قانون الأسرة

بقلم ذ عبد الناصر ابراهمي
باحث في المساطر القضائية
تحت عدد: 489
أثار الحكم الذي صدر عن المحكمة الابتدائية بطنجة في قضايا

 الأحوال الشخصية والذي قضى بثبوت بنوة البنت من أبيها البيولوجي وتعويض لفائدة أمها المدعية، أثار ردود أفعال متباينة، وقد جاءت في أغلبها عاطفية، وتنم عن عدم الإلمام بمقتضيات مدونة الأسرة، باستثناء بعض المقالاتالقانونية التي تناولت الموضوع بالتحليل القانوني والنقاش الموضوعي الرصين، ونحن نريد أن نضيف إليها هذا الإسهام المتواضع، والذي سنكتفي من خلاله بالوقوف عند ما صدر عن الدكتور أحمد الريسوني – وهو شخصية لها موقعها الاعتباري - الذي علقفي مقال له(1) تحت عنوان " نازلة طنجة في إثبات النسب من الزنى "على هذه النازلة بالقول: " إن حكم المحكمة بإثبات النسب في هذه الحالة حكم صحيح سديد. وكذلك لو حكموا بالنفقة للبنت، فهي مستحَقة وتابعة ضرورةً للحكم بثبوت النسب.

وأما الحكم للأم الزانية بالتعويض فهو مستغرب؛ إذ كيف يكافأُ شخص على فعل

 


  (1) المقال منشور بالموقع الإلكتروني العمق المغربي بتاريخ 25 فبراير 2017.

مجرَّم هو شريك فيه على التساوي مع الشريك الآخر. أما ما أصابها من ضرر مزعوم “فعلى نفسها جنت براقش”، ولذلك فهي مثل شريكها مستحقة للعقوبة لا للتعويض ".

وأعتقد أن رأي الأستاذ الريسوني هنا يحتمل التعليق عليه من ناحيتين على الأقل:

أحدهما: إن الحكم الصادر أقر ببنوة البنت من أبيها وليس بنسبها إليه، ومعلوم أن مدونة الأسرة ميزت بين ثبوت النسب وثبوت البنوة بشكل لا لبس فيه، حيث إنها بعد أن عرفت البنوة بأنها عبارة عن " تنسل الولد من أبويه "، أكدت أنها قد تكون شرعية أو غير

شرعية(1). وبعد أن أوردت الحالات التي تعتبر البنوة فيها شرعية(2)،أكدت من خلال المادة 148 على أنه " لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية "، وتأسيسا على ذلك أوردت محكمة النقض، في قرار لها تحت عدد 574 صادر بتاريخ 14/11/2007 في الملف عدد 465/2006، جاء في حيثياته: " والمحكمة لما ناقشت الوثائق المستدل بها من طرف الطالبة، في إطار سلطتها التقديرية، وثبت لها أن الإبن المذكور نتج عن علاقة غير شرعية، وذلك بإقرار الطالبة والمطلوب أمام ضابط الحالة المدنية، وأن الإبن المذكور غير شرعي، ورتبت على ذلك انتفاء نسب الإبن المذكور عن المطلوب، فإنها تكون قد عللت قرارها تعليلا كافيا "(3). وما دام أن النفقة والنسب هما من موجبات البنوة الشرعية فلا مجال للحكم بهما في هذه النازلة، لكون الإبن ناتج عن علاقة سفاح اختل معها شرط الفراش، وهو أحد أسباب ثبوت النسب،وبناء على ذلك فلا موجب للحكم بالنفقة التي هي من آثار الحكم بالنسبلا البنوة.

والثاني:استهجان الدكتور الريسوني للحكم بالتعويض لفائدة أم البنت، وهو أمر لا

 


(1)    المادة 142 من مدونة الأسرة

(2)   المادتان 144 و 152 من المدونة.

(3)   القرار الصادر عن محكمة النقض منشور ب " أهم قرارات المجلس الأعلى في تطبيق الكتاب الثالث من مدونة الأسرة "، الطبعة الأولى سنة 2010، مطبعة الأمنية، الرباط، ص 34 وما بعدها.

 

تملك معه المحكمة أي خيار آخر يخالف ما ذهبت إليه في هذه الواقعة، ذلك أن مقتضيات مدونة الأسرة شددت من خلال المادة 148 التي سبق ذكرها على أنه " لا يترتب على البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية "؛ وهذا التوجه الذي سارت إليه المحكمة يؤيدها فيه الدليل العملي  الذي أنجزته وزارة العدل لتقريب المفاهيم وتوحيد التطبيق السليم لمقتضيات مدونة الأسرة والذي أقر " إمكانية الرجوع إلى تطبيق القواعد العامة في باب تعويض الضرر الصادر عن الشخص الذي كان السبب في ولادة خارج الإطار المسموح به قانونا " (1)، وهذا بالضبط ما ذهبت إليه المحكمة في حكمها الصادر في هذه الواقعة والذي تم تأييده استئنافيا لنفس العلة على ما يبدو.     

         وأعتقد أن الدكتور الريسوني وهو واحد من أبرز علماء الأمة المشهود لهم بالعلم والجرأة والنزاهة الفكرية كان يقصد –ربما - أن الحكم المذكور جانب المقتضيات الشرعية مع أنه اعتبره " حكما صحيحا سديدا  !!"، وهذا أمر لا يستقيم كذلك، بالنظر إلى أن القاضيفي واقعة الحال هذه ملزم بتطبيق أحكام مدونة الأسرة التي تعتبر مقتضياتها في هذا الباب من النظام العام، بحيث لا يمكن للقاضي أن يحيد عن تطبيقها إلا عند عدم وجود النص، ووفقا للضوابط التي حددتها المادة 400 من المدونة(2)، وغني عن البيان أن وظيفة القاضي هي تطبيق القواعد القانونية وليس إنشاؤها، كما أن الاتفاقيات  الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان

 


(1) دليل عملي لمدونة الأسرة، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 1، 2004، الطبعة الثانية، يناير 2006، ص 97.

(2) التي جاء فيها " كل ما لم يرد به نص في هذه المدونة، يرجع فيه إلى المذهب المالكي والاجتهاد الذي يراعى فيه تحقيق قيم الإسلام في العدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف ".

 

 

 

والمرأة والطفل (1) التي صادق عليها المغرب تعتبر واحدة من مرجعيات مدونة الأسرة، وهي من بين ما استندت عليه المحكمة في إصدار هذا الحكم، ومعلوم أن هذه الاتفاقيات لا تتفق في الكثير من مقتضياتها مع أحكام الشريعة الإسلامية، مع أنها تسمو في تطبيقها على مقتضيات القانون الداخلي (2).

وانطلاقا مما تقدم يمكن القول إن المحكمة طبقت القانون تطبيقا سليما، وفقا للتعبير الذي اعتادت محكمة النقض استعماله في قراراتها، وإذا كان هناك من نقد بخصوص هذه النازلة فيتعين توجيهه إلى المشرع لا إلى المحكمة. 

 


(1)تنص اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 في الفقرة الأولى من المادة السابعة منها على ما يلي:   "يسجل الطفل بعد ولادته فورا ويكون له الحق منذ ولادته في اسم والحق في اكتساب جنسية، ويكون له قدر الإمكان، الحق في معرفة والديه وتلقي رعايتها ".     

(2) نصت الفقرة ما قبل الأخيرة من تصدير الدستور المغربي لفاتح يوليوز 2011 على " جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها على التشريعات الوطنية، والعمل على ملائمة هذه التشريعات مع ما تتطلبه تلك المصادقة".

بقلم ذ عبد الناصر ابراهمي
باحث في المساطر القضائية
 


أعلى الصفحة