القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ عبد العزيز فجال
باحث في العلوم القانونية
تحت عدد: 361
كيف يتم الانتقال من نظام سلطوي إلى نظام ديمقراطي؟
هل يشتغل نمط الانتقال الديمقراطي، بمراحله المطلوبة، كيفما كان السياق؟

مود نافارو Maud Navarre

مفهوم "الانتقال الديمقراطي"؟

يعرف "الانتقال الديمقراطي" بأنه التحول من نظام سلطوي إلى نظام ديموقراطي. وقد ظهر هذا المفهوم، في بداية الأمر، في سياق الحديث عن التجربة الاسبانية، للدلالة على الانتقال من نظام الجنرال فرانكو الاستبدادي إلى نظام ديمقراطي، ثم تم تعميمه في بداية التسعينات إثر انفجار القطب السوفييتي.

وضمن هذا السياق، تم إرساء نموذج جديد في العلوم السياسية أطلق عليه اسم "علم الانتقال الديمقراطي"، حيث قام مجموعة من الباحثين بإجراء مقارنات بين الدول(1) بهدف تحديد مراحل الانتقال الديمقراطي، وذلك من أجل مساعدة كل الذين يلتزمون بترسيخ قيم الديمقراطية.

وفي كتاب تحليلي للأبحاث حول الديمقراطية في العالم(2)، تصنف الباحثة السياسية الكسندرا كوجون (Alexandra Goujon) ثلاثة مراحل للانتقال الديمقراطي، بالرغم من أن البعض منها يصعب حصر نطاقها الزمني.

المرحلة الأولى: أطلق عليها: "مرحلة الليبرالية"، حيث يقوم خلالها النظام السلطوي بإطلاق سراح السجناء السياسيين، وتخفيف الرقابة الإعلامية، وتطوير المنافسة الانتخابية.

وهذه المرحلة، التي تكون مدتها متغيرة، لا تؤدي بالضرورة إلى إرساء نظام ديموقراطي.

المرحلة الثانية: تنظيم انتخابات حرة تساهم فيها كل المجموعات المضطهدة. ويتعين أن تكون هذه الانتخابات عادلة وشفافة، أي أن يتمكن جميع الناخبين من التعبير عن إرادتهم دون الخضوع لأية ضغوطات، وأن يتمكن كل المرشحين من تنظيم حملاتهم وفق نفس الشروط.

المرحلة الثالثة: مرحلة الترسيخ، والتي تمكن من إرساء ديمقراطية تمثيلية ليبرالية على أساس التنظيم الدوري لانتخابات حرة ونزيهة، وجود قضاء مستقل ضامن للحريات الفردية وتطوير التعددية السياسية.

 وتختلف التحليلات بخصوص هذه المرحلة الفاصلة، فمثلا صامويل هنتغتون (Samuel Huntington)(3) يعتبر أن ترسيخ الديمقراطية رهين بمرور تناوبين، على الأقل، على السلطة بعد الانتخابات الحرة الأولى.

ويعتقد باحثون آخرون، أمثال خوان لينز (Juan Linz) وألفريد ستيبان (Alfred Stépan) (4)، أنه من أجل إرساء ديمقراطية حقيقية يستلزم توافر خمسة شروط، تتمثل في:

ü      وجود دولة القانون؛

ü      التوفر على طبقة بيروقراطية من أجل تطبيق النظام الجديد؛

ü      اقتصاد مستقل عن الدولة؛

ü      مجتمع مدني منظم في جمعيات للدفاع عن المصالح في مواجهة السلطات العامة؛

ü      مجتمع سياسي (أحزاب، مؤسسات...) تحترم المعايير الديمقراطية.

موجات تاريخية متعددة؟

يحدد صامويل هنتينغتون، في تحليل أصبح كلاسيكيا(1)، ثلاث موجات لترسيخ الديمقراطية:

§       الموجة الأولى: انطلاقة الدول الغربية في القرن التاسع عشر (الولايات المتحدة الأمريكية، البرتغال)، وفي أمريكا الجنوبية (الشيلي، الأورغواي)، ثم في اقيانيا (أستراليا ونيوزيلندا الجديدة).

§       الموجة الثانية: مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية في الدول المنهزمة، خاصة ألمانيا، اليابان، إيطاليا، النمسا، وكذلك الهند وسيلان.

 وقد شجع حق التصويت الذي تم اعتماده في بعض المستعمرات الإفريقية على بروز بعض أشكال الديمقراطية، بالرغم من محدوديتها.

§       الموجة الثالثة: ابتداء من نهاية سنوات السبعينات، بعد انهيار الديكتاتوريات في جنوب أوروبا (البرتغال واليونان)، ثم مع الثمانينات في أمريكا اللاتينية (البيرو، الارجنتين، الأوروغواي والبرازيل)، وفي جنوب شرق آسيا (الفلبين، كوريا الجنوبية والتايوان)، انخرطت ما يناهز ثلاثين دولة في حكامة جد ديمقراطية.

ويحدد بعض علماء السياسة، مثل ميشيل ماكفول (Michael Mcfaul)، موجة رابعة للديمقراطية في سنوات التسعينات، بعد الحرب الباردة، في دول شرق أوربا، وامتدت هذه الموجة إلى إفريقيا شبه الصحراوية.

وتطرح تساؤلات بخصوص الحقبة الزمنية المفتوحة لسنوات 2000، بعد الثورات التي شهدتها دول أكرانيا، جورجيا، متبوعة في بداية سنوات 2010 بالانتفاضات الشعبية التي عرفتها الدول العربية.

ويرى بعض الملاحظين، أن الأمر يتعلق بموجة رابعة لترسيخ الديمقراطية، في حين يؤكد البعض الآخر، مثل منظمة بيت الحرية (freedom house) التراجع الحثيث لعدد الديمقراطيات الانتخابية في العالم.

 

مفهوم متنازع حوله..

يبدو أن "علم الانتقال الديمقراطي" اليوم، الذي نشأ في حضن البنيوية، أصبح محل دحض بسبب النظرة الخطية، والغائية التي يتبناها، حيث يوحي بأن الديمقراطية تمر عبر مراحل ونهاية مشتركة بالنسبة لجميع الدول التي تلتزم بتطبيقها.

وتؤكد الكسندرا كوجون (Alexandra Goujon)، أن هذه النظرية لا تعكس تعقد الوضعيات، ف"الديمقراطية أسلوب متطور للحكم واستدامتها غير مضمونة". وحتى البلدان التي نشأت فيها، تظل الديمقراطية غير مطلقة وغير نهائية. فالولايات المتحدة الأمريكية مارست رسميا التمييز العنصري إلى حدود أواسط الستينات من القرن الماضي، وسويسرا لم تمنح حق التصويت للنساء إلا في سنة 1971.

 فبعض الأنظمة الراسخة في الديمقراطية قد تعود إلى أساليب حكم أكثر سلطوية. فمثلا، حسب تقرير صادر عن وحدة الاستخبارات الاقتصادية the Economist Intelligence Unit (EIU) (3)، فإن "مؤشر الديمقراطية"، الذي يتكون من عشرة (10) نقط موزعة على سبعين (70) مؤشرا، انخفض في أمريكا الشمالية في الفترة المتراوحة ما بين 2006 و2015، من 8.64 إلى 8.56، وفي أوروبا الغربية من 8.60 إلى 8.42.

الواقع، أن هناك بعض الأسباب الظرفية التي أدت إلى ذلك، فاندلاع الأزمة الاقتصادية أرغمت بعض الدول على تطبيق قرارات لا شعبية (سياسة التقشف في أوروبا)، كما أن قضية الإرهاب في دول أخرى أجبرتها على نهج تدابير أمنية تكبل من الحريات الفردية (حالة الطوارئ في فرنسا).

 وترى الباحثة، أن هناك عوامل أخرى ذات طبيعة بنيوية كفقدان الثقة في المؤسسات السياسية وفي ممثليهم، والتي ينجم عنها عادة عزوف عن المشاركة في الانتخابات.

ومن جهة أخرى، فحدود التماس بين الأنظمة الديمقراطية والسلطوية قد تكون أحيانا متقاربة، كما هو الحال في الأنظمة الهجينة (hybrides). فعلى سبيل المثال، يصف ستيفان ليفيـتسكي (Steven Levitski) ولوكان واي (Lucan Way) بعض الأنظمة ب"السلطوية التنافسية"، حيث تأخذ شكل نظام ديمقراطي (انتخابات منتظمة، ضمان للحريات الفردية ووجود قضاء لفرض احترامهما). ولهذا، فإن أي اشتغال غير محكم ومنتظم يرجح كفة السلطة القائمة. ففي روسيا، مثلا، منذ استلام الرئيس بوتين مقاليد السلطة، انخرطت روسيا في "منعطف سلطوي"، وأصبحت المعارضة السياسية في وضع صعب على إثر اغتيال بوريس نيمتسوف (Boris Nemtsov)، أحد الوجوه الرئيسية للمعارضة في سنة 2015.

وحسب تقرير لوحدة الاستخبارات الاقتصادية (the Economist Intelligence Unit) (EIU)، فما بين سنوات 2006 و2015، انتقل مؤشر الديمقراطية في روسيا من 5.20 إلى 3.31.

وفي فرنسا، ابتداء من سنوات الثمانينات، دعا بعض علماء السياسة، كميشيل دوبري (Michel Dobry) إلى التخلي عن "النموذج الانتقالي" للاهتمام أكثر ب"الترتيبات المحلية"، خاصة منها المرتبطة بالأزمات السياسية التي تتيح الانتقال من نظام إلى آخر.

وتنحو الباحثة إلينا سمينا (Elena Smina)، نفس المنحى، بانتقادها للتوجه المبالغ فيه في علم الانتقال الديمقراطي القائم على التركيز على النخب والمركزية الأوروبية، وكذا عدم قدرته على إنتاج فرضيات حقيقية بسبب التوظيف الفج للتاريخ في تأويل بعض الأحداث.

 

هل يمكن فرض الديمقراطية من الخارج؟

 

بدون شك، يمكن للقوى الأجنبية أن تشجع على إرساء الديمقراطية في أي بلد، وذلك من خلال تقديم المساعدة في تنظيم الانتخابات. ولكن، هل يمكن للدول الأجنبية أن تفرض إقامة نظم ديمقراطية؟

في الواقع، إن هذا التصور هو المعتمد في السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأمريكية التي تتبنى وتعمل على توسيع الديمقراطية الليبرالية، كإحدى الأسس التي تقوم عليها السياسة الخارجية منذ بداية القرن العشرين.

وبالرغم من ذلك، فإن القول بأن الديمقراطية يمكن أن يتم فرضها بالقوة تستند على فرضيتين:

أولا، إن جميع التحليلات تؤكد أنه، خارج الغرب، يمكن لجميع الدول التراجع عن العملية الديمقراطية. وهو الرأي الذي تبناه صامويل هينتغتون (Samuel Huntington)، الذي يرى بأن الديمقراطية لها جذور مسيحية وغربية، أما الثقافات الإسلامية والكونفوشستية فقد تكون مرتبطة وحساسة تجاه التضامن والتآزر عوض احترام الحريات الفردية. وبالتالي، أقل اهتماما بمسألة الديمقراطية، وهو ما يؤدي إلى "صدام الحضارات" (1997).

وهذا النوع من التأويل الثقافي، اليوم، مرفوض كليا. فمثلا، الاقتصادي والفيلسوف أمارتيا سين (Amartiya Sen) في كتابه "ديمقراطية الغير" (2005)، يذكر بوجود نقاش عمومي حول هذه المسألة منذ مدة طويلة في آسيا، إفريقيا والعالم العربي، وجل الدول التي كانت خاضعة للنفوذ الاستعماري الفرنسي والإنجليزي منذ القرن التاسع عشر. كما أن تفسير الانتقال الديمقراطي بالعوامل الخارجية والتدخلات الأجنبية، يخفي دور الفاعلين المحليين، خاصة النخب الوطنية التي توظف أحيانا كوسيط.

 وحسب جوييرمو أودينيل (Guillermo O’donnell) وفيليب شميتر(Phillipe Schmitter) فترسيخ الديمقراطية ينتج عن تفكيك للأنظمة السلطوية من خلال عقد تحالفات بين اتجاهات متشددة ومعتدلة لإسقاط النظام القائم والانفتاح على المعارضة السياسية، وهو ما ساهم في انهيار مجموعة من النظم الديكتاتورية إثر انتقال ديمقراطي عبر تحالفات ومساومات (اسبانيا، البرتغال وبولونيا في نهاية الثمانينات من القرن الماضي).

اليوم، يدافع الباحثون بأشكال أخرى، من أجل فهم مسار الديمقراطية، وذلك بتخليهم عن فكرة النموذج الوحيد المفترض لترسيخ الديمقراطية.

فالأطروحة المسماة "الطريق المستقل"، تفسر إرساء الديمقراطية حسب اطراد واستمرارية الاختيارات السياسية. وهذا التفسير، الذي تم استسقاؤه من مجال الاقتصاد، تطور في نهاية التسعينات، بعد الصعوبات التي اعترضت دول إفريقيا والجمهوريات السابقة للاتحاد السوفياتي في أوروبا الشرقية، ويتبناه اليوم مجموعة من علماء السياسة.

 

ما هو الدور الذي تلعبه الثورات؟

في بريطانيا العظمى أو في فرنسا، ترسخت الديمقراطية في القرن التاسع عشر، على إثر الثورات التي عرفتها هذه البلدان. وبالتالي، فإن الارتباط بين الثورة والديمقراطية يبدو مشروعا لهذا السبب.

فالحركات الشعبية التي تطالب بمزيد من الديمقراطية يمكن في بعض الحالات أن تبقى مجرد مطالب. ففي سنة 1979، كمثال حولت الثورة الإيرانية البلد إلى تيوقراطية يقودها آية الله الخميني. مثال آخر، القمع الذي طال أغلبية الدول العربية التي عرفت موجة "الربيع العربي".

ففي ربيع 2011 خرجت تظاهرات شعبية ضد سلطوية الحاكمين العرب، بدأت في تونس، ثم في مصر، وكذا في دول المغرب العربي (المغرب، الجزائر وليبيا) والشرق الأوسط (اليمن، سوريا، الكويت، عمان، السعودية...) وتنوعت مواقف وردود الحكومات، مساومة وإجراءات اجتماعية في المغرب والجزائر والسعودية وعمان، وحرب أهلية في ليبيا.

 خمس سنوات بعد ذلك، اتضح أن تونس لوحدها انخرطت في انتقال ديمقراطي، تقول ألكسندرا كوجون (Alexandra Goujonحيث تم إرساء نظام شبه رئاسي ووضع دستور جديد وضمان أكثر للحريات الفردية.

وصفوة القول، فإن العلاقة السببية بين الثورة والديمقراطية ليست بالضرورة دائما منهجية وتلقائية.


هل يساهم النمو الاقتصادي في عملية الانتقال الديمقراطي؟

إلى حدود نهاية السبعينات، كان يعتبر نمو الثروة في أي بلد عاملا مباشرا، إلى حد ما، في تفسير بروز الديمقراطية.

فالدول الغنية، غالبا ما تسعى إلى اتخاذ تدابير اجتماعية وتعليمية تمكن من إدماج الطبقات الاجتماعية الأقل استفادة، كما أن ظهور طبقة متوسطة متعلمة يمثل شرطا أساسيا لتنمية القيم الديمقراطية.

وعليه، فإن ركود معدلات التنمية الاقتصادية لبعض الدول يفسر في وقتنا الحاضر، توقف عملية الدمقرطة. فأفريقيا شبه الصحراوية كمثال، تظل إحدى المناطق الأكثر فقرا والأقل ديمقراطية. فحسب تقرير ل "وحدة الاستخبارات الاقتصادية"(the Economist Intelligence Unit) (EIU)، فإن مؤشر الديمقراطية في القارة السمراء لا يتجاوز 4.33 نقط.  وغالبا ما يسجل الملاحظون الدوليون مخالفات أثناء الانتخابات وسيادة مشاكل الرشوة. إذ أن 10 من بين 40 دولة في أفريقيا شبه الصحراوية محكومة بنفس الحكام منذ أكثر من عشرين سنة.

وتؤكد الكسندرا كوجون (Alexandra Goujon)، أنه إذا كان الارتباط بين مستوى التنمية الاقتصادية والديمقراطية مهما، فإنه يصعب تقديم تفسير سببي لذلك. فمثلا في بعض دول آسيا، كالصين التي حققت معدلات نمو اقتصادي جد متقدم، لم تعرف، في المقابل، نموا على مستوى التطور الديمقراطي. كما أن الديمقراطية في الهند عرفت تطورا تصاعديا، بالرغم من الفوارق الاجتماعية الصارخة والفقر الذي يطال جزء مهم من الساكنة.

 

الكلمات المفتاح:

الديمقراطية المباشرة: حكم الشعب بنفسه، بدون وسيط. وهي شكل تم تجريبه في المدن اليونانية القديمة، وكذا في كومونة باريس سنة 1871.

الديمقراطية الغير مباشرة: ممارسة سلطة الحكم بطريقة غير مباشرة بواسطة ممثلين ينتخبون من طرف الشعب لإدارة الشؤون العامة. وهو النموذج المعمول به حاليا في أغلبية الديمقراطيات في العالم.

الديمقراطية التشاركية: نموذج هجين يتوسط الديمقراطية المباشرة والديمقراطية التمثيلية. ويعتمد على انتخاب ممثلين للأمة مع إشراك المواطنين في صياغة مختلف القرارات السياسية.

النظام السلطوي: يقوم على ثنائية "علاقة الحاكمين بالمحكومين"، ويرتكز على القوة بدل الاقناع، وتوظيف قيادات بناء على استقطابها، وليس بناء على "التنافسية الانتخابية".

وقد استبدل هذا المصطلح، ب"النظام الشمولي" للدلالة على النظام الذي كان سائدا في الاتحاد السوفييتي سابقا، وألمانيا النازية بعد الحرب العالمية الثانية.

                                                               ترجمة ذ.عبد العزيز فجال

 

(1)             Samuel Huntington, the third wave. Democratization in the law twentieth century 1991.

(2)             Michael macfaul et kathryn stone weiss, after the collapse of communism. Comparative lessons of transition 2004.

(3)             www.freedomhouse.org.

بقلم ذ عبد العزيز فجال
باحث في العلوم القانونية
 


أعلى الصفحة