القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ حميد ملاح
مهتم بالشؤون الأمنية
تحت عدد: 624
يعد موضوع العلاقة بين الامن والديمقراطية من المواضيع المعقدة والحساسة، الذي لازال بحاجة الى تحليل معمق لفهم العلاقة الجدلية القائمة بين الامن والديمقراطية

من خلال دور الامن في تحقيق قيم الديمقراطية، ودور هذه الاخيرة في كونها مجموع اليات فعالة في تجسيد الامن
يرى الفقهاء و المحللين ان هناك علاقة ارتباط واضحة بين الامن والديمقراطية، الى الحد الذي يرى بعضهم انه لا ديمقراطية بغير امن، ولا امن في ظل غياب الديمقراطية. فالامن هو احد المقومات الرئيسية لقيام الديمقراطية والشعور بها ورؤيتها على ارض الواقع، فكلما زادت الديمقراطية تزايد الامن ، وكلما قلت درجة الديمقراطية تراجع الاداء الامني وادى ذلك لا محالة الى الفوضى وعدم الاستقرار. والامن دائما حامي للديمقراطية بوجود اجهزة امنية ذات الكفاءة المهنية والتقنية العالية

وبالتالي فالامن يشكل العمود الفقري للحياة وبقاء الانسان واستمراره، والديمقراطية هي الوسيلة لتحقيق هذا الامن بمفهومه الشامل.واذا كانت الديمقراطية شرطا ضروريا للامن ، فالامن كذلك يعد ركنا اساسيا من اركان تحقيق الديمقراطية لانه بفضله يتم استقرار الدولة و استمرارها
اذن : ما طبيعة العلاقة بين الامن والديمقراطية ؟
كيف يمكن للامن تحقيق الديمقراطية؟
ماهي المتطلبات الديمقراطية للامن؟

اولا : اشكالية العلاقة بين الامن والديمقراطية
ان اشكالية العلاقة بين الامن والديمقراطية هي اشكالية تعرفها جل المجتمعات المعاصرة، ومن اهمها عملية المواءمة بين الممارسة الديمقراطية وحماية حقوق وحريات المواطنين والمواطنات من جهة، وبين متطلبات تحقيق الامن والحفاظ على النظام العام داخل المجتمع من جهة اخرى

هناك من يرى أن اعتبارات الأمن تتصادم مع متطلبات الديمقراطية، ومن الصعب المواءمة بينهما، حتى في الدول ذات الديمقراطيات الراسخة، خاصة في أوقات الأزمات، ومنهم من يرى ، أن هناك ارتباطاً وثيقاً بين مفهومي الأمن والديمقراطية، وأن تحقّق الأمن ضروري للحياة الديمقراطية، وأن الديمقراطية تؤدي لتعزيز الأمن. الدولة الديمقراطية تهدف دائما الى حماية الافراد من كل ما من شانه المساس بحقوقهم وحرياتهم، لكن عندما ترى ان هناك خطر يهددها او يقع توثر بين مبادىء الديمقراطية وامن الدولة، لها الحق في الدفاع عن نفسها باتخاد اجراءات استثنائية ولو طلب الامر المس بالحقوق والحريات العامة، وذلك من اجل استمرار النظام الديمقراطي في الدولة ، كما شهدت ذلك بريطانيا وفرنسا في مناسبات عدة عندما تعرضت لأعمال شغب خطيرة هددت كيان الدولة فلجأت في اخر المطاف . إلى إجراءات تتعارض بشدة مع حقوق الإنسان المتعارف عليها عالميا والمنصوص عليها في قوانين البلاد

اذا رجعنا الى التاريخ قليلا سنلاحظ ان كل المجتمعات التي قدمت الامن على الديمقراطية قد فشلت، في حين نجحت المجتمعات التي قامت بتبني الديمقراطية الانتقالية، بمعنى ان النظام السياسي الذي يختار القهر والتعذيب ومنع المواطنين من ممارسة حقوقهم التي نصت عليها القوانين الدولية، كخيار لانجاز استقراره وتحقيق امنه، لا يجد امامه سوى التوترات والاضطرابات، لان احترام الديمقراطيات للحريات التي تأسست عليها، هو الذي يضمن نجاحها في التعامل مع التهديدات التي يتعرض لها أمنُها، وعدم احترام الحريات يزيد من التهديدات الأمنية للأنظمة الديمقراطية، بل وقد يهدد بقاءها، مثال على ذلك الولايات المتحدة الامريكية حينما وضعت الأمن والاستقرار فوق . الديمقراطية على قائمة أولوياتها انتهت بالفشل في تحقيق أيّ منهما

ترتيبا على ذلك، فالديمقراطية هي قاعدة الأمن والاستقرار والازدهار والتقدم والتوازن الاجتماعي، وهي ضمان حرية الإنسان وكرامته واحترام حقوقه، وهي الطريق إلى بناء المواطن الذي يكون درعاً لوطنه، وحامياً لمبادئه وتطلعاته . وأهدافه، لا خطراً عليها ومهدداً لها

هناك حالات ومواقف قد يبرز فيها قدر من التناقض بين بعض الممارسات الديمقراطية ومتطلبات الحفاظ على أمن وسلامة واستقرار واستمرار الدولة، لكن في نفس الوقت عندما تكون هناك رقابة قانونية واعلامية على ممارسات الامن والديمقراطية ، ويقتنع الجميع بان تطور وتقدم الامن هو تقدم وتطور للديمقراطية والعكس صحيح، سنصل انذاك . الى نوع من التقارب والتوافق والتكامل بين الامن واليمقراطية

المغرب كما هو معلوم عرف تطورا على مستوى حقوق الانسان لا سيما منذ اعتماد سمو المواثيق الدولية على التشريعات الوطنية في دستور 2011، ومن بين الأشياء الأساسية التي جاء بها ، هو تنصيصه من خلال تصديره على أن "المملكة المغربية، وفاء لاختيارها الذي لا رجعة فيه، في بناء دولة ديمقراطية يسودها الحق والقانون، تواصل بعزم مسيرة توطيد وتقوية مؤسسات دولة حديثة، مرتكزاتها المشاركة والتعددية والحكامة الجيدة، وإرساء دعائم مجتمع متضامن، يتمتع فيه الجميع بالأمن والحرية والكرامة والمساواة، وتكافؤ الفرص، والعدالة الاجتماعية، ومقومات العيش الكريم، في نطاق التلازم بين حقوق وواجبات المواطنة". من هنا يجب الحفاظ على الحريات التي نصت عليها كل دساتير المملكة المغربية بخاصة الدستور الاخير، الذي خصص الباب الثاني منه للحريات والحقوق الاساسية، وضمان حماية النظام العام كمطلب اساسي في الدولة. ومن وسائل واليات تحقيق حماية النظام عن طريق تنظيم الحريات وحماية الحقوق، نجد على المستوى المؤسساتي وبموجب الدستور الجديد احداث ودسترة مؤسسات وهيئات لحماية حقوق الانسان والنهوض بها، وهيئات اخرى للنهوض بالتنمية البشرية والمستدامة والديمقراطية التشاركية. اما على المستوى القضائي، تم الارتقاء بالسلطة القضائية كسلطة مستقلة عن السلطة التنفيذية والتشريعية والملك هو ضامن استقلالها، وانشاء محاكم ادارية للدفاع عن مصالح المواطنين والمرتفقين ضد تدخلات وقرارات الادارة غير القانونية، ناهيك عن تكريس الحق في التعويض عن الخطا الذي نص عليه الفصل 122 من الدستور، واحداث المحكمة الدستورية التي تشكل ركيزة اساسية لتعزيز دولة القانون، مهمتها ضمان التطبيق الفعلي لمقتضيات الدستور. وعلى المستوى الامني تم تكريس مبادىء الحكامة الامنية الجيدة، من خلال دسترة مجلس الاعلى للامن الذي ينص عليه الفصل 54 من الدستور، باعتباره مؤسسة دستورية يتولى وضع الاستراتيجيات وتدبير الملفات الامنية الكبرى التي تعرفها البلاد، بالاضافة الى العمل على احترام حقوق وضمانات المتهم المنصوص عليها دستوريا . وقانونيا

وعليه، لكي يتم تحقيق المعادلة بين الامن والحريات يجب تبني اسلوب الشفافية والحكامة الامنية وربط المسؤولية بالمحاسبة، في هذا الاطار اشارت كلمة السيد عبداللطيف الحموشي بمناسبة الذكرى 61 لتاسيس المديرية العامة للامن الوطني التي نظمت بالمعهد الملكي للشرطة بالقنيطرة، الى أنه “لا سبيل للتمتع بالحقوق والحريات بدون نعمة الأمن، ولا سبيل لإرساء الأمن والاستقرار بدون احترام حقوق الإنسان”

ثانيا : الامن وتحقيقه للديمقراطية
لتحقيق الديمقراطية يجب توفر عدة متطلبات امنية، تتجلى في وجود جهاز امني يعمل على محاربة كل اشكال الفساد والانحرافات وعلى تكريس مبادىء الشفافية والمساواة وتكافؤ الفرص واحترام حقوق الانسان وصونها، وتطبيق احكام القانون والدستور واشراك كل الفعاليات في القرارات، كذلك التوفر على عناصر بشرية مؤهلة بدنيا وتقنيا، لان مؤسسات النظام الديمقراطي في حاجة الى هذه الاجهزة التي توفر لها جو امن ومستقر لكي تسطيع القيام . بمهامها ووظائفها، بغض النظرعلى حجمها وتوجهاتها ومواقفها، ولتامين مقراتها وانشطتها التي تنظمها

فالاجهزة الامنية ذات المستوى المرتفع من المهنية والاحترافية والمزودة باحدث التقنيات اللازمة لاداء مهامها، تزيد من قدرتها على توفير جو امن للممارسة الديمقراطية بكل حرية و امان، وبالتالي تحقيق الديمقراطية . داخل الدولة رهين بمدى كفاءة الاجهزة الامنية

ثالثا : المتطلبات الديمقراطية للامن
وضع سياسة امنية شاملة تساير تطور الجريمة في ابعادها الوطنية والدولية، بغية الحفاظ على الوحدة الترابية والسيادة . الوطنية وعلى الامن العام للمواطنين والمواطنات

العمل على توسيع مساحة العمل المشترك بين الاجهزة الامنية وباقي المؤسسات الاخرى الرسمية منها وغير الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني، الذي اصبح اليوم وبفضل دستور 2011 يشارك في صناعة القرار العمومي عبر مجموعة . الاليات والميكانيزمات

توفير الوسائل المادية و اللوجيستيكية للاجهزة الامنية ليكونوا ذوي فعالية أكثر، تضمن أمن وحماية المواطن وممتلكاته، والتدخل في حالة الطوارئ، وتقديم الدعم والمساندة للسلطات المحلية في مجال حفظ الأمن العام بتوفير الموارد البشرية . المؤهلة القريبة من انتظارات المواطنين، التي تسهل لهم ممارسة حقوقهم وحرياتهم

:وقد جاءت خطـة العمـل الوطنيـة في مجال الديقراطية وحقـوق الانسـان بمجموعة من الاهداف والتدابير نذكر منها

ضبط وتقنين اجراءات ومساطر الحقوق ذات الصلة بالوصول إلى المعلومات الأمنية، مع ضبط " سرية المعلومات" . وتحديد درجتها وطرق رفعها وفق الممارسات الفضلى القائمة دوليا

تقوية ثقة المواطنين والمواطنات في الامن في اطار الوعي بالحقوق والمسؤوليات
تقويـة أداء المؤسسـة البرلمانيـة في مجـال التقصـي حـول انتهـاكات حقـوق الانسـان مع إخضـاع الاجهـزة الامنيـة . للرقابـة البرلمانيـة

استحضار البعد الامني في وضع خطط التهيئـة الحضرية وتصميم التجمعات السكنية الجديدة والاحياء بضواحي المدن . بشكل يضمن امن المواطنين والمواطنات

الزام المنظومة التعميرية والامنية بنصب كاميرات يكون بامكانها المساعدة على مكافحة الجريمة وحماية الاشخاص . والممتلكات

استكمال تفعيل توصيات هيئة الانصاف والمصالحة المتعلقة بترشيد الحكامة الامنية
تعميم وتدريس مادة حقوق الانسان واحكام القانون الدولي الانساني ضمن برامج التكوين الاساسي والمستمر الخاص . بالموظفين المكلفين بتنفيذ القانون
:خاتمة
هكذا يتبين لنا ان العلاقة بين الامن والديمقراطية هي علاقة عميقة وجوهرية.. بمعنى أن الديمقراطية هي بوابة الأمن و الاستقرار، وبمقدار التخلي عن مقتضيات واليات اليمقرطية، بذات المقدار يتم تهديد . الأمن بكل مكوناته
وفي ذات السياق، ان تحقيق الممارسة الديمقراطية السليمة والفعالة له بطبيعة الحال متطلبات امنية لا بد من توافرها حتى يتم عمل اليات الممارسة الديمقراطية بمستوياتها واشكالها وصورها المختلفة وتامينها، كما ان الامن لا يتحقق الا . من خلال توافر بيئة ديمقراطية يلتزم فيها الجميع باحكام الدستور والقانون

عموما يبقى الامن والديمقراطية لهم هدف مشترك يتمثل في خدمة الإنسان والحفاظ على حقوقه وحمايتها، والملاحظ أن المجتمعات التى تعرف رؤية مشتركة حول الممارسة الديمقراطية والأمنية، هى المجتمعات التى يتحقق فيها أعلى .مستوى للأمن و الديمقراطية
بقلم ذ حميد ملاح
مهتم بالشؤون الأمنية
 


أعلى الصفحة