القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ محمد بوخريسا
: طالب باحث بصف الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة عبد المالك السعدي بطنجة.
تحت عدد: 520
يكمن مقياس تطور الشعوب في إنتاجها الفكري الجاد بالكيفية

والكمية اللازمتين ، والتي عبر عنها نوبل بقوله : "قيمتك في الحياة بقدر ما تضيفه إليها ".

فالإنتاج الفكري إذن لا يقِلُ إن لم نقل يفوق قيمة الإنتاج المادي بل هو المرجع ، لذلك فَطن المجتمع الدولي منذ فترة إلى أهمية حماية المصنفات الفكرية بمختلف ألوانها.

لهذا أصبحت إلزامية محاربة السلع المغشوشة والمقلدة والمنتهكة لحقوق الملكية الفكرية لما تشكله من خطر على صحة وسلامة وأمن الفرد والمجتمع ، مسألة حتمية.

ان الوقوف على هذه الصعوبات يتطلب في المقام الاول النظر الى الصلاحيات القانونية الممنوحة للإدارة الجمركية من اجل مجابهة تزييف وتقليد السلع والبضائع ، بالإضافة الى قياس القدرات والإمكانيات البشرية واللوجيسيكية المتوفرة لدى الادارة الجمركية.

المحور الاول: الترسانة القانونية المتوفرة للإدارة الجمركية لمكافحة التزييف.

تلعب إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة دورا مهما في حماية الاقتصاد الوطني والمستهلك على السواء من أي تهديد للسلع المستوردة أو المهربة من الخارج والغير الخاضعة للتدابير القانونية المعمول بها أو غير المتوفر فيها شروط السلامة اللازمة.

وتنسجم هذه المهمة مع جملة المهام الموكولة لإدارة الجمارك في هذا الباب ، وانطلاقا من ذلك ، يحق لإدارة الجمارك أن توقف التداول الحر للسلع المهربة أو المقلدة أو المقرصنة إذا ما شكت أو تأكدت من ذلك.

الفقرة الاولى : قوانين ايقاف التداول الحر للسلع

وطبقا للحالة المعروضة ، تُخبر إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة الشخص المعني مالك البضائع المقلدة أو المهربة كما تطلعه على كل المعلومات بناء على طلب كتابي منه.

إلا أن الملاحظ حول هذا القانون أنه لم يجعل من إدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ، طرفا في موضوع الجرائم المتعلقة بالقرصنة أو التقليد ، كما أن مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة قد خلت إلى وقت قريب من جعل هذا الفعل مخالفة جمركية ، حيث اقتصر دورها على حجز السلع أو المصنفات إذا ما تأكدت أو شكت في كونها مقرصنة أو مقلدة ، مع الاكتفاء بإخبار المالك الحقيقي (المفترض) بتلك الوقائع ، هذا الأخير له كامل الصلاحية في إجراء المتابعة من عدمها.

ففي إطار ممارسة إدارة الجمارك لأدوارها المتعددة ، تضطلع بمهام توقيف التداول الحر للسلع المشكوك في كونها مقرصنة أو مقلدة فيما يخص عمليات الاستيراد ، التصدير و العبور حمايةَ لحقوق المؤلف والحقوق المجاورة تطبيقا لمقتضيات القانون عدد 2.00 بتاريخ 15 فبراير 2000 كما تم تغييره وأيضا حماية لحقوق الملكية الصناعية انسجاماَ مع مقتضيات القانون عدد 97- 17 كما تم تغييره وتتميمه.

وبالنظر الى مختلف القوانين ذات الصلة يتضح ان مجال اشتغال الجمارك لمكافحة التزييف مرتبط اساسا بعلامة الصنع والتجارة دون باقي الملكيات الفكرية الصناعية الأخرى على خلاف التشريعات الاوربية وخصوصا التشريع الفرنسي كما سبق وان اوضحنا اثناء مقاربة هذه الظاهرة في فرنسا واوربا عموما ، والتي تنصرف فيه الحماية الى حماية براءات الاختراع والرسوم والنماذج الصناعية الاخرى ، مما يوضح المجال الواسع لتدخل الادارة الجمركية في هذه البلدان ، ويمكن تفسير سلوك المشرع المغربي في هذا الصدد بكونه يعمل على تحرير واسع لمرور السلع والبضائع من أجل جلب الاستثمارات ورؤوس الاموال ، على اعتبار ان التضييق الجمركي على مرور السلع والبضائع من خلال التدخل في شتى عمليات التزييف والتقليد التي تطال كل الحقوق المرتبطة بالملكية الصناعية من شأنه ان يلحق اضرار بالاقتصاد الوطني ، وهذه مقاربة قاصرة على اعتبار ان التوجهات العالمية في هذا الصدد تدور في فلك محاربة كل اشكال التزييف والتقليد داخل الحدود الجمركية وأيضا داخل حدود الدول المصدرة لهذه السلع المزيفة كنوع من الحماية للمنتجات الاصلية ، وضمان ثقة المستثمرين المعتمدين ، كما هول هذه الظاهرة والأموال الطائلة المستخدمة في هذه التجارة غير المشروعة يوضح بالملموس ان السبيل الواحد من اجل تنمية الاقتصاد الوطني هو تشديد اجراءات المراقبة ومحاربة مختلف عمليات التزييف ، كما المحدودية القانونية التي تتحكم في عمل الجمارك المغربية تجعل اصحاب العلامات القانونية تتخلى عن الكثير من الطلبات المتعلقة بوقف التداول الحر للسلع ، والمطالبة بالتعويضات امام المحاكم المغربية بفعل طول الاجراءات وعدم جدية الجمارك في محاربة هذه الظاهرة.

الفقرة الثانية :اشكالات قانونية مرتبطة بتدخل ادارة الجمارك لحماية الملكية

وتبعا لذلك نجد هناك ايضا اشكاليات قانونية أخرى تتمثل في ان المشرع استثنى بصفة صريحة من مجال تدخل الجمارك السلع والبضائع التي ليست لها صفة تجارية ، والموجودة ضمن أمتعة المسافرين او الموجهة في ارساليات صغيرة بغرض الاستعمال الشخصي.

ان هذا الاستثناء وان كان مرتبط بالمادة 60 من اتفاقية الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة [1]  فان خطورته تكمن في الاضرار الصحية التي يتعرض لها المستهلك بفعل السماح لمثل هذه السلع بالدخول الى التراب الوطني .

   من جانب آخر فان جميع مصالح الضبط تتوفر على هامش من الحرية يسمح بالاستفسارات والمراقبات الاجرائية الروتينية ، وهذا ما يسمح للجمارك بالتدخل من تلقاء نفسها دون انتظار ورود طلب من اصحاب الحقوق الفكرية المعتدى عليها بالتزييف ، هذا التدخل وحسب احصائيات غير رسمية يكاد يكون منعدما ، او يتم بشكل مناسباتي مرتبط بمرور لجان حكومية او نشاط اعلامي او بعثات دبلوماسية ذلك ان عدد حالات السلع الموقوفة من طرف الادارة الجمركية المغربية من تلقاء نفسها وصل الى حدود منتصف دجنبر من سنة 2007 حالة واحدة فقط[2].

   غير ان هذا المعطى قد تغير بعد صدور قوانين خاصة بهذا المجال ،حيث كانت المتابعات قبل قانون المالية لسنة 2014 تتم استنادا للمادة 39 من قانون المسطرة الجنائية (شكاية المتضرر) ، حيث لم تكن تعتبر مخالفة جمركية ، حينها كانت إدارة الجمارك تكتفي بإشعار مالك المصنف بواقعة حجز المصنفات المقلدة أو المقرصنة ،الذي يتقدم بشكاية لدى النيابة العامة في الموضوع.

ووفقا للتعديل الجديد، أصبحت عمليات التقليد و التزييف المنصبة حول المنتجات الصناعية المضمنة بالقانون 17.97، مخالفة جمركية من الطبقة الأولى عند الاستيراد ، خلال سنة 2014 ، حيث تعزز الدور الردعي لإدارة الجمارك والضرائب غير المباشرة في مجال محاربة السلع المقلدة معبدة العمل بمقتضيات جديدة والتي تمثلت في إدراج استيراد السلع الحاملة لعلامة صناعية أو تجارية أو خدمة مزيفة ضمن المخالفات الجمركية (المادة 285) . بناء على هذه الصلاحيات الجديدة  أصبح للمصالح الجمركية الحق في إثبات مخالفة استيراد بضائع مزيفة ومصادرتها وتسوية النزاعات ذات الصلة بطرق قضائية أو ودية.

وهكذا ، فقد تم حجز أكثر من  7,3 مليون وحدة من البضائع المزيفة ، مقابل 3,3 مليون وحدة سنة 2013. وقد بلغت القيمة الاجمالية لهذه السلع 105,6 مليون درهم سنة 2014 مقابل 92 مليون درهم سنة 2013.

كما تم قبول أكثر من 690 ملف متعلق بطلبات تعليق التداول الحر لبعض السلع مقابل 549 ملف مسجل خلال سنة 2013[3].

   وهناك اشكالية قانونية أخرى تتمثل في كون بعض اصحاب الحقوق يلجؤون الى عقد صلح مع المستورد او المورد السلع التي سبق لأصحاب هذه الحقوق ان قدموا طلبات للإدارة الجمركية بوقف التداول الحر لهذه السلع[4] ، وهذا السلوك يحد من محاربة هذه الظاهرة من طرف الادارة الجمركية على اعتبار ان عقد الصلح يجب ان يتم في اطار قانوني واضح ووفقا للشكليات المؤطرة بواسطة دوريات داخلية صادرة عن ادارة الجمارك في هذا الشأن وهذا الصلح يجب ان تخبر به الادرة الجمركية في الحين مع وضع نسخة منه في ملف التسوية من اجل تخلي الجمارك عن هذه السلع ، غير ان المهم في هذه العملية هو نقص في الحماية القانونية للسلع والعلامات الصناعية والتجارية ،مادام هذا الصلح سيساهم في تشجيع سلوكيات التقليد والتزييف ، اذن المأمول هو تدخل قانوني صارم يحارب التزييف في شتى اشكاله ودون الرجوع الى اصحاب الحقوق بحيث يعتبر الاعتداء على هذه الحقوق بمثابة الاعتداء على الحق العام يفرض تحرك النيابة العامة ، وتنصيبها كطرف مدني في جميع الحالات سواء عقد صاحب الحق الصلح او لم يقم به . كما ان المجهودات التي قامت بها المصالح الجمركية من اجل ايقاف السلع المزيفة يجب ان يكون مقابل أجر يدفع لخزينة الدولة عند التخلص من هذه السلعة اما بالبيع او التفويت لأصحاب الحقوق ، او المصادرة من اجل المصلحة العامة ، وذلك بهدف تشجيع رجال الجمارك على بدل مزيد من الجهد واليقظة في محاربة هذه الظاهرة .

 اذن تدخل ادارة الجمارك من اجل محاربة التزييف يقوم على استراتيجية تهدف من جهة الى وقف تداول السلع المزيفة ، وتسجيل المخالفات وحجز البضائع من جهة ثانية[5]

المحور الثاني : الصعوبات التي تجابه الادارة الجمركية في محاربة التزييف.

تبرز العديد من العراقيل التي تحد من قيام ادارة الجمارك والضرائب غير المباشرة من اثبات المخالفات الجمركية التزييفية للملكية الفكرية والصناعية ولعل أبرزها ما سنسرده تواليا فيما سيأتي .

الفقرة الاولى : ضعف التعاون المؤسساتي الأمني

تتجلى هذه الصعوبات في جملة من النقط نورد منها ، غياب التعاون والتنسيق بين ادارة الجمارك والضرائب وبين هيئات ومؤسسات معنية بظاهرة تزييف السلع والبضائع مثل المقاولات ، الجمعيات المرتبطة بمجال حماية المستهلك ، السلطات العمومية مثل المديرية العامة للامن الوطني  والدرك الملكي ، والسلطات القضائية كما ان التعاون ينعدم في المراكز الحدودية وخاصة معبري سبتة ومليلية المحتلين مع الحرس المدني الاسباني والذي من شأن تفعيله ان يعود بالنفع على الجانبين في مسار محاربة جميع الظواهر السلبية على الحدود بين البلدين غير أن ذلك مرتبط بالأساس بعوامل وظروف سياسية تتراوح بين التهدئة والتصعيد بسبب المشاكل المتراكمة بين اسبانيا والمغرب ، وخاصة امام المطالب المتزايدة للمغاربة من حين الى آخر باسترجاع المدينتين المحتلتين.

  وأمام تزايد عمليات تزييف السلع ، فان هذا التعاون يمكن ان يركز على تبادل المعطيات والمعلومات المرتبطة بالسلع الاكثر تعرضا للتزييف من أجل القيام رفقة المتضررين وجمعيات حماية المستهلكين بتوعية العامة بمخاطر هذه السلع اما الصحية او البيئية او المادية ، والعمل على تحسين جودة المنتجات المحلية ، وتخفيض اثمنتها بالمقارنة مع نظيرتها المزيفة وان كانت هذه الاخيرة تسوق بأثمنة بخسة ، بالإضافة الى اخراج قوانين زجرية يشارك الجميع في بلورتها ، وبخاصة اصحاب الاختصاص من ادارة الجمارك ، جمعية حماية المستهلك ،المقاولات الوطنية المتضررة ، المشرع ، المؤسسات المالية الوطنية ، والهدف من ذلك هو حماية المنتجات الاصلية من التزييف والمنافسة غير المشروعة من السلع المزيفة .

ومن العوامل الاخرى التي تحد من تصدي ادارة الجمارك لهذه الظاهرة نورد ضعف الموارد البشرية المؤهلة ، وكذا قلة الوسائل الحديثة المستعملة في الكشف عن السلع المزيفة ، والتي تختصر طول العمليات التقليدية التي تعتمد بالأساس على المخبرين والفحص اليدوي للسلع والوثائق الموثقة للتصاريح الجمركية .

الفقرة الثانية :صعوبات مرتبطة بالموارد البشرية والتقنية

ان التكوين العلمي والحديث للعنصر البشري من شأنه ان يوفر الكثير من الجهد في محاربة هذه الظاهرة ، وهذا لن يتأتى دون القطع مع نظام التكوين التقليدي الذي يروم الانصياع والطاعة  للاوامر الرئاسية واحترامهم أكثر من احترام المهنة والوظيفة التي يتقلدها والتي تفرض عليه التفاني في خدمة الصالح العام ، وإدخال برامج مصورة ومعلومات الكترونية في أساليب التكوين والقيام بدورات تكوينية في الدول المتقدمة في مجال محاربة ظواهر التزييف والتقليد ، وهذه الدول متنوعة منها الاروبية والعربية والإفريقية ايضا ، كما يمكن فتح قنوات للتعرف على تقنيات التزييف مع الدول المتصدرة لهذه العمليات مثل الصين و اندونيسيا ، كل ذلك من اجل مراكمة خبرة في مجال التصدي لهذه الظاهرة بالإطلاع على اساليبها وتقنياتها ومموليها والتعرف على منشئها لان ورود السلع المزيفة  على مختلف الحدود الجمركية يمكن ان يكون مصدرها دولة واحدة مما يفرض التشدد في اجراءات مراقبة هذه السلع القادمة من هذه الدول المصدرة لهذه الظواهر السلبية ، كما ان المغرب يشكل في مختلف التقارير الصادرة عن لجان ومفوضية الاتحاد الاروبي مصدرا للسلع المزيفة مما يفرض على الجمارك المغربية ان تركز كذلك على صادرات المغرب اتجاه هذه الدول من اجل حصر والتصدي للمقاولات الوطنية التي تشتغل في هذا المجال ، على اعتبار ان تكون داعمة من دعائم استقطاب الواردات من السلع المزيفة للمغرب كمحطة عبور قبل تصديرها نحو اوربا ، كل هذه البيانات يجب ان تكون متوفرة في بنك معطيات لدى الادارة الجمركية ، وتلقنها لمختلف موظفيها كثقافة مهنية لابد منها من اجل الانتساب لهذه الوظيفة ، كما الاطلاع على التشريعات المقارنة في هذا الميدان من شأنه ان يوفر بيانات مهمة تساعد الجمركيين في التعرف على البلدان التي تحارب هذه الظاهرة والتي وصلت الى نتائج مهمة ، والدول التي تدعم هذه الافة بتساهل قانوني وتشريعي في سبيل غزو العالم بسلع مزيفة تضر البلاد والعباذ مثل الصين ، والتي اصبحت سلعها وحتى القانونية منها محط سخط شعبي بسبب الاضرار الصحية التي تسببها وما الحوادث التي اصبحت تشكل ابرز العناوين اليومية والمتعلقة بالضحايا التي تخلفهم السخانات المائية الا نموذج واضح لهذا السخط ، أضف الى ذلك الهواتف النقالة والتي اضحت محور العديد من عمليات النصب التي تؤرق المغاربة من خلال التشابه الواضح بينها وبين الهواتف الاصلية ، لان المنشأ واحد وهو الصين والتباين في الجودة قائم على درجات متفاوتة . وهناك العديد من السلع الاخرى التي يتدولها المغاربة والتي تكون محور لعمليات تزييف واسعة ، وهناك فئة داعمة لهذه العمليات باعتبارها وفرت للطبقات الفقيرة امكانية امتلاك واقتناء الماركات والعلامات العالمية الكبرى بأثمان بخسة ورخيصة تواكب دخلهم السنوي المنخفض غير ان ذلك هو تصور ظرفي سيتحول دون شك الى سخط بسبب الاضرار الصحية المرتقبة  لاستهلاك هذه السلع المزيفة ، وما ارتفاع حالات الاصابة بمختلف السرطانات والامراض الجلدية المختلفة التي لم تكن معروفة من قبل عند المغاربة خصوصا الا شكل من اشكال هذا الانفتاح على عوالم السلع القادمة من شرق أسيا , ان الامر يفرض القيام بالمزيد من التجارب والإحصائيات بضغط من جمعيات المجتمع المدني وجمعيات حماية المستهلك وباقي المتدخلين من اجل مقاربة فعالة لنتائج هذه الآفة ، للقيام بتدارك ما يمكن تداركه قبل فوات الاوان .

    اذن المشكلة تهم الجميع ولا تخص الادارة الجمركية لوحدها ، غير ان الدور الردعي لهذه الادارة من شأنها ان يحد من توريد هذه السلع المزيفة ، بعيدا عن  التصرفات المشبوهة لبعض عناصرها التي تفضل الاطماع الشخصية على حساب المصالح العليا للوطن والمواطن .

  ان المقاربة الفعالة لظاهرة تزييف وتقليد السلع والبضائع لن يتأتى بالايجابية المأمولة دون توفر الادارة الجمركية على وسائل لوجيستيكية متطورة تساهم بحلول سريعة في التعرف على هذه السلع في مختلف المناطق والمراكز الحدودية إسوة بالعديد من الدول المتقدمة  في هذا المجال مثل فرنسا والإمارات العربية التي تم فيها إطلاق نظام إلكتروني بالمنافذ الجمركية للكشف عن السلع المغشوشة والمقلدة , النظام الذي يعرف باسم (IPM) يوفر لمفتشي الجمارك المعلومات عن السلع والبضائع التي تساعدهم على اكتشاف السلع المغشوشة والمقلدة وبالتالي تفعيل دورهم في حماية حقوق الملكية الفكرية وضبط الإرساليات المخالفة لها.

     والجمارك في كل الدول تساهم في حماية حقوق الملكية الفكرية وفق صلاحياتها القانونية وبمبادرة منها من خلال تنفيذها لأدوارها الرقابية والإشرافية ومن بينها فحص وتدقيق الوثائق والمستندات المرافقة لإرساليات البضائع العابرة للمنافذ الجمركية والتي لا تجيز التعليمات الجمركية للبضائع العبور بدونها لمنع الحالات التي تشكل أحد أوجه الغش والتزوير والتعدي على هذه الملكية ، والمعاينة الحسية والمادية لبعض أوكل الإرساليات والتحاليل العلمية والمخبرية للأصناف التي تتطلب طبيعتها ذلك ،إضافة إلى الاستشارات الفنية وآراء أصحاب الخبرة والاختصاص.

الفقرة الثالثة : خطورة ظاهرة التزييف ونتائجها

ان التقليد والغش وصلا لتصنيع طائرات ودبابات وأسلحة مغشوشة ، ومقلدة في دول متقدمة و صناعية [6].

وقد تخطت ظاهرة الاتجار فى السلع التى تحمل علامات تجارية مزورة الحدود الجغرافية للدول وأحدثت آثاراً سلبية على التجارة الدولية وأعاقت ازدهارها . وكانت أكثرالدول استياءً من تفاقم هذه الظاهرة هي الولايات المتحدة الأمريكية ، إذ قدرت الخسائرالتى تكبدتها الصناعة والتجارة الأمريكية فى سنة 1996 بسبب المنتجات المزيفة بـ 200 بليون دولار أمريكي فى مقابل 5.5 بليون دولار سنة 1982.

وبالإضافة إلى ما تقدم فمن المعلوم أن تصنيع وتجارة السلع المزيفة تحقق أرباحاً طائلة للمعتدين  كثيراً ما تستخدم فى تمويل أنشطة إجرامية منظمة تمارسها عصابات على مستوى دولي.

وأمام الابتكارات التي تعمل الدول على ادخالها على تجهيزاتها الجمركية من اجل التصدي لتهريب السلع المزيفة ، فإن المهربين يبتكرون في أساليب وطرق تهريب البضائع والسلع المغشوشة وبالتالي فإن وسائل المكافحة يجب أن تتطور ، من خلال التعاون بين مختلف دول العالم ، خاصة أن لهذه السلع آثارا خطيرة على الصحة العامة ، وتشير بعض التجارب أن التعاون ساهم في ضبط العديد من عمليات التهريب.

إن اغلب الدول التي فطنت للتهديد الكبير لظاهرة تزييف وتقليد السلع على اقتصاديتها ، تبنت مقاربة تسمح لادارة الجمارك بشكل اوتوماتيكي بسلوك مسطرة الحجز للسلع المزيفة دون تحديد مدة الحجز ، وان كان هناك جانب من المتدخلين في المجال الاقتصادي وخاصة مجال الملكية الصناعية يعارضون هذا الاجراء على اعتبار انه أنه يحد من حرية تداول السلع والبضائع المنصوص عليها في مجموعة من المواثيق الدولية ذات الصلة ، الا أن ضمان دخول هذه السلع خالية من الاخطر التي تهدد الصحة العامة ، وسلامة المستهلك ، واستقرار الاقتصاد المحلي والمشروعات الاستثمارية ، لن يتحقق دون تخويل الادارة الجمركية سلطة احادية في هذا المجال تسمح لها بتوقيف السلع المزيفة لمدة كافية لاتخاذ الاجراءات اللازمة  ومصادرتها ، ومتابعة مقترفي هذه العمليات المشبوهة امام العدالة ، ان هذه الاجراءات المخولة للإدارة الجمركية قد ثبتت فعاليتها في العديد من الدول[7]

ففي فرنسا تصل الغرامة المتعلقة بالمخالفة الجمركية المتعلقة بالتزييف الى حوالي 500 مليون اورو في حدها الاقصى ، والعقوبة الحبسية تصل الى خمس سنوات اذا كانت الجريمة مرتكبة من قبل جماعات منظمة ، اما اذا تعلق الامر بتزييف علامات صناعية او تجارية فالعقوبات يمكن ان تضاف اليها العقوبات الجنائية المنصوص عليها في مدونة الملكية الفكرية ، هذا بالاضافة الى مصادرة هذه السلع المتنازع حولها بالاضافة الى وسائل النقل ، وجميع الوسائل والمعدات المستعملة في عملية التزييف .

   اذن الجانب الزجري في هذا الاطار يساهم الى حد بعيد في حلول واقعية لهذه الظواهر الاجرامية ، لذا فالتشريع المغربي مطالب الى تبني هذه الاجراءات الزجرية في جميع القوانين ذات الصلة بالملكية الصناعية والتجارية والاذبية ، كالقانون البنكي ، وقانون حرية الاسعار والمنافسة ، القانون الجمركي ، وقوانين حماية الملكيات بشتى اشكاله وأصنافها ، وذلك من اجل توحيد الرؤى لتبني نظام موحد ردعي لمختلف التزييفات التي تلحق بمختلف العلامات والماركات الوطنية والعالمية ، لبعث ثقة اقتصادية في نفوس الاستثمارات الوطنية والدولية في سلامة مناخ الاستثمار في المغرب ، وما احوجنا اليه اليوم في ظل التغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية المتسارعة التي عصفت بمختلف دول العالم وخاصة منطقتنا العربية ، انطلاقا من الازمة الاقتصادية الدولية مرورا بالربيع العربي ووصولا الى تهاوي اسعار البترول والحلقة مسترسلة بالحرب السورية والقادم اكثر سوء دون ادنى شك ، اذن كل هذه الظروف تتطلب ملاءمة مستعجلة من الجميع ضمانا للاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي .

 

 

المراجع المعتمدة

    -         Wilfrid Rogé , Retenue en douane , Edition jurisclasseur 8,2002,Fasc 4631.

-Rachid Bhija: Contrôle aux frontière de la contrefaçon, Séminaire   organisé sur le thème “la propriété intellectuelle «Fès le 4-5avril2008,non publié.

-                Michel Derrac, les nouveaux pouvoirs des  douaniers et le règlement communautaire du22/12/1994, Gaz,pal,1996,2, doctr .

-                -      Christine Vilmart, contrefaçon de marque, rôle des douanes ,Edition jurisclasseur. Face f530,1996.

-          التقرير السنوي 2014 لادارة الجمارك والضرائب غير المباشرة.

-          المادة 285 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة استنادا الى المقتضيات الجديدة الواردة في قانون المالية لسنة 2014 ،والتي دخلت حيز التنفيذ  في فاتح مايو 2014



[1]-Wilfrid Rogé,Retenue en douane , Edition jurisclasseur 8,2002,Fasc 4631.

- Rachid Bhija:Contrôle aux frontiére de la contrefaçon,Séminaire   organisé sur le théme “la propriété intellectuelle”Fés le 4-5avril2008,non publié.

- التقرير السنوي 2014 لادارة الجمارك والضرائب غير المباشرة ، ص: 21 .

Michel Derrac, les nouveaux pouvoirs des  douaniers et le règlement communautaire du22/12/1994,Gaz,pal,1996,2,doctr .

- تم تغيير المادة 285 من مدونة الجمارك والضرائب غير المباشرة استنادا الى المقتضيات الجديدة الواردة في قانون المالية لسنة 2014 ،والتي دخلت حيز التنفيذ  في فاتح مايو 2014 .

- وخير مثال على ذلك ما سطره القضاء الأمريكي فى قضيةTextron v. Aviation   Sales و هي تتعلق بتصنيع قطع غيار طائرات هليكوبتر رديئة وضعت عليها علامة تجارية مزورة ، هى فى الأصل علامة مسجلة مملوكة لشركةBell Helicopter Division of Textron, Inc.، مما أدى إلى المساس بأمن وسلامة الطيران وضياع الأرواح ، فقد وجدت المحكمة أن الحوادث التي وقعت لعدة طائرات هليكوبتر كانت بسبب قطع الغيار المعيبة التى صنعه او باعها المدعي عليهم وكانت تحمل العلامة التجارية المزورة مما أدى إلى حالات الوفاة والإصابات البدنية الجسيمة.

[7]- Christine Vilmart, contrefaçon de marque, rôle des douanes ,Edition jurisclasseur. Face f530,1996,P:19.

بقلم ذ محمد بوخريسا
: طالب باحث بصف الدكتوراه بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية جامعة عبد المالك السعدي بطنجة.