القانون العام

بقلم ذ عبد الحق دهبي
باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية
تحت عدد: 61
أعطت المبادرة المغربية، بمنح نظام الحكم الذاتي في الصحراء سلطات موسعة، نفسا جديدا لقضية الصحراء المغربية، وأثارت نقاشاً كبيراً في الأوساط الدولية لجديته ومسؤوليته وتعبيره الصريح عن رغبة المغرب في الطي النهائي لهذا النزاع المفتعل حول سيادته على أقاليمه الجنوبية.

على أن تحتفظ الدولة المغربية "باختصاصات حصرية، خاصة منها ما يلي: مقومات السيادة، لاسيما العلم والنشيد الوطني والعملة، المقومات المرتبطة بالاختصاصات الدستورية والدينية للملك بصفته أمير المؤمنين والضامن لحرية ممارسة الشعائر الدينية وللحريات الفردية والجماعي، الأمن الوطني والدفاع الخارجي والوحدة الترابية، العلاقات الخارجية، النظام القضائي للمملكة".

وبالرجوع إلى وثيقة الحكم الذاتي المقدمة من طرف المغرب إلى المجتمع الدولي، نلاحظ فيما يخص السلطة القضائية، أنها تثير عددا من الأسئلة الرئيسية من قبيل :

- هل سيكون لقضاة منطقة الحكم الذاتي نظاما أساسيا خاصا بهم، مستقل عن النظام الأساسي لرجال القضاء بالمغرب ؟

- هل ستنطق الأحكام بمنطقة الحكم الذاتي باسم جلالة الملك أم باسم السلطة الحاكمة بهذه المنطقة؟

- أي شكل من أشكال القضاء سيتبنى؟ وما هي نوعية المحاكم ومستوياتها، وفي أي القضايا سيخول لها الحكم؟ وحسب أي قانون؟

-       هل يمكن إلى جانب "حكم ذاتي" الحديث عن "قضاء ذاتي" وقوانين تنبع من هذه الحقيقة؟

- هل يخضع تأسيس المحاكم بهذه المنطقة لظهير التنظيم القضائي لسنة 1974 أم لتنظيم قانوني جديد، وما هي الجهة التي ستصدره؟

- كيف سيتم تنفيذ الأحكام القضائية القاضية بالعقوبات السجنية السالبة للحرية؟ وهل سيتم تنفيذ عقوبة الإعدام بهذه المنطقة والتي أوقف المغرب تطبيقها منذ سنة 1993 انسجاما مع مقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق المغرب عليها ؟

- هل سيتم نقض الأحكام الصادرة بمنطقة الحكم الذاتي أمام المجلس الأعلى بالرباط أم سيتم إحداث محكمة نقض بهذه المنطقة؟

وإلى جانب هذه الأسئلة المركزية، تظهر هناك أسئلة أخرى ثانوية لا تقل عنها أهمية، تتمحور أساسا حول العناصر التالية :

- كيف سيتم تعيين قضاة منطقة الحكم الذاتي ؟ هل بظهير ملكي كما هو الشأن بالنسبة لزملائهم بباقي مناطق المملكة أم بقرار للسلطة الحاكمة بهذه المنطقة ؟

- كيف سيتم توزيع المحاكم العادية منها والمتخصصة ؟

- ما هي حدود صلاحيات المجلس الأعلى للقضاء، كمؤسسة دستورية، يسهر على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم ؟ وهل ستشمل تمثيليتهم قضاة منطقة الحكم الذاتي ؟

- هل ستكون وزارة العدل بالرباط هي المسؤولة عن بلورة السياسة القضائية بمنطقة الحكم الذاتي أم السلطة التنفيذية بهذه المنطقة ؟ 

وللإجابة على هذه الأسئلة وغيرها من التساؤلات التي تثار بشأن وثيقة الحكم الذاتي المقترحة من طرف المغرب، يتعين معالجة الخطوط العريضة للسلطة القضائية كما وردت بهذه المبادرة المغربية :

أولا : احتفاظ الدولة المغربية باختصاصات السيادة

إن أول ما يثار عند الحديث عن أي نظام للحكم الذاتي، هو مسألة كيفية توزيع الاختصاصات التنفيذية، والتشريعية، والقضائية بين الإقليم أو الأقاليم المحكومة ذاتيا، وبين السلطة المركزية، أي ما هي الاختصاصات التي تتكلف بها منطقة الحكم الذاتي، والاختصاصات التي ستبقى من اختصاص العاصمة الرباط.

ومن الناحية النظرية، وفقا لأحكام القانون الدستوري، هناك ثلاثة طرق لتوزيع هذه الاختصاصات، هي:

- أولا، توزيع هذه الاختصاصات بين الوحدات الذاتية والسلطة المركزية، وتحديدها على سبيل الحصر. أي أن الدستور الفيدرالي يورد اختصاصات الولايات على سبيل الحصر، وما لم يرد فيه نص أو يخول للولايات يعد من اختصاصات السلطة الفدرالية. وواضح أن هذه الطريقة تقوي السلطة الفيدرالية على حساب الولايات، وقد أخذت بها الدول المتحولة من دولة بسيطة إلى دولة مركبة (كندا-الهند) رغبة منها في استمرار تقوية السلطة المركزية.

 وأهم خاصية في هذا النظام هي ثنائية السلطة، إذ تكون السلطة المحلية في المناطق مستقلة عن السلطة المركزية ولا تخضع لإشرافها ورقابتها، فإذا وقع الخلاف بين السلطتين فإن المحكمة الفدرالية تقوم بحل ذلك الخلاف. ولا يكون للسلطة المركزية حق التدخل بأي شكل من الأشكال لتعيين أعضاء الهيئات المحلية، وإنما يكون ذلك من حق سكان المناطق  فقط حق انتخاب ”حكامهم“ ومراقبتهم وعزلهم وبالشكل الذي ترسمه القوانين، ويقوم الحكام المحليون بممارسة الاختصاصات التي رسمها لهم الدستور، كما تقوم السلطة المركزية بممارسة اختصاصاتها.

 

لكن هذه الطريقة تعرف بعض المشاكل في التطبيق نظرا لتداخل العديد من الصلاحيات والمجالات.

- ثانيا، تعيين صلاحيات الوحدات الذاتية في مجالات محددة، كما هو الشأن في إسبانيا وإيطاليا وكندا. إذن وعلى على عكس الطريقة الأولى؛ نجد في هذه الحالة أن الدستور يورد اختصاصات السلطة الفيدرالية على سبيل الحصر، ويترك باقي الصلاحيات غير المحددة للولايات. وفي هذه الطريقة نلمس إرادة في حفاظ الولايات على استقلالها الذاتي. وقد أخذت بها كل من سويسرا، وأستراليا، وألمانيا، والتعديل العاشر للدستور الأمريكي لسنة 1791 الذي نص على أن السلطات التي لم يقع تفويضها من طرف الدستور إلى الدولة الفيدرالية تكون من اختصاص الدول الأعضاء.

- ثالثا : وتتلخص هذه الطريقة الثالثة من طرق توزيع الاختصاصات في جرد الدستور الفيدرالي لاختصاصات السلطة الإتحادية من جهة والولايات من جهة أخرى على سبيل الحصر، حيث يقتصر اختصاصهما معا على ما ورد في نص الدستور. ونظرا لأن الدستور لا يمكنه توقع كل شيء، فإن الدول الفيدرالية لا تأخذ بهذه الطريقة لما تنطوي عليه من خطر التنازع بين الولايات والسلطة الإتحادية حول اختصاصات جديدة برزت للوجود ولم يحدد الدستور الفيدرالي الجهة المختصة بها.

ونظرا لأن الدستور لا يمكنه توقع كل شيء كما أكدنا أعلاه، وبفعل ظهور مستجدات في الحياة لم يتوقع الدستور إسنادها للسلطة المركزية أو للإقليم المعني بالحكم الذاتي، مما قد يحدث فراغا في السلطة؛ ولتجاوز عيوب كل طريقة من هذه الطرق، عَمِلَ المشروع المغربي للحكم الذاتي، المستلهم من مقترحات الأمم المتحدة ومن الأحكام الدستورية المعمول بها جهويا والمتعارف عليها عالميا، عَمِلَ على دمج هذه الطرق والأخذ بايجابياتها وتجنب سلبياتها، حيث نص المشروع على أن جهة الحكم الذاتي للصحراء  تمارس عدة اختصاصات وذكر بعضها على سبيل المثال، في حين تحتفظ الدولة المغربية باختصاصات حصرية، في ميادين السيادة، لاسيما الدفاع والعلاقات الخارجية والاختصاصات الدستورية والدينية لجلالة الملك، أمير المؤمنين.

إن هذا التحديد في غاية الدقة القانونية والدستورية والفقهية، ذلك أن احتفاظ الدولة بالاختصاصات الدستورية والدينية لأمير المؤمنين يعود لاعتبارات ذات مرجعيات متنوعة ومختلفة، فالملك هو رئيس الدولة المغربية المسؤول عن أمن وطمأنينة الشعب وسيادة الدولة خارجيا وداخليا.

وهو من جهة أخرى، يتوفر الملك على دستور ومؤسسات دستورية في إطار دولة الملكية الدستورية، وهو بذلك الممثل الأسمى للأمة ورمز وحدتها وضامن دوام الدولة واستمرارها، وهو حامي حمى الدين والساهر على احترام الدستور، وله صيانة حقوق وحريات المواطنين والجماعات والهيئات، وهو الضامن لاستقلال البلاد وحوزة المملكة في دائرة حدودها الحقة، وتبعا لذلك فهو يرأس عددا من المؤسسات الدستورية وعلى رأسها المجلس الأعلى للقضاء[1]، ويعين القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء.

كما أنه وفقا لنظام الخلافة الإسلامي فإن القضاء من وظائف الإمامة والملك أمير المؤمنين، الذي يضطلع بالسلطة القضائية، هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء.

لذلك وبناء على هذا المعطى فاحتفاظ الدولة باختصاصات حصرية، منها إقرار النظام القضائي للمملكة، له مقوماته القانونية والدستورية، ويتجاوب مع ما تتطلبه مقتضيات القانون الدولي والاتفاقيات الدولية.

 

ثانيا : إحداث أصناف جديدة من المحاكم

نص المشروع المغربي لمنح حكم ذاتي بمنطقة الصحراء، على أنه يجوز للبرلمان الجهوي أن يحدث محاكم تتولى البت في المنازعات الناشئة عن تطبيق الضوابط التي تضعها الهيئات المختصة لجهة الحكم الذاتي للصحراء. وتصدر هذه المحاكم أحكامها بكامل الاستقلالية، وباسم الملك.

وبتحليل هذه المقتضيات، يتبين أنها في غاية المرونة والمطابقة لأحكام القانون الدستوري والتجارب الدولية الرائدة في هذا المجال. وهو ما سيتوضح من خلال العناصر التالية :

1- إحداث محاكم بمنطقة الحكم الذاتي :

يختص البرلمان طبقا للفصل 46 من الدستور المغربي، بالإضافة إلى المواد المسندة إليه صراحة بفصول أخرى من الدستور، بالتشريع في عدد من الميادين من بينها: تحديد الجرائم والعقوبات الجارية عليها والمسطرة الجنائية والمسطرة المدنية وإحداث أصناف جديدة من المحاكم؛ النظام الأساسي للقضاة.

إن هذا المقتضى الدستوري ينسجم في خطوطه العريضة مع ما نص المشروع المغربي لمنح حكم ذاتي بمنطقة الصحراء، من أن البرلمان الجهوي له أن يحدث محاكم بهذه المنطقة تختص بالنظر في المنازعات الناشئة عن تطبيق القوانين الجهوية.

وقد أناط الدستور الإسباني المجموعات المستقلة بمجالس محلية، تتولى مباشرة الاختصاصات التي تعود إليها. ومن أهم هذه الأجهزة نذكر: مجلس أعلى للقضاء الجهوي، إضافة إلى البرلمان الجهوي والحكومة الجهوية ورئيس الحكومة الجهوية.

2- تصدر هذه المحاكم أحكامها بكامل الاستقلالية :

إن وجود نظام قضائي، بمنطقة الحكم الذاتي بالصحراء، مستقل ونزيه يعتبر ضمانة أساسية لحكم القانون، وينص عليه العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية. كما أن المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء تنص، بالتفصيل، على العناصر الأساسية لاستقلال القضاء.

وتنص المبادرة المغربية للحكم الذاتي، على أن محاكم منطقة الصحراء تصدر أحكامها بكامل الاستقلالية، وهو ضمانة أساسية تجد مرجعيتها الأساسية في المبادئ الدستورية المغربية والتقاليد والأعراف والممارسة القضائية داخل المملكة. وتنسجم هذه المقتضيات مع ما نص عليه الفصل الثاني والثمانون من الدستور المغربي الذي أكد على أن القضاء مستقل عن السلطة التشريعية وعن السلطة التنفيذية.

إن واجب القضاة، في منطقة الصحراء، في أداء واجباتهم بصورة مستقلة ونزيهة، هو من أهم المقتضيات التي جاءت بها المبادرة المغربية. وتوصي منظمة العفو الدولية بضرورة النص على استقلال القضاء في أي دستور جديد تتم صياغته.

إن الضمانات التشريعية لاستقلال القضاء، والتي ينبغي أن تتضمن إشارة واضحة إلى الحق في التحرر من سيطرة السلطة التنفيذية وتدخلها، يجب أن تُستكمل من خلال وضع السياسات والممارسات المتعلقة بتأمين استقلال القضاء وتعزيزه. ويجب أن تتضمن العناصر الرئيسية ما يلي:
اختيار الموظفين وضمان أمنهم واتخاذ التدابير اللازمة للتأكد من أن الأشخاص المناسبين، ذوي المؤهلات الضرورية والأخلاق الحميدة والذين يتسمون بالنـزاهة والحياد، هم الذين يتعين أن يتم اختيارهم لشغل منصب قضائي.

ويجب أن يكفل القانون شروط خدمتهم ومناصبهم، وذلك لضمان حمايتهم من أي ضغوط سياسية أو اقتصادية أو غيرها.

ولتكريس استقلالية القضاء بمنطقة الصحراء، يتعين التفكير في آليات للإشراف القضائي المستقل والنـزيه. لكن السؤال لا زال مطروحا بشأن الجهة المخول إليها تعيين القضاة المعنيين: هل يعينون بظهير ملكي[2] لكي يستمدون سلطتهم وصلاحياتهم من الملك أمير المؤمنين انسجاما مع عناصر نظام الخلافة الإسلامي، أم يتعين خلق لجنة قضائية انتقالية، مهمتها صلاحيات اختيار الموظفين لمناصب القضاء، إلى جانب تلقي الشكاوى ضد هؤلاء القضاة ومراجعتها، وفحص أداء السلطة القضائية التي ستنشأً، ومدى التزامها بالقانون الدولي لحقوق الإنسان، وتقديم التقارير بهذا الشأن.

كما يتعين وضع مدونات سلوك منفصلة لآداب مهنة القضاء، وفقا لمعايير الأمم المتحدة، وتحديداً مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين، المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء؛ المبادئ التوجيهية الخاصة بدور المدعين العامين؛ والمبادئ الأساسية لدور المحامين.

3- تصدر هذه المحاكم أحكامها باسم الملك :

إذا كان الدستور المغربي ينص في فصله الثالث والثمانون على أن  الأحكام تصدر وتنفذ باسم الملك، فإن المشروع المغربي لمنح حكم ذاتي بمنطقة الصحراء سار في نفس هذا الاتجاه وأكد بأن محاكم هذه المنطقة تصدر أحكامها باسم الملك.

ولعل هذا التناغم بين المقتضيات الدستورية المغربية ومضمون مبادرة الحكم الذاتي بمنطقة الصحراء، هو أحسن تعبير على دقة المشروع المغربي ومصداقيتها، إضافة إلى انسجامها مع المواثيق الدولية والتجارب الرائدة في هذا المجال. 

وتثار في هذا السياق مسألة لها ارتباط وثيق بإصدار الأحكام، تتمثل في تدريب القضاة، ذلك أن اجتياز الملحقين القضائيين لفترة تدريبهم قبل التخرج في المعهد العالي للقضاء بالرباط فيه ضمانة لتشبه هؤلاء بروح ومبادئ القضاء والتنظيم القضائي المغربي، وهي فرصة لاحتكاكهم بزملائهم العاملين بباقي المناطق والجهات المغربية.

ويتعين أن يكون تدريب القضاة وغيرهم من مهنيي الضاء تدريباً شاملاً وإلزامياً، وأن يشمل مجالات أساسية في المعايير الدولية المتعلقة بالمحاكمات العادلة، وأن جميع البرامج التدريبية يجب أن تتضمن، من جملة أمور أخرى، تفحص المعايير التالية للأمم المتحدة:

-   الإعلان العالمي لحقوق الإنسان

 - العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية

 - العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية

 - الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري

 - اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

 - اتفاقية حقوق الطفل

 - القواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة لإدارة قضاء الأحداث

 - القواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة للتدابير غير الاحتجازية

 - قواعد الأمم المتحدة لحماية الأحداث المحرومين من الحرية

 - القواعد النموذجية الدنيا للأمم المتحدة لمعاملة السجناء

 - مجموعة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن

 - المبادئ الأساسية لاستقلال القضاء

 - المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة الخاصة بدور المدعين العامين

 - المبادئ الأساسية لدور المحامين

 - مدونة قواعد سلوك الموظفين المكلفين بتنفيذ القوانين

  -  المبادئ الأساسية لاستخدام القوة والأسلحة النارية من جانب الموظفين المكلفين بإنفاذ القوانين

- إعلان المبادئ الأساسية للعدالة لضحايا الجريمة وسوء استخدام السلطة

والملاحظ أنه، وكما سوف نتطرق إلى ذلك فيما بعد، لم تتضمن وثيقة المبادرة المغربية أية إشارة إلى مسألة تدريب القضاة، على عكس ما نصت عليه مقتضيات الاتفاق الإطار بشأن الحل السياسي لقضية الصحراء، الذي اشترط اختيار القضاة الذين تناط بهم السلطة القضائية في المحاكم الموجودة في مناطق الحكم الذاتي بالصحراء أن يكونوا من خريجي المعهد الوطني للدراسات القضائية بالرباط سابقاً المعهد العالي للقضاء حالياً، وأن يكونوا من أبناء الصحراء، أما المقترح الجديد فألغى الشرط الأول أي التخرج من المعهد الوطني للدراسات القضائية.

ثالثا : إحداث المحكمة العليا الجهوية

من الناحية النظرية، واعتبارا للتجارب الدولية في مجال الحكم الذاتي، توجد في الدولة المركزية هيئة قضائية متميزة عن الهيئات القضائية في المناطق أو الولايات، فتكون شؤون القضايا المركزية من اختصاص المحكمة العليا والتي تختص برقابة دستورية القوانين وكذلك النظر في النزاعات التي تنشب بين السلطة المركزية والسلطات المحلية وأخيرا ملاحظة توافق القوانين التي تصدرها الولايات مع القوانين المركزية.

وبالنسبة للدول الفدرالية، فأهم ما يميزها هو الدستور الفدرالي الذي يعد من قبل الجمعية التأسيسية ثم يوافق عليه المجلس النيابي ”البرلماني“ في كل دولة ”ولاية“ من دول الاتحاد أو يعرض للاستفتاء من قبل كافة أفراد الدولة، وبذلك يتمتع الدستور الفدرالي بعُلْوية على سائر الدساتير المحلية، فالدولة الفدرالية تستمد وجودها من الدستور ولذلك فإن أية سلطة في الحكومة الفدرالية أو في أي دولة ”ولاية“ في الاتحاد سواء كانت هذه السلطة تشريعية أم تنفيذية أم قضائية فإنها جميعاً تخضع في ممارستها لوظيفتها للدستور الفدرالي.

وللبت في النزاعات التي قد تحدث بين السلطات الفيدرالية وسلطات الولايات، أو بين ولايتين أو أكثر، وللسهر على احترام الدستور الفيدرالي ودساتير الولايات ومراقبة دستورية القوانين؛ فإن تنظيم الدولة الفيدرالية ينطوي على إحداث هيئة قضائية فدرالية عليا لفض هذه النزاعات وتأويل النصوص. وهكذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية تتوفر على محكمة فيدرالية عليا وألمانيا الاتحادية على محكمة دستورية وسويسرا على محكمة إتحادية.

وبالرجوع للمشروع المغربي لمنح حكم ذاتي بمنطقة الصحراء، نجد أن المقتضيات التي جاء بها تنسجم مع هذه الضوابط، حيث تنص على أنه تتولى المحكمة العليا الجهوية، باعتبارها أعلى هيئة قضائية بجهة الحكم الذاتي للصحراء، النظر انتهائيا في تأويل قوانين الجهة، دون إخلال باختصاصات المجلس الأعلى والمجلس الدستوري للمملكة.

أما الاتفاق الإطار الذي سنتطرق إليه، فيما سيتقدم، فقد نص في الفقرة 12 على أن السلطة القضائية في الصحراء الغربية ستتم ممارستها من طرف محكمة عليا للصحراء الغربية، كما يتم تشكيل المحاكم السفلى الأخرى من طرف سلطة الصحراء الغربية. إن أعضاء المحكمة العليا والمحاكم السفلى الأخرى يتم تعيينهم من طرف الرئيس التنفيذي باتفاق مع الجمعية التشريعية.

وأن المحكمة العليا : (1) تصدر أحكاما قضائية تكون مطابقة لأي قانون تعتمده الصحراء الغربية (باستثناء أي قانون يتعلق بسلطات مخصصة للمملكة وذلك حسب ما نصت عليه الفقرة (8ـ ب) من هذه الخطة، وفي هذه الحالة فإن المجلس الأعلى بالمغرب، له سلطة توضح هذه الأحكام القضائية.

 (2) تكون لها السلطة النهائية في تأويل القوانين السارية بالصحراء الغربية وستكون للمحكمة العليا سلطة التصريح بإلغاء وعدم صلاحية أي قانون أو تشريع أو غيرها من قرارات سلطة الصحراء الغربية، تكون متعارضة مع هذه الخطة أو تتجاوز صلاحيات سلطة الصحراء الغربية كما هو منصوص على ذلك في هذه الخطة.

رابعا : مقارنة بين مضامين الاتفاق الإطار ، الحل الخامس ووثيقة الحكم الذاتي في مجال السلطة القضائية

تنص الفقرة الأولى من الاتفاق الإطار بشأن التسوية السياسية لنزاع الصحراء، المقدم في يونيو 2001، على أن "سكان الصحراء الغربية يمارسون عن طريق هيئاتهم التنفيذية والتشريعية والقضائية السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي والميزانية والنظام الضريبي الإقليمي, وإنفاذ القوانين, والأمن الداخلي, والرعاية الاجتماعية والثقافية والتعليم والتجارة والنقل والزراعة والتعدين ومصائد الأسماك والصناعة والسياسات البيئية والإسكان والتنمية الحضرية والمياه والكهرباء والطرقات والبنى الأساسية الأخرى".

أما السلطة القضائية فقد أناطها التقرير "بالمحاكم التي تقتضيها الحاجة, ويتم اختيار القضاة من المعهد الوطني للدراسات القضائية, على أن يكونوا من الصحراء الغربية. وتكون هذه المحاكم هي المرجع فيما يتعلق بالقانون الإقليمي".

من خلال هذه المقتطفات يتبين بأن مضامين "الاتفاق الإطار" تؤسس لنوع من الحكم الذاتي محوره الأساسي: السيادة المغربية الكلية على العلاقات الخارجية, بما فيها الاتفاقيات والاتفاقيات الدولية والأمن الوطني والدفاع الخارجي... مع ممارسة سكان الصحراء، عن طريق هيئاتهم التنفيذية والتشريعية والقضائية السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي، وهو ما يستدعي إبداء بعض يمكن إبداء بعض الملاحظات الدستورية :

- إن اتفاق الإطار ينص على "جمعية تشريعية", وعلى "هيئة تنفيذية" و"قضائية", وهي هيئات أوكل إليها الاتفاق مهمة "ممارسة السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي", وهو ما يعني أننا إزاء إقليم يتمتع باستقلال ذاتي, يفوق نظام اللامركزية الإدارية, الذي تتوفر فيه الجهة على مواردها المالية والبشرية, التي تمكنها من القيام باختصاصاتها المحددة من قبل السلطة المركزية بواسطة القوانين العادية، بحيث ستصبح الجهة في المناطق الصحراوية تتقاسم مع السلطة المركزية الوظائف السياسية, خاصة في الميدان التشريعي والتنظيمي والقضائي.

 أما المشروع المغربي الحالي، فينص على أن سكان جهة الحكم الذاتي للصحراء يمارسون ، داخل الحدود الترابية للجهة، ومن خلال هيآت تنفيذية وتشريعية وقضائية، وفق المبادئ والقواعد الديمقراطية، عدة اختصاصات، من بينها بطبيعة الحال محاكم الجهة.

-ينص الاتفاق الإطار على "وجوب احترام جميع القوانين، التي تقرها الجمعية التشريعية, وجميع القرارات, التي تصدر عن المحاكم (...), وأن تراعي دستور المملكة المغربية...", ولا يتطرق -بأي حال من الأحوال - إلى احتمال تعارض التشريعات الصادرة عن الهيئات المحلية مع النصوص والقوانين, التي يقرها البرلمان المركزي في المرحلة الانتقالية. ومن هنا قد تثار بعض الإشكاليات المرتبطة بحدود الصلاحيات التشريعية للهيئات المنتخبة. وهذا ما تنبه له المشروع المغربي الحالي الذي أكد بأن القوانين التشريعية والتنظيمية والأحكام القضائية الصادرة عن هيئات جهة الحكم الذاتي للصحراء يجب أن تكون مطابقة لنظام الحكم الذاتي في الجهة، وكذا لدستور المملكة.

- إن السلطة القضائية المناطة بالمحاكم المحلية، وطريقة اختيار القضاة... تطرح بعض الإشكالات الدستورية على مستوى التنفيذ: فبموجب الفصل 84 من الدستور المغربي فإن القضاة يعينهم الملك بظهير شريف, بناء على اقتراح المجلس الأعلى للقضاء، ويمارسون وظائفهم باسم الملك، غير أن طريقة "اختيار القضاة من المعهد الوطني للدراسات القضائية على أن يكونوا من الصحراء الغربية..." تبقى عبارة عامة ومسطرتها غامضة، وتحتاج إلى التدقيق أكثر حتى لا يفهم منها تجريد الملك من صلاحياته الدستورية ومن حقه القانوني في تعيين القضاة، هذا التعيين الملكي الذي يعتبر من أهم ضمانات استقلال القضاء وعدالة أحكامه.

كما أن الأحكام الصادرة عن هذه المحاكم ينبغي أن تصدر وتنفذ باسم الملك طبقا لأحكام الدستور (الفصل 83) نظرا لارتباط وظيفة القضاء في المغرب بمؤسسة الملك، فالقضاء يمارس عن طريق التفويض والنيابة بواسطة قضاة يتم تعيينهم بظهائر ملكية, غير خاضعة للتوقيع عليها بالعطف, لا من جانب الوزير الأول, ولا من جانب وزير العدل، كما أن القرارات الملكية غير قابلة للطعن فيها من طرف القضاء كيفما كان مضمون هذه القرارات أو شكلها.

والجدير بالملاحظة أن المبادرة المغربية لمنح حكم ذاتي بمنطقة الصحراء لم تُجِب عن هذه التساؤلات، وظلت أغلب الإشكالات مطروحة، وعسى أن تجد لها إجابات واضحة من خلال جلسات التفاوض بين الأطراف.

أما بالنسبة لمشروع ما سمي بـ"الحل الخامس" الذي اقترحه بيكر، فقد حاول الجمع بين مخطط الإستفتاء وبين مشروع "الحل الثالث"، فمنح الصحراويين حكما ذاتيا إنتقاليا لمدة أربع سنوات -عوض خمس-، على أن ينتخب السكان بعد مرور العام الأول حكومة وبرلمانا محلييين، وبعد أربع سنوات يتم تنظيم استفتاء شعبي، لكن المشروع سعى إلى تقليص صلاحيات المغرب في الصحراء خلال الفترة الإنتقالية، فبينما اشترط مشروع "الحل الثالث" أن يتم الإحتفاظ للمغرب بمقومات السيادة وأن تراعي المحاكم المحلية الصحراوية الدستور المغربي، لجأ المشروع الأخير إلى التقليص من هذه الصلاحيات وأعطى للحكم الذاتي في الصحراء حق إختيار النظام القضائي الخاص به دون إلتزام بالدستور المغربي، وألزم المغرب بالتقليص من عدد قواته المسلحة الملكية، ولم يحتفظ للسلطات المغربية سوى بصلاحيات الشؤون الخارجية والدفاع.

 



[1]- ينص الفصل السادس والثمانون من الدستور المغربي على أنه : " يرأس الملك المجلس الأعلى للقضاء ويتألف هذا المجلس بالإضافة إلى رئيسه من : وزير العدل نائبا للرئيس؛ الرئيس الأول للمجلس الأعلى؛ الوكيل العام للملك لدى المجلس الأعلى؛ رئيس الغرفة الأولى في المجلس الأعلى؛ ممثلين اثنين لقضاة محاكم الاستئناف ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم؛ أربعة ممثلين لقضاة محاكم أول درجة ينتخبهم هؤلاء القضاة من بينهم.

ويضيف الفصل السابع والثمانون على أنه : "يسهر المجلس الأعلى للقضاء على تطبيق الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم".

 

 

[2] - ينص الفصل الرابع والثمانون من الدستور المغربي على ما يلي : "يعين الملك القضاة بظهير شريف باقتراح من المجلس الأعلى للقضاء".

بقلم ذ عبد الحق دهبي
باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية
 


أعلى الصفحة