القانون المدني- المسطرة المدنية

بقلم ذ باحماد الحسين
باحث في قانون الأعمال
تحت عدد: 770
استقر الفقهاء على تعريف الالتزام بأنه، رابطة قانونية بين شخصين أحدهما دائن والآخر مدين، يترتب بمقتضاه على الطرف المدين اتجاه الدائن، نقل حق عيني أو القيام بعمل

أو الامتناع عن عمل.1
ومن خلال التعريف يظهر أنه في كل التزام يربط بين شخصين يستلزم احترام كل طرف لالتزاماته العقدية والوفاء بها عند حلول الأجل، وكل إخلال أو تماطل في أداءها إلا والتزم المخل مسؤولية التعويض عن إخلاله و إهماله.
ومن بين تجليات عدم الوفاء بالالتزام هناك ما يسمى بنظرية جحود المدين للعقد، ومؤداها إتيان المدين فعلا يجعل تنفيذه لالتزامه مستحيل، أو إتيانه تصريحا بعدم التنفيذ، شرط أن يكون الالتزام مضاف إلى أجل وغير حال الأداء.2
وبالتالي فالجحود لا يرد على الالتزامات الحالة التي تستحق فيها الأداءات المتقابلة بمجرد انعقاد العقد، وإنما يرد على تلك المضافة إلى أجل حيث يكون الجحود بين انعقاد العقد وحلول الأجل.
ونشير إلى أن المشرع المغربي بالرغم من عدم أخذه بهذه النظرية إلا أن هناك بعض تطبيقات لها في ثنايا مدونة ق ل ع.
فما هي النصوص التي أصلت لهذه النظرية؟. وأين تتجلى آثار جحود المدين للعقد؟
للإجابة على هذه الإشكاليات سنحاول إبراز بعض تطبيقات نظرية جحود المدين للعقد في (المحور الأول) ،لنعرج في (المحور الثاني) لبيان الآثار الناتجة عن جحود المدين للعقد.
المحور الأول: بعض تطبيقات نظرية جحود المدين للعقد في ق ل ع:
بالرغم من أن المشرع لم يشر صراحة إلى اعتناقه لنظرية جحود المدين للعقد، إلا أنه يمكن إيجاد بعض تطبيقاتها في نصوص متناثرة في ق ل ع، وسنبرز حالتين لتلك التطبيقات وهي تلك المنصوص عليها في الفصل 139 من ق ل ع (أولا) ، ثم في الفصل 256 من نفس القانون (ثانيا)
أولا: حالة الفصل 139 من ق ل ع:
نصت الفقرة الأولى من الفصل 139 من ق ل على ما يلي:" يفقد المدين مزية الأجل إذا أشهر إفلاسه أو أضعف بفعله الضمانات الخاصة التي سبق له أعطاها بمقتضى العقد، أو لم يعط الضمانات التي وعد بها، ويطبق نفس الحكم على الحالة التي يكون المدين فيها قد أخفى عن غش التكاليف و الامتيازات السابقة التي تضعف الضمانات المقدمة منه".
وبالرجوع للفصل 138 من ق ل ع نلاحظ أنه أجاز للدائن الذي يقترن دينه بأجل أن يتخذ قبل حلول ذلك الأجل كل الإجراءات التحفظية و المطالبة بكفيل أو أي ضمانات أو أن يلجأ إلى الحجز التحفظي إذا كانت له مبررات معتبرة تجعله يخشى إعسار المدين أو فراره.
وبالربط بين أحكام الفصلين نستشف أن هناك بعض تطبيقات لنظرية جحود المدين للعقد، والتي تتجلى في إضعاف التأمينات المعطاة، عدم تقديم الضمانات الموعود بها، إخفاء عن غش للتكاليف والامتيازات السابقة المترتبة عن التأمينات.
وفي نفس الوقت ولحماية الدائن منح الفصل 138 لهذا الأخير حق اتخاذ إجراءات أو طلب ضمانات حفاظا على حقوقه خشية من إعسار المدين أو فراره.
ثانيا : حالة الفصل 256 من ق ل ع:
جاء في الفصل 256 من ق ل ع:" لا يكون الإنذار من الدائن واجبا : إذا رفض صراحة تنفيذ الالتزام . إذا أصبح التنفيذ مستحيلا. من خلال الفصل المذكور نرى أن هناك تطبيقا واضحا لجحود المدين للعقد، وذلك بتعبيره صراحة بأنه لن ينفذ التزامه عندما يحل أجله، أما بالنسبة للبند الثاني من نفس الفصل فإن الجحود لا يتحقق إلا بعدما يثبت بأن استحالة تنفيذ العقد ناتجة عن فعل ارتكبه المدين، كما إذا أتلف البائع عمدا الشيء المبيع قبل تسليمه للمشتري. 3
المحور الثاني: الآثار المترتبة على جحود المدين للعقد:
هناك مجموعة من الآثار والتي تترتب على جحود المدين للعقد وسنحصرها في ثلاث نقاط أساسية، سواء فيما يخص آثاره بالنسبة للأجل (أولا)، والإنذار (ثانيا)، وكذا على مبدأ حسن النية(ثالثا).
أولا: آثار جحود المدين للعقد على الأجل:
بالعودة إلى الفصل 139 من ق ل ع نستخلص أن أهم أثر مترتب على جحود المدين للعقد هو فقدان هذا الأخير لمزية الأجل ، وهذا ما نص عليه الفصل صراحة:" يفقد المدين مزية الأجل...".

ومن خلال الفصل السابق وأيضا الفصل 138 يتبين أن سقوط الأجل رهين بتوفر شرطين وهما إعسار المدين أو جحوده، ويحصل هذا الأخير إما بفرار المدين أو عدم تقديم أي ضمان أو إضعاف الضمان المعطى....4
ثانيا: أثر جحود المدين للعقد على الإنذار:
يهدف الإنذار إلى وضع المدين في موضع المتأخر عن تنفيذ التزاماته، وقد نص عليه المشرع في الفصل 255 من ق ل ع، حيث اشترط على الدائن توجيه إنذار للمدين إذا لم يكن العقد مقرون بأجل، أما إذا كان للالتزام أجل فلا حاجة لتوجيه أي إنذار، ويعد حينئذ المدين مسؤول عن الوفاء بمقتضيات العقد بمجرد حلول الأجل الوارد في السند.

وقد جاء الفصل 256 من ق ل ع بحالة أخرى لا يلزم فيها الدائن باحترام مسطرة الإنذار، وتتمثل بتوفر أحد تطبيقات نظرية جحود المدين للعقد، وهي تلك المنصوص عليها في الفصل المذكور -256 من ق ل ع.
وهكذا فأهم أثر يترتب على هذه النظرية بالنسبة للإنذار هي عدم إلزام الدائن بسلك مسطرة الإنذار، بمعنى آخر إعفاء هذا الأخير بتوجيه الإنذار كلما توفرت أحد الأسباب الواردة في الفصل 256 من ق ل ع، وذلك لأنه لم تعد فائدة ترجى من وراء إنذار المدين ما دام قد عبر صراحة قبل حلول أجل الوفاء بامتناعه عن التنفيذ، أو كون التنفيذ مستحيل لسبب يعود إلى المدين.

ثالثا: أثر جحود المدين للعقد على مبدأ حسن النية في تنفيذ الالتزامات:
يعد مبدأ حسن النية مبدأ عام نص عليه الفصل 231 من ق ل ع الذي جاء فيه:" كل تعهد يجب تنفيذه بحسن نية.."، وهذا المبدأ يقيد الدائن والمدين، ومفاد هذا المبدأ هو التزام أطراف العقد بتنفيذ بنود الالتزام بحسن نية ووفق الطريقة المتفق عليها.

ومن خلال هذا التعريف البسيط يمكن القول أن جحود المدين للعقد عن طريق الإمتناع عن التنفيذ عند حلول الأجل، أو إضعاف الضمانات أو عدم تقديمها، هو تصرف ينم ويعبر عن سوء نية المدين ويخالف أحكام الفصل المذكور.
ومن أهم الضمانات التي خولها المشرع للدائن عندما يثبت له سوء نية مدينه، المطالبة بالفسخ استنادا لأحكام الفصل 259 من ق ل ع، وأيضا بالتعويض طبقا للفصل 263 من نفس القانون، علاوة على تخويله حق التمسك بعدم التنفيذ والمنصوص عليه في الفصل 235 من ق ل ع5 ، وكل ذلك من أجل معاملة المدين بنقيض قصده.
وعموما يمكن القول أن قانون الالتزامات والعقود يتضمن بعض تطبيقات نظرية جحود المدين للعقد، خصوصا فيما يرتبط بآثار تلك النظرية، ونتمنى أن نكون قد حاولنا توضيح بعض الأفكار التي يحملها هذا الموضوع الشائك والدقيق ، والذي لا يزال يحتاج لكتابات وأبحاث معمقة.

1 -- المرحوم مأمون الكزبري: نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي ،ج 1 مصادر الالتزام ط 2 سنة 1972 ص 9.
2. - الطيب الفصايلي: جحود المدين للعقد وتطبيقاته في القانون المغربي،مجلة الملحق القضائي العدد 27، سنة 1993 ص 159.
3. - الطيب الفصايلي: م س ص 161.
4. -للتفصيل في هذه الحالات راجع: المرحوم مامون الكزبري،نظرية الإلتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود،ج2،ط 2، 1974 ص90 .
5. - للتفصيل في مؤسسة الدفع بعدم التنفيذ راجع أستاذنا عبد القادر العرعاري، نظرية العقد، الكتاب الـأول ، طبعة 3، 2013،مكتبة دار الأمان، الرباط ص 366.

بقلم ذ باحماد الحسين
باحث في قانون الأعمال