القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
تحت عدد: 713
منذ خمس سنوات خلت رحلت عن دنيا الناس احدى السياسيات الائي شغلن العالم ردحا من الزمن كما شغلته من قبل غولدامايير وتشغله الان مدام ميركل جرمانيا

انها المراة الحديدية مارغاريت تاتشير ,زعيمة الحزب المحافظ البريطاني ,عن الفترة الممتدة بين خمسة وسبعين وسنة تسعين من الالفية الماضية من القرن المنصرم اول انثى ساكنة الاقامة رقم عشرة بداونين ستريث – الحي السفلي- ,المخصصة لرئاسة الوزرارء البريطانيين المنتخبين ,فهي اذن اول انثى تتولى اوربيا وغربيا اعلى منصب انتخابي, ببريطانيا مهد الملكية والمحافظة الاخلاقية والسياسية بريطانيا اذن مع العاهلة الساكنة لقصر اجدادها بيكانغهام ,عرفت حكم الملكة الزابيث الثانية الحالية اطال الله عمرها والراسخون في معرفتها وجدوا سر تجدد شبابها في السباحة مع الدلافين قصر بيغنغهام الملكي كرس تقليد منذ زمن تشرشل عبر كافة الحكومات المتعاقبة ,انه تقليد التواصل السياسي الاسبوعي مع رؤساء حكومات بلدها ,امر يكاد يكون عرفا اليزابيتيا عرفت فيه طقوس الانحناء الواجب من ساكن اقامة عشرة بداونين ستريث الحكومي لساكن قصر البيغنغهام ,الملكي وكذلك كان الحال مع السيدة تاتشير زعيمة المحافظين ورئيسة وزراء بريطانيا ,لاثناعشر سنة زمنية تاتشير السياسية او بالاحرى الزمن السياسي الذي جاءت فيه ,كان زمنا قاسيا وشرسا كالذي عاشته بريطانيا عشية الخروج من اوربا العسكرية ,حيث فقدت عملتها ربع قيمتها في ليلة البريكسيت بلد الثنائية الحزبية بريطانيا ,المحافظون أي الموالون للراسمال يتواجهون مع الوجه الثاني للعملية السياسية أي حزب العمال- بارتي لابور- لذلك تشكل بريطانيا مهدالسياسية الحقيقية حيث وجهي الحياة يجسدان في الحياة الحزبية ,وان كانت الامور لم تعد كما كانت من قبل, او خلال الجمهورية الرابعة بفرنسا حيث البرلمانيين يستوون بالجمعية الوطنية ,وفق الانتماء الايديولوجي من اقصى اليمين للوسط لاقصى اليسارحيث المساواة في عز انتشائيتها حزب العمال البريطاني في صيغه السابقة على لبرلة بليرا,و الاتجاه التالث ,شكل كثل عمالية وطامحة للتغيير الجذري للمجتمع ,فالانتقال من المجتمع المابعد صناعي للتقني ,كان حابلا بازمات جمة ,على صعيد الدولة والاحزاب والديموقراطية ذاتها مدرسة العلوم السياسية المعاصرة, عرفت في تلك الفترة ,بروز افكار نيكولاس بولانتزاس حول نظرية الدولة ,حيث قام بعملية تصحيحية لمسار الاممية الاشتراكية التالثة ,وجبهتها الثانية المتمثلة في الحركة الطلابية والبيئية وتحرير المراة ,اضافة لانتقاده للدولة الراسمالية ذات الراسمال الاحتكاري وغير الاحتكاري ,معتبرا اياها عملاقا يقف على ارجل من قصب, ويتحرك تحت ارض تهتز من حوله بولنتزاس شخص الشمولية الجديدة او الكليانية الطغيانية ,بانها اما فاشية او ديكتاتورية عسكرية او بونابارتية, وظاهرة الجولاج التي عراها رائد الادب العالمي سلجنستنين ,خير مثال على ذلك ,وحتى الدولة الروزفلتية اعتبرها ذات نزوع استبدادي من خلال ميلها الفطري نحو تقوية السلطة التنفيذية

كان بولنتزاس وهو المعروف بتحليل الدولة اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا , حينما ابصر الحقيقة البيروقراطية وتوغل الراسمال الاحتكاري المتواطئ معه دولتيا وامبرياليا ,اقتنع بالتاسف على زمن البرلمانية الراديكالية الفرنسية, حيث المبادرة التشريعية ,قبل الجمهورية الخامسة بيد البرلمانيين ,طامحا لتحقيق دولة الحق والقانون ,التي يراقب فيها البرلمان السلطة التنفيذية والادارة,للخروج مما اسماه شارل غزافييه بالنموذج الفرنسي السيئ ,المدلل على الشعب المحتجز ونظرية شارل غزافييه حول الشعب المحتجز ,صارت الان على كل لسان فرنسيا ,في اطار حركة اصحاب الجيليات الصفراء ,هذه الحركة التي ركبت على غلاء اسعار المواد الطاقية ,لقيت مبادرتها استحسانا من قبل عموم المستهلكين ,وتفهم من الشرطة وولاة الامن الذين يضبطون كل صغيرة وكبيرة والقريبيبن جدا من الشان العام الفرنسي ,بالاجمال فرنسا تمر بنفس الظروف التي غير فيها المغرب العاصمة من فاس للرباط ,وامريكا من فيلادولفيا الى واشنطن ,انها ازمة سياسة وازمة البحث عن عاصمة بديلة تقي الشعب الفرنسي وعموم المصالح الفرنسية, قواصم هذا الزمن العنين كما سماه الشاعر امل دنقل ذاكان بولانتزاس قد وضع اليد على نظرية الدولة ,فان غافيني سارتوري قد وضع اليد على نظرية الديموقراطية ذاتها ,اضافة لكتابات روبير دال عمن يحكم ؟وعن مستقبل المعارضات المعاصرة ؟ لكن بالنسبة لمدرسة العلوم السياسية الدولية,فقد عرفت اهتزازا من الاعماق, اثر صدور كتاب تحليل النظام السياسي لدافيد استون ,وتمكن قراء الفرنسية من الظفر به وبمحتواه عبر ترجمة بيير غوشغون له ,فبعدما كانت الدراسات الكلاسيكية تدرس الخطابات السياسية,وعربيا هناك كتاب الخطاب السياسي العربي لمحمد عابد الجابري طوره لاحقا للعقل السياسي ,وهو اصلا امتداد لاشكالات التراث والحداثة التي اطلقها مروة وبعده ادونيس مرورا بالجابري نفسه جاءت تلك النظرية للفت النظر لتحليل النظام السياسي ذاته ,معتبرة اياه علبة مغلقة كبرج مراقبة الطائرات, يتلقى عبره الرهط الحاكم ,كافة الرسائل الواردة لمدخلاته, سواء كانت مطالب او دعائم ,واردة من محيط النظام الايكولوجي والبيولوجي والشخصي والاجتماعي والانظمة السياسية الدولية والايكولوجية الدولية والاجتماعية الدولية

وكل تلك المطالب تمر عبر المصفاة الذي يتولاه نظام المستشا رين من مختلف الاتجاهات السالفة الذكر ,فيتقبل ما يقدر عليه ويرد ما لاطاقة له به محيط الرئيس الفرنسي ماكرون مثلا ,تلقى عبر حركة اجتماعية وازنة طلب تخفيض فاتورة الطاقة الاستهلاكية للمواطن الفرنسي ,وماكرون رد في خطاب سياسي له انه مكبل بالتوفيق بين ثنائية نهاية الشهر ونهاية العالم التدبيري السياسي وان الطاقة الادخارية بيد مالكيها ,وان فرنسا تعيش انتقالية نحو تعددية الاقطاب الاستثمارية في مجال الطاقة ,فالمطالب اذن تعلل بالتبريرات التي تحرك كما قلت في العمق واقعا شبيها بواقع الولايات المتحدة ابان تغيير العاصمة ,او المغرب ابان نقل عاصمته السياسية للرباط ,فلكل شيئ سبب ,المواطن يتبع السببية التي قد تفضي لامور جيدة ,وقد تكون مجرد بحث فلسفي قديم عن العلة والمعلول ,وعن الجوهر الفرد وفق نظرية استون ,مربع او مستطيل النظام السياسي, في تفاعله مع محيطه المحلي والدولي ,يتخذ قرارات وافعال واقعية ,وهو مانسميه بالسياسات من خصخصة وتاميم وسوى ذلك من القرارت في زمنية الراحل جمال عبدالناصر اتخذ قرار في مصلحة بني وطنه المصريين بتاميم قناة السويس ,لكن المصالح الامبريالية التي لم يبيئ القرار وفق ارادتها, واجهت ذلك بالعدوان التلاثي في سنة 1954 بولنتزاس يرى بان القرارات هي ثمرة مجابهة بين الادارة والحكومة والاحزاب السياسية والنواب ,ومن هنا ايضا برزت نظرية القرار السياسي وكيفية اتخاذه ,سواء التاكتيكي او الاستراتيجي ,كما اشرت لحالتي الطاقة مع ماكرون وتاميم القناة مع عبدالناصر القرار فيه المرحلي والمستقبلي ,فاصبح معلوما ان التقرير اختيار ان تقرر معناه ان تختار – ديسيدي فو دير شوازيغ- ومن هذا المنحى كانت السيدة تاتشير صاحبة اختيارات استراتيجية خادمة لاوسع الفئات الاجتماعية ,فكانت قراراتها رحيمة بالدخول الفردية وقاسية على الاستهلاكات الفردية ايضا

فاعادت من ثمة بشكل ذكي توزيع الدخول عبر الية الخيارات الموازناتية الضريبية ,اضافة لاصطفافها لجانب المبادرة الفردية وحرية العمل ,فنابذت التدخل وجعلت مجاري وديان الرساميل الاستثمارية متخذة مسارها نحو بلدها بريطانيا ,حيث اطلقت مقولتها ,حين رفضها الانضمام للوحدة النقدية الاوربية, بان رزقها عائد لبلدها ,كانها تردد بيننا مقولة هارون الرشيد في غابر الازمان للغيمة, بان رزقها عائد الى امبراطوريته تاتشير لاتفكر باوربا وحدها, بل تفكر ببريطانيا العظمى, التي قال عنها كانط في كتابه العقل الخالص ,بان الله وهبها مملكة البحار, فهي اذن لاتغيب عنها الشمس لتواجدها الدائم في كل ارجاء المعمور ,لذلك اختلف الناس حولها ,,بين من يرى فيها مدمرة اوربا واخرون يعتبرونها, ارجعت لبريطانيا كبرها وعظمتها, فاصبحت عظمى معها وبها

انها المراة الحديدية صاحبة الانموذج التاتشيري ,حديدية لانها خرجت من معارك سياسية استطاعت فيها اتقان اللعب بسلاح ملتمس الرقابة الدستوري ,فحينما ربحته بعد قرن من الزمن ,واسقطت حكومة السيد غالاغان العمالية ,بتلاثة مائة واحد عشر صوتا مقابل مائة وعشرة اصوات ,جاءت بعدها السيدة تاتشير لسدة رئاسة الوزراء والهيمنة على اغلبية النواب بمجلس العموم

السيدة تاتشير تسمى بالمراة الحديدية ,لانها اعادت للثنائية الحزبية القطبية صلابتها ,ودحرت الحزب الليبرالي التالث ,كما انها دحرت خصومها العماليين, لحد دخلوا معه في دوامة مؤتمرات استثنائية وتغيير القيادات, من ويلسون لغالاكان, وغير ذلك , من انجاحها الظفر بملتس الرقابة او ملتمس القرن, لانه لاول مرة يعطي منتوجه , مع افشال ملتمسي رقابتهما المصوب ضد حكومتها ففولاذية السيدة تاتشير يشهد بها اذن خصومها الذين ادخلتهم في حيص بيص ,منذ انتخابها سنة خمسة وسبعين كزعيمة الحزب المحافظ وبعده رئيسة الوزراء ,وكثير منهم لم يلتقطوا انفاسهم الا بعد تواريها عن المعترك السياسي , الذي دل غباره على انهم امام فارسة بكل معاني الفروسية الاورومية ,حيث المراة هنا فولاذية وحديدية عصية على الهزم ,لما غادرت تاتشير تجووز خطاب الازمة واصبح الكل يتحدث عن النهضة الديموقراطية ,والطريق السياسي التالث ,طريق الاشتراكية الليبرالية ,كما عند السيد بلير توني ,رئيس الوزراء العمالي لاحقا ,او النظام التمثيلي الجديد كما عند الرئيس هولاند بفرنسا حيث اصبح الان التفكير جديا ,في ارساء نظام تمثيلي بنائب واحد عن كل تسعة الاف ناخب وفق طرحه وقتئذ,فالتمثيلية اليوم صارت هيكلية مثلها مثل التطبيب والتقاضي وسواها من مجالات الحياة عامة ,والنظام التمثيلي البرلماني ومعه الحزبية ,جزء صغير من تفاصيل منطق الدولة المعاصرة ,بل اصبح عدم الاستقرار الحكومي ضمن ميكانيزماته البهلوانية ,ولم يعد دليل عدم استقرار سياسي ,كما في غابر الازمان لكن مركز النفوذ شيئ اخر ,معنى هذا ان التمثيلية التشريعية جزء من السطوة البيروقراطية المعاصرة ,حتى ان معظم التشريعات مجرد تشريعات استئناسية سياسيا وقضائيا ,لانها لم تحز الاغلبية المطلقة من تصويت البرلمانيين ,وانضافت لهذا قضية العزوف السياسي الذي جعل العديد من الانظمة السياسية تشتغل باغلبية التلث ,وتقهقرت عن ديموقراطية الاغلبية المطلقة لعدة اعتبارات السيدة تاتشيرتتعامل مع مشاكل المجتمع ,باسلوب استخراج الدواء من الداء على الطريقة التطبيبية القديمة ,داوني بالتي كانت هي الداء تاتشير تمر راسا للتضادات, لاستخلاص الامل السياسي الواعد من القنوط ,فكانت واثقة الخطى نحو نهايات سياساتها المرسومة سلفا ,والمتجسدة فيما اسماه بولانتزاس باسطورة دولة الرفاهية العامة السيدة تاتشير يؤاخذ عليها بخصوص مواجهة الازمة الارلندية ,تعاملها معها باسلوب لايؤمن بانكسارات الهويات الوطنية لفائدة التنوع الواجب بين المركز والمحيط ,فليس كل مجابهة للعاصمة بالضرورة قاصمة سنة الف وتسعمائة وتسعين ,عرفت ايضا سقوط جدار برلين ,وكذلك حرب العراق مع الكويت ,حيث وصف صدام حسين المرحومة ساعتها بانها عجوز شمطاء ,الامر الذي هز مشاعرها معتبرة ذلك خارج عن لياقة ادب معاملات رؤساء الدول حتى في عز الزعزعة الحربية ,لكن الشرق الذي اختبر فنون الحكم ومررها لمدة ثمانية قرون بمطبخ الاندلس, اثر التصرف بتلك الطريقة التي تعيد الصراع الى جذره النوعي ,عوض الحديث عن النفوذ الدولي والحكام المحليين المقربين من تاتشير اعتبروا سهم صدام تجاهها جد مؤثر ,لانه انصب راسا لماغاريت الانثى ,وصدر عن الرجل الشرقي ذي الشارب الذي مثله صدام كما ان لكل بداية نهاية ,فقد كانت تلك المرحلة بداية تواري تاتشيراي ازمة الخليج ابان ضم الكويت للعراق ,الى ان اعلن عن تسليمها الروح لباريها عن عمر سبعة وثمانين سنة ,لتوارى الثرى ببلدها بكاتدرائية ساندروم في مراسيم الاجلال التي تتقدمها الملكة وزوجها ,لترحل تاتشير تاركة ورائها انموذج التاتشيرية ,الذي يحتاج لقلب كل مباحث السياسة والاجتماع للكتابة عنه

بقلم ذ طيرا الحنفي
كاتب ومحام مغربي بهيئة اكادير
 


أعلى الصفحة