القانون الاجتماعي

بقلم ذ عدنان بوشان
باحت في قانون الشغل والعلاقات المهنية
تحت عدد: 492
الاختصاص الحصري للمحاكم الابتدائية بنظر نزاعات الشغل الفردية

   ينص الفصل 18 من قانون المسطرة المدنية على أنه "تختص المحاكم الابتدائية ... بالنظر في جميع القضايا المدنية وقضايا الأسرة والتجارية والإدارية والاجتماعية ابتدائيا وانتهائيا أو ابتدائيا مع حفظ حق الاستئناف."

  كما ينص الفصل 20 من نفس القانون على أنه " تختص المحاكم الابتدائية في القضايا الاجتماعية بالنظر في:

 أ).....

ب)......

ج)....."

  وعلى ما يبدوا فإن المشرع المغربي لم يشر في أي مقتضى إلى إمكانية اللجوء إلى مؤسسة أخرى قضائية كانت أو إدارية أو كيف ما كانت للبت في نزاعات الشغل الفردية أو القضايا الاجتماعية، فهل يمكن اعتبار أن الاختصاص بنظر نزاعات الشغل الفردية هو اختصاص حصري للمحاكم الابتدائية دون غيرها من المؤسسات الأخرى وهل يعتبر حكرا على هذه الأخيرة نظرا  لما تخوله للطرف الضعيف في العلاقة الشغلية من حماية ونظرا كذلك لارتباطه بالنظام العام ؟.

  بالعودة إلى مقتضيات المادة 41 من مدونة الشغل نجدها تؤكد على أنه:

 " ...

يمكن للأجير الذي فصل عن الشغل لسبب يعتبره تعسفيا اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي المنصوص عليه في الفقرة 4 من المادة 532 أدناه من أجل الرجوع إلى شغله أو الحصوص على تعويض.

......

في حالة تعذر أي اتفاق بواسطة الصلح التمهيدي، يحق للأجير رفع دعوى أمام المحكمة المختصة، ....."

  وما يمكن أن نسجله من خلال مقتضيات هذه المادة هو أن المشرع المغربي قد خول للأجير وحده إمكانية الخروج عن قواعد الاختصاص المشار إليها أعلاه، وذلك بأن خوله إمكانية اللجوء إلى مسطرة الصلح التمهيدي والتي تدخل ضمن اختصاص جهة إدارية هي مفتش الشغل حسب مقتضيات المادة 532 من مدونة الشغل، هذا ما أكدت عليه الفقرة الثالثة من المادة 41، الأمر الذي يجعلنا نتساءل عن مدى إمكانية تجاوز الأجير مسطرة الصلح التمهيدي وإبدالها بمسطرة أخرى كيفما كانت طبيعتها أو الجهة التي تنظرها ؟.

  قد لا تسعفنا مقتضيات الفقرة الأخيرة من المادة 41 في الجواب عن هذا السؤال وذلك نظرا لما تحمله من دلالات أولها أنها أشارت إلى الصلح التمهيدي وحده كمسطرة اتفاقية يمكن للأجير أن يلجأ لها وهو ما تدل عليه عبارة (الاتفاق بواسطة الصلح التمهيدي)، وثانيا أن فشل هذه المسطرة يخول للأجير اللجوء إلى القضاء مباشرة لفض النزاع، وهو ما يؤكد غياب أي مقتضى صريح لإمكانية القول باختصاص الهيئة التحكيمية في نظر نزاعات الشغل الفردية.

 و بالانتقال إلى المشرع الفرنسي بخصوص هذه النقطة نجد أن المادة L1411-4  من قانون الشغل الحالي تؤكد على حصرية اختصاص نظر مجلس العمل الفرنسي في نزاعات الشغل الفردية، غير أن الإشكال الذي أثير بخصوص هذه المسألة هو تفسير تخلي المشرع الفرنسي في تعديله لقانون بولين 1979 على العبارة التالية "....باستثناء اتفاق التحكيم التالي لعقد الشغل." التي كانت جزءا من المادة L1411-4   الأمر الذي أثر على العمل الفقهي بين قائل بتخلي المشرع الفرنسي عن إمكانية اللجوء إلى التحكيم، وقائل بعكس ذلك استنادا على النقاش الذي دار بين وزير الشغل وأعضاء مجلس الشيوخ والجمعية الوطنية داخل قبة البرلمان والذي أكد فيه وزير الشغل "أنداك جون أرو" على أن لأطراف علاقة الشغل عرض نزاعاتهم على محكم ولكن في حالة انتهاء عقد الشغل، إلا أن العمل القضائي الفرنسي سرعان ما رجح الموقف الثاني من خلال قرار لمحكمة الاستئناف بباريس بتاريخ 14/12/1990 الذي أكدت من خلاله على أن الاختصاص الحصري لمجلس العمل الفرنسي ليس عقبة أمام اتفاق الأطراف على التحكيم.

 

مــجـــالات التـــحكيم وطبيعة قواعد قانون الشغل

  إذا كان الاختصاص بالنظر في نزاعات الشغل الفردية يدخل في اختصاص قضاء الدولة كما سبقت الإشارة إليه أعلاه نظرا للارتباط الذي لا زال قائما بين قواعد قانون الشغل ومفهوم النظام العام، فإن التساؤل يثار عن مجالات تدخل القضاء الخاص وعن مدى إمكانية لجوء الأطراف لهذا الأخير لفض نزاعاتهم حول الحقوق التي قد تنشأ إبان وبعد العلاقة الشغلية ؟.

  ينص الفصل 306 من قانون المسطرة المدنية على أنه " يراد بالتحكيم حل نزاع من لدن هيئة تحكيمية تتلقى من الأطراف مهمة الفصل في النزاع بناء على اتفاق تحكيم."

  فيما ينص الفصل 314 من ق م م على أن "عقد التحكيم هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف نزاع نشأ بينهم بعرض هذا النزاع على هيئة تحكيمية.

يمكن إبرام العقد المدكور ولو خلال دعوى جارية أمام المحكمة."

  وينص الفصل 316 من ق م م على أن "شرط التحكيم هو الاتفاق الذي يلتزم فيه أطراف عقد بأن يعرضوا على التحكيم النزاعات التي قد تنشأ عن العقد المدكور."

  إن الجواب عن التساؤل الذي عرضناه أعلاه يقتضي منا مناقشة مسألة مهمة تتعلق بضرورة الفصل بين ما له علاقة بالنظام العام وما لا يدخل ضمن هذا المفهوم، بمعنى آخر أين تتوقف حدود النظام العام في العلاقة الشغلية،

  لا شك في أن الأطراف وبمجرد الدخول في علاقة تعاقدية شغلية إلا ويكونان محكومان بقواعد قانون الشغل وهي قواعد آمرة كلها لها ارتباط بالنظام العام، ويبقى الاختلاف فقط حول ماهية هذه القواعد هل النظام العام فيها مطلق أم نسبي، وللتفرقة بين كلا المفهومين لابد من الإشارة إلى أن النظام العام المطلق أو التوجيهي يقتضي حماية المصلحة العامة وعليه يُمنع على الأطراف الاتفاق على مخالفة أحكامه ولو كانت تصب في مصلحة الأجير، ويُقصد بالنظام العام النسبي أو الاجتماعي إمكانية اتفاق الأطراف على مخالفة أحكامه إذا ما تضمنت مقتضيات أكثر فائدة للأجراء،

  لقد أكدت الفصول المشار إليها أعلاه أن التحكيم يكون إما بموجب اتفاق تحكيم ينصب على ما قد ينشأ من نزاعات ناتجة عن العلاقة القانونية أي أن التحكيم يأتي بعد نشوء النزاع بين الأطراف ويكون بذلك لهؤلاء الخيار وفق إرادتهم الحرة قبل اللجوء للقضاء الخاص اختيار قضاء الدولة، وذلك حسب ما تصبوا له إرادتهم، والملاحظ أن هذا النوع من التحكيم ينسجم وطبيعة العلاقة الشغلية خاصة بعد انتهاء هذه العلاقة بحيث يكون الأطراف في حل من عنصر التبعية، وبذلك يكون لهم أن يبرموا اتفاق تحكيم في الحقوق التي يملكون حرية التصرف فيها حسب تعبير الفصل 308 من ق م م، خاصة وأن عنصر التبعية يعد من أوجه النظام العام المطلق في قانون الشغل حيث لا يمكن تجريد المشغل من  سلطة التوجيه والإشراف وسلطة التأديب، كما أن هذا العنصر يعد معيارا أساسيا للتفرقة بين عقد الشغل وباقي المؤسسات الأخرى المشابهة، وقد أكدت محكمة النقض المغربية هذا الموقف بموجب قرار لها بتاريخ 12 شتنبر 2013، حيث جاء فيه أنه لا مانع يمنع طرفي عقد الشغل من إنهاء العلاقة فيما بينهما عن طريق التحكيم ما دام أن عنصر التبعية قد أصبح منعدما، وهو نفس التوجه الذي سبق لمحكمة النقض الفرنسية أن سارت عليه من خلال قرار لها بتاريخ 05/11/1984 والذي قضت من خلاله بإمكانية اللجوء إلى التحكيم بعد انتهاء عقد الشغل،

نفس الشيء بخصوص قرار لمحكمة الاستئناف بباريس بتاريخ 31 مارس 1980 والذي جاء فيه أن اتفاق التحكيم جاء بعد انتهاء عقد الشغل، ومعه صارت الأطراف حرة وقادرة على الاتفاق على حل وسط للنزاع.

   كما أن التحكيم قد يكون في شكل شرط تحكيم يضمنه الأطراف في العقد الذي يربطهما (عقد الشغل)، وبذلك فإن التحكيم هنا يكون مفروضا على الأطراف مند نشوء العلاقة القانونية ومتى ما نشأ النزع بينهما ولا يكون لهما سوى الاذعان للقضاء الخاص لفض النزاع، فهل يمكن التسليم بصحة إدراج شرط التحكيم في عقد الشغل ؟.

  لقد اتخذ القضاء الفرنسي موقفا عاما بعدم جواز إدراج شرط التحكيم في عقد الشغل على اعتبار أن ذلك من شأنه أن ينزع الاختصاص من قضاء الدولة وأن هذا الاختصاص متعلق بالنظام العام لا يجوز للأطراف تعديل أحكامه، وهو ما قضت به محكمة النقض الفرنسية في قرار لها بتاريخ 3 يونيو 1997 جاء فيه أن شرط التحكيم المدرج في عقد الشغل والذي يتنازل بموجبه الأطراف مسبقا عن اختصاص محكمة الشغل للنظر في الخلاف الناشئ بينهما وجعل أمر ذلك من اختصاص محكم يكون مخالفا للنظام العام وباطلا بالنتيجة.

 وقد أكدت محكمة النقض الفرنسية كذلك بموجب قرار لها بتاريخ 30/11/2011 والذي جاء فيه عدم انطباق شرط التحكيم مع المادة الشغلية، حيث اعتبرت أن شرط التحكيم محظور في عقد الشغل ويعتبر باطلا وكأن لم يكن وذلك تطبيقا لمقتضيات المادة 2061 من القانون المدني الفرنسي والمادة L1411-4 من قانون الشغل الفرنسي.

  ونجد أن القضاء الفرنسي اتجه خلاف ما عليه الحال بالنسبة لعقد الشغل الداخلي، نحو الإقرار بصحة شرط التحكيم المدرج بعقد الشغل الدولي لكن اشترط أن يبقى ذلك فقط في مصلحة الأجير دون المشغل، وهو موقف لم يظهر له وجود إلا بعد رفع فرنسا تحفظها على تطبيق اتفاقية نيويورك للتحكيم الدولي فيما يتعلق بتجارية النزاع سنة 1989، وقد عبرت محكمة النقض عن موقفها هذا في العديد من قراراتها من بينها قرار لها بتاريخ 16/02/1999 والذي اعتبرت من خلاله أنه يمكن اعتماد شرط التحكيم في عقد الشغل الدولي لكن فقط لمصلحة الأجراء حيث يحظر استخدام هذا الشرط ضد هؤلاء ولمصلحة المشغل، وعليه فإن شرط التحكيم لا تكون له أي فعالية في وجه الأجير إذا لم يطالب بتطبيقه.

 

  خلاصة القول أن التحكيم في قانون الشغل قد عرف تطورات كبيرة على المستوى الدولي كانت بوادرها بالدفاع عن مشروعيته وأهميته في فض نزاعات الشغل، إلى أن تم الإقرار التشريعي به ولو ضمنيا، وصراحة تبنيه من طرف القضاء ولو في حدود، لتكون النتيجة المبادرة الفعالة للعديد من المتخصصين والممارسين إلى تأسيس مراكز دولية للتحكيم في نزاعات الشغل تضم محكمين متخصصين في المادة الشغلية، هذه المراكز مستقلة في قواعدها ومساطرها عن المراكز العامة للتحكيم.

 

 

 

 

المراجع المعتمدة:

Ø    أمينة رضوان، مدونة الشغل من خلال الاجتهاد القضائي، مطبعة الأمنية الرباط، 2016.

Ø    ربى الحيدري، التحولات في عقد العمل بين القانون المدني وقانون العمل، المؤسسة الحديثة للكتاب، الطبعة الأولى 2015، لبنان.

Ø    مصطفى بونجة، التحكيم في نزاعات الشغل الفردية تعليق على قرار محكمة النقض، مجلة العلوم القانونية، العدد الثالث، مطبعة الأمنية الرباط، 2015. 

Ø Nicolas Pottier, la légalité du recours a l’arbitrage en droit du travail, www.afa-arbitrage.com.

بقلم ذ عدنان بوشان
باحت في قانون الشغل والعلاقات المهنية
 


أعلى الصفحة