//

 
القانون الدولي

بقلم ذ هشام عزى
باحث في العلوم القانونية والسياسية بكلية الحقوق تطوان
تحت عدد: 342
: مقدمة
لعلها أول مرة يعرض فيها إسم صاحب

 الجلالة الملك محمد السادس أمام القضاء في نزاع جنائي، ويتعلق الأمر بقضية ابتزاز الصحفيين الفرنسيين (إريك لوارث وكاترين كارسي)  لشخص الملك  بطلبهما مبالغ مالية خيالية مقابل عدم نشر كتاب يحتوي على "حقائق خطيرة" عنه. والتي حركت فيها النيابة العامة الفرنسية الدعوى العمومية في حقهما، بتهمة ابتزاز ملك المغرب، وقد تم إلقاء القبض عليهما متلبسين بارتكاب هذه الجريمة والتي قبل القضاء الفرنسي الإختصاص للنظر في هذه الجريمة، ويتابع فيها حاليا إجراءات التحقيق، غير أن السؤال الذي يبقى عالقا في الأذهان هو لماذا كان القضاء الفرنسي هو المختص ؟ وماهي الإعتبارات القانونية والسياسية التي لم تجعل القضاء المغربي ينظر في هذه القضية ويبت فيها ؟

أولا: موقف القانون من اختصاص القضاء المغربي في قضية ابتزاز الملك.

إن مجال سريان القانون الجنائي واختصاص القضاء المغربي يبقى محددا وفق مبدأ الإقليمية الذي يقضي باختصاص المحاكم المغربية بالنظر في جميع الجرائم التي ترتكب فوق إقليم الدولة المغربية، بغض النظر عن جنسية مرتكبها وجنسية ضحيتها سواء كان مغربيا أو أجنبيا، وذلك وفق ما تنص عليه المادة 704 من قانون المسطرة الجنائية التي جاء فيها "تختص محاكم المملكة المغربية بالنظر في كل جريمة ترتكب في الأراضي المغربية أيا كانت جنسية مرتكبيها " وبالمقابل  لا يختص القضاء المغربي بالبث في الجرائم التي ترتكب خارج المملكة ولو كان مرتكب هذه الجرائم مغربي  . لأن لكل دولة سيادتها على ترابها ولا يمكن إنتهاكها من قبل القضاء الأجنبي، فوفقا لهذا المبدأ لا يمكن محاكمة الصحفيين  الفرنسيين في المغرب لأن هذه الجريمة ارتكبت في فرنسا أي خارج حدود المملكة.

غير أن هذه القاعدة تبقى لها استثناءات يجوز فيها للقانون الإجرائي أن يتجاوز تطبيقه إقليم المملكة ويخول للقاضي المغربي النظر في الجرائم التي ترتكب خارج المغرب ، ومن هذه الإستثناءات ما نصت عليه المادة 708 و 709 من قانون المسطرة الجنائية التي مكنت القضاء  المغربي من محاكمة المغاربة عن الجنايات والجنح التي يرتكبونها خارج المغرب.

كما أن المادة 710 من قانون المسطرة الجنائية قد أجازت للقضاء المغربي إمكانية المتابعة والحكم في الجرائم التي يكون ضحيتها مغربي، بغية حماية المواطنين  المغاربة من كل الإعتداءات التي يتعرضون لها في سائر دول العالم.

وبناءا على هذا الفصل يمكننا الجزم بأن القضاء المغربي ينعقد له الإختصاص لمحاكمة مبتزي الملك ضحية هذه الجريمة، ما دام مغربيا بل هو أسمى رجل في الدولة وبالتالي فحمايته تكون أولى لأنه هو ضامن أمن البلاد واستقرارها، وكل ما من شأنه أن يصيبه سيعرض البلاد لا محالة للفوضى وعدم الإستقرار وخاصة بمثل هذه الجرائم .

ينضاف لهذه المادة أحكام المادة 711 من ق.م.ج التي تمكن القضاء المغربي  من بسط نفوذه على الجرائم التي ترتكب خارج المملكة من طرف أجنبي ضد أمن الدولة، ومادامت الإشاعات المدونة في الكتاب تجادل في النظام الملكي وتسعى لتشويه صورة الملك أمام شعبه ومن شأنها زعزعة أمن الدولة فإنه كان يمكن الإستناد إلى هذه المادة وتكييف الفعل الجرمي بالماسة بأمن الدول  ورفع النزاع أمام القضاء المغربي بدل القضاء الفرنسي.خاصة وأن النظام الملكي يشكل ثابتا من ثوابت الدولة حسب الفصل الأول من دستور 2011.

   كما أن الفصل 46 من الدستور المغربي ينص على "شخص الملك لا تنتهك حرمته  وللملك واجب التوقير و الإحترام". والذي يتوجب عليه حماية حرمة الملك وملاحقة من لا يوقره ويحترمه هو القضاء المغربي دون سواه.

وبالتالي فإن القضاء المغربي  ينعقد له الإختصاص وهو الذي كان عليه أن ينظر في  هذه الدعوى ويحاكم المجرمين الفرنسيين، نظرا لكون القانون المغربي يجيز ذلك.

فما هي الأسباب التي جعلت المتهمان يمثلان أمام القضاء الفرنسي؟

ثانيا: الاعتبارات السياسية والقانونية لاختصاص القضاء الفرنسي في قضية ابتزاز الملك.

يمكن القول أن أسباب محاكمة الصحفيين الفرنسيين في فرنسا بدل المغرب هي أسباب سياسية وحقوقية أكثر منها قانونية ، تنبأ لها صاحب الجلالة المعروف بالحنكة والذكاء،  وطالب بمتابعة هؤلاء أمام القضاء الفرنسي لأنه هو الأخر مختصا في الجرائم التي ترتكب داخل الجمهورية  الفرنسية ومن هذه الأسباب:

·       أن الملك يعين القضاة وفق ما يقضي به النظام الأساسي لرجال القضاء والفصل 58 من الدستور، بظهير شريف وهو الذي يعفيهم من مهامهم . وفي حالة ما إذا ثم عرض النزاع على القضاء المغربي فإن الرأي العام الوطني والدولي سيشكك في عدالة هذا الحكم ، بدعوى أن القاضي المغربي غير مستقل وتلقى أوامر وتعليمات في حكمه هذا، بل وقد يؤدي ذلك إلى اعتبار الملك خصما وحكما في الدعوى، لأنه هو القاضي الأعلى في البلاد . كما أنه سيكون من المستبعد ومن غير المنطقي أن يحكم القاضي الأصغر لغير صالح أو على القاضي الأكبر .

·       إن المحكمة التي وقعت الجريمة في دائرة نفوذها وهي محكمة باريس سيكون من السهل عليها القيام بإجراءات التحقيق لأنها هي الأقرب لمسرح الجريمة، خاصة وأن إجراءات البحث التمهيدي قامت به الضابطة القضائية الفرنسية؛

·       القضاء الفرنسي هو أكثر استقلالا من القضاء المغربي ،لذلك فضل الملك عرض النزاع عليه؛

·       سيعتقد الرأي العام في حالة عرض الدعوى على القضاء المغربي ، أن حكمه لم يكن موضوعيا، وإدانة الصحفيين بما نسب إليهما حاول تغطية الوقائع التي تم تداولها الكتاب .على عكس ما هو عليه الأمر حاليا لما عرض جلالة الملك النزاع على القضاء الفرنسي ورفض أداء المبالغ المالية مقابل عدم نشر ما جاء به الصحفيين في كتابهم ، فأصبحت هذه الإدعاءات حجة له أبانت عن قوة الملك وشجاعته فأصبح يقينا للكثير أن ما ينوي الصحفيين نشره هو ضرب من الخيال، ولا أساس له من الصحة؛

·       أن القضاء الفرنسي هو الآخر مختص لأنه يأخذ بمبدأ الإقليمية الذي يعطي للقاضي الفرنسي النظر في جميع النزاعات التي تقع في فرنسا مهما كانت جنسية أطراف النزاع؛

·       كما أن فرنسا هي دولة الحق والقانون التي تجعل من جميع الأشخاص متساوين أمام القضاء ودليل ذلك هو أن حكام الدولة ثم التحقيق معهم في عدة جرائم اتهمو بها الشيء الذي نفتقده في المغرب.

بقلم ذ هشام عزى
باحث في العلوم القانونية والسياسية بكلية الحقوق تطوان
 


أعلى الصفحة