القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ عمـــــــــــاد بولحبال
طالب باحث بسلك الماستر تخصص القانون الجنائي و التعاون الجنائي الدولي كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية مكناس
تحت عدد: 270
تعتبر الجريمة ظاهرة انسانية و طبيعية مست جل المجتمعات قديمها و حديثها

فهي كما يقال شر لابد منه .ونظرا للأثار السلبية التي تخلفها لا على المستوى الامني او الاقتصادي او السياسي (الجرائم السياسية)،قامت الدول بإرساء قواعد واحكام تروم و تهدف الى التصدي و مكافحة او محاربة هذه الظاهرة.

      بيد ان هذه القواعد لوحدها لا يمكن باي حال من الاحوال ان تحد من الجريمة التي باتت اليوم تتنامى و تتزايد بشكل مهول للغاية، فغالبا ما تستعين العدالة الجنائية بمجموعة من العلوم ذات الصلة بالجريمة كعلم الضحية و علم السياسة الجنائية و علم الاجرام....

     هذا الاخير الذي يعتبر من ضمن العلوم الواقعية التي تنقطع لدراسة ما هو كائن وواقعي، فهو علم يستهدف بالدراسة و التحليل الظاهرة الاجرامية (السلوك الاجرامي)باحثا عن الاسباب الدافعة لهذا السلوك و بصفة عامة الاجابة عن سؤال: لماذا الجريمة؟

     ففي اطار هذا العلم نجد مجموعة اساليب علمية من خلالها تتم دراسة الظاهرة الاجرامية في بعديها الفردي او الجماعي ،هكذا نجد كل من الاسلوب الاستجوابي ثم الاسلوب الاحصائي و الذي هم موضوع دراستنا.

    فهذا الاسلوب يعتبر من اهم طرق البحث في دراسة الجريمة و اول وسيلة استخدمت في دراستها[1]و يقصد بالإحصاء في علم الاجرام ترجمة الظاهرة الاجرامية الى ركام من   الارقام[2]فالإحصائيات كما يقول العالم الفرنسي "فليب روبيرPhilippe Robert  " "هي ركام من الارقام يزعم الذين يستعملونه انهم يقيسون به الاجرام و المجرمين فيعطونه بفعل دالك خاصية احتكار تحديد نسبة الجريمة و قياس حجمها". وتعتبر فرنسا اول من قامت بإعداد احصاء سنوي عام للجرائم [3]ويعتبر كل من العالم الفرنسي "جيري Guerry" والبلجيكي "كتليهQuetlet "اول من قاما بالدراسة الاحصائية، ثم تابعت بقية الدول اعداد الدراسات الاحصائية.

     ودراسة الظاهرة الاجرامية احصائيا تتم بإحدى الطريقتين :الطريقة الثابتة و الطريقة المتحركة. ولا احد يماري فيما للإحصاء من دور رائد في تحديد عدد الاشخاص الذين ارتكبوا جرائم في اقليم الدولة، عدد الذين ثم القبض عليهم وعدد الذين احيلوا للمحاكمة

،و عدد الذين ادينوا و صدرت في حقهم احكام، كما يظهر الاحصاء كدلك مدى كفاءة السلطات المختصة بالكشف عن الجرائم و تتبع المجرمين و العقبات التي تواجههم[4].

      و الاحصائيات الجنائية انواع، اما اجمالية[5] او نوعية[6]،واكيد ان لها مصادر(جهات) تستقى منها، فقد تكون هذه المصادر اما رسمية (كالدولة ..) او غير رسمية "خاصة"(الباحثون..) ،واما وطنية(تنجز في اطار دولة واحدة)و تشمل كل من احصائيات الشرطة ،القضاء، المؤسسات العقابية او دولية (تنجز داخل مجموعة من الدول).

     ويكتسي موضوع "الية الاحصائيات و قياس الظاهرة الاجرامية" اهمية نظرية وعملية، فأما الاولى فتتمثل في كون ان هذا الموضوع يهم بشكل اساسي منظري السياسة الجنائية فغالبا ما يعتمد هؤلاء على الاحصائيات الجنائية لما يقومون ببناء خططهم الامنية وتوزيع مواردهم البشرية كميا وجغرافيا بشكل مقلن توخيا النجاعة و الفعالية في محاربة الجريمة بشتى صورها التقليدية و الحديثة. اما الثانية فتتجلى في كون مثل هذا الموضوع يطرح اكثر من علامة استفهام بالنسبة المتخصصين في علم الاجرام خصوصا لما توظف الاحصائيات الجنائية في المجال السياسي .

     كما ان لهذا الموضوع فائدة من وراء دراسته تتجلى بالأساس في كونه لم يحظى بالدراسة اللازمة من لدن غالبية الفقه بشيء من التعمق و التمحيص مما يجعله موضوعا يجب الانكباب عليه بالدراسة والتحليل.

     ويثير هذا الموضوع اشكالية اساسية تتمثل في: ماذا تقيس الاحصائيات الجنائية؟ و يتفرع عن هذه الاشكالية اشكاليتين فرعيتين: الاولى تتعلق بماذا تتضمن الاحصائيات الجنائية؟ اما الثانية فتتمثل في اسباب عدم قياس الاجرام الحقيقي ؟

    لمعالجة هذا الموضوع ارتأينا اعتماد التقسيم التالي:

المبحث الاول: مضمون الاحصائيات الجنائية

    المبحث الثاني: اسباب عدم قياس الاجرام الحقيق

 

المبحث الاول: مضمون الاحصائيات الجنائية

     ان السؤال الذي لا طالما طرحه المهتمين بالشأن الجنائي و خاصة في علم الاجرام هو ماذا تتضمن الاحصائيات الجنائية ،بمعنى ماهي الجرائم التي ترتكب و بالتالي تضمن باهته الاحصائيات و بصيغة اخرى هل جميع الجرائم التي تقع تقيسها الاحصائيات ام ا ن دالك العدد القليل و البسيط من الجرائم هو الذي يقع تحت مجهر تلك الاحصائيات؟

     و اذا كان الامر كدلك فان النتيجة الحتمية التي سنصل اليها بدون شك هي  خروج مجموعة من الجرائم من دائرة و نطاق الاحصاء الجنائي ،و بالتالي التأكيد على حقيقة علمية مفادها عدم قدرة الاحصائيات الجنائية على قياس حجم الاجرام الحقيقي و الفعلي.

المطلب الاول: الجرائم التي تقيسها الاحصائيات الجنائية

     ان القول بان هذه الجريمة او تلك  تضمن بالإحصائيات الجنائية او لا تضمن ،يتوقف  قطعا على معرفة معايير اساسية يجب للجريمة ان تستجيب لها  و الا لن تكون لها حظوظ وافرة ان لم نقل منعدمة بان تدرج ضمن الاحصائيات الجنائية.

     وتتمثل هذه المعايير كما حددها الفقيه سيلين في معيارين اثنين هما :  الاول هو قابلية الجريمة للمشاهدة والثاني هو تخليف الجريمة لضحايا مباشرين. هؤلاء الضحايا طبعا هم المعول عليهم بالتبليغ لدى اجهزة الشرطة ،و بتعبير سيلين رفع الواقعة الاجرامية الى علم العدالة الجنائية. 

 

الفقرة الاولى :الجرائم التي تخلف ضحايا

     من المتفق عليه من قبل الفقهاء الجنائيين ان للجريمة تلات اركان ،الاول منها هو الركن القانوني او ما يعبر عنه بمبدأ لا جريمة و لا عقوبة الا بنص ،اما الثاني فهو الركن المعنوي الذي يقوم على عنصري العلم و الارادة ،اما الثالث فهو الركن المادي بعناصره الثلاثية :النشاط الاجرامي ثم العلاقة السببية و اخيرا النتيجة الاجرامية .

     فهذه النتيجة اذن التي تلحق الضحايا (الايذاء بصوره المتعددة-الموت...) هي التي يسال عنها الجاني و من ثم تكون هذه الضحايا هي السباقة في الابلاغ عن الاذى الذي تعرضت اليه جراء النشاط الاجرامي الذي اتاه الجاني. الا انه في بعض الحالات لا تقوم هاته الضحايا بالتبليغ لعدة اعتبارات تراها في غير صالحها سنرجئ الحديث عنها الى حين ان نقوم ببيان الاسباب التي تقف وراء عدم قياس الاحصائيات الجنائية للإجرام الفعلي و الحقيقي.

الفقرة الثانية: الجرائم ذات القابلية للمشاهدة

     لا احد يجادل في كون ان القانون الجنائي لا يعاقب على النوايا التي يكنها الشخص اتجاه اخر بالاعتداء عليه ما لم تتجسد في الواقع على شكل سلوك اجرامي معاقب عليه جنائيا، لأنه بداهة و بكل بساطة لا يمكن لنا معرفة ما بداخل انفس الافراد من نوايا نبيلة كانت او سيئة .

     فكداك الامر بالنسبة للجريمة اذ ان نسبها لمقترفها يتوقف بشكل كبير على ان تكون متمتعة شيئا ما بقابلية للمشاهدة تجعلها في مرأى انظار اجهزة العدالة الجنائية ،وبالتالي

تكون لها حظوظ وافرة في ان تضمن الاحصائيات .

     فقابلية الجريمة للمشاهدة تعني بكل بساطة قابلية الفعل الاجرامي للمشاهدة بسهولة دون بدل جهد في دالك[7].وحسب علماء الاجرام فان قابلية او عدم قابلية جريمة معينة للمشاهدة يرتبط ارتباطا وثيقا بطبيعة الجريمة المرتكبة اولا و ظروف و اسلوب ارتكابها ثانيا.

اولا: طبيعة الجريمة المرتكبة

      ونقصد بالطبيعة البنية فهناك جرائم بطبيعتها تتوفر على قابلية للمشاهدة و بكل بساطة، كجرائم القتل، والاتجار في المخدرات و استهلاكها، و جرائم السرقة و التزوير في الوثائق الرسمية و غيرها من الجرائم الأخرى التي تكون عادة بادية للعيان نظرا لأنها ترتكب في العلن.

     فلما نتحدث مثلا عن السرقة و التي نجدها في كل مكان، البوادي (سرقة المواشي و المحاصيل الزراعية...) و الحواضر اي المدن(السرقة في الشوارع عن طريق النشل باستعمال الدراجات النارية السريعة خاصة بالمدن الكبيرة كمدينة الدار البيضاء مثلا ،التي تتميز بهذا النوع من السرقات ) بالإضافة الى السرقات التي ترتكب في المحلات و المراكز التجارية الكبرى، ناهيك عن السطو المسلح على الأبناك الى و غير دالك من صور السرقات....                   فهذه السرقات كما اوضحناها غالبا ما ترتكب في العلن و من ثم تكون بادية للعيان و بالتالي يسهل ضبطها من قبل اجهزة الشرطة و بالنتيجة سوف تضمن بالإحصائيات الجنائية.

      والامر ينطبق كدلك على جرائم القتل التي بدورها غالبا ما ترتكب علانية ،بحيث نسجل و بكل مرارة في شوارعنا يوميا مشادات كلامية و احتكاكات تجد في فصل الصيف وارتفاع الحرارة مرتعا خصبا لها ،لتتحول الى مشاجرات غالبا ما تنتهي بتبادل الضرب و الجرح  قد ينتج عنه موت احد طرفي النزاع، وهذا ما يؤكد ويجسد فكرة ارتفاع نسبة الفوضى في ذهن المواطن وانه منفلت من قبضة القانون . فهؤلاء الفوضويين سرعان ما يطلقون العنان لأنفسهم لممارسة شغبهم بلا هوادة الا و تجد هم محاصرين و مطوقين بضباط الشرطة القضائية.  

     وبناء على ما سبق، فان الجرائم التي لا تتوفر على حظوظ لإمكانية مشاهدتها ،باعتبار انها تعتمد وتقوم على عامل التستر و الكتمان مما يجعل ضبطها من قبل اجهزة الشرطة امرا صعبا ان لم نقل مستحيلا .فهذا النوع من الجرائم يطلق عليه بالجرائم الخفية نظرا لأنها ترتكب في الخفاء.

     و الامثلة عديدة ومتنوعة في هذا الصدد ،فجريمة الرشوة مثلا لا يتصور منطقا و عقلا ان يقوم الراشي(الشخص المرتفق مثلا) بتقديم مبلغ من المال او اي شئ اخر يقوم مقامه للمرتشي (موظف بإدارة معينة)امام الملأ و عموم المرتفقين من المرفق العمومي(مثلا البلدية، الباشوية ،العمالة ......)،فغالبا ما يعمد الطرف الراشي بدس بعض النقود بين طيات الاوراق و من ثم لا يكشف امره و لا يضبط من قبل العدالة الجنائية و بالتالي فهذه جريمة وقعت لكنها لم تضمن بالإحصائيات الجنائية ،ففي هذه الحالة ضاعت المادة التي التي وجدت الاحصائيات لرصدها و تعقبها.(الجريمة)

    كما ان هناك جرائم اخرى تتسم بنفس الخاصية (التستر و الكتمان)كجرائم الاجهاض و الاغتصاب و الخيانة الزوجية والسحر والشعوذة.......جل هذه الجرائم تنتمي الى نفس الفصيلة او نفس الاسرة وهي ما يطلق عليها بالجرائم الخفية.

ثانيا: ظروف ارتكاب الجريمة:

     تلعب هذه الظروف بدون شك دورا اساسيا في تحقق شرط القابلية للمشاهدة او عدم تحققه، ففي كل الحالات و الاوضاع التي يتم فيها ارتكاب الجريمة في اماكن مكتظة و اهلة بالسكان (الاحياء الشعبية مثلا، الاسواق الاسبوعية ...)تكون لهذه الجريمة قابلية للمشاهدة و حظو ظ وافرة لوصولها الى علم اجهزة الشرطة.

     في حين انه في كل الحالات التي يتم فيها ارتكاب الجريمة في اماكن نائية ومنعزلة(القرى-مناطق الفيلات...) فان حظوظ المشاهدة و بالتالي تبليغها تكون قليلة ان لم نقل شبه منعدمة، و هناك من يرجع ارتفاع نسبة الجريمة في المدن مقارنة بالبوادي الى ارتفاع نسبة القابلية للمشاهدة في المدن عنه [8]في البادية التي تتميز بالكتمان و التستر.

     وبناء عليه يمكن القول على ان اغلب الجرائم التي تصل الى علم الشرطة لا تصل بناء على اكتشافها من قبل هذه الاخيرة( لان دالك كما قلنا صعب جدا نظرا لصفة التخفي التي تميز هذه الجرائم)و انما علم الشرطة يكون حتما بواسطة التبليغ الذي يقوم به ضحايا الفعل الاجرامي(الجريمة).

     فانطلاقا مما سبق نسجل حقيقة مفادها ان ليس كل جريمة تقع تضمن بالإحصائيات

الجنائية للاعتبارات المذكورة سابقا، فكما يقال ما خفي اعظم بمعنى ان الجرائم التي لم تشملها الاحصائيات والتي بقية خفية قد تكون بعدد كبير لا يستهان به.

     فاذا كانت الاحصائيات الجنائية اذن لا تشمل جل الجرائم التي ترتكب و بالتالي يبقى عددا مهما منها في عداد المجهولين، فماذا يطلق على هذا المجهول و الذي لا نعرفه؟ وماذا تقيس هذه الاحصائيات كمقابل لعدم قدرتها على رصد الواقع الحقيقي للجرام؟.

المطلب الثاني :عدم قدرة الاحصائيات الجنائية على قياس الاجرام الحقيقي

      ما نسجله هو ان الاحصائيات الجنائية ليس بمقدورها اعطائنا الحجم الحقيقي لعدد الجرائم الذي يرتكب لعدة اعتبارات (الفقرة الاولى) و بالتالي ماذا تقيس اذن كمقابل لعجزها هذا (الفقرة الثانية).

الفقرة الاولى: عجز الاحصائيات الجنائية عن قياس حجم وواقع الجريمة

     ان الحقيقة التي لا يمكن نكرانها او تجاهلها والتي تتمثل في عجز الاحصائيات الجنائية عن قياس و رصد  الواقع الحقيقي للجريمة ،تعزى لعدة اسباب و عوامل تجعل الجريمة باعتبارها محل الدراسة في منأى عن ضوء الالة الاحصائية.

فعلماء الاجرام يميزون بين مستويات ثلاثة لقياس حجم الاجرام و دالك حسب المصدر الذي تستقى منه هذه الاحصائيات.[9]

-المستوى الاول: الاجرام الظاهرLa criminalité apparente والذي يثم تحديده بالاستناد الى البيانات والارقام التي تسجلها اقسام و مصالح الشرطة ،وبصيغة اخرى هو مجموعة الافعال الاجرامية التي تصل الى علم الشرطة او تصل الى علم الجهاز المكلف التحقيق والمتابعة. و يرى علماء الاجرام ان هذه الاحصائيات هي افضل اداة لقياس الجريمة و ضبط اتجاهها في اي بلد. 

-المستوى الثاني: الاجرام الشرعي او القانوني La criminalité Légale

 فهو حاصل مجموع الاحكام بالإدانة، بحيث يثم تحديده بالاستناد الى البيانات و الارقام التي تصدر عن المحاكم الجنائية و التي تبين حجم الدعاوى المسجلة لديها و عدد الحالات التي ادين فيها اصحابها.[10]

-المستوى الثالث: الاجرام الحقيقي او الفعلي، اي حاصل الجرائم التي ترتكب في مجتمع معين وفي مدة زمنية معينة ومحددة بغض النظر عن وصولها الى علم العدالة الجنائية ام لا وذلك لأسباب مختلفة، وبصيغة اخرى مجموع الجرائم التي ارتكبت فعليا[11].

من هذا المنطلق نتساءل عن اي هذه المستويات يعبر بدقة عن حجم الاجرام الاقرب الى الاجرام الحقيقي؟

    يجمع علماء الاجرام على ان الاحصائيات التي تقدمها لنا الشرطة(الاجرام الظاهر) هي الاقرب شيئا ما بتقدير حجم الاجرام الحقيقي، باعتبار انه كلما ابتعدت الاجراءات التي تتخذ بصدد الجريمة عن وقت وقوعها و التبليغ عنها ،الا ونكون ازاء انتخاب متواصل يقود الى ضياع المادة المعاقب عنها(الفعل الجرمي =الجريمة)،فكيف دالك؟

- عدم القاء القبض على مرتكب الفعل الجرمي ، و دالك بسبب اختفائه وفراره او جهل هويته[12] .

- حفظ الملف

-تطلب شكاية في بعض الجرائم (حق التنازل) ،كما هو الحال في جرائم السرقة بين الاقارب اهمال الاسرة ،الخيانة الزوجية ،العنف ضد الاصول.....

       فانطلاقا من هذا التحديد يتبين لنا ان ما تقيسه الاحصائيات الجنائية هو اما الاجرام الظاهر او الاجرام الشرعي فقط ،دون ان تقوم بقياس الكتلة الحقيقية للإجرام الذي يقع فعليا.

     واذا كان الامر كذالك فان الرقم الصحيح لحجم الاجرام الحقيقي سوف يظل غير معروف على الاطلاق، وبالتالي يوجد بين كتلة الاجرام الحقيقي و نسبة الاجرام المعروفة التي يتم قياسها بالإحصائيات الجنائية فرق هام جدا وهذا الفرق يطلق عليه في اطار علم الاجرام :بالرقم الاسود او الاجرام المخفي .« Le  chiffre noir »

     فالرقم الاسود و انطلاقا من تسميته هاته يعبر عن الحيز او المنطقة المظلمة بين الحقيقة المطلقة التي تبقى مجهولة (الاجرام الحقيقي) و الحقيقة النسبية التي ندركها و نعرفها من خلال جهازي الشرطة و القضاء(الاجرام الظاه والاجرام الشرعي ).فمما لا شك فيه ان

الحجم الرسمي للجريمة  يثأر بغياب عدد كبير من الجرائم يصعب التعرف اليها،اذ لا يمثل هذا الحجم الرسمي للجريمة الا من تورطوا و وقعوا في قبضة الشرطة او مثلوا امام المحاكم[13].

     ان السؤال الدي يطرح نفسه في هذا الصدد ،هو ما السبيل لمعرفة حجم الاجرام الحقيقي ،بصيغة اخرى كيف يمكن لنا ان نعرف معرفة علمية الرقم الاسود للإجرام ؟

     لعل هذا السؤال لا طالما شغل و اهوس بال المهتمين بحقل الجريمة و الذي سيظل بدون شك بلا جواب ،و من ثم تبقى علامة الاستفهام هي الطاغية، فبداهة لا يمكن ان نخصص لكل مواطن شرطيا او دركيا  يلازمه طوال النهار لكي يقوم بتدوين كل ما قد يقوم به هذا الشخص من افعال اجرامية معاقب عنها قانونا.

     فليس منا من لم يقوم بمجموعة من المخالفات بشكل يومي، و لعل ابرز مثال لهذه الجرائم ،هي تلك المتعلقة بمخالفة قانون السير كعدم احترام الاشارات الضوئية للمرور و ما اكثرها في مجتمعنا .فغالبية المواطنين انهم لا يعتبرون مثل هذه المخالفات جرائم ،اذ ان مفهوم الجريمة في ذهن المواطن غير العارف بالقانون هي تلك التي ترتبط بالدم ،كالقتل و الضرب و الجرح ،فكما يقال في الوسط الشعبي المغربي ان" الشرطة لا تتحرك من مكانها ما لم يكن هناك اثر للدم."

    و انطلاقا من الهامش الكبير من الجرائم المستترة و التي لا تحصيها  الاحصائيات، بدأ علماء الاجرام في نوع من ضرب الخيال و قال البعض منهم ان الجرائم الخفية و التي لم يبلغ عنها تمثل خمسة اضعاف الاجرام الظاهر ،في حين اعتبر البعض الاخر انها تمثل ضعف هذا الاجرام.  لكن تبقى هذه الافتراضات محل نظر و لا اساس لها من الصحة نظرا لعدم وجود اي معيار صحيح يمكن الركون اليه لتحديد الاجرام المستتر[14]،فمن قال لنا ان الجرائم غير المبلغ عنها تمثل الرقم كذا او كذا؟.

      و باعتبار ان الرقم الاسود للإجرام بقي مجهولا و شكل دائما حجر عثرة امام علماء الاجرام وهم بصدد تحديد بشكل او باخر هذا الرقم، فانهم قاموا بأبحاث ميدانية ازاحوا من خلالها الستار عن مجموعة من الجرائم و التي لو بلغ عنها وصلت الى علم اجهزة الشرطة لتمت متابعتها، كما ان بحثهم هذا قادهم الى التوصل لحقيقة خطيرة وهي ان معظم الاشخاص الذين كانوا محلا لعينات ابحاثهم تلك يكونون قد اجرموا في صباهم دون ان يتعرضوا للمتابعة الجنائية.

       فلعل القاء نظرة عن المخالفات الواردة لا في صلب القانون الجنائي خاصة الفرع الثاني الذي جاء تحت عنوان "في المخالفات من الدرجة الثانية" ولا في القانون المتعلق بقضاء القرب، سيتضح وبكل سهولة لماذا الرقم الاسود، فهل برايكم ان تلك الجرائم (الم ينص الفصل 111 على: الجرائم اما جنايات او جنح تأديبية او جنح ضبطية او مخالفات)  تصل الى علم الشرطة ،لا اعتقد دالك فهي تبقى بين طيات المجموعة الجنائية بدون تطبيق و لا تفعيل على مستوى الواقع.

    فاذا كانت الاحصائيات الجنائية اذن لا تقيس بشكل دقيق حجم الجرائم التي تقع فعليا ،فماذا تقيس اذن بالمقابل ؟.

الفقرة الثانية: قياس الاحصائيات الجنائيات لنشاط اجهزة الشرطة كمقابل

     غالبا ما يتم التصريح من لدن المسؤولين الامنيين ان معدل الجريمة في هذا الشهر او هذه السنة قد ارتفع وانخفض من خلال الاحصائيات الجنائية التي تقدم ،فهل دالك صحيح ام ان هناك عوامل تقف وراء هذا الارتفاع او الانخفاض في معدل الجريمة؟.

     يعتبر عامل متغيرات نشاط اجهزة الشرطة و العدالة الجنائية هو الفاعل المتحكم في ارتفاع او انخفاض نسب الجريمة، فتبعا لهذا العامل نكون ازاء ارتفاع في حجم الجريمة في الحالة التي تقوم فيها اجهزة الشرطة بتكثيف جهودها فتاتي على الاخضر و اليابس(و كمثال على دالك الحملة التطهيرية التي تمت مباشرتها بخصوص ظاهرة ما اضحى يعرف" بالتشرميل") ،والنتيجة هي اننا نسجل ارتفاع مهول و غير مسبوق في الاحصائيات الجنائية و كأننا امام هجوم اجرامي باغتنا. و العكس يكون صحيحا، بمعنى انه في حالة تراخي الشرطة لا نصل الى النتيجة السابقة.

     لكن لا يمكن ان نلوم بشكل قطعي جهاز الشرطة نظرا للإمكانيات المتواضعة المرصودة له، فلمادا لا يقوم المسؤولون عن المجال الامني بالانخراط في الموجة و التورة التكنولوجية الحالية و دالك بالاستفادة من اجهزة المراقبة الالكترونية و من ثم تطبيقها في الساحات العمومية وملتقيات الطرق بغض النظر عن وجود شرطي بعين المكان ام لا.

     و بالبناء على ما سبق، ونظرا لعجز الاحصائيات الجنائية عن مدنا بمعطيات دقيقة عن واقع الجريمة ،احتد النقاش حول حدود الاعتماد على هذه الاحصائيات بمعنى هل لنا ان نعتمد عليها بشكل مطلق كمؤشر لفهم واقع الجريمة ام ان اتكالنا عليها يجب ان يبقى في حدود معينة تحكمها النسبية و من ثم تبقى الاحصائيات الية غير معول عليها لمساعدتنا على الادراك و الفهم الدقيق لنسب و معدلات الجريمة.

    فما هي يا ترى الاسباب و العوامل التي تقف وراء عجز الاحصائيات الجنائية عن قياس الاجرام الحقيقي و الفعلي؟ و بصيغة اخرى ما الذي يجعلنا غافلين لحجم و واقع الجريمة، ومن ثم نكون امام احصائيات تتسم بالنسبية و النقصان لا تحظى بقيمة علمية بمعنى الكلمة.

المبحث الثاني :اسباب عدم قياس الاجرام الحقيقي

     لا شك ان الاحصائيات الجنائية رغم ما تقدمه لنا من معطيات عن الظاهرة الاجرامية فان دالك بدون شك لا يعني الحقيقة المطلقة، و انما الحقيقة النسبية ،فمعرفة الواقع الحقيقي للجريمة تبقى من المتمنيات صعبة المنال و الادراك لاعتبارات و اسباب متعددة قانونية كانت او اجتماعية شخصية ترتبط بالضحية و الوسط الاجتماعي او اسباب اخرى تتعلق بأجهزة العدالة الجنائية.

المطلب الاول: الاسباب المرتبطة بالجريمة

     اذا كان قانونيا ان الشخص المرتكب للسلوك الاجرامي لا يعاقب الا واذا نتج عن سلوكه هذا نتيجة جرمية تمثلت في ضرر بليغا كان ام خفيفا لحق الضحية فانه في بعض الحالات تقرر مسؤولية الجاني بغض النظر عن ما اذا تحققت النتيجة او لم تحقق (ما يعرف بالجرائم الشكلية او الخطر اودون النتيجة).

الفقرة الاولى: عدم وجود ضحايا مباشرين

عادة ما يتم التمييز في الجرائم من حيث نوع ضحاياها الى:

* تلك التي تخلف ضحايا ، وهي التي تم التطرق لها و قيل بانها ذات حظوظ وافرة تجعلها تضمن بالإحصائيات الجنائية حيث ان الضحية هو من يقوم بتبليغ مصالح الشرطة بالاعتداء الذي تعرض اليه.

*وتلك التي لا تخلف ضحايا على الاطلاق او تخلف ضحايا لكن بطريقة غير مباشرة مباشرين، فهي ان كانت تخلف ضحايا الا انهم ضحايا غير مباشرين، فلما نتحدث مثلا عن جرائم القتل او الاغتصاب فضحية الفعل الجرمي في مثل هذه الجرائم تكون مباشرة و التي هي في المثال الاول الشخص القتيل و في المثال الثاني الطفلة او المرأة المغتصبة.

     في حين لوكنا ازاء مثلا امام جرائم الياقات البيضاء او التهرب الضريبي او مخالفة قوانين الصيد البحري او جرائم البيئة ....فاين هي الضحية المباشرة هنا ؟ بدون شك الضحية موجودة  (ادارة الجمارك، ادارة الضرائب، ادارة المياه والغابات-الدولة بصفة عامة-)، الا انها ضحية غير مباشرة.

      فانعدام الضحايا او جودها بشكل غير مباشر في مثل هذه الجرائم يقلل ان لم نقل يعدم كل الحظوظ المتعلقة برفعها و إثارتها امام العدالة الجنائية[15]، لا نه بداهة المتضرر من الفعل الاجرامي هو المعول عليه القيام بتبليغ اجهزة الشرطة بالاعتداء الذي تعرض اليه، ومن ثم فالتبليغ يبقى هو الاداة او الالية الاساسية التي تجعل للجريمة حظوظ وافرة بان تضمن بالإحصائيات الجنائية، لان مصالح الشرطة لا يمكنها باي حال من الاحوال ان تكتشف جل الجرائم التي تقع فهي غالبا ما تعول على شكايات الافراد من اجل التحرك و ضبط مخالفي القانون الجنائي.

و كمثال عن ما تم الحديث عنه هو اتلاف الممتلكات العامة و تخريبها(الطرق و القناطر والموانئ و السدود ... ، و ما اكثرها في هذه البلاد السعيدة ،فهي جرائم معاقب عنها قانونا في صلب المجموعة الجنائية (الفصول 586-590-591....)التي تندرج ضمن الفرع الثاني تحت عنوان "التخريب و التعييب و الاتلاف" كدلك نفس الشيء بالنسبة لما ورد في اطار المخالفات من الدرجة الثانية (ف 609 ق ج) خاصة في فقرته 27و44.

الفقرة الثانية: خفاء الجريمة وعدم بروزها

     ان انعدام خاصية القابلية للمشاهدة في الجريمة يجعل احتمالات وقوعها تحت مجهر العدالة الجنائية(الشرطة –الدرك) مستبعدة ان لم نقل شبه مستحيلة، لأنه لا يمكن باي حال من الاحوال للعدالة الجنائية ان تعرف و تعلم بكل ما يقع من مخالفات للقانون الجنائي نظرا لعدة اعتبارات ترتبط بظروف و ملابسات ارتكاب الجريمة ارتكاب الجريمة .

      هكذا اذن وفي كل الاحوال يرتكب فيها الجرم في اماكن نائية ومنعزلة بعيدة عن  اعين الناس تكون حظوظ رؤيته و مشاهدته و اكتشافه قليلة بل شبه منعدمة في بعض  الحالات ،و بالتالي فتبليغه يقل بدرجة كبيرة[16] . والامثلة عديدة و متنوعة في هذا الصدد، فالجرائم المتعلقة بقوانين الشركات التجارية و المؤسسات الاقتصادية وبحكم المراكز الاجتماعية التي يحتلها مرتكبوا مثل هذه الجرائم (ما يصطلح عليه بجرائم الياقات البيضاء) يجعل امر ضبط هؤلاء المجرمين "الاشباح" غير وارد الا في بعض الحالات الاستثنائية. ومن ثم سقوط هذه الجرائم و عدم تضمينها في الاحصائيات الجنائية. 

     اما لو ارتكبت الجرم كما قلنا سابقا في اماكن  مكتظة و اهلة بالسكان يكون واضحا و مرئيا بسهولة ،فالجرائم التي ترتكب في الاماكن العمومية(الشارع- الحدائق..) او في الاحياء السكنية تكون حظوظ مشاهدتها قوية. ومن ثم يتم احصائها .

المطلب الثاني: الاسباب المرتبطة بالضحية ووسطه الاجتماعي

     لما كانت الجريمة دالك العدوان الذي يطال الضحية و المجتمع( بشكل غير مباشر)، فان التبليغ عن دالك الاعتداء من عدمه يبقى حق تقدير للضحية يكيفه حسب مصلحته، او ان امر الجريمة يتم احتوائه عن طريق الصلح و فظ النزاع بالطرق السلمية ،من دون ان يتضخم  الامر و يستفحل حتى يصل الى علم اجهزة الضبط الاجتماعي خصوصا اذا تعلق الامر بالجرائم البسيطة غير الخطيرة.

الفقرة الاولى: التقدير الذاتي للضحية

     فكما قلنا ان ضحية الفعل الاجرامي هي صاحبة السلطة التقديرية فيما يتعلق برفع الواقعة الاجرامية الى علم العدالة الجنائية من عدمه .

أ-استخفاف الضحية بالاعتداء:

      فهي قد تقدر احيانا ان ما تعرضت اليه من اعتداء لا يستحق ايلائه اهمية كبرى ،فمثلا السب و القذف هو معاقب عليم قانونا، و من ثم يحق للشخص المعتدى عليه متابعة المعتدي جنائيا الا ان دالك يتطلب اثباتا ( و هو امر صعب المنال)واجراءات يعرفها كل من شاءت الاقدار و دخل ابواب المحاكم انها تتسم بالبيروقراطية و التعقيد مما يدفع الضحية الى عدم الخوض فيها واتقاء شرها، فتضييع الوقت هو المصير الذي سيواجهه حتما.

ب-الخوف من الانتقام: 

 فالضحية احيانا و حسب تقديرها الخاص لا تقوم بالتبليغ عن ما تعرضت اليه من اعتداء اتقاء لشر الانتقام خاصة وان بعض المجرمين قد دأبوا على هذا السلوك الشنيع ،يزج بهم في السجن و سرعان ما يتم الافراج عنهم يقصدون من كان سببا في دخولهم السجن فيفعلون فعلتهم بمعنى ينتقمون منه شر انتقام لأنه في النهاية ليس لديهم ما يخسرونه .

ج- اتقاء العار

     في بعض الحالات تحجم الضحية عن ابلاغ مصالح الشرطة كما هو الحال في جرائم الاغتصاب، لان دالك سيجر عليها لا محالة عارا سيلازمها ويأثر سلبا على مستقبلها (خاصة فيما يتعلق بالزواج)وعلى سمعة عائلتها خصوصا ادا كانت من ذوي النفوذ والجاه والمال. اذن الملاذ يكون هو التزام الصمت (قانون الصمت).

د- كون الضحية مستفيدة من الجريمة

في بعض الجرائم  تكون الضحية مستفيدة هي الاخرى من الفعل الجرمي ومن ثم يكون مجانبا للصواب ان تقوم بالتبليغ لدى اجهزة الشرطة  لأنه سيتم متابعتها حتما. و الامثلة عديدة في هذا الصدد نسوق بعضها فقط:

vجرائم الاجهاض، ففي هذه الجريمة تكون للضحية مصلحة في دالك بدون شك، كالتخلص من مسؤولية التربية و الانفاق خاصة اذا كانت عاطلة و لا مورد لها، و بدالك لا تقوم بإحاطة الشرطة علما.

vالسحر والشعوذة، لا يتصور عقلا و لا منطقا ان تقوم الضحية بإبلاغ الشرطة لأنها هي من ارادت قصد اولائك الدجالين والمشعوذين املة فيهم قضاء حاجتها.

vجريمة الفساد، كما هو معلوم ان الفساد معاقب عليه بمقتضى (ف 490 من ق ج) ومن ثم هل يتصور احدا يقوم و يفتخر بما فعله من علاقة غير شرعية امام الشرطة، حتما مصيره هو السجن (من شهر الى سنة). الى غير دالك من الجرائم الاخرى من نفس الطينة، كالرشوة......

     فهذه الجرائم و بحكم ان الضحية تحجم عن التبليغ عنها يكون  من الصعوبة بمكان ان تقوم مصالح الامن بضبطها  و من تم تضمينها بالإحصائيات الجنائية خاصة و ان هذا النوع من الجرائم يرتكب في الخفاء مما يساعد في افلات اصحابها في غالب الاحيان من العقاب (الدعارة الراقية التي اصبحت منتشرة حاليا).

الفقرة الثانية: وجود مسالك للضبط الذاتي موازية للمسالك الرسمية      

   في اطار المجتمعات المحافظة غالبا ما يثم تسجيل وجود     طرق ومسالك عديدة

لإنجاح عملية الضبط الاجتماعي، تقوم بنفس و وظائف العدالة الجنائية ،و هذا سيؤدي حثما الى عدم وصول عدد هام من الجرائم الى علم مصالح العدالة الجنائية، هكذا سوف يلاحظ وجود عادات و تقاليد خاصة في العالم القروي ببلادنا تؤدي الى فض النزاعات بطرق سلمية ،و اداء تعويضات عينية ....الى غير دالك.[17]

     كما يلاحظ من جهة اخرى وجود شرطة خاصة تهتم بالنظر في جرائم السرقات التي ترتكب بداخل المحلات التجارية الكبرى في الدول الغربية سواء من طرف المستخدمين او من طرف الزبناء مما يؤدي في حالات كثيرة الى عدم احالة هذه القضايا على مصالح الشرطة[18].

     و مجمل القول ان عملية احالة القضايا الى اجهزة العدالة الجنائية ومن تم قيام هاته الاخيرة بتضمينها في إحصاءاتها مرتبطة ارتباطا وثيقا بتصور الضحية او الجمهور لجهاز العدالة الجنائية و دالك من حيث قدرته على حل النزاعات و فاعليته في اعادة الامور الى نصابها.[19]

المطلب الثاني :الاسباب القانونية

في بعض الحالات يقرر القانون بدائل للدعوى العمومية او يمنع تحريكها بالمرة.

الفقرة الاولى :الصلح[20]

انطلاقا من المادة4 من ق م ج والتي تنص على: "تسقط الدعوى العمومية..................

و تسقط بالصلح عندما ينص القانون صراحة على دلك  .

تسقط ايضا بتنازل المشتكي عن شكايته، اذا كانت الشكاية شرطا ضروريا للمتابعة ،ما لم ينص القانون على خلاف دالك".   

     فانطلاقا من هذه المادة يتبين ان المشرع اختار توجه تبني نظام التسوية الودية[21] في الجرائم لما ينص القانون المنظم لها على دلك .هكذا نجد كل من الظهير المنظم لإدارة المياه والغابات  و ادارة الجمارك والصيد البحري ...........فكل هذه  القوانين تشكل انظمة جنائية خاصة على غرار الشريعة العامة للعقاب(القانون الجنائي).

    فيقرر الصلح كبديل عن الدعوى العمومية ،حيث يثم احتواء الامر عبر ايجاد تسوية للنزاع على صعيد الادارة المعنية(المتضررة) وبالتالي لا يصل الى علم العدالة الجنائية ،ومن ثم يكون تضمين هذه الجرائم في الاحصائيات الجنائية مستبعدا الا في بعض الحالات المعزولة و التي يقرر فيها مرتكب الجريمة عدم اللجوء الى الصلح الذي تقترحه الادارة المتضررة.

      والامثلة عديدة و متنوعة في هذا الصدد ،مثل الجرائم الاقتصادية، الضريبية ،البحرية الجمركية، البيئية، جرائم قانون الشغل.[22]

الفقرة الثانية: الحصانة القانونية

في بعض الحالات يقرر القانون عدم قدرة النيابة العامة على متابعة بعض الفئات من الاشخاص لانهم يتمتعون بداهة بالحصانة ومن هؤلاء الدبلوماسيين و البرلمانيين و رؤساء الدول ...وهذه الحصانة تندرج في اطار ما يصطلح عليه بموانع تحريك-ممارسة الدعوى العمومية. ومن ثم فهؤلاء يرتكبون جريمة لا كنها لا تضمن بالإحصائيات. الى غير دالك من العوائق التي تحول و متابعة بعض الاشخاص.

 

v تــــــــقـــــــــيــيــــــــــم: 

     و في الختام لا يسعنا الا اعطاء تقييم لما يتم احصائه وما نعرفه من الجرائم ،بمعنى هل هذه الحقيقة النسبية التي نعرفها لا تعرف اي اختلالات او انحرافات على مستوى كيفية الوصول اليها و من تم استعمالها و توظيفها من قبل المسؤولين على قطاع الامن؟

- الاستعمال غير العلمي للإحصائيات الجنائية:

      ليس منا من لم يشاهد يوما تصريحا لوزير الداخلية بالبرلمان يعلن فيه بان معدل الجريمة ببلادنا عرف انخفاضا، و بالتالي يتم الاعلان بشكل ضمني ان سياسة الحكومة في محاربة الجريمة قد حققت نجاحا هذا النجاح الذي سيحسب لها و ما سيترتب عن ذلك كسب ثقة الراي العام. فمن يدرينا ان تلك الارقام التي تقدم لنا تعكس الحقيقة ،ام انه تم تقزيمها وتزويرها لتوظف سياسيا خدمة لأغراض سياسية .

- عدم دقة الاحصائيات الجنائية:

       ان الباحث يكون مدعوا لا تخاد الحذر الشديد وهو بصدد تعامله مع الاحصائيات الجنائية لاعتباريين و مصوغين اثنين:

*الاعتبار الاول: عدم دقة الاحصائيات من حيت الزمان، بمعنى ان الجرائم ترتكب في زمن معين الا ان القاء القبض على مرتكبيها يأتي متأخرا(شهر-سنة ..) وهذا يؤدي طبعا الى نقل الرقم الاحصائي من شهر الى شهر اخر او من سنة الى سنة اخرى ومن ثم تكون النتائج العملية التي يثم التوصل اليها من خلال  دراسة حركية الجريمة في الزمان على ضوء هذه الاحصائيات غير سليمة .[23]

الاعتبار الثاني : عدم دقة الاحصائيات من حيث المكان ، ذلك انه قد ترتكب جريمة في مكان معين(مدينة مكناس مثلا وتضمن على هذا الاساس في احصائيات شرطة مكناس)الا ان ضبطها يثم في مكان اخر غير الذي تم فيه تنفيذ الفعل الجرمي، وهذا الامر يؤدي حتما الى الوصول الى نتائج مظللة عن معدلات الجريمة في النطاق الجغرافي الذي ارتكبت فيه الجريمة فعلا  و المكان الذي ضبطت فيه.

 

خاتمــــــــــــــــة

      اذا كانت الاحصائيات الجنائية هي الوسيلة او الالية المثلى في تقدير حجم الجريمة وبيان معدلات ارتفاعها او انخفاضها في حيز زمني او جغرافي معين، فانه بالرغم من دالك

فالحقيقة غير القابلة للنقاش والجدال تأكد ان الاحصائيات الجنائية تعتريها عيوب  عديدة لعل اهمها تتمثل في اغفال و عدم قدرتها على قياس الحجم الحقيقي للإجرام الذي يقع فعلا ،ومن ثم تبقى المعطيات التي تمدنا بها هذه الاحصائيات ناقصة تتسم بالنسبية .

     وعجز الاحصائيات هذا (عدم قدرتها على قياس الاجرام الفعلي) مرده مجموعة من الاسباب التي تحول و حصر عدد الجرائم التي ترتكب فعلا ،وهذا ما جعل المناقشات تحتد حول الاحصائيات كأداة صالحة لقياس الظاهرة الاجرامية ،و الى اي حد يمكن اعتبار  البيانات و الارقام التي تقدم لنا في شكل ركام من الارقام معطيات قادرة على اعطائنا نظرة ولو نسبية عن مستوى هذه الظاهرة .

      فما السبيل اذن لمعرفة نسبة الرقم الاسود ؟وهل يمكن اعتبار اسلوبي الاقرار الذاتي و المسوح بالعينة للمجني عليهم تقنيات يمكن من خلالها قياس الرقم الاسود؟ ام انها هي الاخرى تعترضها عوائق تنال من فعاليتها. 

المـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــراجع

 المراجع باللغة العربية

ü    جعفر علوي، في السلوك الاجرامي-دراسة تحليلية لاهم النظريات في علم الاجرام في علاقته بالسياسة الجنائية-،ط1،د مط،فاس،2010.

ü    محمد صبحي نجم، اصول علم الاجرام و العقاب ،ط1 ،الدار العالمية للنشر و التوزيع ودار الثقافة للنشر التوزيع ،عمان بيروت،2002.

ü    محمد احداف ،علم الاجرام ،ط1،مط مكتبة سجلماسة ،مكناس 1998

ü  جلال ثروت، دراسة في علم الاجرام و العقاب ، د ط ، د مط ،الاسكندرية 1973.

المراجع باللغة الفرنسية

v  Ph. Robert et C. Faugeron : Les Forces cachées de la justice ; Centirion Paris 1980 .

v  Marc le blanc : La délinquance cachée ;les actes du 31éme cours inter de criminologie ; opcit  .

v  Ph. Robert ;les forces cachées de la justice Paris centurion 1980.

 

 

 

 

 

"التصـــــميــــــــــــم"

v          مقدمة

*  المبحث الاول: مضمون الاحصائيات الجنائية

§      المطلب الاول: الجرائم التي تقيسها الاحصائيات الجنائية      

ü الفقرة الاولى: الجرائم التي تخلف ضحايا                

ü الفقرة الثانية: الجرائم ذات القابلية للمشاهدة

§      المطلب الثاني: عدم قدرة الاحصائيات الجنائية على قياس الاجرام الحقيقي

ü     الفقرة الاولى: عجز الاحصائيات عن قياس  حجم وواقع الجريمة

ü          الفقرة الثانية: قياس الاحصائيات لنشاط اجهزة الشرطة كمقابل

 

*  المبحث الثاني: اسباب عدم قياس الاجرام الحقيقي

§      المطلب الاول :الاسباب المرتبطة بالجريمة   

ü الفقرة الاولى :عدم وجود ضحايا مباشرين

ü الفقرة الثانية: خفاء الجريمة وعدم بروزها

§      المطلب الثاني: الاسباب المرتبطة بالضحية ووسطه الاجتماعي

                      الفقرة الاولى: التقدير الذاتي للضحية

                      الفقرة الثانية: وجود مسالك للضبط الذاتي موازية للمسالك الرسمية

§      المطلب الثالث :الاسباب القانونية

ü الفقرة الاولى :الصلح

ü الفقرة الثانية: الحصانة القانونية

vخاتمــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــة     

  



1- عدنان الدوري وعبود السراج، اشار اليهما محمد صبحي نجم في مؤلفه :اصول علم الاجرام و العقاب ،ط1 ،الدار العالمية للنشر و التوزيع ودار الثقافة للنشر التوزيع ،عمان بيروت،2002،ص18.

[2] -محمد احداف ،علم الاجرام ،ط1،مط مكتبة سجلماسة ،مكناس 1998،ص84.

[3] - حيث نشر اول احصاء عام في سنة 1827 و دالك عن الجرائم التي ارتكبت في جميع الاقاليم الفرنسية عام 1825.

[4] - جلال ثروت، دراسة في علم الاجرام و العقاب ، د ط ، د مط ،الاسكندرية 1973،ص 17.

[5] - وهي تلك التي تظهر لنا النشاط العام الاجرام في اطار نطاق جغرافي معين.

[6] - هذا النوع من الاحصائيات  يمدنا بشكل دقيق بمعطيات تتعلق اما بفئة معينة من المجرمين(الاحداث –النساء..) او نوع معين من الجرائم(السرقة –القتل...).

[7] - محمد احداف، علم الاجرام،ص103

[8] - محمد احداف ، مرجع سابق،ص104.

[9] -Ph.Robert et C.Faugeron : Les Forces cachées de la justice ;Centirion Paris 1980 P.47.

[10] - جعفر علوي، في السلوك الاجرامي-دراسة تحليلية لاهم النظريات في علم الاجرام في علاقته بالسياسة الجنائية-،ط1،

د مط،فاس،2010،ص51.

[11] - محمد احد اف، م س ،ص94.

[12] - ولعل ابرز مثال هو سرقة السيارات (اجهزة الراديو) و التي اصبحت في يومنا هاذا مصدر تعب لجهاز الشرطة و التي لا تتوصل في اغلب الحالات الى معرفة هوية مرتكبها.

[13]- Marc le blanc : La délinquance cachée ;les actes du 31éme cours inter de criminologie ; opcit ;page 109.

[14]- جعفر علوي ، م س،64

[15] - محمد احداف، م س، ص106.

[16] - راجع محمد احداف ، م س ،ص 104 و علوي جعفر، م س ،ص 58.

[17] - محمد احداف ، م س ،ص 106.

[18] -جعفر علوي، م س، ص 60.

[19] -Ph. Robert ;les forces cachées de la justice Paris centurion 1980.page 35.

[20] - الصلح باعتباره من ضمن الوسائل البديلة "الموازية "لفض النزاعات  مسموح به في المادة الجنائية علما ان الدولة هي صاحبة الحق في توقيع العقاب . افلى يشكل  قبول الدولة باللجوء الى الصلح اعتراف ضمني منها على انها عجزت عن تدبير النزاع الجنائي. ؟ الى يعتبر الصلح عدالة للاغنياء فمن يملك المال و الجاه يدفع و يبعد عنه الفضيحة ؟ هل الرضائية حاضرة بجد في العملية التصالحية ام ان الطرف الاخر يكون مكره لا بطل في توقيع الصلح ؟

[21]- - المادة 41 من قانون المسطرة الجنائية التي اجازت الصلح في الجنح المعاقب عنها بسنتين حبسا و غرامة 5000 درهم.

- و هي الجرائم التي يتشكل منها ما يطلق عليه الفقه الفرنسي :le droit  pénale  technique       

[23] - راجع محمد أحذاف ،م س ،ص 112.

بقلم ذ عمـــــــــــاد بولحبال
طالب باحث بسلك الماستر تخصص القانون الجنائي و التعاون الجنائي الدولي كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية مكناس
 


أعلى الصفحة