القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
تحت عدد: 725
موضوع الانتحار لم يعد يحتمل الصمت عالميا,وتحليليا علميا واكاديميا سبقت الاشارة غيرما مرة الى ان الجامعات الاكاديمية ,المتخصصة في الانسانيات او مختلف تشعبات العلوم الانسانية

,خاضت لمدة غير يسيرة لاعتبارات علمية واخرى ايديولوجية ,حرب الاستقلالية الاكاديمية لكل فرع علمي على حدة ,وتاسست جمعيات اللغويين اللسنيين ,وجمعيات السوسيولوجيين وعلماء السياسة والاقتصاد ,واتحادات كتاب الادب بتشعباته المحلية والعالمية
علم النفس وعلم الاجتماع ,هو الاخر لم يسلم من هذه الحرب الضروس التي حدت فيها الحدود, وتوارثها الاساتذة الجامعيون وورثوها من بعدهم لطلبتهم ,ولكن مع الزمن حاول علم النفس ان يجد له فروع في كل التخصصات ,فصرنا نسمع عن سيكولوجيا الاقتصاد والاجتماع والسياسة والادب ,وغير ذلك من فروع المعرفة الانسانية

موضوع الانتحار اخترقت عباب بحره السوسيولوجيا بفرعيها العام والتطبيقي ,وكان اول باحث سوسيولوجي درسه وحشره في خانة الظواهر الاجتماعية ,عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم ,الذي انضج دراساته من مختبر علم الاجرام , وحوله بعد ذلك لكتاب مستقل تحت عنوان الانتحار ,وعلم السسياسة بالجامعة المغربية يدرجه ضمن مقرراته ,لانه تاريخيا يؤسس لسيولوجيا السياسة وسيكولوجيا السياسة ايضا ,حتى قبل مرحلة النضج الاكاديمي مع موريس دوفيرجيه ,وبيير بورديو

علماء النفس عزفوا عن تناول الظواهر الاجتماعية ,لانهم لايرون ذلك من اختصاصهم, طالما ان دوركايم اعتبره ظاهرة اجتماعية ,فقالوا له الله يربح ,معتبرين موضوع تخصصهم منحصر في قلق الموت ,ووضع له دونالد تمبلر مقياس سنة 1967,واستمارة اسئلته تخص موضوعه ,كان يقول طالب السوسيولوجيا التطبيقية لعينته حاليا ,عن مدى تخوفه من ان يموت بمرض ابولا او
سارس او غير ذلك من الامراض ؟او يسئله هل ترعبه مجازر الحروب ,ودعوات النجدة المرسلة من مناطق يطوف بها خطر الموت ؟
هذه مواضيع من صميم اهتمام علم النفس العبر الحضاري ,اوان يسئل المستجوبون عن تخوفاتهم او هل ينتابهم قلق الموت الاجرامي ؟
هذه الاسئلة التي تهم قضايا القلق من الموت سواء اكانت من صميم اختصاص علم النفس العام ,او من اختصاص دراسات سيكولوجيا السياسة المهتمة بالقرار الاستراتيجي العسكري وتداعياته المحذرة من عواقب الموت وقلقه,فهي باجمال اسئلة تهم نفسية الانسان ,وتتخصص بها السيكولوجيا سواء في صيغتها المحددو لنفسية الانسان كما عند يونغ ,او صيغتها المبسوطة في امبراطورية فرويد

الانتحار حينما تناوله اميل دوركايم ,وصل لشيئ اساسي وهو تعريفه الذي لاخلاف حوله بانه تفضيل الموت على الحياة ,فهذه نتيجة الانتحار ,لذلك تلقى اهتمام علماء النفس لان قلق الموت حاضر فيها ,وان كان هذاه الازدواجية المعبر عنها اليوم ,بسوسيولوجيا القنوط وسوسيولوجيا الامل ,قد هضمها الادب العالمي بالاخص العربي منه ,شواء مع المعري في نزعته التشاؤمية التي تحذر من مغبة الاعجاب بالاقدام بالحياة ,حينما ادرك ان اديم الارض من رفات ,واعتبر من ثمة الابوة جناية على البنوة ,وعمر الخيام بدوره ,اورد في رباعياته ,انه لبس ثوب العيش ولم يستشر ,بينما ايليا ابو ماضي فقد مثل اتجاه الامل,في دعوته للابتسام لرؤية الوجود جميلا ,وان التجهم في السماء مرفوض ,ففضاء الانسان هو فضاء الامل والانشراح ,وان الانسان حينما يحل مهاجرا لاي بلد ينسيه بلد الهجرة غربته حينما وصل دوركايم لاعتبار الانتحار ظاهرة اجتماعية ,ربطه باسبابه ,فنوعه الى انتحار اناني مدفوع اليه الشخص من ذاته ,وانتحار غيري مدفوع له الشخص من الغير ,وانتحار فوضوي عصي عن الادراك ,والذي يجدتفسيره في فساد المزاج العام والبنية السياسة المجتمعية ,الراجعة بالاساس للتحكمية وغياب نزع المركزية في سيكولوجيا السياسة نحصر الانتحار في اطار امراض الاغتراب ,سواء السياسي كغياب الشرعية السياسة للنظام السياسي باستحواذالاوليغارشية على خاضر ومستقبل الاجيال ,عبر اغراق نفسها في طبقية خطيرة تنزع عن المجتمع كل قيمة تعاونية جلى حينما تحصل الفجوة بين المواطن ونظامه الاجتماعي والسياسي ,يحصل الاغتراب السياسي ,ويتبعه اغتراب اجتماعي ,لحد يخلق معه فجوات نفسية بين المرء ونفسه ,ويفقد الحوار والتفاهم مع من ؟ مع نفسه القريبة اليه من حبل الوريد كما يقال

المجتمعات السياسية حينما تنتظم بها الحياة السياسية حزبيا وجمعياتيا ,وتنسجم العلاقات بين الراسمال والعمل في شكل سفينة يسعى الجميع لاجل تطوير مسارها نحو مرساها ,فان تلك المجتمعات تعيض تناوبها السياسي وتتفنن نخبها في تدبير الشان العام ,وحينما يحدث العكس وتعيش الشعوب تناقضتها العصية على الحل فان ذلك يؤدي للاغتراب السياسي وكثرة الانتحارات ,وكذلك الجرائم بمختلف انواعها
اسباب الانتحار الفردي تنحشرت في خانة التيار الاناني كما حلا لدوركايم القول ,فالانتحار يشمل مختلف شرائح المجتمع
في ستينيات القرن الماضي اندهش الكل من انتحار صاحب الشيخ والبحر هيمونغواي ,الروائي صاحب النبلية الادبية ,وعقد من الزمن بعد ذلك طويت عدة احداث تحت مسمى الانتحار ,بالاخص في عالمي العسكراتية والمخابرات والاستعلامات والامن باجمال ,لان تناقضات الدول التي تفسر كل شيئ امنيا تصل ذروتها حيث يفقد الامن عصا موسى السحرية الملبية لكل الاساطير ,وتصير الاوطان شبيهة بعنق الزجاجة بتعبير مطاع صفدي,او سفينة امرؤ القيس التي يستعصم فيها الملاح بالخيزرانة

الاحداث الاليمة غالبا ما تطوى تحت مسمى الانتحار ,اي تفضيل الموت على الحياة
هناك ايضا حالات الياس المرضي التي يكون فيها الانتحار بمثابة موت رحيم ,كما حصل مع جيل دولوز صاحب فلسفة الاختلاف والنقد والعيادة ,فحينما تصل مرحلة العيادة لمستوى تعذيب الجسد بشكل منهك ,فان الفلسفة الدولوزية رسمت ذلك المسار لحدود وفاته في 1994,لانه منذ اقرار الموت الرحيم مع حكومة فيون بفرنسا ,لم يعد مصلح الانتحار متداول اعلاميا ,بل استبدل بالموت الرحيم

حالات الياس الطبقي الاجتماعي ,التي تولد سيكولوجيا الانسان المقهور كما عند مصطفى حجازي ,فبعد الكسل كسلاح فردي تعقبه البطالة ومن ثمة القنوط المؤدي للباب المسدود ,باب الاامل حيث ينفتح باب وشم الالم المفضي للانتحار,لذلك تعتبر فلسفة الحث على العمل والحث على الفلاح ,البذار البذار ومنذ الصغر احسن مناعة تقي الشخص من ويلات اسباب الانتحار

في الدول السائرة في طريق الرفاهية والعديمة الامكانات ,عادة ماتعيش في وضع رواية المقامر لدوستوفسكي ,ويحصد الانتحار علية القوم بها ,فما بالنا بعوام الناس ,الذين يحصدهم القنوط بحكم ظروفهم الميؤوس منها والبئيسة ,هذا بالنسبة للذين لم يتزودوا بمناعة الايمان الديني ,ففي الاسلام مثلا هناك في سورة الكهف اعظم علاج للطمع واعظم عظة حاثة على القناعة ,من خلال حث سورة الكهف المتدينين على عدم العدوكثيرا وراء الملهوفين بزينة الحياة الدنيا وماركاتها الامتناهية ,لذلك فالدين فيه عزاء عند فقد عند الموت الطبيعي ,وفيه ايضا مناعة لعدم فقد لذة العيش

احصائيات دوركايم عن نسب الانتحارات باوربا كانت بالالاف المؤلفة ,اي ان الموت لم يكن فقط قلقا يحتاج الى مقياس, بل حقيقة عيانية عند كل مختاريه
عربيا ايضا صار الناس يستغربون مما يسمعون ,فكم من طبيب صاحب عيادة اقدم على ذلك السلوك ,وهناك رجال شرطة ودرك وقضاة سامون ,وبناة ومراهقين ,يقدمون على الانتحار, للاعتبارات عاطفية ومالية واسرية وغيرها
الانتحار يقدم عليه الرجال اكثر من الاناث ,لان الانثى بطبعها قوية وشديدة التحمل ,ماعدا المشاعر الفعلية والحقيقية التي تجعلها ضعيفة ,لان المشاعر سحر خطير لابد ان تتعلم النسوة كما الذكور خطر السقوط في حبالها,فهي تؤدي لكل الجرائم من غيرة سوداء وقتل وانتحار

الانتحار اذن اضحى معضلة مجتمعية مؤرقة ,لانه يطال الميسورين كما المعسرين ,والمثقفين كما سواهم
المشكل ان الناس حينما يرون رموز الدولة الدينية الايمانية ,مثل امام مسجد او مؤذن او مسؤول حزبي او مدرس ,يرتابون في التسرع باصدار قرارات اعتباره مرض اخلاقي كما حلا لدوركايم القول ,اوفعل جرمي شائن كما تنص على ذلك القوانين الزاجرة على محاولته ,مثل المعمول به في البلدان الزاجرة على محاولة الانتحار

اذا كان الموت يسقط الدعوى العمومية عن الميت ,فان الحي الناجي من انتحار تفضيل الموت على الحياة ,تعاقبه التشريعات الزاجرة على محاولته , فيحاكم مقترف الفعل الزجري ,كجانحان كان حيا يرزق ,اما ان اخطئه الموت في محاولته الشائنة , فالتشريع المجتمعي له بالمرصاد

الانتحار اذن ايضا في اوساط الموظفين اسباب ادارية ,كالانتقالات غير المرغوب فيها او الترقيات المتاخرة او عدم الاستجابة للاندماج العائلي الوظيفي,او عدم الاستجابة لطلب عطلة سنوية او عائلية
وله اسباب اسرية مثل الخطا الفادح بالاقدام على الزواج او البقاء بالعزوبية ,او الانجاب غير المنظم , اوصعوبة مواجهة تكاليف العيش في ظل طبقية مجتمعية ,سمته التباهي بالقشور المفرغة من كل مضمون جوهراتي,او كثرة نزوعات الطمع واللصوصية وانعدام ضوابط اللياقة والقناعة والرضى بالقليل ,او لاسباب تاريخية انتروبولجية , التي تولد الصراع السياسي والاقتصادي وشتى الفتن المفضية للنحر والانتحار

قدتكون للانتحار اسباب بيولوجية وتشريعية قانونية ,كقصور السياسات العامة في التعاطي مع مختلف الحاجيات الفردية والجماعية ,لمختلف فئات مواطني البلد
يحصل الانتحار ايضا لاعتبارات قبلية ذات صلة بالشرف وصون العرض , فينتحر الاباء الائي تتورط بناتهم في علاقات بيولوجية جنسية ,كما تقدم عليه الفتيات الائي يحرمن من ترجمة التعلق بمعشوقهن زواجا او بيولوجيا بحسب ظروف الاحوال التشريعية ,وطرق تدبير السلطة لموضوع الاشباع الجنسي

الانتحار يتم ايضا لاسباب اقتصادية ,عند رجال الاعمال وكبار المسؤولين البنكيين والصفقاتيين, الذين يجدون انفسهم امام مناخ اعمال ميؤوس لايبشرهم بالتسويات الموازناتية المالوفة ,ويقدم عليه المتورطون في اللصوصيات العامة والخاصة الذين يفضلون نهاية الموت الانتحاري على واقع السجون والمحاكمات

تعددت طبقات المنتحرين كما اسبابه ,ويصعب تحديد الوجهة المؤدية له هل من الفردي نحو المجتمعي ام من المجتمعي نحو الفردي
لان موضوعه عبرة عما يسميه الكهربائيون بالدهاب والاياب - بفا /افيان-
المنتحر غالبا ما يذهب بلا اياب ,ولايترك للناس ثمة عناصر ادراكية تجعلهم يحللون دواعي انتحاره ,لكن مهما عددنا وحللنا وفسرنا وفصلنا وجملنا ,فالحياة تستحق ان تعاش ,وان واجب الوعي باستمرارية الحياة شيئ لازم,والتحسيس به الزم

معروف وصحيح لدى الكيميائيين ان الضغط يفجر و يشعل ,لكن ليس الى مستوى الاقدام على الانتحار وتفضيل الموت على الحياة ,واطال الله عمر العروي الذي سمح لبطل روايته ادريس بالتبخر لكنه لم يمت

في سوسيولوجيا الرواية امل لضحايا الانتحار ومشاريع الانتحار,وقد اخذنا على غابرييل غارسيا ماركيز عدم فلسفة محاضر الشرطة التي يحولها لرواياته ,ليرسم لها افق استراتيجي متفائل ,كحالة البكارة التي يمكنه فلسفتها عوض نقل واقع القتل لاجل الشرف او الانتحار لاجل الشرف الذي نقلته رواياته عن وقائع حقيقية تحتاج لرواية تفلسفها لاجل غد الاانتحار والااجرام ,غد الامل الفسيح الذي يعد الجميع بالعيش المشترك


بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير