القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ محمد امغار
عضو مجلس هيئة المحامين بالدارالبيضاء
تحت عدد: 426
ان الحديث عن الموضوع اعلاه ينطلق من

 الاهتمام الكبير الذي توليه المبادئ الحقوقية للأمم المتحدة لاستقلال القضاء والمحاماة، الشيء الذي يدفع الى القول بانه لايمكن فصل هذا الاستقلال عن مجموع المبادئ  التي تشكل اساس حقوق الانسان، وكل تضييق لهذا الاستقلال هو في الاساس مساس خطير بحقوق الانسان وحرياته الاساسية. 

ومن هذا المنظور ، فان تطوير وتحديث النصوص القانونية، المنظمة لمهن القضاء والمحاماة في المغرب والسير بها في اتجاه استبطان المبادئ الاممية ، ارتبط بانفتاح المغرب على المنظومة الحقوقية الكونية مع الانفتاح الحقوقي الذي عرفه المغرب في اواخر الثمانينات وبداية التسعينيات من القرن الماضي. 

وقد ساهم حكماء وفقهاء المهنة في المغرب في هدا الانفتاح  من خلال التذكير بمبادئ وأعراف المحاماة ,ومن خلال القراءة النقدية للتر سنة القانونية التي كانت مطبقة انذاك والتي تمس في العمق مبدأ الاستقلالية والسر المهني وحصانة الدفاع التي لم تكن مدمجة  بعد في قوانين مهنة المحاماة بالمغرب. 

وعلى سبيل المثال لا الحصر اذكر في هدا الاطار بمداخلة المرحوم الاستاذ النقيب محمد الودغيري في الحلقة الدراسة التي نظمها الاتحاد الدولي للمحامين بدكار يوم25 ابريل1990 والتي كان موضوعها المحامي والقاضي، الحقوق والواجبات، حيث قام رحمه الله بتشريح النصوص القانونية التي كانت سائدة انذاك والتي كانت تمس باستقلال المحاماة وخاصة المادة 341 من قانون المسطرة المدنية التي كانت تسمح لمحكمة الاستئناف ان تصدر في حق المحامي انذارا او توبيخا او حتى توقيفا يمكن ان يمتد في حالة العود الى غاية 6 اشهر. 

كما لايسعنا إلا الوقوف اجلالا للسيد النقيب الدكتور عبدالله درميش الذي قام بتشريح  الخلل الذي كان سائدا في النصوص القانونية وذلك في ندوة علمية حول المهن القانونية الحرة  نظمت انذاك في رحاب كلية العلوم القانونية، والاقتصادية والاجتماعية جامعة الحسن الثاني بالدارالبيضاء بتاريخ 23 و 24 نوفمبر1990 ، ففي مداخلة بعنوان مقومات مهنة المحاماة في تقاليدها واعرافها وادابها" سلط النقيب الجليل الضوء على خصائص ومبادئ المحاماة وأعرافها من خلال تصوره لمؤسسة المحاماة على لسان حكمائها باعتبارها رسالة انسانية جليلة هدفها نجدة الضعيف والمظلوم ورسالة الدفاع عن صاحب الحق المهضوم، ورسالة من اقدس الرسالات وهي ركن ركين من اركان العدالة، وللوصول  الى ترسيخ مؤسسة الدفاع حث النقيب بدوره  على ضرورة الغاء النصوص الماسة بمبادئ المهنة وعلى رأسها انذاك المادة 341 من قانون المسطرة المدنية وإزالة الاسباب المادية المزمنة التي تجعل المحاماة في ازمة تبحث عن البديل. 

والاكيد انه وبين زمن الرأيين اعتمدت الجمعية العمومية للأمم المتحدة بتاريخ 9 شتنبر1990 مبادئ الامم المتحدة الاساسية بشان دور المحامين بعد ان اعتمدت قبله بتاريخ 13 دجنبر 1985 مبادئ الامم المتحدة الاساسية بشان استقلال السلطة القضائية. 

هذه المبادئ التي تشكل جمع للمبادئ الحقوقية المنصوص عليها في شرعنة حقوق الانسان والتي تحدد الشكل والمبادئ التي ينبغي ان تقوم عليه مؤسسات العدالة في الدول الحديثة، لذلك فان التذكير بهذه المبادئ يكون احيانا مجديا جدا لوضع قضية استقلال القاضي والمحامي والعلاقة بينهما في سياقها الحقيقي. 

ان الاعلان العالمي لحقوق الانسان وفي اطار مقاربته للمحاماة والقضاء يذهب الى انها تجسد مبادئ المساواة امام القانون وافتراض البراءة والحق في محاكمة عادلة وعلنية امام محكمة مستقلة ومحايدة، وفي جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن كل شخص توجه اليه تهمة جنائية. 

ومن هذا المنظور فانه لا يجوز لأي محكمة او سلطة ادارية تعترف بالحق في الحصول على المساعدة القانونية ان ترفض الاعتراف بحق أي محام في المثول امامها نيابة عن موكله ما لم يكن هذا المحامي قد فقد اهليته طبقا للقوانين والممارسات الوظيفية و طبقا لمبادئ الامم المتحدة بشان دور المحامين. 

ان هذا المدخل الحقوقي هو الضامن لترسيخ العلاقة المؤسساتية بين جناحي العدالة  أي القضاء والمحاماة وهو المحدد لشكل العلاقة البنيوية بينهما هذه العلاقة التي ترسخت في سلوك المكونين لقرون عدة  وتم ادماجها في القوانين المنظمة للسلطة القضائية وهيئة الدفاع في الدول الحديثة. 

لهدا  فان الاحترام وحدود اللياقة، هو التزام متبادل طالما ان لكل مؤسسة من المؤسستين مكانها المتميز في ادارة العدل، وليست أي منهما خاضعة  للأخرى. 

لذلك فانه اذا كان اعضاء مؤسسة الدفاع مدينون باحترام المحاكم  ومراعاة حدود اللياقة ازاء مكوناتها، فان القضاة كذلك ملزمون باحترام مؤسسة الدفاع وكل مكونات العدالة والتصرف معهم في حدود اللياقة. 

وهذه القاعدة تابثة وقارة بالرغم من تطور الاجهزة القضائية والتغييرات الحاصلة في العلاقات بين مكوناتها، ومن هذا المنظور فان اعراف مهنة المحاماة قد كرست مجموعة من المبادئ تحكم سلوك المحامي في علاقته، بالقاضي افرزتها الممارسة المهنية وترسخت في المتخيل الجمعي المهني قبل ان تدون في النصوص القانونية والأنظمة الداخلية للهيئات ومن  بين هده المبادئ . 

 يجب على المحامي والتزاما بما يمليه عليه ضميره وقسم المهنة ان يتحلى بالاحترام الواجب للمحاكم كمؤسسات. 

يجب على المحامي ان يرتدي بدلته في مكان منعزل قدر الامكان قبل دخوله قاعات الجلسات بما فيها جلسات الصلح او البحث او التحقيق، وسواء تعلق الامر بالهيئات القضائية او التاديبية. 

يمنع على المحامي ان يرتدي بدلته  عندما يمثل امام القضاء في قضيته الشخصية او عندما يؤدي شهادة عن وقائع خارجة عن نطاق المهنة، ويجب ان يحضر مرتديا بدلته في القضايا التاديبية وقضايا تحديد الاتعاب والطعون المتعلقة بها. 

في حالة انتقال محام الى محكمة خارج دائرة هيئته، يتعين عليه ان يتقدم الى النقيب او من يمثله، والى محام الطرف الخصم وكذا الى رئيس الهيئة واعضائها و ممثل النيابة العامة. 

في حالة حدوث صعوبة او سوء تفاهم  بين قاض ومحام، يجب على المحامي، ودون تصعيد النزاع، ان يرفع الامر  في الحين الى النقيب والى اقدم عضو في المجلس او اقدم محام يوجد بعين المكان. 

لايجوز لاي محام ان يرفع شكاية او يقيم دعوى ضد قاض، الا بعد استشارة النقيب. 

من واجب المحامي ان لا يطيل في مرافعته في غير طائل وان لا يترافع للجمهور لان مثل هذه المرافعة تثقل كاهل المحكمة والزملاء الذين ينتظرون دورهم في ملفات اخرى. 

يجب على المحامي ان يكون لبقا في اختيار الالفاظ والعبارات والكلمات  في مرافعاته ومذكراته، وان يكون مطلعا وعارفا بالملف ويقدم الاسانيد القانونية والاراء الفقهية بكل امانة وثقة. 

يجب على المحامي ان لا يدلي  للمحكمة ببيانات كاذبة او اجتهادات او نظريات لا اساس لها من الصحة. 

 وفي مقابل هذه الالتزامات فان القاضي والمؤسسة القضائية تحكمها اعراف كذلك في علاقتها بمؤسسة الدفاع ومنها: 

ان المحامي وهو يقوم بمهامه هو حر في تادية رسالته حسب ما يمليه عليه ضميره  وشرفه، ولا يخضع في ذلك إلا لسلطة الضمير، اذ ليس للقاضي ان يجادله في الطريقة التي يعالج بها قضيته او يؤطر له مرافعته او مذكرته. 

يتعين على المؤسسة القضائية ايلاء بالغ الاهتمام والحرص والعناية لعقد الجلسات القضائية من خلال احترام مواعيد الجلسات بدقة متناهية لما لذك من اثر على حسن سير العدالة. 

يتعين على القضاة ان يرتدوا بدلة الجلسة وهي في غاية النظافة و الاناقة ويتم ذلك في مكتب مجاور لقاعة الجلسة. 

يجب على القاضي ان ينادي على المحامي بالأستاذ، وعلى النقيب او النقيب السابق بالسيد النقيب. 

يعطي القاضي الاسبقية للقضايا التي ينوب فيها المحامون ويتبع  في ترتيب القضايا التي ينوبون فيها الاتفاق المبرم مع هيئة المحامين. 

تراعى نفس المقتضيات المذكورة اعلاه عندما تعقد الجلسات بمكاتب القضاة وغرف المشورة. 

ادا كانت المرافعة في صلب الموضوع فلا يجب على القاضي مقاطعة المحامي او الشعور بالضيق او القلق او القيام بأشياء يستشف منها عدم الانتباه والتركيز في مضمون المرافعة . 

على القاضي ان يستحضر ان المحامي لا يسال عما يرد في مرافعاته الشفوية او في مذكراته مما يستلزمه حق الدفاع. 

على القاضي ان يستحضر انه لايمكن اصدار امر باعتقال المحامي او متابعته بسبب قد ينسب له من قذف او سب او اهانة، من خلال اقوال او كتابات صدرت عنه اثناء ممارسته المهنة او بسببها، اذ ان المحكمة في شخص كتابة الضبط المستقلة تحرر محضر بما قد يحدث من اخلال وتحيله على النقيب وعلى الوكيل العام للملك لاتخاذ ما قد يكون لازما. 

على قضاة النيابة العامة وقضاة التحقيق استحضار انه و تحت طائلة بطلان الاجراءات انه لا يمكن اعتقال المحامي او وضعه تحت الحراسة النظرية إلا بعد اشعار النقيب، ويستمع اليه بحضور النقيب او من ينتدبه لذلك. 

وانه لا يجرى أي بحث مع المحامي، او تفتيش لمكتبه من اجل جناية او جنحة ذات صلة بالمهنة، الا من طرف النيابة العامة او قاضي التحقيق وفق المقتضيات اعلاه. 

ان الهدف من ترسيخ العلاقة بين مؤسسات العدالة هو ضمان حقوق الدفاع قصد الوصول الى محاكمة عادلة وفق مبادئ كونية ترسخت مع الدستور الجديد الذي جعل من الحق في المحاكمة العادلة وضمان حقوق الدفاع امام جميع المحاكم مبادئ دستورية لا ينبغي المحيد عنها, وينبغي تنقية النصوص القانونية  المغربية الاقل درجة من الدستور من بعض المقتضيات التي يشوبها الغموض في هدا الاطار ومنها مقتضيات المادة 43 من ق م م ، ذلك ان المحامي كوكيل هو مؤسسة تضمن حقوق الدفاع وفق ما جاء في الدستور الذي نص  في المادة 23 منه على ان  لكل متقاض الحق في مساعدة قانونية , وان حقه في الدفاع  والولوج المتبصر للعدالة بواسطة محام باعتباره الضامن لهذا الولوج  مضمون, وفق مبادئ الامم المتحدة بشان دور المحامين ,ومضمون كذلك  ,وفق ما جاءت به قواعد تصدير الدستور والمادة 120 منه, و ان أي مساس بهذه المبادئ هو مساس بحقوق الانسان وحرياته الاساسية المضمونة  بنصوص الدستور و الاوفاق الدولية المصادق عليها من طرف المملكة المغربية. 

 

 

بقلم ذ محمد امغار
عضو مجلس هيئة المحامين بالدارالبيضاء
 


أعلى الصفحة