاويتين أساسيتين من خلال دور الوكالات الحضرية في دراسة طلبات الرخص المذكورة و طبيعة ذلك الدور و حدوده و الثانية تقوم على أساس التمييز بين تلك الأعمال بحسب مراحل التي صدرت فيها و عدم اعتبارها من جنس واحد بحيث يمكن تصنيفها إلى ثلاث أنواع :

الأعمال الصادرة قبل دراستها لملف الرخصة -
الأعمال الصادرة بمناسبة دراسة الملف -
الأعمال الصادرة بعدى صدور قرار الترخيص -

فالصنف الأول لا يمكن تصوره إلا بالنسبة لمذكرة المعلومات التي يطلبها صاحب الشأن من الوكالة الحضرية في إطار استعداداته لتقديم طلب الخصوم على رخصة مـا من رخص التعمير , و لا شك أن الوثيقة الصادرة بتلك المعلومات لا تملك أي صفة تقريرية و هذا ما ذهبت إليه المحكمة الإدارية بمراكش في إحدى ملفاتها

"وحيث إن القرار الإداري حسب الفقه والقضاء هو إفصاح الإدارة في الشكل الذي يتطلبه القانون على إرادتها الملزمة بمالها من سلطة عامة بمقتضى القوانين واللوائح لإحداث مركز قانوني متى كان ممكنا وجائزا وكان الباعث عليه ابتغاء المصلحة العامة.
وحيث اعتبارا لما تقدم فإنه لكي يكون القرار الإداري قابلا للطعن بالإلغاء يجب أن يكون صادرا عن سلطة عامة ونهائيا ومؤثرا بذاته في المراكز القانونية للأطراف.
وحيث إنه بالرجوع إلى ما اعتبره الطاعنون قرارا إداريا يتضح أنه لا يعدو أن يكون مجرد ورقة معلومات تتعلق بعقارهم من حيث موقعه ووضعيته حسب توقعات مشروع تصميم التهيئة الخاص بالمنارة جليز، ولا يتضمن أي قرار من شأنه إحداث أثر قانوني أو إلغاؤه بالنسبة لحقوق المعنيين بالأمر، الشيء الذي يكون معه الطعن فيه بالإلغاء غير مقبول"
أما الصنف الثاني

و هو الذي يثير جدلا حول القيمة القانونية التي يكتسيها و اختلفت فيه المحاكم الإدارية حول مدى قابليتها لطعن بصفة مستقلة عن قرارات الترخيص أم لا فهناك اتجاه اعتبر الرأي الذي تبديه الوكالة الحضرية أو من يمثلها أثناء دراستها للملف هو ملزما لرئيس المجلس الجماعي في اتخاذه لقرار الترخيص أو الرفض , و ذلك فيما يتعلق بمطابقة مشروع البناء للمقتضيات القانونية و التنظيمية العامة المتعلقة بالتعمير و البناء أو مطابقة لوثائق التعمير المعمول بها , و ذلك على خلاف باقي الآراء الأخرى التي تكتسي طابعا استشاريا فقط و لا تحوز أي قوة ملزمة, دون أن يمنع ذلك من أن جميعها بما فيها رأي الوكالة الحضرية تعتبر من صنف الإجراءات التمهيدية أو التحضيرية التي تسبق اتخاذ القرار النهائي من طرف الجهة التي منحها المشرع هذا الاختصاص و هي ممثلة في شخص رئيس المجلس الجماعي بموجب المادة 41 من القانون رقم 12.90، والمادتين 3 و59 من القانون 25.90، وهو ما يجعلها تفتقد إلى شرط التأثير في المركز القانوني للمعنيين بالأمر. وهذه الفرضية من الناحية العملية تطرح في حالة عدم حصول أي اتفاق بين أعضاء اللجنة حول القرار الواجب اتخاذه، ولذلك جاء في المنشور 1500 على أنه في مثل هذه الحالة يتخذ رئيس المجلس الجماعي القرار دون المساس برأي الوكالة الحضرية كما سلف الذكر، وذلك انسجاما مع مقتضيات المواد أعلاه.

وعلى هذا الأساس بنت المحكمة الإدارية بالرباط في حكمها الصادر بتاريخ 16/10/2003، بمناسبة الطعن في قرار رئيس المجلس البلدي للرباط اليوسفية الذي رفض تلبية طلب الطاعن في الحصول على رخصة لبناء عمارة من أربع طوابق على قطعته الأرضية استنادا إلى الرأي السلبي الذي أبدته الوكالة الحضرية للرباط بخصوص ذلك الطلب، وقبل مناقشة المحكمة لمضمون ذلك الرأي ومدى مطابقته للقانون أم لا، وصفته بداية بأنه رأي استشاري، بما يحمله هذا الوصف من مفهوم قانوني يجعله خارج عداد القرارات الإدارية القابلة للطعن

و هناك اتجاه آخر اعتبر مثل هذه الآراء قابلة لطعن لعدة أسباب و هذا ما صارت عليه المحكمة الإدارية بالدار البيضاء ففي قضية علال البركة ضد الوكالة الحضرية للدار البيضاء، قبلت الطعن الموجه ضد قرار هذه الأخيرة الضمني برفض إعطاء الرأي الموافق على رخصة البناء التي طلبها الطاعن، وهو القرار الذي استنتجته من موقف الصمت الذي تعاملت به الوكالة إزاء الطلب الذي تقدم به إليها هذا الأخير من أجل حثها على إبداء الرأي المذكور.

وعللت المحكمة قبولها للطعن بأن الوكالة الحضرية وهي "سلطة إدارية عامة عندما أفصحت عن إرادتها في عدم منح موافقتها على طلب الرخصة تكون قد أضرت بمصالح الطاعن، وأثرت بصورة مباشرة في مركزه القانوني، الأمر الذي تتوفر معه لموقف العامل مدير الوكالة الحضرية جميع مقومات القرار الإداري كما اصطلح عليها فقها وقضاء، مما يجعله قابلا للطعن بالإلغاء ".

أما الصنف الثالث يجد سنده في البند الخامس من المادة الثالثة من الظهير المحدث لتلك الوكالات والذي ينيط بها مراقبة أعمال تقسيم وتجزئة الأراضي وإقامة المجموعات السكنية والمباني عندما تكون في طور الإنجاز، وذلك للتحقق من مطابقتها لأحكام النصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل ولرخص التجزئ أو التقسيم وإقامة المجموعات السكنية أو البناء المسلمة لأصحاب الشأن.

وفي هذا السياق يلاحظ أن هناك تقصير كبير من جانب الوكالات الحضرية في القيام بوظيفتها على هذا المستوى. إذ في الغالب لا تتحرك إلا بعد توصلها بشكايات من المتضررين من البناءات المخالفة لضوابط التعمير. وعلى إثر ذلك يقوم أعوانها بمعاينة المخالفة المرتكبة وتحرير محضر بشأنها. أحيانا يتم إرسال ذلك المحضر إلى السلطات المختصة لاتخاذ ما يلزم من القرارات المناسبة، وأحيانا كثيرة يتم الاكتفاء فقط بمراسلة صاحب الشكاية لإخباره بمآل شكايته وما اتخذته الوكالة في شأنها أي التحقق من صحة المخالفة المشتكى بها من عدمها.

في حالة عدم اتخاذ الإجراء المعني الذي غالبا ما يكون قرار الهدم داخل الأجل المحدد للإدارة، يتوجب على الوكالة أن تبادر إلى الطعن القضائي في القرار الضمني برفض اتخاذ القرار المناسب في حق المخالف بنفس الصفة التي تملكها للطعن أصلا في قرار الترخيص الذي يصدر بشكل مخالف للرأي الذي تبديه أثناء دراسة الملف، دون أن تملك أي صلاحية لسحب القرار الصادر على هذا النحو أو اتخاذ قرار بوقف الأشغال أو هدم البناء سواء المنجز بناء على ذلك الترخيص، أو المخالف لضوابط التعمير (بناء بدون ترخيص أو غير مقيد بشروط الرخصة). لأن ذلك فيه تعدي على اختصاصات السلطات الإدارية الأخرى التي منحها المشرع هذه الصلاحية، وهذا ما أكدته الغرفة الإدارية في قرارها عدد 597 الصادر بتاريخ 20/04/2000 في الملف الإداري عدد 162/5/1/98 والذي جاء فيه على أن "قرار الوكالة الحضرية وإن كان يعتبر ردا عن استفسار المستأنف عليه –الطاعن- فإنه قد أثر في المركز القانوني للمعني بالأمر عندما أخر إيقاف أشغال البناء الجارية ضدا على رخصة البناء، والحالة أن المستأنف عليه لا يعتبر مسؤولا عن عدم اتباع المجلس البلدي للمسطرة الواجب إتباعها على فرض ثبوت ذلك، مما يكون معه الحكم المستأنف الذي اعتبر قرار الوكالة المذكورة بمثابة سحب لرخصة البناء واجب التأييد".

خـــــــــــــــاتمة
ختاما يبقى التعمير من القطاعات التي لها أهمية قصوى على التنمية الاقتصادية و الاجتماعية لأي بلد , فإن تم تدبيره بطريقة عقلانية و مرنة و فاعلة , كانت له آثار إيجابية على التنمية بمفهومها الشمولي , و إذا ما اتسم تدبيره بجوانب القصور و الخلل كانت له انعكاسات سلبية على التنمية .
بقلم ذ وائل العياط
خريج ماستر العقار والتعمير - السويسي - باحث في القانون العقاري
 


أعلى الصفحة