القانون الدولي

بقلم ذ عبد الحق دهبي
باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية
تحت عدد: 124
لقد أدرك جميع المتتبعين أن إجراء الاستفتاء لحل مشكل الصحراء الذي تجاوز ربع قرن، ويعد من النزاعات القليلة جدا التي بقيت عالقة من الحرب الباردة, لم يعد فقط من الصعوبة بمكان

 بل أصبح مستحيلا، وهذا ما استوعبته الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية([1])، الشيء الذي جعل الأمين العام للأمم المتحدة يدعو في أكثر من مناسبة مبعوثه الخاص السابق "جيمس بيكر" إلى استكشاف سبل ووسائل التوصل إلى حل سريع ودائم ومتفق عليه للنزاع القائم حول قضية الصحراء.

كما حث مجلس الأمن ،المنعقد بتاريخ 31 ماي 2000، المغرب وجبهة البوليساريو إلى دراسة "حل ثالث" يمكن من تطبيق حكم ذاتي موسع في إقليم الصحراء([2]).

واستجابة لهذه المبادرة، أعرب المغرب – في مذكرة موجهة إلى الأمين العام الأممي وإلى رئيس مجلس الأمن – عن استعداده للمشاركة في الحوار من أجل إيجاد حل لمشكل الصحراء([3]) ،خاصة وأن الأمين العام خلص إلى الإستحالة شبه التامة لإيجاد حلول وسط الاختلافات الأساسية في ما يتعلق بتنفيذ خطة التسوية.

وأمام هذه الصعوبات، تقدم المغرب عقب لقاء برلين في شتنبر 2000 باقتراح إجراء حوار صريح ومباشر للبحث عن حل دائم، وهو الإقتراح الذي أكده وشدد عليه جلالة الملك محمد السادس في التوصل إلى حل سياسي في ظل السيادة المغربية والوحدة الوطنية والترابية، وفي إطار احترام المبادئ الديمقراطية وتفعيل اللامركزية الواسعة والجهوية التي من شأنها تمكين جميع أبناء الأقاليم الجنوبية من تدبير جهتهم وتنميتها لجعلها صرحا منيعا وركيزة قوية من ركائز الدولة المغربية الموحدة([4]).

وقد ظل المغرب على اتصال مستمر مع مبعوث الأمين العام الأممي للسعي إلى الوصول إلى صيغة لحل قضية الصحراء المغربية في إطار الحل السياسي, على أن تكون هذه الصيغة قائمة على أساس الثوابت المغربية والسيادة الوطنية([5]).

فهل سيشكل اقتراح الاتفاق الإطار (الفقرة الأولى) منعطفا تاريخيا، وأرضية لإيجاد تسوية سياسية لقضية الصحراء المغربية، خاصة مع تباين مواقف الأطراف (الفقرة الثانية)، بعد أن أبدت الولايات المتحدة وفرنسا تأييدهما لهذا الإقتراح فإن الحل الثالث طرح أكثر من أي وقت سابق بفرص أحسن للمصادقة عليه من طرف مجلس الأمن رغم اقتراح وتأييد الجزائر لخيار التقسيم.

 

الفقرة الأولى : "الاتفاق الإطار"  كحل سياسي أممي لتسوية قضية الصحراء

إن خيار "التناول السياسي"، والذي أبدى المغرب استعداده للسير فيه من خلال تصريح برلين الذي يدعو إلى فتح حوار مع الطرف الآخر، حقق تقدما ملموسا، مما جعل الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره المؤرخ في 24 أبريل 2001، يؤكد أن تقدما ملموسا قد تحقق نحو تحديد ما إذا كان المغرب على استعداد لعرض أو تأييد نوع من انتقال السلطة إلى جميع سكان الإقليم وسكانه السابقين، وهو أمر أصيل وجوهري ويتماشى مع القواعد الدولية.

ولتوفير الوقت اللازم لإجراء المشاورات بشأن الحل السياسي، أوصى الأمين العام بتمديد ولاية البعثة الأممية لمدة شهرين حتى 30 يونيو 2001.

وطبقا لقرار مجلس الأمن عدد 2001/1349 المؤرخ في27 أبريل 2001، كشف الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره المرفوع إلى مجلس الأمن يوم 22 يونيو2001، عن الخطوط الأساسية لمقترح ممثله الخاص "جيمس بيكر"، بخصوص إيجاد تسوية سياسية للنزاع حول الصحراء.

وجاء مقترح الحل السياسي تحت تسمية " اتفاق – إطار" يوقع بين المغرب وجبهة البوليساريو بحضور شاهدين هما الجزائر وموريتانيا، وبضمانة دولتين ممثلتين بشكل دائم في مجلس الأمن هما الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا، وبحضور الأمين العام الأممي الذي يعرض وساطته ومساعيه الحميدة لمساعدة الطرفين على تنفيذ هذا الاتفاق. وقد صادق مجلس الأمن يوم 29 يونيو 2001 بعد مناقشات طويلة على تقرير الأمين العام المتضمن لمشروع " الاتفاق – الإطار"، وأعرب عن تأييده لجهود الأمين العام في إيجاد تسوية سياسة لقضية الصحراء.

ويعتبر الأمين العام في تقريره أن الحل السياسي للقضية يرتكز على سيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية، ويشكل "الفرصة الأخيرة" لإيجاد تسوية للقضية([6])، ويسير المقترح الأممي في اتجاه منح هذه الأقاليم اختصاصات إدارية ماعدا في شؤون الخارجية والدفاع والعملة. ولمنح هامش من الوقت للمشاورات أوصى الأمين العام في تقريره بتمديد ولاية البعثة الأممية لمدة خمسة أشهر إضافية وذلك إلى غاية 30 نونبر 2001 ،ودعا الطرفين إضافة إلى الجزائر وموريتانيا إلى الدخول في حوار مباشر أو غير مباشر على امتداد خمسة أشهر، وهي المدة التي سيتم فيها تعليق الاستعدادات لتنظيم الاستفتاء.

ومما تجذر الإشارة إليه أن هذا الإجراء لا يعني التخلي عن تنظيم الاستفتاء في بحر السنوات  الخمس الموالية، حيث سيتم إجراء استفتاء خلال فترة خمس سنوات حول وضع الصحراء يشارك فيه كل من أقام بصورة دائمة في الصحراء طيلة السنة التي تسبق الاستفتاء.

أما فيما يخص الخطوط الأساسية لمقترح "الاتفاق – الإطار" الذي تضمنه تقرير الأمين العام، فنجده يقترح أن يمارس سكان الصحراء عن طريق هيئات تنفيذية وتشريعية وقضائية السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي (الميزانية، النظام الضريبي الإقليمي، الأمن الداخلي، الرعاية الاجتماعية والثقافية، التعليم، التجارة، النقل، الزراعة، التعدين، الصيد البحري، الصناعة، السياسات البيئية، الإسكان والتنمية الحضرية، المياه والكهرباء، الطرقات والبنيات الأساسية الأخرى). على أن تحتفظ الدولة المركزية المغربية بالسلطة الكلية على العلاقات الخارجية، بما فيها الاتفاقيات الدولية والأمن الوطني والدفاع الخارجي، بما في ذلك تعيين الحدود البحرية والجوية والبرية وحمايتها بجميع الوسائل الملائمة، وجميع المسائل  المتعلقة بإنتاج الأسلحة والمتفجرات وبيعها وحيازتها واستخدامها، والمحافظة على السلامة الإقليمية من أية محاولات انفصالية من داخل الإقليم أو خارجه.

وبالإضافة إلى ذلك يكون العلم والعملة والجمارك ونظم البريد والاتصالات المعمول بها في المغرب هي نفسها المعمول بها في الصحراء، وفيما يتعلق بجميع هذه المهام والصلاحيات يمكن للمغرب أن يعين ممثلين عنه لممارستها.

أما بالنسبة إلى الصلاحيات التنفيذية في الصحراء، فقد نصت الفقرة الثالثة من "الاتفاق – الإطار" بشأن مركز الصحراء، أن السلطة التنفيذية تناط بهيئة تنفيدية تنتخب بأصوات الأشخاص الذين تم تحديدهم كأشخاص مؤهلين للتصويت من قبل لجنة تحديد الهوية والمدرجة أسماؤهم في قوائم الناخبين المؤقتة المنجزة في تاريخ 30 دجنبر 1999، دون إثارة أية طعون أو اعتراضات أخرى.

ولكي يكون الشخص مؤهلا للترشح لعضوية الهيئة التنفيذية، يجب أن يكون قد تم تحديد هويته كشخص مؤهل للتصويت كما هو مذكور آنفا، وأن يكون إسمه مدرجا في قوائم الناخبين المؤقتة المذكورة. وتنتخب الهيئة التنفيذية لمدة أربع سنوات، وبعد ذلك فصاعدا تنتخب هذه الهيئة بأغلبية أصوات أعضاء الجمعية التشريعية, كما تعين هذه الهيئة إداريين للدوائر التنفيذية لمدة أربع سنوات. أما السلطة القضائية فتناط بالمحاكم التي تقتضيها الحاجة، ويتم اختيار القضاة من المعهد الوطني للدراسات القضائية على أن يكونوا من الصحراء، وتكون هذه المحاكم هي المرجع فيما يتعلق بالقانون الإقليمي.

وليكون الشخص مؤهلا لانتخاب أعضاء الجمعية التشريعية يجب أن يكون قد بلغ الثامنة عشرة من العمر، وأن يكون مقيما بشكل متواصل في الإقليم منذ 31 أكتوبر 1998 أو شخصا أدرج إسمه في قائمة الإعادة إلى الوطن في31 أكتوبر 2000.

ولضمان تنفيذ هذه المقتضيات, نصت الفقرة الرابعة من الاتفاق – الإطار على وجوب احترام جميع القوانين التي تقرها الجمعية التشريعية وجميع القرارات التي تصدر عن المحاكم المشار إليها أعلاه، وأن تراعي دستور المملكة المغربية خاصة فيما يتعلق بحماية الحريات العامة، وتجري جميع الانتخابات والاستفتاءات المشار إليها في هذا الاتفاق في إطار الضمانات الملائمة وتمشيا مع قواعد السلوك  التي وافق عليها الطرفان سنة 1997، إلا إذا تعارض ذلك مع أحكام هذه القواعد.

كما نصت الفقرة الخامسة كذلك، على أنه لا يمكن للمملكة المغربية وللهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية التابعة للسلطة في الصحراء أن تقوم من جانب واحد بتغيير أو إلغاء وضع الصحراء، ويجب أن توافق الهيئة التنفيذية والجمعية التشريعية في الصحراء على أي تغييرات أو تعديلات قد يتم إدخالها على هذا الاتفاق.

وخلال فترة السنوات الخمس التي تلي اتخاذ الإجراءات الأولية لتنفيذ هذا الاتفاق – الإطار، يطرح وضع الصحراء على استفتاء للناخبين المؤهلين في تاريخ يتفق عليه الطرفان. ولكي يكون الناخب مؤهلا للتصويت في هذا الاستفتاء يجب أن يكون قد أقام بصورة دائمة في الصحراء طيلة السنة التي تسبق الاستفتاء.

لقد شكل مشروع التسوية السياسية قاعدة أساسية لبلورة حل دائم ونهائي لقضية الصحراء، رغم أن الأمر لا يتعلق بصيغة الاندماج الكلي التي يدعو إليها المغرب عبر الاستفتاء التأكيدي، أو بصيغة الاستقلال التام التي تتشبث بها جبهة البوليساريو انطلاقا من مبدأ تقرير المصير، وإنما هو صيغة جديدة تسعى لتفعيل الحل القائم (على أرض الواقع) والمبني على مبدأ السيادة المغربية وفي إطار الجهوية كشكل من أشكال الديمقراطية المحلية التي يمكن عن طريقها منح "استقلالية" أو"حكم ذاتي" له مؤسساته وجهازه التنفيذي وممثلوه، عبر فترة انتقالية يتم خلالها استفتاء يشارك فيه كل الصحراويين وفق المعايير المحددة في إطار الأمم المتحدة.

وعلى خلاف ما يدعيه الطرف الآخر، فإن مقترحات "جيمس بيكر" المتمثلة في الاتفاق – الإطار تشكل أرضية لتسوية سياسية تتوخى بالأساس تجاوز المأزق الذي ظلت تتردى فيه القضية. فهذا الإتفاق المقترح لا يلغي الإستفتاء كحل نهائي للقضية بل إنه يقاربه من منظور يسعى إلى تطوير الشروط اللازمة لاستفتاء حر ونزيه. فمن هذه الناحية، فهو يظل وفيا لروح الاستفتاء، لكنه في نفس الوقت يأخذ بعين الإعتبار حقائق الأرض والتحولات الدولية في إدراكها وتعاملها مع هذا الملف.

لذلك فقد كرست هذه الأرضية سيادة المغرب على هذه المناطق من خلال احتفاظه بالاختصاصات الجوهرية للدولة، كما هو الشأن بالنسبة إلى العلاقات الخارجية والأمن والدفاع والعملة والعلم وإنتاج الأسلحة والمتفجرات([7]). وهذا ما جعل مقترح التسوية السياسية، الذي تضمنه تقرير الأمين العام الأممي المرفوع إلى مجلس الأمن بتاريخ 22 يونيو 2001، خطوة حاسمة لحل النزاع، وذلك بإقرار المنتظم الدولي بمغربية الصحراء، فالتقرير الأممي تحدث عن "ساكنة الصحراء" وليس عن "شعب صحراوي" كما تلح على ذلك الأوساط الإنفصالية وقوى النظام الجزائري.

لقد أدرك المنتظم الدولي أن أطروحة الإستفتاء مستحيلة التنفيذ، وأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد لحل النزاع بين الأطراف المعنية، وهو الحل الذي يمنح بموجبه سكان الصحراء نوعا من الحكم الذاتي يتوافق مع التصور المغربي للجهوية([8]).

وهكذا، يمكن القول أن التقرير الأممي المشار إليه أعلاه هو بمثابة إنقاذ للأطراف التي ورطت نفسها بالأطروحة الإنفصالية، ويقدم حلا في إطار نظام جهوي عادل ومتوازن يخرج النزاع من زوايا النظر القائمة على ثنائية المنتصر والمنهزم. ومن أجل الدفع بهذا الحل السياسي إلى الأمام وإعادة تنشيط هياكل اتحاد المغرب العربي، فإن ذلك رهين بمساهمة الأطراف المعنية والمهتمة في إنجاحه، فماهي مواقف الأطراف من أحكامه؟

 

الفقرة الثانية  : مواقف الأطراف من "الإتفاق – الإطار"

ينطلق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المتضمن لمقترحات التسوية السياسية التي أشرف عليها "جيمس بيكر"، من تحليل دقيق حول التجربة الأممية طوال العشر سنوات الأخيرة، حيث حاولت المنظمة تطبيق المخطط الأممي لتسوية قضية الصحراء المغربية.

ولاحظ هذا التقرير أن الأمم المتحدة وجدت نفسها في حالة مأزق أمام تنفيذ هذا المخطط، لأنها لم تتمكن من تحديد هوية المشاركين في الاستفتاء، ولم تحرز أي تقدم في تنفيذ خطة التسوية. فباستثناء رصد وقف إطلاق النار الساري منذ 6 شتنبر 1991لم ينفذ بالكامل أي من الأحكام الرئيسية المتعلقة بخطة التسوية منذ إنشاء البعثة الأممية، وذلك بسبب اختلافات أساسية بين الطرفين على تفسيرها، وخاصة بسبب تعنت الطرف الآخر (جبهة البوليساريو المدعومة من طرف الجزائر) وتبنيه لمواقف شاذة خوفا من نتيجة الاستفتاء.

ولذلك، اقترح الأمين العام للأمم المتحدة أن يغير منهجية حل هذه القضية، وذلك باقتراح حل سياسي يساوي بين مطالب الطرفين: أي من جهة، الإعتراف بسيادة المغرب الكاملة على الإقليم، ومن جهة أخرى، إعطاء سكان الصحراء إمكانية تسيير شؤونهم في إطار مؤسسات منتخبة بصفة ديمقراطية، وهذا يعني تفويت صلاحيات عريضة لهذه المؤسسات في الميادين الاقتصادية والاجتماعية.

ومما تجذر الإشارة إليه أن المقترح الأممي اعتبر كلا من الجزائر وموريتانيا كأطراف في القضية، وهو ما يؤكد الطبيعة الجيو سياسية للمشكل. فقد طلب الأمين العام للأمم المتحدة أن تشارك في المشاورات الدولية بشأن المقترح الأممي، الدولتان المتجاورتان (الجزائر وموريتانيا)، كيلا يكون إلتباس أو تناقض بالنسبة إلى "الإتفاق- الإطار"، وذلك ليفتح الآفاق للتعاون الاقتصادي في المنطقة ولبناء وحدة المغرب العربي.

ولرصد موقف "جبهة البوليساريو" من الاتفاق – الإطار المقترح، لابد من الرجوع إلى رد فعل الجبهة عقب صدور بيان وزارة الخارجية المغربية بتاريخ 29 شتنبر 2000، الذي عرض حلا لقضية الصحراء في ظل السيادة المغربية بصيغة لا غالب ولا مغلوب، وهو العرض الذي يعرف دوليا بالحل الثالث. فقد رفضت جبهة البوليساريو العرض المغربي وأعلنت تشبثها بإجراء الإستفتاء بل والتهديد باستئناف الحرب إذا لم يجر الإستفتاء في أجل معقول([9]).

إلا أن هذه التهديدات بالعودة إلى حمل السلاح تفتقد المصداقية، لأنها صعبة التنفيذ من جهة، ومن جهة أخرى فهي للتمويه فقط، ذلك أن جزء كبير من قادة البوليساريو يحبذون هذا الحل لوضع حد لمعاناة المحتجزين، لاسيما وأن هذه الجبهة تتعرض لانهيار متزايد تجلى في عودة الكثير من قادتها وأعضائها إلى الوطن المغرب واستمرار سحب الدول لاعترافها بما يسمى (بالجمهورية الصحراوية)، كما أن التهديد بالحرب في حد ذاته إستراتيجية يلجأ إليها طرف معين للحصول على امتيازات أكثر.

وقد أكد موقف "جبهة البوليساريو" أحد قيادييها، بأن "البوليساريو تدافع عن حق تقرير المصير، وهذه  قضية تصفية استعمار, والشعب الصحراوي لن يقبل، وجبهة البوليساريو لن تقبل لا بالحل الثالث، ولا بالحل الرابع، ولا بالحل الخامس، وإنما تقبل بتطبيق مخطط السلام" ([10]). وقد تبلور هذا الموقف بشكل واضح مع صدور تقرير الأمين العام للأمم المتحدة المتضمن لمقترحات إعطاء الصحراء حكما ذاتيا واسعا في إطار السيادة المغربية، حيث رفضت "جبهة البوليساريو" هذه المقترحات بشكل قاطع وهدد مبعوثها بأن تأييد مجلس الأمن لخطة بيكر "سيؤدي إلى قطع كامل للعلاقات" بين الجبهة وبعثة الأمم المتحدة في الصحراء([11]).

كما نددت الجبهة بالاتفاق – الإطار، واعتبرته يمثل انقلابا في مسيرة الأمم المتحدة وإنكارا لحق "الشعب الصحراوي" في تقرير مصيره([12]).

وإذا كان الإنفصاليون رفضوا المقترح الأممي لحل قضية الصحراء المغربية، وتشبثوا برفضهم لأية تسوية غير تنظيم الاستفتاء متجاهلين الاستنتاج الذي خلصت إليه منظمة الأمم المتحدة حول استحالة تنظيم الاستفتاء في ظل الظروف والمعطيات الراهنة، فإن موقفهم يعد من جهة موقفا بديهيا على اعتبار أنهم يستفيدون من وضعية اللاسلم واللاحرب، وهو من جهة أخرى لا يعدو أن يكون تعبيرا عن موقف سياسي دعائي بهدف الحصول على المزيد من التنازلات بشتى أنواع المغالطات والوسائل. وأخيرا،  فهذا الموقف ليس إلا إرضاء ومسايرة لموقف القيادة الجزائرية الرافض لأية تسوية لقضية الصحراء في إطار السيادة المغربية، وهذا هو جوهر النزاع الذي يستمد عناصره أولا من تحكم  الجزائر في "جبهة البوليساريو" التي تفتقد حرية واستقلالية القرار، وثانيا من الطبيعة الجيو ستراتيجية لقضية الصحراء، والتي تجعل منها محور التجاذبات المغربية – الجزائرية.

وعلى الرغم من إصرار الجزائر على اعتبار نفسها غير معنية مباشرة بالنزاع وأنها فقط تدعم مبدأ حق تقرير المصير فإن كل الأطراف تعاملت معها على أنها فاعل حقيقي بل وأساسي، وأن أي حل لا يمكن أن يكتب له النجاح إذا لم يحظ بموافقتها إنطلاقا من الطبيعة الجيو سياسية للصراع في المنطقة. وهذا ما أكده التقرير الأممي المؤرخ في 22 يونيو 2001، الذي أعطى لموضوع الجزائر حيزا هاما عندما تضمن هذا التقرير رسالة موجهة من رئيس الجزائر إلى الأمين العام ومذكرة من الحكومة الجزائرية بشأن "مشروع مركز الصحراء" وتحليلا لهذه المذكرة وهو ما يشكل ربع التقرير تقريبا. وللإشارة، فإنها المرة الأولى التي يقوم فيها الأمين العام بنشر وثائق تتضمن معطيات حول النظرة الجزائرية لملف الصحراء وتطوراته، وهو ما استنكرته الجزائر بشدة.

وقد اعتبرت الجزائر المقترح الأممي انحيازا للمغرب، بل إن صحيفة الوطن "الجزائرية" اعتبرته "يضع موضع الشك كل العمل الذي قامت به الأمم المتحدة ومنظمة الوحدة الإفريقية لحد الآن لحل الصراع"، ووصفته ب" المخطط الاستعماري المغربي"، وأن الجزائر التي تعيش اضطرابات داخلية خطيرة لا يمكنها أن تتسامح مع مصدر آخر يهدد أمنها([13]).

لقد اعتبرت المذكرة الجزائرية المرفوعة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، أن المقترح الأممي يعطي الأفضلية لاندماج الصحراء في المملكة المغربية على حساب تقرير المصير، وكل الهيئات المقترحة ستكون بالضرورة مؤيدة لهذا الإندماج، خصوصا في ظل بقاء السيطرة الأمنية والعسكرية للإدارة المركزية، ومن تم فإن الحل المقترح لا يتوافق مع أحكام القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن بخصوص قضية الصحراء.

وتشير المذكرة صراحة إلى اعتراض الجزائر على كون المشروع يمنح المغرب مهمة "الحفاظ على العلاقة الإقليمية ضد أية محاولة انفصالية" وهوما يرسخ – حسب المذكرة – " الاحتلال غير المشروع للأراضي الصحراوية" ويشكل عملية إدماج مخطط تنتهك الشرعية الدولية المجسدة في ميثاق ومبادئ الأمم المتحدة الخاصة بإنهاء الاستعمار.

وانطلاقا من كل الاعتراضات السابقة، فإن الجزائر حسب مذكرتها المرفوعة إلى الأمين العام، والتي اعترضت على نشرها تأمل من المبعوث الأممي " جيمس بيكر" أن يواصل مساعيه، لكن على أساس "استكشاف حلول بديلة حقيقية مستوحاة من العدالة والإنصاف"، وهو ما يعني صراحة أن الجزائر رفضت المقترح المطروح، بل إنها استبقت إمكانيات فشل المقترح الأممي وطالبت في حالة حدوث ذلك بالعودة إلى تبني خطة التسوية التي وضعها مجلس الأمن القائمة على إجراء استفتاء حر ونزيه على أساس الإحصاء الذي اعتمد من قبل الأمم المتحدة.

وفي هذا الصدد، اتهم الممثل الدائم للجزائر في الأمم المتحدة كوفي عنان ب"الانحراف عن دور الحياد"، وادعى في رسالة وجهها إلى مجلس الأمن أن عنان قد انحرف عن مسار القرارات الأممية, حيث أنه شوه المعطيات حول إمكانية تنظيم الإستفتاء، كما اعتبر أن الطريقة التي عرض بها الأمين العام مقترح جيمس بيكر تؤكد "انحيازه لصالح الاتفاق – الإطار مستخفا بكل الملاحظات التي قدمتها الدولة الجزائرية وجبهة البوليساريو".

إلا أن المفارقة القانونية والسياسية التي نخلص إليها, تكمن في تناقض الموقف الجزائري وعدم نضجه السياسي، ذلك أن الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة دعا في أكثر من مناسبة وخاصة عند بداية ولايته الرئاسية إلى تبني مشروع جديد ينطلق من حل "لا غالب ولا مغلوب"، كما دعت الجزائر إلى اللجوء إلى "حل سياسي يمكن أن ينتج عن حوار مباشر يؤدي إلى كيان صحراوي ضمن مجموعة مغربية"، بل إن الجزائر لم تمانع – قبيل صدور مقترح الحل السياسي – في اعتباره أساسا لمحادثات مستقبلية.

وإن دل هذا على شيء فإنما يدل على تذبذب الموقف الجزائري وعدم ثباته، وسرعة تقلبه حسب تطورات الأحداث والمواقف، وحسب تأزم علاقات الرئيس الجزائري مع مؤسسة الجيش صاحبة الكلمة الأولى في تسيير الشأن العام  في بلاده سواء بطريقة مباشرة أوغير مباشرة، ذلك أن الأمن العسكري الجزائري تولى منذ بداية مشكل الصحراء ملف تدبير الصراع على المستوى العسكري والمخابراتي، وبذلك أصبح الجيش الجزائري هو صاحب الكلمة الفصل في كل ما يتعلق بالسياسة الجزائرية الخاصة بالعلاقات مع المغرب وخصوصا ملف الصحراء، فأصبح دعم البوليساريو يأتي مباشرة من الجيش والأمن العسكري الجزائري. ويؤكد تناقض الموقف الجزائري أيضا، بروز تيار قوي في القيادة السياسية الجزائرية الحالية، يعتبر أنه ليس من مصلحة الجزائر ولا من مصلحة الاستقرار في منطقة المغرب العربي قيام "دولة صحراوية مستقلة"، لأن ذلك سيفتح الباب أمام نشوب نزاع طويل في منطقة المغرب العربي، ستدفع كل الدول ثمنه([14]).

وفي هذا السياق اعتبر الشيخ محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم "حمس" أن مشكل الصحراء هو مشكل مفتعل، مؤكدا أن السبيل الوحيد لإقفاله هو أسلوب التراضي، في إشارة إلى الحل الثالث([15]). ومن جهة أخرى، أكد الوزير الأول الجزائري السابق عبد الحميد الإبراهيمي أن الاتحاد المغاربي لم يسبق له أن كان مرغوبا فيه من طرف المؤسسة العسكرية في الجزائر، سيما من طرف الجنرال خالد نزار الذي سبق أن صرح أنه لن يسمح أبدا بأية خطوة يراد منها إنشاء وحدة مغاربية، وقد وصف الإبراهيمي النزاع حول الصحراء المغربية بـ " المفتعل"، وأن " لا أحد يخفى عليه في الجزائر الدور الكبير الذي لعبته وما زالت تلعبه الإستخبارات العسكرية الجزائرية فيما يخص بداية النزاع المفتعل في الصحراء"([16]). وفي تصريحات مثيرة لإحدى الصحف المغربية، أعرب وزير الدفاع الجزائري السابق خالد نزار عن معارضته لقيام دولة صحراوية على الحدود المغربية الجزائرية مؤكدا أن بناء الفضاء المغاربي سيساعد على إيجاد حل لأزمة الصحراء، معتبرا أن أحسن الحلول هو أن لا يكون هناك لا غالب ولا مغلوب، ويتعين إيجاد الصيغة الملائمة التي تمكن من إدماج الصحراويين والتحاقهم بوطنهم في إطار تفاهم يمكن من إيجاد حل مناسب، موضحا أن موقف الجيش الجزائري يتبع الموقف السياسي، وأنه إذا كان رئيس الجمهورية غير قادر أو غير راغب في السير نحو إيجاد مخرج لهذه القضية فإن الجيش لايمكن معاكسته لأنه رهن إشارة السياسي([17])، تصريحات خالد نزار هذه تعتبر سابقة من نوعها، فهو يتحدث عن مشكل الصحراء كمشكل مغلوط في علاقة البلدين المغرب والجزائر، وعن كون الملف لا يهم الجيش الجزائري على المستوى الإستراتيجي.

إلا أن قائد أركان الجيش الجزائري الجنرال العماري رد عن هذه التصريحات بأنها تلزم خالد نزار وحده وأن موقف المؤسسة العسكرية هو نفس الموقف المعبر عنه من طرف القيادة السياسية الجزائرية والمؤيد لفكرة تقرير المصير.

أما بالنسبة إلى المغرب، فلأنه يضع البناء المغاربي في مرتبة الهدف الاستراتيجي والوحدة الترابية من مقدسات البلاد, فقد أعلن على لسان مندوبه الدائم في الأمم المتحدة عن موافقته على الحل السياسي الذي يوصي به الأمين العام الأممي في تقريره المقدم لمجلس الأمن. وحين يعلن المغرب عن هذه الموافقة فلكي تخرج منطقة المغرب العربي من حالة التوتر والجمود إلى حالة التعاون والتضامن، وإلى أن يوضع حد لنزاع مفتعل كانت له آثار سلبية كبرى على المستويات الجهوية، وعلى مستوى من الصلاحيات، في إطار تفعيل الجهوية ضمن التحديث المؤسساتي الذي يخططه جلالة الملك محمد السادس لتطوير النظام الديمقراطي وبناء الدولة العصرية الحديثة، فلهذا فإن الحل الثالث لقضية الصحراء لا يمكن أن ينظر له ولا أن يتفاوض بشأنه إلا في ظل وحدة وطنية شاملة([18]).

أما موريتانيا التي اعتبرها تقرير الأمين العام للأمم المتحدة طرفا في حل القضية فلم يصدر عنها أي رد فعل رسمي يحدد موقفها من الموضوع، وإن كانت مواقفها من قضية الصحراء أكثر ثباتا ورزانة من الموقف الجزائري، رغم أنها لم تسحب بعد اعترافها بما يسمى بالجمهورية الصحراوية المزعومة.

 

الفقرة الثالثة : عناصر التجديد التي جاء بها المشروع المغربي للحكم الذاتي مقارنة مع "الإتفاق-الإطار"

 

كما أشرنا إلى ذلك سابقا نصت الفقرة الأولى من الاتفاق الإطار بشأن التسوية السياسية لنزاع الصحراء، المقدم في يونيو 2001، على أن "سكان الصحراء الغربية يمارسون عن طريق هيئاتهم التنفيذية والتشريعية والقضائية السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي والميزانية والنظام الضريبي الإقليمي, وإنفاذ القوانين, والأمن الداخلي, والرعاية الاجتماعية والثقافية والتعليم والتجارة والنقل والزراعة والتعدين ومصائد الأسماك والصناعة والسياسات البيئية والإسكان والتنمية الحضرية والمياه والكهرباء والطرقات والبنى الأساسية الأخرى".

وقد أناط التقرير السلطة القضائية "بالمحاكم التي تقتضيها الحاجة, ويتم اختيار القضاة من المعهد الوطني للدراسات القضائية, على أن يكونوا من الصحراء الغربية. وتكون هذه المحاكم هي المرجع فيما يتعلق بالقانون الإقليمي".

أما الفقرة 12 من المشروع المغربي لمنح حكم ذاتي بمنطقة الصحراء فقد نصت على أنه: "يمارس سكان جهة الحكم الذاتي للصحراء، داخل الحدود الترابية للجهة، ومن خلال هيآت تنفيذية وتشريعية وقضائية، وفق المبادئ والقواعد الديمقراطية، عدة اختصاصات، ولاسيما في الميادين التالية: الإدارة المحلية والشرطة المحلية ومحاكم الجهة، على المستوى الاقتصادي: التنمية الاقتصادية والتخطيط الجهوي وتشجيع الاستثمارات والتجارة والصناعة والسياحة والفلاحة، ميزانية الجهة ونظامها الجبائي، البنى التحتية: الماء والمنشآت المائية والكهربائية والأشغال العمومية والنقل، على المستوى الاجتماعي: السكن والتربية والصحة والتشغيل والرياضة والضمان الاجتماعي والرعاية الاجتماعية، التنمية الثقافية: بما في ذلك النهوض بالتراث الثقافي الصحراوي الحساني، والبيئة.

 

 من خلال هذه المقتطفات من المشروعين يتبين بأنهما يؤسسان لنوع من الاستقلال الذاتي محوره الأساسي السيادة المغربية الكلية على العلاقات الخارجية, بما فيها الاتفاقيات الدولية والأمن الوطني والدفاع الخارجي... مع ممارسة سكان الصحراء، عن طريق هيئاتهم التنفيذية والتشريعية والقضائية السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي، وهو ما يستدعي إبداء بعض الملاحظات الدستورية:

1- لأول مرة تحدث تقرير الأمين العام عن "سكان الصحراء الغربية" وليس عن "الشعب الصحراوي"، وهو ما يعني الاعتراف الاممي الصريح بالسيادة المغربية على أقاليمه الجنوبية وتجريد جبهة البوليساريو من أهم ركن من أركان دولتهم الوهمية, ألا وهو إدعاء تمثيلها "للشعب الصحراوي" المزعوم. وهذا ما يتفق مع الطرح المغربي, القاضي بتمتيع المناطق الصحراوية باستقلال ذاتي في إطار السيادة المغربية.

أما المشروع المغربي الأخير فقد تحدث عن "سكان جهة الحكم الذاتي للصحراء" وليس "الشعب الصحراوي" ولا "ساكنة الصحراء الغربية"، إضافة إلى عدم وصفه لهذه الصحراء هل هي صحراء غربية أم شرقية. وقد وردت كلمة الصحراء عشرين مرة في المشروع المغربي دون أي وصف آخر، وهي إشارة واضحة إلى الارتباط الأبدي والتاريخي لهذه المنطقة بالوطن الأم، مع الإشارة إلى أن هذا المشروع سمى هذه المنطقة بجهة الحكم الذاتي مضيفا مفهوم الجهوية كما سوف نتناول ذلك كمفهوم جديد في قاموس نزاع الصحراء المغربية.

2- نص الاتفاق الإطار على "جمعية تشريعية", وعلى "هيئة تنفيذية" و"قضائية", وهي هيئات أوكل إليها التقرير مهمة "ممارسة السلطة الكلية على إدارة الحكم المحلي", وهو ما يعني أننا إزاء إقليم يتمتع باستقلال ذاتي, يفوق نظام اللامركزية الإدارية, الذي تتوفر فيه الجهة على مواردها المالية والبشرية, التي تمكنها من القيام باختصاصاتها المحددة من قبل السلطة المركزية بواسطة القوانين العادية.

أما المشروع المغربي الأخير فقد سمى الأمور بمسمياتها وكان أكثر دقة وتحديدا للمفاهيم السياسية والدستورية، وتحدث صراحة عن برلمان جهة الحكم الذاتي وحكومتها ورئيس حكومتها ومحاكمها ومحكمتها العليا ومجلسها الاقتصادي والاجتماعي ... وسائر المقومات الدستورية التي تعبر صراحة على جدية المشروع المغربي وجرأته وتقديمه لصلاحيات مهمة لم و لن تحصل عليها جبهة البوليساريو في أي مرحلة أخرى أو في ظروف أخرى، مما يزكي القول صراحة بأن هذا المشروع هو فرصة تاريخية لطي صفحة هذا النزاع يجب أن لا تضيع.

3- ركز المشروع المغربي الأخير على مفهوم الجهوية كوحدة من وحدات التنظيم الإداري والسياسي المغربي، حيث منحها صلاحيات مهمة ومحددة بشكل واضح, خاصة في الميدان التشريعي والتنظيمي والقضائي، تمارسها إلى جانب السلطة المركزية للدولة المغربية.

وتجدر الإشارة إلى أن قواعد الجهوية السياسية تكون محددة دستوريا, على خلاف الجهوية الإدارية, (سواء في شكل اللامركزية أو عدم التركيز), التي تكفل القانون العادي بتحديد قواعدها. وهو ما يتطلب إجراء تعديل دستوري للارتقاء بنظام الجهة إلى أقصى درجات اللامركزية. كما أنه إذا كان الدستور المغربي قد ارتقى بالجهة إلى مستوى الجماعة المحلية في التعديلات الدستورية لسنة 1996، فإن هذا الارتقاء لا يستوعب الصلاحيات الواسعة التي أناطها اتفاق الإطار لمنطقة الصحراء، وبالتالي فإن الإقرار الدستوري بالجهوية (السياسية) يعتبر ضمانة أساسية لإعطاء الجهة مكانة متميزة داخل التنظيم الإداري والسياسي المغربي، وهذا الأساس الدستوري للجهوية لا يتجلى فقط في الاعتراف بوجودها كجماعة محلية, وإنما في تحديد اختصاصاتها, وطريقة انتخابها، وتحديد وسائلها المالية... كما هو الحال في إيطاليا وألمانيا وإسبانيا، مع العلم أن الاتفاق الإطار ينص على ضرورة "مراعاة القوانين, التي تقرها الجمعية التشريعية لدستور المملكة المغربية".

ونشير كذلك إلى أنه يمكن القول بوجود فوارق مهمة بين الحكم الذاتي كما يطمح إليه الاتفاق الإطار وكما هو مطبق في مجموعة من الدول (إسبانيا مثلا)، وبين نظام اللامركزية الإدارية, كما هو معروف في المغرب نذكر منها :

- أن نظام الحكم الذاتي يقتضي إدخال بعض التعديلات الدستورية, عكس اللامركزية الموسعة التي سعى إليها الاتفاق الإطار التي يمكن اعتمادها فقط بموجب قانون.

- تتم استشارة ساكنة الأقاليم والمناطق المتمتعة بالحكم الذاتي في تقرير أوضاعها، ولهذا نص "اتفاق الإطار" على أن "وضع الصحراء الغربية سيطرح على استفتاء للناخبين المؤهلين..."، وهو نفس التوجه الذي نهجه المشروع المغربي لمنح حكم ذاتي بمنطقة الصحراء في فقرته 27 : "يكون نظام الحكم الذاتي للجهة موضوع تفاوض، ويطرح على السكان المعنيين بموجب استفتاء حر، ضمن استشارة ديمقراطية. ويعد هذا الاستفتاء، طبقا للشرعية الدولية وميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن، بمثابة ممارسة حرة من لدن هؤلاء السكان، لحقهم في تقرير المصير.

- نص الاتفاق الإطار على "وجوب احترام جميع القوانين، التي تقرها الجمعية التشريعية, وجميع القرارات, التي تصدر عن المحاكم (...), وأن تراعي دستور المملكة المغربية...", ولم يتطرق - بأي حال من الأحوال - إلى احتمال تعارض التشريعات الصادرة عن الهيئات المحلية مع النصوص والقوانين, التي يقرها البرلمان المركزي في المرحلة الانتقالية. ومن هنا قد تثار بعض الإشكاليات المرتبطة بحدود الصلاحيات التشريعية للهيئات المنتخبة.

أما المشروع المغربي الأخير فقد تطرق إلى هذه المسألة وأكد في فقرته 24 على أنه "يجب أن تكون القوانين التشريعية والتنظيمية والأحكام القضائية الصادرة عن هيئات جهة الحكم الذاتي للصحراء مطابقة لنظام الحكم الذاتي في الجهة، وكذا لدستور المملكة". ونصت الفقرة 23 على أنه "تتولى المحكمة العليا الجهوية، باعتبارها أعلى هيئة قضائية بجهة الحكم لذاتي للصحراء، النظر انتهائيا في تأويل قوانين الجهة، دون إخلال باختصاصات المجلس الأعلى والمجلس الدستوري للمملكة".

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن الأقاليم المتمتعة بالحكم الذاتي في إسبانيا (الباسك، كاتلانيا، جاليس) تتمتع بسلطة تشريعية محدودة بنطاق الإقليم أو الجماعة المتمتعة بالحكم الذاتي, وتحتفظ الدولة بصلاحية إضافية في حالة التعارض بين القواعد والنصوص القانونية الإقليمية والقومية, إذ إن النظام الدستوري يخولها صلاحية فرض تطبيق القواعد والقوانين التي يقرها البرلمان الإسباني المركزي, في حالة قيام تناقض بينها وبين النصوص والتشريعات المحلية.

- منح الاتفاق الإطار الصحراويين حكما ذاتيا إنتقاليا لمدة أربع سنوات -عوض خمس-، على أن ينتخب السكان بعد مرور العام الأول حكومة وبرلمانا محلييين، وبعد أربع سنوات يتم تنظيم استفتاء شعبي، لكن المشروع المغربي الأخير سعى إلى تقليص صلاحيات المغرب في الصحراء خلال الفترة الإنتقالية، فبينما اشترط مشروع الاتفاق الاطار أن يتم الإحتفاظ للمغرب بمقومات السيادة وأن تراعي المحاكم المحلية الصحراوية الدستور المغربي، لجأ المشروع الأخير إلى التقليص من هذه الصلاحيات وأعطى للحكم الذاتي في الصحراء حق إختيار النظام القضائي الخاص به دون إلتزام بالدستور المغربي، وألزم المغرب بالتقليص من عدد قواته المسلحة الملكية، ولم يحتفظ للسلطات المغربية سوى بصلاحيات الشؤون الخارجية والدفاع.

- وأخيرا نسجل أن الاتفاق الإطار أكد أن السلطة القضائية تناط بالمحاكم التي تقتضيها الحاجة، ويتم اختيار القضاة من المعهد الوطني للدراسات القضائية على أن يكونوا من الصحراء، وتكون هذه المحاكم هي المرجع فيما يتعلق بالقانون الإقليمي. كما أن الاتفاق الإطار اشترط اختيار القضاة الذين تناط بهم السلطة القضائية في المحاكم الموجودة في مناطق الحكم الذاتي بالصحراء أن يكونوا من خريجي المعهد الوطني للدراسات القضائية بالرباط، وأن يكونوا من أبناء الصحراء، أما المشروع المغربي الأخير فألغى الشرط الأول أي التخرج من المعهد الوطني من للدراسات القضائية.

 

بقلم : الدكتور عبد الحق دهبي

باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية



[1])) أنظر حسين مجدوبي، "عواصم أوربا وأمريكا تدفع في اتجاه الحل الثالث"، جريدة الصحيفة، العدد 75، 11-17 مارس 2000.

)[2]) « Sahara : nouvelle tentative de l’ONU pour régler le casse-tête du référendum », In : http://Fr.news.yahoo.com

[3]))  للإطلاع على النص الكامل لهذه المذكرة، أنظر جريدة الصحراء المغربية، بتاريخ 25 أكتوبر 2000.

([4])  للإطلاع على النص الكامل للخطاب الملكي المؤرخ في 6 نونبر 2000، أنظر: محمد السادس – ملك المغرب, إنبعات أمة،  الجزء الخامس والأربعون، القسم الثاني، الرباط، المطبعة الملكية، 2000.

[5])) أنظر تصريح وزير الخارجية والتعاون السيد محمد بنعيسى، جريد الأحداث المغربية، العدد 827، 26 أبريل 2001.

 

)[6])Voir M.Mamad, « Sahara marocain : Un rapport et une proposition », in : site internet, In :  http://www.2M.TV/événement.

 

[7]))  أنظر الدكتور الحسان بوقنطار، "قضية الصحراء المغربية : حل متوازن لا  يخلو من إشكالات"، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 6533، 30 يونيو 2001.

[8])) أنظر مصطفى خلال، "قضية الصحراء المغربية تخرج من النفق"، جريدة الاتحاد الاشتراكي، العدد 6529، بتاريخ 26 يونيو 2001.

 

[9]))  أنظر حسين مجدوبي, " المغرب يطرح الحل الثالث"، جريدة الصحيفة، العدد 100، 6-12 أكتوبر 2000.

[10]))  تدخل المسمى لحريطاني لحسن حسين القيادي في جبهة البوليساريو، في برنامج " الاتجاه المعاكس" الذي بثته قناة "الجزيرة" القطرية يوم الخميس 11 يناير 2001، أنظر موقع "قناة الجزيرة" على الانترنيت:

http://www.al-jazeera.net/programs/op-direction/articles.

 

([11]) راجع، "الأمم المتحدة تدرس منح الصحراء الغربية حكما ذاتيا"، في موقع قناة "الجزيرة" على شبكة الانترنيت:

http://www.al-jazeera.net/news/arabic/2001-6-21

[12]))   حيث ذكر ما يسمى ب(وزير الإعلام الصحراوي) في بيان له أن تقرير الأمين العام كوفي عنان بخصوص قضية الصحراء يشكل : "إنكارا لحق شعب الصحراء الغربية في تقرير مصيره بحرية عن طريق استفتاء حول تقرير المصير".

راجع الملف الخاص المتعلق بالموضوع: "البوليساريو" تنتقد اقتراحا يمنح الصحراء الغربية حكما ذاتيا"،أنظر موقع قناة "الجزيرة" على شبكة الانترنيت :                                     http://www.al-jazeera.net/news/arabic/2001-6-21

 

[13]))  أنظر محمد الركراكي، "المأزق الجزائري أمام الحل السياسي"، جريدة،  الصحيفة، العدد 24، 29 يونيو –5 يوليوز 2001، ص 9.

 

13))  للإطلاع على خلفيات الصراع بين مؤسسة الرئاسة الجزائرية ومؤسسة الجيش، أنظر: "3 أشهر حاسمة لمصير بوتفليقة"، الوطن العربي، العدد 1249، 9 فبراير 2001، ص10.

(14)  راجع "بوتفليقة رفض صيغة شيراك لحل مشكل الصحراء"، مجلة الوطن العربي، بتاريخ 30 يونيو 2000 ص11.

(([15] أنظر حوار الشيخ نحناح المرشح السابق لمنصب رئاسة الجمهورية في الجزائر الذي خص به جريدة الصباح، العدد 654، بتاريخ 17 ماي 2002، ص 11.

([16]) راجع نص حوار عبد الحميد الإبراهيمي، الوزير الأول الجزئري في عهد الرئيس الأسبق الشاذلي بن جديد، الذي أجرته معه جريدة الصباح، العدد 872، بتاريخ 28 ينير 2003، ص 3.

[17])) أنظر تصريح خالد نزار للأسبوعية المغربية " لا كازيت دي ماروك" بتاريخ  14 مارس 2003، المنشور في الصحافة الوطنية خلال هذه المرحلة.

[18]))  أنظر نجيب ميكو، "حدود الحل الثالث وشروط الديمقراطية"، جريدة الأحداث المغربية، العدد 840، بتاريخ 9 ماي 2001.

 

بقلم ذ عبد الحق دهبي
باحث في القانون الدولي والعلاقات الدولية
 


أعلى الصفحة