القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
تحت عدد: 310
يشكل الإطار السياسي الإطار الأنسب الذي

 يسمح بتطوير مؤسسات المجتمع المدني وبلورة أفكارها وفق صيغ "تنويرية" ، والذي  يوفر بالتالي لهذه القوى الاجتماعية "المتحركة"، كل صور وأشكال التعبير عن مصالحها وآرائها بطريقة سليمة، حرة، منظمة ومؤثرة . أو بعبارة أخرى،  تشكل الآلية السياسيــة  الإطار الملائم الـذي يسمح به  نموذج الحكم الديمقراطي الرصين، القائم على أساس إتاحة الفرص أمام مجال التعددية السياسية والاختلاف الفكري والتنوع الثقافي، وضمان  الامكانات المتكافئة والحظوظ المتساوية، لكل الهيئات والفعاليات وتوفير ضوابط الحوار البنـاء، والتنافس الشريف والتناوب التوافقي، وضمان تداولية السلطة بين مختلف القوى  والفعاليات السياسية التي لها حضور فعلي وفعال  في الساحة المجتمعية  وفق أسلوب ديمقراطي متحضر،  يتوطد أساسا على الإرادة الحرة للمواطنين وسلامة اختيارهم، عن طريق الاستشارات الشعبية في الانتخابات والاستفتاءات التي تضمن المشاركة الايجابية في الحياة السياسية، وإقامة مؤسسات ديمقراطية ذات تمثيل شعبي حقيقي، كالمؤسسة النيابية (البرلمان) التي تنبثق عنها الحكومة المتوافرة  على الأغلبية  أوفي اطار ائتلاف حكومي ، تلتزم  أمام الشعب ببرنامج محدد عبارة عن تعاقد اجتماعي  جديد ومتجدد  يشمل مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والبيئية . .. يصادق عليه ممثلو الأمة( المعبرين عن سيادة الشعب)، مع تواصل مسؤوليتها  السياسية أمامهم بشكل مطرد، والتأسيس لآليات ناجعة  قائمة على المحاسبة والافتحاص والتتبع والمراقبة والرؤية الاستشرافية،  أي كل آليات الحكامة الجيدة، وخلق الأجواء المناسبة للتوازن بين السلط ( بمافيها  السلط  الجديدة، وعلى رأسها السلطة الخامسة الصاعدة المتمثلة في المجتمع المدني)  والتأكيد على ضرورة التعاون بينها، بما يكفل قيام الدولة بوظائفها بطريقة فضلى تجاه سائر شرائح المجتمع ، مع وجوب احترام القواعد القانونية التي تنظم وتحكم تكوين المؤسسات، بمافيها مؤسسات المجتمع المدني والارتقاء بها إلى مصاف المؤسسات المواطنة،  وفق مقاربة تجمع بين الثابت والمتحول، رغم أن المطلوب ليس فقط الكشف عـن طبيعة هذا الالتقاء بين العميق والمتغير، بين البنى الدائمة والتقلبات على المدى القصير والمتوسط(  كما يرى ذلك  الأستاذ عبد الله ساعف، في دراسة له  "اضطرابات الدولة حول العلاقة بين الدولة البنيوية والدولة المتغيرة" ترجمة ادريس لعقيل في بيير سلامة وآخرون "جدلية الدولة والمجتمع بالمغرب" افريقيا الشرق، الدار البيضاء ،1992)، وإنما البحث المتواصل عن السبل  القمينة بدفع الدينامية السياسية في اتجاه التكريس الفعلي للديمقراطية شكلا ومضمونا والتقعيد  لمختلف آليـاتها الايجابية وترسيخ قيمها الفضلى. ومن بين هذه السبل، إعطاء الدعم اللازم لنشوء وتطور مجتمع مدني فاعل، الذي من الواجـب إعادة الاعتبار له من خلال تصحيح مساراته وتوضيح رؤيته لذاته ولعلاقاته مع كل من السلطة والقطاع الخاص ومع بقية الفاعلين السياسيين(  كما يؤكد  ذلك الصحافي والحقوقي التونسي صلاح الدين الجورشي في حوا ر له مع مجلة رهانات ، عدد مزدوج 11/ 12، صيف وخريف 2009)، كما أن هذا المجتمع المدني مطالب في الوقت الراهن، وأكثر من أي وقت مضى ببناء فهم حقيقي للأشياء ووضع عملي  للأفكار على المدى البعيد،  وايجاد الصيغ التوافقية  بين الحرية والقانون، و فرض سلطة المعقول وعقلنة  المشهد السياسي المتسم بالركود ، مع ضرورة  عدم الانسياق التبعي  وراء  القوالب الجاهزة  المرتبطة  بآليات اشتغال  السلطة،  والتي كثيرا ما تعري عن وهنها في التأسيس لفاعل مدني كفء ومحوكم،  قادر على مجابهة التحديات المتلاحقة والاجابة على الاشكاليات المطروحة  ووضع رؤى استشرافية للقضايا المعاصرة .                                                                                              هكذا، يظل مفهوم المجتمع المدني مفهوما "سياسيا" بالدرجة الأولى، ومن ثم  فهو يعري  عن ارتباطاته المتعددة الشبائكية مع مفاهيم أخرى من قبيل الوطن، الحرية،  الدولة، الحق، القانون ، الفكر الليبرالي والديمقراطية. في هذا الشأن ،  يمكن القول، أنه لاوجود لتجارب ديمقراطية ناجحة خارج  سياقات المجتمع المدني"الحقيقي"، كما أنه يصعب بناء مجتمع مدني متقدم، في ظل تواجدات حكم من الجور الاستبدادي البسيط أوالمطلق.

وعلى هذا الأساس،  يعد مفهوم الديمقراطية مفهوما جوهريا  ضمن انشغالات مؤسسات المجتمع المدني  وركيزة من ركائز غائياتها المرسومة في قوانينها الأساسية. هذه المؤسسات،  ومنذ  نشوئها  الإرهاصي الأولي، أضحت  تلعب الأدوار الفاعلة والريادية  في عمليات التغيير الاجتماعي والتحول السياسي والتطوير الاقتصادي  والنبوغ الثقافي.  وهنا نجد، أنه كلما تطورت  أدوار مؤسسات المجتمع المدني  في هذه العمليات ، كلما تميزت بمرونة  وسلاسة في الإستجابة لمعطيات البنى  القائمة ، مما يؤكد مدى مساهمتها في بلورة الأسس الديمقراطية لكل تغيير محتمل على مستوى هياكل الدولة، القائمة أساسا على المأسسة ، وحيث يعتد بالمجتمع المدني المتطور المؤسس على فعل الحرية والمبادرة والنزوع للعمل التطوعي في إطار مشاركة منظمة كركن أساسي في ثقافة بناء دولة المؤسسات.  ومن ثم، تبرز الرابطة الوطيدة  بين هيئات المجتمع المدني وإواليات التحول الديمقراطي ، والعلاقة المتينة  بين  مقولتي 'الديمقراطية' و"المجتمع المدني". حيث أن الديمقراطية  تتبلور كجملة  قواعد وأسس ممارسة سلطة الحكم والتوفر على  آليات المأسسة المستمرة  لفض الإختلاف سلميا وبناء التوافقات حول  المسائل المتنازع فيها ، وهو  مايمكن أن  نجده في الأبعاد المعيارية  للمجتمع المدني.

وهكذا، فإن الدور الهام للمجتمع المدني في تعزيز التطور الديمقراطي وتوفير الشروط الضرورية لتعميق الممارسة الديمقراطية وتأكيد قيمها الأساسية، ينبع من طبيعة المجتمع المدني وما تقوم به منظماته في إطار المأسسة من دور ووظائف في المجتمع، لتصبح بذلك بمثابة البنية التحتية للديمقراطية كنظام للحياة وأسلوب لتسيير المجتمع. وهي من ثم، أفضل إطار للقيام بدورها كمدارس حقيقية للتنشئة  على المواطنة والتدريب العملي على الممارسة الفعالة  للديمقراطية .

إنه، عندما تتوافر  لشريحة عريضة  من المواطنين إمكانية المشاركة الإيجابية من خلال منظمات المجتمع المدني، وعندما تتوافر لهذه المنظمات حياة داخلية ديمقراطية تمكن الأعضاء من القيام بالأدوار الريادية  على مستوى هذه المنظمات ، تنشأ الإمكانيات المواتية لقيام مجتمع مدني "محوكم" يكون بمثابة البنية التحتية لقيام نظام ديمقراطي حقيقي على مستوى المجتمع كله.  وبذلك، تصبح الديمقراطية بناء من أسفل يشمل  كل مكونات الشعب ، والذي يصبح  عبرها طرفا  لامحيد عنه  في معادلة الحكم.  ومن ثم تترسخ  الديمقراطية كنظام للحياة في تجلياتها المختلفة وأسلوب لتسيير المجتمع بسائر مكوناته. إن  الديمقراطية بهذا المعنى"الكلياني"، لاتبرز كهبة أو منحة من فوق ، ولكن هي نتاج النضالات المريرة والمستميتة  للشعب وما يعتمل في دواخله من تحركات حرة ومستنيرة.

هكذا، يتبلور دور المجتمع المدني  في بناء  وترسيخ القيم الديمقراطية، وذلك من  خلال نهوض مؤسسات المجتمع المدني بوظائفها الأساسية في المجتمع( الوظيفة  التوجيهية والتعبوية) ،  والتدريب العملي على  تبني أسس الممارسة الديمقراطية السليمة في الحياة الداخلية لهيئات المجتمع المدني وجعلها قادرة على مجابهة  التحديات الخارجية ( الوظيفة التربوية والثقافية)  .                                                   بيد أنه، ورغم كل ماسلف ذكره،  يمكن  القول أن  الرهان المطروح على البعد السياسي لمؤسسات المجتمع المدني،  سيبقى رهانا "طوباويا" بامتياز، اذا لم  يروم تجاوز ضعف الفاعلين الاجتماعيين وهشاشة المجتمع والتخفيف من  الحضور الكثيف للدولة على مستوى احتكار الفعــل المدني نفسه  والتحكم في مساراته  المتشعبة، خاصة  في اللحظات الموسومة بتجليات تعثر الانتقال الديمقراطي المنشود. فكثيرا ما تتماهى أدوار المجتمع المدني  مع شروط الانتقال الديمقراطي. فالمجتمع المدني هو الحافز الأساسي الذي  يقف خلف كل انتقال ديمقراطي ناجح.  ومن ثم، يبرز الترابط المتين والراسخ بين إرادة المجتمع المدني المساهمة في  ضمان الشروط الكفيلة بالتقعيد للانتقال الديمقراطي السلس، ومطلب قيام الدولة المدنية  بسائر مداميكها، وفق اعتبارات  "أخلاقية "  ترسم الحدود  الضرورية  لممارسة "السياسة " من طرف المجتمع المدني. هكذا، فإن ديناميكية قوى المجتمع المدني وتغطيتها في وقت قصير لمجمل الفضاءات السياسية والاجتماعية، جعلها  تتموقع في المراتب الأولى لمسارات الدمقرطة  وتلعب دورا فعالا في الدفع إلى الأمام بمسلسل بناء دولة القانون ودولة المؤسسات . ويظهـر حجم ومدى  تغلغل  هذه القوى الحية  في  الانشغالات المجتمعية  الراهنة،  من خلال حرصها الأكيد على  اقتحام مجالات جديدة للمطالبة وجعلها مجالات  للفعل المدني "الظاغط" والمؤثر باستمرار.وهذا لايعني بتاتا أن المجتمع المدني  يظل في منأى  عن حسابات الدولة، والتي  غالبا ما تعلن عن رغبتها  التواقة في تحقيق التوازن المطلوب بين المجتمع المدني الهش والقوى السياسية الضامرة، وذلك في ظل مراهنتها  سياسيا على الظفر بمكتسبات  تضفي عليها المزيد من أسس الشرعنة والتحكم في الفعلين السياسي والمدني  معا ( قيام الدولة بالاصلاحات السياسية وبشكل مواز بالاستجابة للمطالب الاجتماعية ) . 

وعموما، لن يكتب لتجارب المجتمع المدني  الوصول إلى مراميها، في ظل غياب السند الحقيقي  المتمثل في الانتقال الديمقراطـي  القائم على  مبادئ التعاقد، التداول، الاصلاح  والتوافق ...  في هذا الصدد، لابد من التأكيد على أن هذه المبادئ وغيرها كثير، كانت ولازالت  الأرضية الصلدة  لخلق الظروف  المواتية لتبلور المجتمع المدني المستقل والقوي، كآلية من آليات الانتقال الديمقراطي الرصين.

وباختصار، فإن  تفعيل  دور المجتمع المدني ، يتطلب وضع أسس جديدة للعلاقة بيـن الدولة والمجتمع المدني، ومن بين هذه الأسس (حسب مايراه حسين توفيق ابراهيم في مساهمة له  ضمن  مؤلف جماعي " المجتمع المدني في الوطن العربي ودوره في تحقيق الديمقراطية "مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 1992) ما يلي: 

* اقامة التوازن بين الدولة والمجتمع المدني، بحيث تتحدد حقوق الدولة وواجباتها، وكذلك حقـوق وواجبات المجتمع المدني.

* أن تكون مؤسسة الدولة محايدة إزاء مختلف مكونات المجتمع المدني، وذلك بتخويلها حرية الحركة ورفع الوصاية على نشاطها.

* أن تمارس مكونات المجتمع المدني التأثير في القرارات التي تتخذها الدولة من خلال المجالس النيابية، جماعات الضغط، أعمال الاحتجاج الجماعي من مظاهرات واضرابات واعتصامات.

* توسيع المشاركة بالنسبة لنشاط المجتمع المدني، على نحو يسمح بمراقبة كافة البنى الاجتماعيـة والسياسية وضبطها وتصحيح مسارها.

* ضرورة تجاوز البنيات التقليدية التي تحكم عمل تنظيمات المجتمع المدني (قبيلة، زبائنية، عصبوية..) وبالتالي ضرورة العمل على اكساب مشاريعها بعدا مدنيا يعبر عن مصالح جل الفئات الاجتماعية.


بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
 


أعلى الصفحة