القضاء الجنائي

بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
تحت عدد: 567
يشكل تدخل الأجهزة الأمنية في مجال محاربة الجريمة الجمركية ضرورة لا غنى عنها لاحتواء الظاهرة و تطويقها، حيث أشارت بعض التشريعات إلى ذلك صراحة كما هو الشأن في مدونة الجمارك، بينما تم التلميح لهذا الأمر في نصوص أخرى وبالخصوص في إطار الظهير رقم 1-57-280 بتاريخ 14 يناير 1958 المنظم لمهام الدرك الملكي بالمغرب(1)

اغتصاب السلطة في الجريمة الجمركية يشكل تدخل الأجهزة الأمنية في مجال محاربة الجريمة الجمركية ضرورة لا غنى عنها لاحتواء الظاهرة و تطويقها، حيث أشارت بعض التشريعات إلى ذلك صراحة كما هو الشأن في مدونة الجمارك، بينما تم التلميح لهذا الأمر في نصوص أخرى وبالخصوص في إطار الظهير رقم 1-57-280 بتاريخ 14 يناير 1958 المنظم لمهام الدرك الملكي بالمغرب(1) وإذا كان هذا التدخل لا يطرح إشكالا خارج التراب الخاضع(°)، فإنه على العكس من ذلك قد يشكل اعتداء على مهام الإدارة الجمركية في نطاق هذا المجال الترابي و هو ما يعرف في أدبيات القضاء الإداري باغتصاب السلطة على النحو الذي سنفصله تباعا، وذلك تعقيبا على ما تناقلته الصحافة الوطنية من أن الدرك قد أطاح بشبكة لتهريب الهواتف النقالة من دول الخليج إلى تراب المملكة عبر مطار الدار البيضاء، و أن شكوكا انتابت دركيا بمنطقة المراقبة الخارجية لمحيط المطار حول وصولات مزورة خاصة بالشحنة قادته إلى تفجير الفضيحة، و أن النيابة العامة أمرت فرقة من الدرك القضائي من أجل البحث الذي طال العمليات المرتبطة بالموضوع بما في ذلك الوثائق و المستندات الخاصة بالتعشير. أولا: في مفهوم التهريب تطرقت مدونة الجمارك إلى مدلول التهريب من خلال الفصل 282 الذي جاء فيه "-يقصد من التهريب: 1-الاستيراد أو التصدير خارج مكاتب الجمرك وبوجه خاص الشحن والتفريغ والنقل من سفينة إلى أخرى أو من طائرة إلى أخرى خارج نطاق الموانئ والمطارات حيث تتواجد مكاتب الجمرك (الفصول 52 و58-1 و60-2 من هذه المدونة)؛ 2-كل خرق لأحكام هذه المدونة المتعلقة بحركة أو حيازة البضائع داخل المنطقتين البرية والبحرية لدائرة الجمارك؛ 3-حيازة البضائع الخاضعة لأحكام الفصل 181 أعلاه عندما تكون هذه الحيازة غير مبررة أو عندما تكون المستندات المدلى بها على سبيل الإثبات مزورة أو غير صحيحة أو غير تامة أو غير مطابقة؛ 4-الاستيراد أو التصدير بدون تصريح عندما تكون البضائع المارة من مكتب جمركي قد وقع التستر عنها عند إجراء المعاينة من طرف الإدارة بإخفائها في مخابئ أعدت خصيصا لذلك أو بأماكن غير معدة عادة لتلقي هذه البضائع." و بالرجوع إلى موضوع الشحنة التي تم جلبها من إحدى دول الخليج، يتبين أنها مرت من مكاتب الجمرك و لم يتم إخفاؤها في مخابئ معدة سلفا للغش أو للتستر عليها، كما أن الحيازة غير المبررة الواردة ضمن الفصل 181 من مدونة الجمارك لم يتم إدراجها ضمن جرائم التهريب إلا لكونها بضائع أدخلت إلى البلاد بطريقة غير شرعية أي خارج التواجد الجمركي سواء كان الإدلاء لدى أعوان الجمارك أو غيرهم من ضباط الشرطة القضائية بوثائق مزورة لهذه البضائع أو تعذر الإدلاء بما يفيد الحيازة من أصله، و مما يدل على ذلك ما أشارت إليه الفقرة الثانية من نفس الفصل بقولها: "غير أنه عندما يصرح حائزو وناقلو البضائع، أنهم يتوفرون، في مكان آخر، على الإثباتات المطلوب الإدلاء بها، يمكن لأعوان الإدارة أو ضباط الشرطة القضائية أو الأعوان محرري المحاضر الآخرين مرافقتهم لتمكينهم من تقديم الإثباتات المذكورة أو أن يمنحوا لهم إمكانية العمل على تقديم هذه الإثباتات داخل أجل 48 ساعة." و إذا كانت الشحنة المذكورة غير مرتبطة بالمواد المحظورة كالمخدرات، و جرى حجزها في منطقة جمركية حيث يتواجد المكتب الجمركي، وتم استيرادها بدون تصريح مفصل نتج عنه تملص من الرسوم الجمركية، فإن التكييف القانوني للفعل الجرمي يكون مخالفة جمركية من الطبقة الأولى، لا يحق للنيابة العامة تحريك الدعوى بشأنها، حيث نصت النقطة ب) من الفصل 249 من مدونة الجمارك : "لا يمكن في حالة ارتكاب المخالفات الجمركية المنصوص عليها والمحددة في الفصول 285 و294 و297 و299 بعده، تحريك الدعوى العمومية إلا بمبادرة من الوزير المكلف بالمالية أو مدير الإدارة أو أحد ممثليه المؤهلين لذلك." ثانيا : في اغتصاب السلطة من المعلوم أن مقومات كل قرار إداري سليم تنبني على خلو أركانه الخمسة من العيوب الموجبة لإلغائه، وهي أركان تتعلق بالمحل أي موضوع القرار، والسبب الذي يدل على الحالة الواقعية أو القانونية التي بموجبها يتخذ القرار، والغاية أي الهدف من إصداره، والشكل أي اتباع الإدارة للقواعد الإجرائية المعمول بها مثل شكلية احترام حق الدفاع في قرارات توقيع العقوبة، ثم الاختصاص الذي يهمنا ويقصد به السلطة التي يتمتع بها متخذ القرار في إصدار قراره سواء من الناحية المكانية أو الزمنية أو النوعية (2) وقواعد الاختصاص هذه تعتبر من النظام العام، أي أنه يحق للخصوم مثلما يحق للقاضي إثارتها تلقائيا وفي كل مراحل الدعوى فتكفي لإبطال المتابعة، لأن الاختصاص كما تقول المحكمة الإدارية العليا في مصر: "واجب يلزم صاحبه أن يمارسه بنفسه وليس بغيره، وليس حقا يسوغ له أن يعهد به إلى سواه" (3) و الاختصاص في الجرائم الجمركية المرتكبة داخل التراب الجمركي، ينعقد للإدارة الجمركية وحدها دون غيرها كما يستخلص من الفصل 40 من مدونة الجمارك في فقرته الثالثة التي نصت بالقول :"إن الأعوان المكلفين بفحص البواخر والحمولات يجوز لهم القيام عند غروب الشمس بإغلاق الكوى التي لا يمكن فتحها إلا بحضورهم."(4) و يستدل أيضا على أهلية الإدارة الجمركية في هذه الجرائم من خلال الفصل 258 - من مدونة الجمارك الذي نص على ما يلي: "في حالة تحريك الدعوى العمومية من طرف النيابة العامة طبقا لأحكام الفقرة الأولى من الفصل 249 أعلاه وجب إشعار إدارة الجمارك و الضرائب غير المباشرة بذلك و استدعاؤها لجلسة الأحكام قصد إيداع طلباتها". حيث أن الأصل يقتضي أن تباشر الإدارة الجمركية بنفسها مسطرة التحري عن الجرائم الجمركية و متابعة مرتكبيها داخل التراب الجمركي، غير أنه أمام قلة الموارد البشرية التي لا تتيح للجمارك تغطية كافة التراب الوطني، فقد أوكل المشرع للأجهزة الأمنية الأخرى ممارسة بعض المهام الجمركية خاصة محاربة التهريب في ظل غياب التواجد الجمركي و في إطار مساعدة السلط بعضها البعض مثلما نصت على ذلك الفقرة الثانية من الفصل 104 من الظهير المنظم لمهام الدرك الملكي بقولها: "كذلك، يجب على عساكر الدرك أن يبقوا على اتصال دائم مع أعوان و موظفي إدارات المياه و الغابات و الجمارك بشكل يتصرفون فيه بتواصل مع هؤلاء الأعوان و الموظفين في ظل الشروط المحددة بموجب التوجيهات الخاصة بهذه المصالح الثلاث." كما أن النيابة العامة بإشراكها لضباط الدرك القضائيين في إجراءات التحري عن الجرائم الجمركية، تكون قد ساهمت في تكريس عيب اغتصاب السلطة، دون أن تراعي صفة الضبط القضائي للجمارك، الذي يقول بصدده مجلس الدولة المصري: "... فإذا أجرى موظف الجمرك ضبط حلي مما لا يجوز تصديره بغير ترخيص من وزير المالية ولم يحصل حائزه على هذا الترخيص، فهذا العمل يخرج من اختصاص محكمة القضاء الإداري النظر في طلب إلغائه أو في طلب التعويض المترتب عليه، إذ هو عمل قضائي لأن موظف الجمرك و عماله يعتبرون بمقتضى المادة السابعة من القانون رقم 9 لسنة 1905 الخاص بمنع تهريب البضائع، من رجال الضبطية القضائية أثناء قيامهم بتأدية وظائفهم."(5) ثم إن أعمال التحري و حقوق الاطلاع هي مكفولة بموجب مدونة الجمارك من خلال الفصل 42 – 1 - الذي أشار إلى أنه: "يمكن لأعوان الإدارة المرتبين على الأقل في درجة مماثلة لسلم الأجور رقم 8 وضباط الجمارك و كذا الأعوان الموكلين لهذا الغرض من طرف مدير الإدارة أن يطالبوا بالحصول على السجلات والمستندات والوثائق و الولوج إلى المعلومات كيفما كان نوعها المتعلقة بالعمليات التي تهم عملهم والموجودة في حوزة ...." وهي نفس المقتضيات التي وردت في إطار الفصل 62 من القانون الجمركي التونسي، مع اختلاف يهم تخصيص أعوان الجمارك التونسيين صراحة بصفة الضبط القضائي، حيث يقول هذا الفصل: "1-يمكـن لأعـوان الديوانة الذين لهم صفة الضابطة العدلية أن يطالبوا فـي نطـاق وظائفهـم بالاطلاع علـى جميع الدفاتر والوثائق والمستندات المتعلقة بالعمليات التي تخص مجال عملهـم مهما كان نوعها: أ -بمحطات السكك الحديدية.... " ومن صور اغتصاب السلطة في الجريمة الجمركية ما تقوم به أيضا مصالح الأمن الوطني داخل الموانئ و المطارات من حجز للبضائع خاصة المحظورة منها، و إشرافها على تحرير المحاضر و استنطاق المتلبسين بالجريمة الجمركية رغم التواجد الجمركي بالمنطقة، و كل ذلك لا يستقيم مع قواعد الاختصاص، كما أنه لا يمكن لهذه السلطات التحجج بالمقتضيات المضمنة في الدورية المشتركة الموقعة في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي بين وزير الدولة في الداخلية و وزير المالية و الاستثمار ثم وزير التجارة و الصناعة و الصناعة التقليدية و التجارة الخارجية، لكونها مقتضيات ترمي إلى محاربة ظاهرة التهريب عبر إشراك- إلى جانب المصالح الجمركية- مصالح الدرك الملكي، الأمن الوطني، القوات المساعدة، مصالح الاقتصاد و مراقبة الأسعار التابعة للعمالات و الأقاليم، إدارة زجر الغش، و مختلف المكونات المكلفة بمراقبة حدود المملكة، في إطار مساعدة السلط بعضها البعض ليس إلا. كما أن الدورية أو المنشور لا ترقى إلى درجة القانون، حيث لا يمكن تبرير عدم اغتصاب السلطة هذا إلا بالنص على المهام في قانون من نفس القيمة، أي أن تدخل المصالح الأمنية في محاربة الجريمة جنبا إلى جنب مع المصالح الجمركية ينبغي تأكيده في إطار ظهير شريف يضاهي الظهير الشريف بمثابة مدونة الجمارك، وإلا عد ذلك صورة من صور اغتصاب السلطة كعيب جسيم لركن الاختصاص. لكل هذه الأسباب نرى أن على الإدارة الجمركية أن تعمل على تصحيح الوضع وتتدخل سواء لدى المجلس الأعلى للسلطة القضائية من أجل تسطير حدود سلطات وكلاء الملك في الجرائم الجمركية، أو لدى الأجهزة الأمنية من أجل التزام حدود مهامها داخل دائرة الاختصاص الجمركي. خالد شهيم إطار باحــث ----------------------------- (°)التراب الخاضع" هو الجزء الأرضي من التراب الجمركي، بما فيه الموانئ والفرضات والمسطحات العائمة "أوف شور" وكذا الجرافات القعرية والتجهيزات المماثلة المتواجدة بالمياه الإقليمية وغيرها من المنشآت الواقعة بالمياه الاقليمية والمحددة بمرسوم، باستثناء المناطق الحرة ؛ (1) منشور بالجريدة الرسمية بتاريخ 28 فبراير 1958 (2) د أحمد يوسف محمد علي: التظلم الإداري في ضوء الفقه و القضاء - دار الجامعة الجديدة الإسكندرية 2011 ص/ 262 (3) د محمد فؤاد عبد الباسط: القرار الإداري -دار الجامعة الجديدة للنشر الإسكندرية 2005 ص/ 124 طعن 682 لسنة 13 ق. كما ورد ضمن المؤلف (4) يقابل هذا الفصل في التشريع الجمركي التونسي نص المادة 59 في فقرتها الثالثة التي تقول:" يمكن للأعوان المكلفين بتفتيش السفن والحمولات إغلاق المنافذ عند غروب الشمس و لا يمكن إعادة فتحها من جديد إلا بحضورهم." (5) د محمد عبد الواحد الجميلي: قضاء التعويض -مسؤولية الدولة عن أعمالها غير التعاقدية. دار النهضة العربية -القاهرة 1995 ص 102
بقلم ذ خالد شهيم
إطار باحث
 


أعلى الصفحة