//

 
القانون العام

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
تحت عدد: 263
من الواضح أن تنظيمات المجتمع المدني لا يمكن أن تكون فاعلة في سياق عملية الإنتقال الديمقراطي

إلا في ظل بنية ثقافية تقوم على ترسيخ قيم ومبادئ الممارسة الديمقراطية. فمن أبرز أسس تطويـر المجتمع المدني وبعث الريادة والفعالية في نشاطاته نشر قيم المشاركة والمواطنة والانتماء في المجتمع. وفي هذا السياق تبرز أهمية الدور الذي يمكن أن تضطلع به المؤسسات الثقافية داخل السياقات المجتمعية المختلفة. إن نشر ثقافة المشاركة تمثل في واقع الأمر أهم الركائز المساهمة في بناء الديمقراطيـة، ليس فقط في المجالات العامة؛ بل أيضا داخل الأسرة والمدرسة، والنقابة والحزب ومجمل الأنماط السائدة والتنظيمات المترامية الأطراف.

 وهنا؛ تشكل دراسة التنمية السياسية وجها من أوجه بناء الحركيات السياسية المتعددة في مختلف المجتمعات المعاصرة، وبعدا من أبعاد ترسيخ الثقافة السياسية المحفزة على المشاركة الإيجابية في إنتاج نسق تشابكيي للقيم و المعايير المحددة للارتباطات الثقافية المختلفة لأي نظام من الأنظمة المبلورة للكيانات المجتمعية . وهنا تنبثق المعالم الكبرى للتصور المرتبط بالتجديدات المتنوعة التي مافتئت تقوم بها تنظيمات المجتمع المدني على مستوى بنياتها الثقافية، وهي التجديدات التي تنبـع بالأساس من القدرة الفائقة على بناء الرؤى الثقافية النوعية للعالم، و المتمظهرة في مساهمتها  وبنجاعة في تغيير العقليات وتنوير الذهنيات، وجعلها ترنو في إطار استشرافي إلى التأسيس لفعل ثقافي جاد و مسؤول.

إن انتشار الإعلام كمعطى ثقافي من شأنه أن يشكل بعمق مسألة حيوية بالنسبة لتطور منظمات المجتمع المدني بعيدا عن تحكم الدولة في دواليبه، فعن طريقه تتمكن فعاليات المجتمع المدني من التعريف المحوكم بغائياتها و رؤاها الإستراتيجية، و التأسيس لعلاقات وطيدة مع مختلف تشكيلات الرأي العام، وتوفير نوع من الخطاب المتطور لمجتمع مدني معترف بخصوصياته و مؤمن بقدراته على إحداث تجليات حقيقية للتغيير المجتمعي المنشود؛ مما قد يساهم في خلق التربة الطيبة لترعرع القيم الإيجابية، ومن ثم انتقال التأثير إلى دوائر أوسع على مستوى مكونات الحياة السياسية بصفة خاصة، و علـى مستوى متخذي القرار بصفة عامة.  هذا من جهة، ومن جهة ثانية؛ شكل توسـع التعليم وتطور برامجه التربوية ـ فضلا عن الاستفادة من دروس و تجارب الآخرين على مستوى هذا القطاع الإستراتيجي ـ الأدوات الحيوية المساهمة في الارتقاء بمعدلات النمو الثقافي لدى المجتمعات وتحسيــن أنماط إدراك الناس لحقوقهم الطبيعية و الأساسية.

ومن أبرز نتائج ذلك أنهم باتوا يمتلكون رصيدا غنيا من الأفكار السياسيـة الحديثة والمنطلقات الثقافية المتقدمة، والتي سمحت برمتها بالحديث عن بدايات تكون وتوسيع الثقافة الديمقراطية في هاته المجتمعات دون إغفال الأدوار الطلائعية و الهامة التي نهضت بها باقي المؤسسات من تشكيلات حزبية و تنظيمات نقابية في تعزيز هاته الثقافة الناشئة؛ وذلك كله على الرغم من كل مظاهر العطب و آليات الخلل التي بدت وتبدو على أداء مثل هذه المؤسسات من حين لآخر. وهو الأمر نفسه الذي يرتبط بأدوار فئة المثقفيـن الديمقراطيين من باحثين وجامعيين وكتاب وصحفيين؛ على مستوى إنتاج وتعميم ثقافة حقوقية ومدنيــة في أوساط الشرائح العريضة من المجتمع القائم؛ مما يوفر الشروط الموضوعية لميلاد وعي ديمقراطي متقدم لدى المجتمع المدني المعاصر يؤشر بقوة على بعض إرهاصات انبثاق و تطور مختلف تجليات الانتقال الديمقراطي. وعموما فإنه من أهم المؤشرات التي ساعدت على ظهور المجتمع المدني؛ هو أن هذا المفهوم نفسـه أصبح اليوم متداولا ويفرض نفسه بالرغم مما يكتنفه من غموض، إضافة إلى ارتباط هذا المفهوم بعدة مكونات تتجلى في مجموع التنظيمات المكونة خارج الإطار المؤسسي المرتبط بالدولة؛ أي ما يسمى بالمجتمع السياسي، ثم المطالب المرتبطة بذاتية الأفراد والجماعات خاصة في مجال حقوق الإنسان والإنتاج الثقافي والإبداع الفني المرتبط بمبادرات فردية أو جماعية، ثم هناك عوامل ومؤشرات ساعدت إلى حد كبير على  انتشار جل مكونات المجتمع المدني ببلادنا؛ ومن بينها ثقافيا التنوع البشـري والثقافي والجغرافي الذي يطبع المغرب عبر مختلف مناطقه، وهو المؤشر الذي من شأنه أن يساعد على نشر الوعي الداعي إلى حماية المجتمع المدني، كما أن الانتشار النسبي للإنتاج الثقافي في البلاد خاصة في المجالات الأدبية والعلوم الإنسانية والاقتصادية ساهم في تحقيق الإستقلال الفعلي لبعض المنظمات الجماهيريـة والتنوع والعمق الحالي للعمل الجمعوي. كل هذه المؤشرات تعد من الإمكانيات والآليات الفعالة لقيام مجتمع مدني.

 أولاً: خاصية التنوع في إطار البعد الثقافي


   أ- التنوع الثقافي: وهو مفهوم يرتبط بعمق كيفي للظاهرة الثقافية الواحدة؛ حيث إن  البراديغم الثقافي نفسه يجد له التحققات و التجسيدات و التوصيفات المتعددة عبر مختلف مناطق و جهات المغرب؛ فالتنوع يرتبط أساسا بالكنـه
Essence لا بالكم. وهنا فإن نجاح أي مشروع تنموي يرتبط بطبيعة الخصوصيات الثقافية للمجال؛ أي مراعـاة التنوع الثقافي وعدم المجازفة باتخاذ خطوات قد لا تحظى بالرضى و القبول من لدن الفئات المستفيدة لتعيق في نهاية الأمر كل الآمال في بناء الغد المشرق للمجال الكائن. لهذا لا يمكن تصريف المشاريع التنموية خاصة في التراب المحلي؛ إلا في سياق تناغم تام و اندغام كامل مع الخصوصيات الثقافية المبلورة لمجموع القيم الرمزية والتعابير المادية السائدة لدى الأفراد و الجماعات، حيث إن مجموع هذه المضامين الثقافية المرتبطة بجدلية التمازج Métissage والتكامل و التفاعل و التداخل والالتقاء؛ يحددها -كما يرى ذلك اللساني المغربي سعيد بنيس - نوعان من المنطق الثقافي: منطق غير منظم يتعايش مع الأفراد في حياتهم اليومية، ومنطق منظم يؤطره فاعلون منضوون تحت هيئات مجتمعية مدنية لها تصورها الخاص للمشروع المجتمعي في شقه الثقافي (كالجمعيات الثقافية مثلا).

   ب- التنوع اللغوي: يمكن تصنيف التعدد اللغوي إلى صنفين: صنف التدبير الشخصي اليومـي (Gestion invico) للغات؛ حيث يعمد الأشخاص والأفراد إلى إختيار لغات بعينها من بين اللغات الأم أو اللغات المكتسبة واستعمالها في سياقات مجتمعية معينة وملائمة، وصنف التدبير المؤسساتــي (Gestion in vitro) الذي يدخل في إطار السياسة والتهيئة اللغوية التي من خلالها يعهد لبعض المؤسسات الحكومية في إطار أشكال من المأسسة تدبير التعدد اللغوي بحسب المرتكزات المحددة والتوجهات الوطنية المتفق بشأنها؛ مثل الدور الذي يضطلع به معهد الدراسات والأبحاث حول التعريب، والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. وهناك خاصية مميزة للمغرب توجد في تعددية لغاته وهي غير منفصلة عن جغرافيته وتاريخه. مما يجعل اللغة مكونا أساسيا من مكونات الثقافة المتعددة.

   ج- التنوع الديني: في سياق التجربة المغربية، وفي إطار نموذج "إعادة هيكلة الحقل الديني" يطرح السؤال بإلحاح: هل تتيح تجربة بناء المجتمع المدني فرصة لنشوء حركة مدنية مؤسساتية للدفاع عن العقيدة وحرية الإعتقاد؛ مع ما يستلزم ذلك من ضرورة الإعتراف بالتعدد في صلب القيم والثقافة المدنيتين؟ وهو تعدد كغيره من أنماط التعدد مفيد للمجتمع المدني وللتدين، ولا يضر الدولة أو غيرها من الحساسيات في شيء أن تتعدد الرؤى في المسـائل الدينية كما في القضايا السياسية والثقافية. وحده هذا الخيار يمنح للدين موقعا طبيعيا في المجتمع المدني؛ مما يمنح هذا الأخير بدوره موقعا طبيعيا في المجتمع، ويعبد جسور التضامن بين قيم يبدو أنها تختلف وتتناقض؛ بينما هي قيم مرنة قابلة للتصاهــر والاستيعاب -كما يرى ذلك الباحث المغربي محمد الغيلاني-.

   د- التنوع السوسيولوجي: وهنا ما يثير التأمل هو الصيغة التي يتم بها الانسلال إلى المجتمع المدني، من دون الأخذ بعين الاعتبار لمبدأ الإجماع؛ مما يتنافى جذريا مع أبرز المبادئ المؤسسة للمجتمع المدني، وهو مبـدأ التنازل الإيجاببي الناتج عن مبدأ آخر أكثر إيجابية و هو مبدأ التوافق، وهما معا يعبدان الطريق أمام بناء الروابط الاجتماعية والأعراف والتضامنات، وإعادة توزيعها من دون احتكارها بالتوسل بالأسس التعاقدية و القائمة على جملة من التنازلات الرضائية. وتفترض هذه الأخيرة أن تصدر عن كل الاتجاهات والتيارات؛ بل وأن تشمل كل القواعد والأنماط والقيم والبنى؛ سواء أتلك التي يعتقد أنها تنتمي إلى العقلانية والحداثة أم تلك التي تدعـي تمثيلها للهوية والتراث والقوميات والأقليات؛ شريطة التموقع في الأبعاد الطوعية. إن التحدي الأهم الذي ينبثق في وجه المجتمع المدني في المغرب هو المرتبط بالصيغ الانصهارية لمختلف الخصوصيات الممثلة لأنماط التعايش السائد ببلادنا. فهل يصمد المجتمع المدني بمجرد توفر التنازلات الرضائية أم أن الأمر يقتضي اتفاقـا مسبقا حول الأشكال المؤسساتية المعول عليها لتصريف مختلف أوجه التعبير عن الذات؟ وهنا يفترض في المجتمع المدني أن يعكس على الدوام تلك الحركة المتدفقة للاعتراف المتبادل، مع الحرص الأكيد على التدبير الممأسس للصراع داخل المجتمع برمته، ومن ثم كان الانتماء للمجتمع المدني أحد التعبيـرات السوسيولوجية عن حركات اجتماعية جديدة نابتة، لها طموحات و مطالب ليست بالضرورة متطابقة ولكنها تعترف بضرورة الائتلاف في ظل وضعيات الاختلاف. من هذا المنظور التحليلي يبرز المجتمع المغربي كمجتمع للبنيات الاجتماعية المتعددة، وهو الشيء الذي يفرض على المجتمع المدني المغربي تبني مقاربة شمولية ثقافية بالأساس تصنع من البنيات المكونة له عوامل حركية قادرة على إضفاء المزيد من النجاعة و الكفاية على عملية المعرفة المرتبطة بأسسه.

 ثانياً: الانتشار النسبي للإنتاج الثقافـي:                                                               مع توفر شروط الانفتاح السياسي و انبثاق معالم الانتقال الديمقراطي وتجسد ملامح التطور التقاني، برزت ببلادنا مظاهر حركية ثقافية وفنية جديدة في مختلف الميادين. إن الميلاد الطبيعي والحقيقي لكل مجتمع مدني هو ميلاد ثقافي، من هنا تأتي أهمية المسألة الثقافية فـي تناول طبيعة المجتمع المدني القائم محليا، والثقافة تمثل عصب كل تحول اجتماعي وسياسي، وليس مـن قوة للمجتمع إلا السلطة الرمزية/ الثقافية، وهذا ما يتطلب فحص هذه الثقافة والتفكير في أسسها ومضامينها؛ وبالتالي جعل المسألة الثقافية أساس بناء المجتمع المدني السائد، كما أن الاستقلال المادي والمعنوي للأفراد يتطلب شرطا مؤهلا للفعل الديمقراطي، هو انتشار الثقافة والتواصل الشفاف والمتحرر-كما يؤكد على ذلك أستاذ علم السياسة المغربي المرحوم محمد بردوزي-.

وهنا تمثل الثقافة وفق منظور معين المنطلق الحقيقي للبعد الديمقراطـي، فالأرضية الثقافية تحدد أسلوبا وقيما سياسية تؤدي أساسا إلى التكتل - الفكرة التي دافع عنها جون واتربوري -؛ وذلك في منأى عن الفعـل السياسي البراغماتي، فاشتغال مفهوم المجتمع المدني كمفهوم أقل تسيسا من المفاهيم المتداولة، سيوفـر بلا شك للمثقف إمكانيات أرحب و مجالات أوسع لممارسة فعل التفكير الحر والنقد، وسيسمح له بالتماهي الإيجابي مع مجاله الطبيعـي، ألا وهو الثقافة والمعرفة. إن كل هذه المعطيات تبرز أن الاهتمام بالمثقف وبإنتاجاته لايزال سائدا، وحتى نظريـة "موت" أو"نهاية" المثقف -كما تكهن بذلك فيلسوف الوجودية جون بول سارتر على هامش أحداث نهاية الستينات بفرنسا -لاتعدو أن تكون مجرد ترقب مندحر.

على هذا الأساس يشكل تراث البلاد وحركيته الثقافية والفنية إمكانا مهما وإسهاما أصيلا وثمينا في الحضارة والثقافة العالميتين. وخلال الخمسين سنة الأخيرة من القرن العشرين- حسب تقرير الخمسينية لسنة 2005- تمكن المجتمع المغربي بطريقة موفقة من الحفاظ على العناصر الأساسية للتراث الوطني، وإتاحة تجديد في الإبداع الثقافي والفني بعد فترة خمول أملتها جزئيا نزاعات سياسية، واتسمت بغياب سياسة ثقافية حقيقية، ذلك أن أجيال ما بعـد الاستقلال وفقت عموما في حفظ ومنح الحياة لمختلف تعابير التراث العتيق للبلاد في أشكالها الأصلية ثـم في عصرنتها. ومن ثم فالمشهد الثقافي بالمغرب لم يعد يشدد على الثقافة العالمية فقط رغم اهتمامه بها، فثمة تركيز متزايد على التراث والثقافة الشعبية ( الزجل، الأغنية الشعبية، والغناء المنسي..)، إن المغرب يشهد اليوم، وعلى صعيد الثقافة ذاتهــا، وبمعناها الأنتربولوجي المرن والأعمق، انفجارا هوياتيا .. هذا بالإضافة إلى التغير الذي طرأ على صعيد العلاقات القائمة بين الثلاثي الدولة والمجتمع و المثقف، خاصة فيما يتعلق بصلتهم بمفهوم الحداثة، هذا دون إغفال المستجدات العالمية التي كان لها بدورها تأثير على مستوى سؤال الثقافة ككل؛ حيث الأولوية للمرئـي وأشكال الصورة في سياق تيار العولمة الجارف المكتسح لكل الأرجاء و الفضاءات.

 

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
 


أعلى الصفحة