القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ حمزة بنفضول
طالب باحث بماستر المدني والاعمال وموظف بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة
تحت عدد: 294
الحفاظ على حقوق الإفراد وحرياتهم ،أمر لا مرد منه

وعلى هذا الأساس ألزم المشرع القاضي بأن ليسند جريمة لشخص أو يحاسبه بمقتضاها إلا إذا ثبت الجرم بأركانه الثلاث(قانوني ،مادي،ثم معنوي)،وثبت بالدليل أن ذاك الشخص أو غيره هو الفاعل، ولهذا يتعين على القاضي أن يبين الأسباب والدلائل التي اتخذها أساسا للعقوبة أو للبراءة في إطار مايسمى بتسبيب الإحكام لتكون هذه الأخيرة ،محل نظر من قبل جهة قضائية أعلى هي محكمة النقض.

فوسائل الإثبات إن كانت في القانون المدني محددة ولا مجال للقاضي المدني بأن يقتنع بغيرها، فعلى خلاف ذلك فالقاضي الجنائي منحه المشرع  سعة في الاختيار لأن الأمر يتعلق بحريات الإفراد وحق المجتمع في ردع المخالفين وبالتالي فتبيان الجريمة ومرتكبها يتعين معه مشاركة القاضي الجنائي في البحث والتنقيب عن أي من وسائل الإثبات الأكثر إقناعا.

يقول دوركايم "المجتمع الذي ليس فيه جريمة، مجتمع غير سوي."فالبشرية منذ خلق آدم توالت على ارتكاب الجرائم من قتل واغتصاب وسرقة....غير أن تطور المجتمعات أوجدت أنواعا جديدة من الجرائم ظهرت بكثرة لما ثم تبني النظام الليبرالي كأساس للعمل التجاري القائم على انفتاح الاسواق وتحرير المبادلات التجارية ، جرائم سميت بالجرائم الاقتصادية وكانت جرائم الشركات أكثرها بروزا ،لهذا سارعت التشريعات إلى التنصيص على هذه الجرائم والعقاب عليها،ولم يكن المشرع  بشاد عن القاعدة فنص على  قانون 17.95 المتعلق بقانون شركة المساهمة  المتمم والمغير بمقتضى قانون 21.05وقانون 5.96 المتعلق بباقي الشركات المتمم والمغير بمقتضى قانون 20.05...وبالتالي فالاشكال المطروح هل الاعتماد على الوسائل الثبوتية التقليدية يسعف في إثبات جرائم الشركات أم أنّ البحث عن الوساثل الثبوتية الحديثة يظل الحل السليم في الحفاظ على مبدأ الاقتناع الوجداني للقاضي.؟ وللإجابة عن هذا الإشكال سوف ننهج التقسيم التالي

المبحث الاول:صعوبة الاثبات والوسائل الحديثة في كشف جرائم الشركات

المطلب الاول: صعوبة الاثبات في جرائم الشركات

المطلب الثاني : الوسائل الحديثة في البحث عن جرائم الشركات

المبحث الثاني:الاقتناع الوجداني للقاضي بين المبدأ وإمكانية التخلي

المطلب الاول: مفهوم الاقتناع الوجداني للقاضي وأساسه

المطلب الثاني: حالات التخلي عن مبدأ الاقتناع الوجداني في جرائم الشركات


المبحث الاول: صعوبة الاثبات في جرائم الشركات والوسائل الحديثة للكشف عنها.

معلوم أنّ العمل الاقتصادي  في إطار المفهوم الليبرالي يعتمد على مبدأ السرعة في المعاملات التجارية مما يرفع من هامش الضرر الذي قد يطال المنظومة الاقتصادية ولهذا عملت التشريعات على حفظ استقرار المعاملات التجارية  غير أنّ كثرة المتدخلين في الميدان الاقتصادي(منتجون، بائعون، مستهلكون موردون...) يشكل أحد الاسباب التي تفتح باب المخالفات خاصة في مجال الشركات، حيث مرتكبوا هذه الجرائم هم مجرمون من نوع خاص،إذ يسميهم بعض الفقه ب"مجرمي ذوي الياقات البيضاء" وهم بالاساس المسيرين القانونيين والفعليين والمؤقتيين وهؤلاء يصعب إثبات الجريمة التي يرتكبونها بفعل أسباب سنراها في المطلب الاول ،غير انّ الهروب من يد العدالة صعب لذلك ثم اللجوء إلى وسائل حديثة للكشف عن الجُرم وهذا ما سنتطرق له في المطلب الثاني.

المطلب الاول: صعوبة إثبات جرائم الشركات

تظهر الصعوبة كما قلنا آنفا، بفعل طبيعة الاشخاص المخاطبين بفصول القانون الجنائي للشركات والذين هم محددون حصرا في الغالب الأعم ،لهذا سنتطرق في الفقرة الاولى للمسير القانوني والفعلي والفقرة الثانية إلى أسباب الصعوبة في إثبات جرائم الشركات

الفقرة الأولى: المسير القانوني والفعلي

فتحديد طبيعة المجرم في جرائم الشركات هو يسمح لنا بإظهار قيمة هذا النوع من المخالفين في المجتمع وبالتالي استنتاج الصعوبة في الاثبات 

1 – المسير القانوني

ذلك الذي "يتولى بصفة نظامية مهام الإدارة أو التدبير أو التسيير في الشركة، أي كل الأعضاء القانونيين للشخص المعنوي المعين بصفة نظامية، والذين تناط بهم مهام تدبير شؤون الشركة".[1]

وعلى هذا الأساس نصت المادة 373من ق.ش.م:

" يعتبر مسيرا قانونيا أعضاء أجهزة الإدارة أو التدبير أو التسيير"، في مفهوم هذا القسم في شركات المساهمة ذات مجلس الإدارة أعضاء المجلس الإداري بما في ذلك الرئيس والمديرون العامون غير الأعضاء في المجلس، وفي شركات المساهمة ذات مجلس الإدارة الجماعية ومجلس الرقابة، أعضاء هذين الجهازين."

المدير العام يتولى الإدارة العامة للشركة ويمثلها ويساعده المديرون العامون المنتدبون، بالمقابل الرئيس يمثل مجلس الإدارة ويسهر على حسن سير أجهزة الشركة، في حين يحدد مجلس الإدارة التوجهات المتعلقة بنشاط الشركة، ويسهر على تنفيذها، ويقوم بعمليات المراقبة والتحقق.

وتجدر الإشارة إلى أن مجلس الرقابة بالنسبة للقضاء الفرنسين يذهب إلى تحميل مسؤولية أعضاء مجلس الرقابة استثناء، فمثلا في حالة تصرفهم كمسيرين فعليين أو مشاركتهم لأعضاء مجلس الإدارة الجماعية في ارتكابه الجرائم أو سهروا على إخفائها، فإن مسؤوليتهم الجنائية تصبح قائمة.[2]

ومن ناحية أخرى فالقانون رقم 17.95 في مادته 42 وقانون الشركات الفرنسي في إطار المادة 91 الفقرة الأولى، كلاهما نص على أنه يمكن تعيين شخص معنوي كشركة مثلا، مسيرا لشركة المساهمة، وفي هذه الحالة يتوجب عليه تسمية ممثل دائم له يخضع لنفس الشروط والالتزامات والمسؤوليات التي يخضع لها الشخص الطبيعي، ومن تم فإن صفة الممثل يساءل جنائيا عن جرائم الشركات كما لو كان شخصا طبيعيا مسيرا للشركة.[3]

2- المسير الفعلي

يقصد بالمسير الفعلي ذلك المسير الذي عين بصفة غير قانونية، أو الشخص الذي له تأثير دائم على اتخاذ القرارات أو على المسير العادي لإدارة الشركة، وكل شخص يمارس بصورة مباشرة أو عن طريق شخص سخر نشاطا ايجابيا ومستقلا داخل الشركة، تحت غطاء أو نيابة عن الممثلين الشرعيين، أو كان يحركه أو يتلاعب بهؤلاء، الأمر يفترض نشاطا ايجابيا ومعتادا في التسيير بكل استقلالية وحرية.[4]وعليه فإن الذي نستشفه من هذا التعريف، أن كل من لا ينطبق عليه وصف المسير القانوني يعتبر مسيرا فعليا.

ففي فرنسا قبل صدور قانون الشركات الفرنسي لسنة 1966، كانت محكمة النقض الفرنسية قد اعتبرت ولمدة طويلة أن المسير طبقا لمقتضيات القانون الصادر بتاريخ 24/07/1967، والقانون الصادر بتاريخ 07/03/1925 هو المسير القانوني دون المسير الفعلي، إذ كان هذا الأخير يتابع باعتباره مشاركا للمسير القانوني، ونظرا لكثافة النصوص التي أضحت تعاقب على جرائم الشركات ثم الوقوف على الفرق بين المسيرين ( القانوني والفعلي )، ليتم اعتماد التفرقة بينها بصدور قانون الشركات الفرنسي.

الفقرة الثانية: أسباب الصعوبة في جرائم الشركات

من خلال الفقرة الاولى تبين أن المسيرين باعتبارهم هم المعنيين بفصول القانون الجنائي للشركات، معناه أنّ شركة معينة كشركة مساهمة مثلا لها رأسمال مهم جدا ولها مساهمون كثر ،لايمكن أن تسند أمر تدبيرها إلاّ إلى من هم أهل لذاك وبالتالي لا تختار مسيرا إلاّ بناءا على مُتحصله  العلمي والعملي ،الذي يجعله قادرا على السير بالمقاولة إلى الربح المتزايد دون خسارة.وعليه فهذا المسير بهذه القيمة العلمية يكون مدركا لعوالم الاشتغال في الميدان التجاري ومتمرسا على معرفة الاخطاء الحسابية الصغيرة التي من الممكن أن تمر دون أن يلحضها من خهم دونه وبالتالي فالقاعدة تقول "المدرك للشيء عالم بنواقصه" وبذلك فإذا ما أراد المسير التلاعب بأموال الشركة فسهل عليه ارتكابه إياها وصعب على أحد إدراكها إلا إذا كان متمرسا مثله ولا أدل على ذلك من الاستعانة الدائمة بمراقب الحسابات.

فالعمل التجاري يعتبر مرتعا خصبا لارتكاب المخالفات نظرا لكثرة المتدخلين في العمل التجاري وبفعل تشعب العلاقات التجارية وبالتالي تصبح الصعوبة الاكبر هي البحث في أي مرحلة ارتكبت المخالفة ولأجل ماذا؟ ولهذا نجد المشرع المغربي خدمة لسرعة المعاملات وتضييقا لمحاولة الإفلات من العقاب قد ألغى في  كثير من فصول القانون الجنائي للشركات أحد أهم أركان الجريمة وهو الركن المعنوي بشقيه العلم والإرادة...

لا تشكل المنظومة الاقتصادية بتشعباتها الكثيرة هي السبب الوحيد في صعوبة إثبات جرائم الشركات أو بصفة عامة جرائم الاعمال وإنمّا استعمال آليات حديثة في ارتكاب الجرائم هي بدورها لها جانب من الاهمية في صعوبة الكشف عن تلك المخالفات ، فدخول الحاسوب العمل الاقتصادي بل و لمّا أصبح أحد أهم آليات وأوجه التعاقد في المجال الاقتصادي وما فتح معه من غياهب لايدرك الغوص فيها إلا قليل من الناس ،شكل وجها آخر من أوجه الصعوبة خاصة إذا ماكن الحاسوب هو محل الجريمة، ولهذا كان لزاما على القاضي أن يستعين بكل مدرك لأوجه الجرائم الممكن ارتكابها في إطار العمل التجاري خاصة في مجال الشركات حيث أضحت هذه الاخيرة تفتح لزبنائها إمكانية التعاقد عن بعد وما يستتبع ذلك من أضرار وبذلك سوف نسلط الضوء على الوسائل الحديثة في الكشف عن جرائم الشركات.

المطلب الثاني: الوسائل الحديثة في الكشف عن جرائم الشركات

في ظل هذا المطلب سوف نسلط الضوء على بعض من تلك الوسائل التي قد يستعين بها القاضي وهو يبحث ويسعى إلى الكشف عن مرتكبي جرائم الشركات. غير أنّ الوسائل الثبوتية الحديثة التي سوف نراها ،فهي ترتبط مع طبيعة الجرائم المرتكبة في ظل الشركات التجارية والتي بمقتضاها قد تساعد للووصول إلى المجرم.لذلك سنرى في الفقرة الأولى( بصمة الأصابع) والفقرة الثانية ( بصمة الصوت)

الفقرة الأولى:بصمة الأصابع

تعتبر هذه الآلية من أهم الوسائل الحديثة في الكشف عن الجريمة إذ بواسطة الإعتماد على الحاسب الآلي الذي يعطي نتائج دقيقة ،يمكن الشرطة وبعده القاضي في الوصول إلى مرتكب المخالفة إذ بواسطة خطوط الأصابع كدليل علمي فهو يعين الكشف عن الجريمة إذ قد توجد هذه البصمة إمّا في مسرح الجريمة، أو على المستندات المالية أو الكشوفات الحسابية مما تشكل آلية مهمة في الكشف عن الجرائم المرتكبة في إطار جرائم الشركات.إذ تتميز بصمات كل شخص بمميزات خاصة بنفر دبها [5]

الفقرة الثانية: بصمة الصوت

تعتبر الاتصالات الهاتفية من أهم وسائل الإثبات الحديثة في الكشف عن الجرائم حيث أنّ جانب من الفقه آعتبر أنّ "أهمية الصوت تبرز في تحديد الموقف الجنائي للمتهم في الجرائم المرتبطة بالمال والأعمال ، كالاعتراف غير القضائي واستخدام الاجهزة في التوصل لبصمة الصوت"[6].

وبالتالي فالصوت يعتبر دليلا على ارتكاب الجرم بناءا على معرفة موجات الصوت الخاصة بالكلام وعادة ما يتم التسجيل بواسطة آلة تترجم موجات الصوت وتحولها إلى اهتزازات خاصة، وتتفق مع الاصوات التي تحدثها بالضبط.[7] وبهذا فالقاضي الجنائي وهو يبحث في الجرائم الاقتصادية عموما وعن جرائم الشركات بشكل خاص فالاستعانة ببصمة الصوت يشكل دليلا على ارتكاب المجرم للجريمة باعتبار هذه الاخيرة دليلا قاطعا على الفعل.

المبحث الثاني: الاقتناع الوجداني للقاضي بين المبدأ وإمكانية التخلي

يعتبر مبدأ الاقتناع الوجداني للقاضي الجنائي أحد أهم المبادئ الراسخة في القانون، والتي لا يمكن الاتفاق على مخالفتها إلاّ في حالة محددة على سبيل الحصر كالتلبس بالخيانة الزوجية أو الفساد حيث ألزم المشرع الجنائي المغربي بضرورة تحرير محضر التلبس بالجريمة أو الاعتراف بالجريمة...، ما دون ذلك فالقاضي غير ملزم بأي وسيلة إثبات يدلى بها لا من قبل جهة الادعاء أو المدعى عليه، إلاّ إذا رأى القاضي أنّ الوسيلة هته أقوى من تلك من حيث الدلالة على ارتكاب أو عدم ارتكاب الجُرم.بناءا على ما تناولناه في المبحث الاول من مظاهر صعوبة الاثبات في القانون الجنائي للشركات وكذلك البحث عن الوسائل الحديثة في اكتشاف الجرائم الشركات تجعل مبدأ الاقتناع الوجداني وأساسه (المطلب الأول ) محل تساؤل خاصة عند وجود إمكانية ولو غير مقصودة لدى المشرع في التخلي عن هذا المبدأ(المطلب الثاني)

المطلب الأول:أسس مبدأ الاقتناع الوجداني للقاضي

بعد ما كانت التشريعات تتبنى نظام الاثبات القانوني كأساس للحكم على الافراد إذ يقوم هذا الاخير على كون المشرع هو الذي يحدد وسيلة الاثبات التي يتعين على القاضي اتباعها في الحكم ظهر ضعف هذا النظام ليتم التوجه نحو الاقرار بمبدأ الاقتناع الوجداني للقاضي كمفهوم يروم صون حريات الافراد( الفقرة الاولى)  والذي يقوم على أسس وضوابط (الفقرة الثانية.)

الفقرة الأولى: مفهوم الاقتناع الوجداني

يقوم هذا المفهوم على، تمكين القاضي من إعلان الحقيقة كما اقتنع بها هو وجدانيامن خلال تقدير الحجج المتوافرة في القضية بحيث لايشتغل كالآلة الجامدة في إعمال قيم أدلة الإثبات حتى ولو كانت الحقيقة بحسب قناعته هي غير الحقيقية التي يفرضها نظام الاثبات القانوني..فالقاضي الجنائي له خصوصية التدخل الايجابي في الدعوى بأن يقرر إجراء بحث تكميلي أو إستدعاء أي شخص يرى ظرورة في الاستماع إليه.وهذا مايسمح له بالكشف عن ملامح الجريمة والاخد بأي من تلكم الوسائل الثبوتية المقنعة له.

الفقرة الثانية :أسس وضوابط الاقتناع الوجداني للقاضي

بما أن القاضي غير معصوم من زلة الخطأ قد يصيب كما قد يخطئ لذلك عمل المشرع على وضع بعض الضوابط من قبيل

-لابد من طرح الدليل في الجلسة لمناقشته شفاهيا بحضور الاطراف حتى يدلي كل واحد برأيه.

- لابد من بناء الحكم الجنائي –في حالة الادانة- على الجزم واليقين لا على مجرد الترجيح والتخمين

-لابد من أن تكون الادلة المعتمد عليها في تأسيس الحكم قانونية وواقعية.[8]                                                                                                                  

هذه الضوابط وغيرها تقيم، مفهوم مزدوجا قوامه الاول الحرية في أخد وسائل الاثبات الاكثر إقناعا للقاضي،والقوام الثاني أساسه أنّه وإن أقر المشرع بحرية الاقتناع فلا يجب أن يأخد بإطلاقيته إذ بناءا على الضوابط المشار إليها سابقا،فالمشرع حفظ للأطراف الحق في مناقشة الادلة والدفاع عن أنفسهم لتقويضها أو لتأكيدها إعمالا لمبادئ المحاكمة العادلة.

المطلب الثاني: إمكانية التخلي عن المبدأ

يعتبر مبدأ الاقتناع الوجداني للقاضي الجنائي أحد أهم المبادئ الراسخة المتعين الثابت عليها وعدم الزيغ عنها،غير أن القانون الجنائي للشركات يبدوا أنّ المشرع وإن كان لايجوز الجزم في كونه كان على علم |أو دونه في أنّ هناك حالات سوف تجعل من مبدأ الاقتناع الوجداني للقاضي محل مناقشة وهذا ما سوف نسلط الضوء عليه في الفقرة الاولى والثانية

لفقرة الاولى: الاختصاص في قضايا جرائم الشركات وسؤال الفعالية

معلوم أن جرائم الشركات هي جنح ضبطية وبالتالي فالعقوبة الحبسية فيها لاتتجاوز السنتين حبسا وأنّ العقوبة الغالبة هي عقوبة مالية بالدرجة الاولى..ورغم أنّ طبيعة جرائم الشركات هي تنشأ في ظل العمل التجاري وبمقتضاها والضرر يطال المنظومة الاقتصادية دون غيرها، نجد المشرع رغم كل ذلك أحال الاختصاص إلى المحاكم الابتدائية دون التجارية، إذ أنّ التنظيم القضائي يتغنى بوجود قضاء متخصص ويعتبره خطوة حسبت للمؤسسة القضائية المغربية في تفعيل ممارسة قضائية تتميز بتنوع الاجتهادات القضائية خاصة في الميدان التجاري الذي تعتبر جرائم  الشركات فيه جزءا لايتجزأ من المنظومة الاقتصادية،التي تحتاج إلى قضاة لهم مراسة قانونية ومحاسباتية مهمة حتى يتم فك وحل الاشكالات المعروضة عليهم كجهاز حكم .هنا سوف يظهر الاشكال في أن جرائم الشركات هي جرائم حسابية مالية ورقمية دقيقة وقد سبق أن قلنا أن طبيعة المجرم في جرائم الشركاات خاصة في غالبها الأعم قادر ( المجرم) على ارتكاب الجريمة دون أن يخلف ورائه دلائل على الارتكاب إلاّ إذا كانت حسابية، ومادام أنّ القاضي في المحاكم الابتدائية بعيد عن المجال الحسابي والتجاري عموما.كيف له أن يبحث عن أكثر وسائل الاثبات قناعة إذا كانت هذه الاخيرة في حد ذاتها منعدمة ولا يبقى أمامه إلاّ أن يستعين بمراقب الحسابات كرجل شرطة تجاري حسب ما يسميه بعض الفقه وبالتالي يصبح القاضي بالمحكمة الابتدائية غير قادر على حل إشكالية جرائم الشركات إلا بالرجوع إلى مراقب الحسابات ليقيم الحكم بناءا على تقريره فس ظل غياب لوسائل ثبوتية كافية. مما يجعل سؤال الاقتناع الوجداني غير موجود مادام أنّ القاضي مسير في الاختيار غير مخير حسب ماقلناه آنفا.

الفقرة الثانية:قلة وسائل الاثبات

لما ننظر إلى القاضي الجنائي في غير جرائم  الشركات ،نجد أنّه قد يكون محاطا بعدة وسائل إثبات تبدأ بمحاضر الضابطة القضائية إلى دفوعات المتهم وما يدليه الشهود من شهادة وبالتالي فسعة الاختيار موجودة على خلاف القضايا التجارية خاصة عند الحديث عن جرائم الشركات لذلك خصصنا الحديث عن الوسائل الثبوتية الحديثة على اعتبار أ،ّ القاضي لما لا يملك وسائل إثبات متعددة يصبح سؤال الاقتناع محل بحث.

ختاما يعتبر الاقتناع الوجداني أحد المبادئ الراسخة لدى القاضي الجنائي وبالتالي فجعله محل تشكيك أمر لابد منه مادام أن القانون الجنائي للشركات قانون تكميلي فهو يجعل من القانون قابلا لان يطرح حوله إشكال مفاده هل الراسخ في القانون كمبادئ قابله أن تغير أم أنّ الثابت لا مجال للمتغير فيه في ظل مصلحة أخرى هي حماية النظام العام الاقتصادي..

 

المراجع المعتمدة

   المراجع بالعربية:

   - ادريس النوازلي "الإثبات الجنائي لجرائم الأعمال بالوسائل الحديثة"، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، المطبعة والوراقة الوطنية      -عبد اللطيف العباسي: مسؤولية مسير شركة موضوع مسطرة جماعية، مجلة المحاكم المغربية، العدد 100، يناير فبراير 2006

- عبد الواحد العلمي ،"شروح في قانون المسطرة الجنائية" الجزء الثاني ،الطبعة الثالثة،2012

- موسى مسعود أرحومة،"إشكالية قبول الدليل العلمي أمام القضاء الجنائي "،أطروحة لنيل دكتوراة الدولة في القانون الخاص    بكلية الحقوق الدارالبيضاء،السنة الجامعية 1995-1996

المراجع بالفرنسية:

MerdalBarthémy et Janin Philibbe : Sociétés commerciales 1994, Levallais, edfrancais Le févre 1993, p : 507.

  Bahaini Maria : La société anonyme en Droit Marocain, analyse et explication, ed headline 1998, p 58.



[1] رضا بخدة: "المحاولة في القانون الجنائي للشركات"، ص 137.

[2]MerdalBarthémy et Janin Philibbe : Sociétés commerciales 1994, Levallais, edfrancais Le févre 1993, p : 507.

[3]Bahaini Maria : La société anonyme en Droit Marocain, analyse et explication, ed headline 1998, p 58.

[4] عبد اللطيف العباسي: مسؤولية مسير شركة موضوع مسطرة جماعية، مجلة المحاكم المغربية، العدد 100، يناير فبراير 2006، ص 73.

[5] 5 موسى مسعود أرحومة،"إشكالية قبول الدليل العلمي أمام القضاء الجنائي "،أطروحة لنيل دكتوراة الدولة في القانون الخاص بكلية الحقوق الدارالبيضاء،السنة الجامعية 1995-1996 ص 200

 ادريس النوازلي "الإثبات الجنائي لجرائم الأعمال بالوسائل الحديثة"، الجزء الثاني، الطبعة الأولى، المطبعة والوراقة الوطنية ،2014، ص 101[6]

 ادريس النوازلي م س ص 105 [7]

 عبد الواحد العلمي ،"شروح في قانون المسطرة الجنائية" الجزء الثاني ،الطبعة الثالثة،2012 ص358 و359[8]

بقلم ذ حمزة بنفضول
طالب باحث بماستر المدني والاعمال وموظف بالمحكمة الابتدائية بالحسيمة
 


أعلى الصفحة