التراضي على الطلاق بين الإجراءات القانونية وواقع الـممارسة العملية - Alkanounia.com

 
قانون الأسرة

بقلم ذ لطيفة الشدادي
دكتورة في الحقوق
تحت عدد: 580
إن الحياة الزوجية لا تقوم إلا على أساس المودة والرحمة وحسن المعاشرة، وأداء كل من الزوجين ما عليه من حقوق وواجبات، لكن قد يحدث أن يكره الزوج زوجته، أو تكره هي زوجها، والإسلام في هذه الحالة يوصي بالصبر والتحمل

لقوله عز وجل : وعاشروهن بالمعروف، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا
إلا أن البغض قد يتضاعف، ويشتد الشقاق، وينفذ الصبر، وتصبح الحياة الزوجية غير قابلة للإصلاح، فحينئذ يرخص الإسلام بالطلاق، الذي لا يلجأ إليه إلا عندما يتعذر تحقيق الهدف الأساسي من الزواج، وحين تقتضيه المصلحة كاستثناء من الأصل العام.

وقد اختار واضعي مدونة الأسرة فيما يتعلق بالطلاق السير على نهج أحكام الشريعة الإسلامية حرصا على تطبيق مقاصدها، وتبعا لذلك كرس المشرع المغربي الأمور المقررة شرعا في الإسلام، حيث سمح للزوجين أن يتفقا على إنهاء العلاقة الزوجية بينهما بالطريقة التي يرونها مناسبة، بشرط احترام أحكام مدونة الأسرة، وعدم المساس بحقوق الأطفال.

إن المشرع المغربي ومحاولة منه الموازنة بين الالتزام بأحكام الشرع، وبين ما يقتضيه روح العصر والتطور، فقد عمل على تكريس مظهر من مظاهر المساواة بين الجنسين في إنهاء العلاقة الزوجية، على اعتبار أنه ما دامت إرادة الزوجين هي التي أبرمت عقد الزواج، فإنه لا يمكن وضع حد لهذا العقد إلا إذا اجتمعت الإرادتين معا على ذلك. وهذا شأن الطلاق الاتفاقي والخلعي.

وقد تضمنت مدونة الأسرة عدة مقتضيات تتأسس على مبدأ الإرادة والاتفاق على إنهاء الرابطة الزوجية، وذلك من خلال إنشائها لمؤسسة الطلاق الاتفاقي، والتي تعتبر إحدى أهم المؤسسات التي تقوم عليها معظم الأنظمة القانونية الأوروبية. على اعتبار أن مدونة الأحوال الشخصية السابقة، لم تكن تتضمن مقتضى يتعلق بهذه المؤسسة، الأمر الذي تمخض عنه العديد من الإشكاليات القانونية والاجتماعية، تتعلق أساسا بعدم تنفيذ الأحكام القضائية الأجنبية الصادرة على مستوى إنهاء الروابط الأسرية للجالية المغربية عن طريق الاتفاق.

ويعتبر الطلاق الاتفاقي من أهم المستجدات التي جاءت بها مدونة الأسرة، وذلك استجابة لرغبة الزوجين اللذان يودان عدم إشهار الخلاف باللجوء إلى القضاء وما ينتج عن ذلك من خلافات تمتد آثارها إلى الأطفال. وهكذا أتاح المشرع المغربي للزوجين حرية إنهاء الرابطة الزوجية بطريقة ودية وحضارية من خلال سنه لمبدأ التراضي على الطلاق. فهذا النوع من الطلاق يجسد مسؤولية الزوجين المشتركة في إنهاء العلاقة الزوجية، كما يعتبر البديل النموذجي والحضاري لظاهرة التصادم والمواجهة أثناء حل ميثاق الزوجية.

وإذا كان الطلاق الاتفاقي يقع بمشاركة الزوجين معا، وتحت مراقبة القضاء، باعتباره الوسيلة الناجحة لتحقيق ضمانات للزوجين، سواء على المستوى الإجرائي، أو على مستوى الحقوق والمكتسبات الناتجة عنه. فهل استطاع أن يحقق فعلا المساواة بين الزوجين عند انحلال الرابطة الزوجية ؟ وإلى أي حد ساهم في تقليص التفاوت بين الأنظمة التشريعية والعمل على فض النزاعات الأسرية ؟

إن محاولة مناقشة هذه الإشكالية تستلزم دراسة مؤسسة الطلاق في القانون المغربي والمقارن للوقوف على أوجه الائتلاف والاختلاف فيما يتعلق بمبدأ التراضي على إنهاء العلاقة الزوجية (المطلب الأول)، وأيضا الوقوف على الإشكاليات المطروحة على مستوى العمل القضائي وحصيلة ذلك (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الطلاق باتفاق الزوجين على ضوء قانون الأسرة المغربي والمقارن

فكما تتكرس مسؤولية الزوجين على نحو مشترك عند قيام الرابطة الزوجية، يمتد سريان هذه المسؤولية المشتركة حتى إنهاء هذه الرابطة، وذلك عبر إقرار المشرع المغربي في مدونة الأسرة لنوع من التوازن والمساواة القائمين على احترام إرادة كل من الزوج والزوجة في إنهاء العلاقة الزوجية التي تجمعهما، عن طريق تخويلهما حق الاتفاق على الطلاق.

ولأجل معرفة إلى أي حد كان مشرع مدونة الأسرة موفقا في منح الحرية لإرادة الزوجين المشتركة في إنهاء الرابطة الزوجية عن طريق الطلاق الاتفاقي، سنعمل على تحليل النص التشريعي المنظم لهذا الطلاق، ومقارنته مع أحكام الشريعة الإسلامية (الفقرة الأولى)، ومع باقي التشريعات المقارنة التي تبنت هذا النوع من الطلاق وقننته صراحة ضمن قانونها الشرعي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: التراضي على الطلاق في الفقه الإسلامي وقانون الأسرة المغربي
إن التشريع المغربي في إطار مدونة الأسرة، عمل على توسيع مبدأ سلطان الإرادة لكلا الزوجين، وانطلاقا لتأثره بهذا المبدأ أحدث ما يسمى بالطلاق الاتفاقي. وهذا النوع من الطلاق يعد مظهرا من مظاهر المسؤولية التشاركية للزوجين في إنهاء الرابطة الزوجية القائمة بينهما عن طريق ودي، دون إشهار أسباب الخلاف بمساطر ومرافعات قضائية، بالإضافة إلى ما يحققه هذا الاتفاق من مرونة في العلاقات لاسيما إزاء الأطفال. وهذا يدل على أن الزوجين يتمتعان بدرجة عالية من الوعي، الذي يسمح لهما بالتفكير بعقلانية وتدبر، وتجنبا منهما لأي مواجهة أثناء حل ميثاق الزوجية، وعدم رغبتهما في كشف سبب خلافهما أو المتسبب فيه حرصا وحفاظا منهما على أسرار حياتهما الزوجية.

وبالرغم من أن الفقه الإسلامي لم يهتم بهذا النوع من الطلاق على عكس الطلاق الخلعي الذي توجد العديد من الأسانيد الشرعية التي تؤطره. إلا أن الطلاق الاتفاقي لا يصطدم مع روح الشريعة الإسلامية، ويجد سنده الشرعي في قوله عز وجل: يأيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود . وقوله سبحانه وتعالى:وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ولا تنقضوا الإيمان بعد توكيدها وقد جعلتم الله عليكم كفيلا إن الله يعلم ما تفعلون.

إن الحكمة من تشريع الطلاق الاتفاقي ترجع إلى الحكمة من تشريع الطلاق بصفة عامة، الذي لم يشرع إلا لرفع الضرر والمشقة وتجاوز الخلافات والشقاق الذي يتخلل الأسرة، فلم تعد المودة والرحمة والانسجام تعرف طريقها إليهما، ليبقى الحل الأمثل بين الزوجين هو الانفصال بطريقة ودية ورضائية، حرصا منهما على عدم تصعيد الوضع. فيصبح ذلك اتفاقا واحتراما لحدود الله تعالى، لأنه لا يكلف نفسا بما لا تطيقه، وهذا من حكمة الخلاق وعظمته في تنظيم شؤون خلقه بالرأفة عليهم، فلم يجعل الزواج قيدا أبديا في حالة استحالة العشرة بين الزوجين، فتكون الفرقة بينهما الحل الوحيد تحقيقا لما أرشد إليه الإسلام في مثل هذا الوضع.

أما بخصوص موقف المشرع المغربي من الطلاق الاتفاقي، فلم يكن في مدونة الأحوال الشخصية السابقة، أي نص تشريعي يشير صراحة أو ضمنا إلى حل ميثاق الزوجية بتراضي الزوجين، بل كانت المبادرة تأتي دائما من الزوج أو وكيله أو من فوض له ذلك طبقا للقانون، واستثناء للزوجة إذا ملكت هذا الحق.

أما بالنسبة لمدونة الأسرة فقد نصت على الطلاق الاتفاقي ونظمت أحكامه مسايرة في ذلك التطور الحاصل في مجال إقرار مبدأ المساواة بين الرجل والمرأة في حق الطلاق دون المساس بكرامتها أو بشعورها، وكنتيجة أيضا لمصادقة المغرب على الاتفاقية الدولية التي تنادي بإقرار المساواة بين كلا الجنسين، خاصة تلك المتعلقة بالقضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة. وهكذا عملت على إدخال مبدأ سلطان الإرادة في مجال الروابط الأسرية، والتوسع من دائرة حرية الإرادة المشتركة ليشمل ميدان الطلاق، من خلال الاتفاق على إنهاء العلاقة الزوجية بشروط أو بدون شروط. وذلك وفق ما نصت عليه المادة 114 من م.أ والتي جاء فيها: "يمكن للزوجين أن يتفقا على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية دون شروط، أو بشروط لا تتنافى مع أحكام هذه المدونة، ولا تضر بمصالح الأطفال.

عند وقوع هذا الاتفاق، يقدم الطرفان أو أحدهما طلب التطليق للمحكمة مرفقا به الإذن بتوثيقه".

يتضح أن المشرع المغربي قد سن من خلال هذا المقتضى مبدأ التراضي على الطلاق من خلال فسح المجال أمام الزوجين لإنهاء حياتهما الزوجية المشتركة، بنفس الكيفية التي أنشئت بها، نظرا لاستحالة العشرة بينهما، ولرغبتهما في تجنب الخلافات أو المشاكل التي تظهر عادة إذا ما صدر الطلاق من جانب واحد دون موافقة الطرف الآخر.

ومما لاشك فيه أن مبدأ التراضي المؤسس عليه الطلاق الاتفاقي، لا يعتد به إلا إذا كان نابعا عن إرادة حرة كاملة وسليمة من كل العيوب التي قد تؤثر على رضا الزوجين معا، وأن يكون معبرا عن الرغبة الحقيقية المتجهة نحو إنهاء العلاقة الزوجية، وهي الغاية والهدف الذي تبتغيه وتسعى إليه الإرادتين معا. لذلك فإن الإرادة المعبرة عن الاتفاق على توقيع الطلاق الاتفاقي لا يجب أن تعترضها عوارض تؤثر على توجهاتها وتصوراتها من قبيل الضرر أو الإكراه أو التدليس. فالطلاق الاتفاقي باعتباره عمل تعاقدي مبني على التوافق والتراضي، فإنه يجب أن يكون صادرا عن إرادة حرة واعية خالية من كل ما قد يعيبها أو يشوبها من عيوب الإرادة، كشروط عامة واردة ومتطلبة فيه.

فالطلاق الاتفاقي لا يتصور أن يصدر عن غير رضى واختيار الزوجين له، فالأصل فيه أنه لا يتم إلا لوجود إصرار وعزم ورغبة مشتركة بينهما في الافتراق، إلا أنه من خلال الاطلاع على الأحكام القضائية الصادرة بشأن الطلاق نجد أن الزوجة غالبا ما تتنازل عن كل مستحقاتها ومستحقات أبنائها مقابل الطلاق الاتفاقي، ويكون ذلك تحت تأثير إرادة الزوج عن طرق استعماله لبعض الحيل القانونية من أجل إرغام الزوجة ودفعها للمطالبة بالطلاق الاتفاقي ويتخذ الاتفاق على الطلاق وفق مدونة الأسرة صورتين :

الأولى : الإتفاق على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية مع إسناد النظر للمحكمة لتحديد مستحقات الزوجة والأبناء، حيث يتراضى الزوجان على الطلاق دون أن يتم الاتفاق على الآثار المترتبة عنه، تاركين الأمر لما تضمنته المقتضيات القانونية للمدونة وللسلطة التقديرية للقاضي.

الثانية : الإتفاق على مبدأ إنهاء العلاقة الزوجية، وكذا على الآثار المترتبة عن الطلاق، سواء ما يتعلق بتنظيم العلاقات الشخصية فيما بينهما، أو علاقتهما بالأطفال في حالة وجودهم.

وبهذا منح المشرع المغربي للزوجين حرية الاختيار في حالة الاتفاق على الطلاق، بين الخضوع إلى النظام القانوني لانحلال الرابطة الزوجية، وبين اللجوء إلى النظام التعاقدي. إلا أنه أخضع هذا الاتفاق لمراقبة القضاء الذي يمارس سلطته التقديرية في مراعاة مدى التزام الزوجين بحماية حقوق أطفالهما واحترام أحكام المدونة، إذ يمكن للقاضي رفض الإذن بالطلاق الاتفاقي، أو القيام بتعديل الاتفاق إذا استدعت الضرورة ذلك.

وعليه تكون مدونة الأسرة قد سمحت للزوجين بحرية اشتراط فيما بينهما، سواء تعلقت هذه الشروط بحق أحد الزوجين، أو بأحد الحقوق المشتركة بينهما. ولعل من ضمن هذه الشروط التي يمكن الاتفاق عليها في هذا الإطار، أن تأخذ ا لزوجة مقابلا ماليا يضاف إلى حقوقها الشرعية، أو أن تضاعف لها حقوق أطفالها، أو أن يشترط الزوج المطلق على مطلقته أن يبيت أولاده معه مرتين في الأسبوع، أو ألا تسافر بهم إلا بإذن صريح منه.

وإذا كنا أمام طلاق اتفاقي، فيجب عدم الاتفاق على شروط تحوله إلى خلع، كإعطاء الزوجة لزوجها مقابلا ماليا، أو تنازلها عن نفقة أطفالها مقابل طلاقها، وإلا وجب تطبيق أحكام طلاق الخلع.

إن الاتفاق على الطلاق لا يجب أن يمس بحقوق ومصالح الأطفال، فهذه الحقوق لا يجب أن تكون محل مساومة، كأن يوجد شرط يقضي بعدم رؤية أحد الأبوين لأطفاله، أو اشتراط حرمان الأطفال من النفقة، أو أجرة الحضانة بإسقاطها عن الأب والأم عاجزة عن الإنفاق. وغيرها من الشروط التعسفية، وهنا يتجلى دور القضاء في مراقبة بنود الاتفاق المبرم بين الزوجين من أجل التأكد من عدم المساس بحق من حقوق الأطفال.

فالطلاق الاتفاقي وإن كان يستند كأساس للرغبة الإرادية لطرفيه، اللذين يستقلان بتقدير دوافعه وموجبات إيقاعه، فإن ذلك لا يجرد بأي حال من الأحوال المؤسسة القضائية من أحقية فرض الرقابة عليه. فعند حصول الاتفاق يتقدم الزوجان أو أحدهما بطلبهما إلى المحكمة الابتدائية –قسم قضاء الأسرة- مصحوبا بعريضة الاتفاق، للإذن بتوثيقه، وتحاول هذه الأخيرة الإصلاح بين الزوجين، وفي حالة إذا ما تعذر ذلك تأذن المحكمة بالإشهاد على الطلاق الاتفاقي، كما تأذن بتوثيقه بعدما تكون قد فحصت محتوى هذا الاتفاق ومشروعية الشروط إن وجدت.

لكن المشرع المغربي لم يتطرق في المادة 114 من م.أ. إلى الحالة التي يتم فيها تراجع الزوج عن توثيق الطلاق الاتفاقي بعد إذن المحكمة به، والاتفاق على جميع الآثار المترتبة على الطلاق. وهذا بخلاف ما ذهب إليه المشرع الفرنسي في المادة 233 من القانون المدني حين اعتبر أن الاتفاق غير قابل للتراجع ولو بالطعن بالاستئناف.

ومن خلال استقرائنا للدليل العملي الذي أعدته وزارة العدل لشرح مدونة الأسرة، نجده ينص على أنه: "يتم الإشهاد ممن أذنت له المحكمة به من الزوجين داخل أجل لا يتعدى خمسة عشر يوما من تاريخ تسلم الإذن". مما يوضح أن الإشهاد على الطلاق الاتفاقي يتوقف فقط على إذن المحكمة عند الاتفاق بين الزوجين، ومتى حصل هذا الإذن يحق لأي أحد من الزوجين الإشهاد به لدى العدلين ما دامت العبرة بإرادتهما القبلية لا بالحضور أمام العدلين.

ثم نشير إلى أن المادة 114 من م.أ. وإن لم تحل على المادتين 84 و85 من نفس المدونة والخاصتين بإيداع حقوق الزوجة والأطفال، فإن الطلاق الاتفاقي هو نوع من أنواع الطلاق الذي يفرض تطبيق تلك المقتضيات جميعها ولو حصل الطلاق بمحض الإرادة والاتفاق، وإلا انتفت كل غاية من الإشراف القضائي المنصوص عليها في المادة 114 من مدونة الأسرة.

ومما سبق يتضح أن المشرع المغربي وإن سعى إلى تكريس مبدأ المساواة بين الزوجين عند انحلال الرابطة الزوجية بالاتفاق على الطلاق، مع الأخذ بعين الاعتبار مصالح الأبناء، إلا أن هذه المساواة تبقى نسبية مقارنة مع ما ذهبت إليه بعض التشريعات المقارنة.

الفقرة الثانية: الإتفاق على الطلاق في القوانين المقارنة
إن مدونة الأسرة في إطار ملاءمة القانون الوطني مع القوانين المقارنة، نظمت الطلاق الاتفاقي بمقتضى المادة 114، لذلك سنعمل على مقارنة ما جاءت به المدونة من مستجدات بخصوص هذا الطلاق، مع ما تنص عليه باقي التشريعات الأسرية المقارنة في هذا الإطار، سواء العربية منها (أولا)، أو الغربية (ثانيا).

أولا: موقف القوانين الأسرية العربية من الطلاق بالتراضي

سارت التشريعات العربية على نفس النهج الذي سار عليه المشرع المغربي، حيث عملت على تنظيم الطلاق الاتفاقي باعتباره يمثل شكلا حضاريا لإنهاء العلاقة الزوجية دون نزاع أو خلاف، وذلك عبر التراضي بين الزوجين، وهذا ما لا يتعارض مع المبادئ المقررة في الدين الإسلامي الحنيف، بل هو نمط سامي لكونه لن يتسبب في إلحاق الأذى أو الضرر من طرف للآخر، ما دام أن قوامه سليم مبني على حرية الاختيار والإرادة نظرا لاقتناع طرفي العلاقة الزوجية باستحالة استمرار الحياة الزوجية بينهما. ومن بين صور الطلاق الاتفاقي في قانون الأسرة الليبي هو تراضي الزوجين على إنهاء العصمة الزوجية بينهما دون أن يكون في هذا الحالة أي حكم موجب بالتعويض على الزوجة، وذلك عندما يتبين لهما أن الحياة الزوجية قد وصلت إلى طريق مسدود، لأسباب قد تكون من قبل الزوج أو من قبل الزوجة، أو لأسباب مشتركة بينهما، واتفقا على إنهاء العلاقة الزوجية بينهما، كان ذلك جائزا شرعا وقانونا. وهذا ما نصت عليه الفقرة الأولى من المادة 35 من قانون الأسرة الليبي والتي جاء فيها: "يقع الطلاق باتفاق الطرفين في حضور الزوجين أو وكيليهما بوكالة خاصة".

ونفس المنحى سلكه المشرع الجزائري الذي خول للزوجين إمكانية الاتفاق على إنهاء الرابطة الزوجية بإرادتهما المشتركة، وأن الطلاق الاتفاقي لا يثبت إلا بحكم، بعد قيام القاضي بمحاولة الصلح. وهكذا ورد في المادة 48 من قانون الأسرة الجزائري : "لا يحل عقد الزواج الذي يتم بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين أو بطلب من الزوجة...".

جاء في قرار المحكمة العليا الجزائرية : "من المقرر قانونا أن يتم الطلاق بإرادة الزوج أو بتراضي الزوجين ويثبت بحكم بعد محاولة صلح من طرف القاضي، ومتى تم الاتفاق بين الطرفين يصادق على شروطه، ولا يجوز بعد ذلك للأطراف الرجوع فيه".

يتضح أن المشرع الجزائري وعلى عكس المشرع المغربي نص على أن الطلاق الاتفاقي يتم بمقتضى حكم، وأنه لا يجوز الرجوع فيه، وهذا بخلاف ما ذهب إليه القضاء المغربي الذي اعتبر تراجع الزوج عن توثيق الطلاق الاتفاقي بمثابة سند يخول للزوجة اللجوء إلى مسطرة الشقاق، وأنه لا يجوز لها استكمال باقي الإجراءات الإدارية دون الزوج الذي له الحق في توثيقه، مما يجعل معاناة الزوجة تستمر، وتعيش عدم الاستقرار من جديد، وهذا لضرب لروح مؤسسة الطلاق الاتفاقي والغرض من تشريعها. لذلك يتعين على المشرع المغربي التنصيص على أن الطلاق الاتفاقي يتم بحكم سدا لذريعة تطويل الإجراءات في حالة التراجع عن توثيقه.

أما المشرع التونسي فقد وضع الطلاق تحت رقابة القضاء، وأقر ثلاث حالات يمكن فيها للزوج أو الزوجة على حد سواء طلب الطلاق، وذلك بموجب الفصل 31 من مجلة الأحوال الشخصية التونسية الذي نص على أنه يحكم بالطلاق:
بتراضي الزوجين.
بناء على طلب أحد الزوجين بسبب ما حصل له من ضرر.
بناء على رغبة الزوج إنشاء الطلاق أو مطالبة الزوجة به.
وهكذا يتضح أن المشرع التونسي ذهب بعيدا في هذا الإطار حين جعل الحق في الطلاق يمارسه كلا الزوجين، سواء عن طريق الاتفاق، أو من طرف أحد الزوجين. مقررا بذلك مساواة تامة بينما في اللجوء إلى هذه المسطرة، فلكل واحد منهما الطلاق، ومن تعسف في طلبه يعوض الطرف الآخر، كما سوى في الحقوق بين الأم والأب بعد التعديلات التي أدخلت على مجلة الأحوال الشخصية التونسية سنة 1999. وهذا بخلاف ما ذهب إليه المشرع المغربي فهو وإن جعل الطلاق تحت مراقبة القضاء، ويتم باستدعاء الزوجة للاستماع إليها، إلا أنه ظل حقا بيد الزوج لا يتطلب سوى الإذن به من طرف القاضي، ولا يحق للزوجة اللجوء إليه إلا في حالة الطلاق الاتفاقي، أو إذا ملكها الزوج منه. لذلك كان على المشرع المغربي إقرار المساواة بين الزوجين في ممارسة الحقوق والمسؤوليات المشتركة تجاه أطفالهما من حيث الرعاية والحماية والإعالة بعد الطلاق، مع ترك لهما الحق في تنظيمها تحت مراقبة القضاء، على الأقل عندما يتعلق الأمر بالطلاق الاتفاقي.

وبالرجوع إلى قوانين الأحوال الشخصية الخليجية نجدها اقتصرت فقط على تنظيم الطلاق الخلعي الذي يعتبر طلاقا رضائيا بالنسبة لهذه التشريعات، ولم تنص على الطلاق الاتفاقي، رغم الإجحاف الذي يلحق بالمرأة من خلال الأمور التعسفية التي قد يطلبها الزوج من زوجته كمقابل للطلاق، وكان من الأفضل لو وسعت هذه التشريعات من أنواع الطلاق الرضائي ليشمل الطلاق الخلعي والاتفاقي.

ثانيا: موقف القوانين الغربية من الطلاق بالاتفاق
إن معظم التشريعات الغربية إن لم نقل جلها تنظم إجراءات الطلاق بالتراضي. لذلك سنقتصر على ذكر البعض منها.

إن المشرع الفرنسي حدد أسباب التطليق في ثلاثة أنواع، وذلك بموجب المادة 229 من القانون المدني الفرنسي التي تنص على أنه: "يحكم بالتطليق في الحالات التالية:

إذا اتفق كل من الزوجين Divorce par Consentement mutuel.
إذا انقطعت الحياة المشتركة بينهما منذ مدة Divorce pour rupture de la vie commune.
إذا أثبت أحد الزوجين خطأ الآخر Divorce pour faut.
يتضح من خلال مقتضيات هذه المادة أن المشرع الفرنسي أباح للزوجين إمكانية الاتفاق على الطلاق، والذي يأخذ شكلان : الطلاق بالتراضي المشترك، والطلاق المطالب به من طرف الزوج والمقبول من الزوج الآخر.

وهكذا نص المشرع الفرنسي على إمكانية الاتفاق بين الزوجين على الطلاق من خلال المادتين 230 و233 من القانون المدني الفرنسي.

فبعد أن خولت المادة 230 للزجين الاتفاق على الطلاق الذي يمكن طلبه من قبل الزوجين في حالة الاتفاق على إنهاء الزوجية، وكذا الاتفاق على الآثار المترتبة عليه، ويخضع مشروع الاتفاقية المنظمة لآثار الطلاق لتقدير القاضي.

نجد المادة 233 من نفس القانون تمنح للزوجين إمكانية طلب الطلاق من طرف أحد الزوجين وقبول من الآخر، أو بطلب الطلاق من الزوجين معا، بعد اتفاقهما على إنهاء الزوجية دون تحديد الآثار.

وعلى هذا الأساس يعمل القاضي الفرنسي على مراقبة طلب الطلاق واتخاذ أحد القرارين:

المصادقة على الاتفاق الحاصل بين الزوجين.
رفض النطق بالطلاق استثناء، لأن الاتفاق الحاصل بين الزوجين يتضمن مقتضيات غير عادلة.

وبخلاف ما ذهب إليه المشرع الفرنسي، فإن المشرع البلجيكي من خلال المادة 233 من القانون المدني البلجيكي استلزم من الزوجين في حالة اللجوء إلى مسطرة الطلاق الاتفاقي تحرير عقد أولي يتم فيه الاتفاق على جميع المسائل المرتبطة بالطلاق وآثاره.

ولا يمكن قبول هذا الاتفاق من المحكمة، إلا بعد توفر الشروط التي وضعها المشرع في حالة الطلاق، ومن أهم هذه الشروط التي قيد بها القانون البلجيكي حرية الراغبين في الطلاق الاتفاقي:

توفر السن القانوني في الزوجين، وقد حددتها المادة 275 من ق.م. البجليكي في 20 سنة كاملة.

كما نصت المادة 276 من نفس القانون على أن الطلاق الاتفاقي لا يقبل إذا كان الزواج قد أبرم في مدة تقل عن سنتين من تاريخ إيداع الطلب لدى المحكمة.

إلا أن تقييد إرادة الزوجين في حالة الطلاق بمثل هذه الشروط لا تقتصر على التشريع البلجيكي، بل معظم الدول الأوروبية تنص في تشريعاتها على مثل هذه الشروط لكن بطرق مختلفة.

وهكذا ذهب القانون الإيطالي رقم 1898 إلى أن التطليق بناء على طلب مشترك للزوجين يستلزم توفر شروط نصت عليها المادة 150 في قانون 1975. ومنها أن طلب التطليق المتفق عليه يجب أن تمر عليه على الأقل خمس سنوات على الزواج. كما يجب أن يتمتع كل من الزوجين بالأهلية القانونية لممارسة الحقوق، ويجب أن يكون رضاهما غير مشوب بعيب من عيوب الإرادة. وأن يقوم الزوجين بتنظيم تطليقهما عن طريق اتفاق مكتوب.

إن هذه الشروط منظمة بدقة في التشريعات الغربية، وهي ترجع إلى طبيعة مؤسسة الطلاق الاتفاقي، حيث تشكل جزء من بنية المؤسسة نفسها، ومن أولويات ميكانيزماتها، بمعنى أن القانون يشترط هذه الشروط حتى يكون الطلاق الاتفاقي قائما على توافق حقيقي.

وما يمكن الإشارة إليه هو أن معظم التشريعات المقارنة لا تجيز للزوجين التراجع عن الطلاق بعد صدور الحكم. وهذا بخلاف ما ذهب إليه المشرع المغربي، وربما كان الهدف من وراء ذلك – أي التراجع عن الطلاق الإتفاقي- هو الحفاظ ما أمكن على الأسرة لما تحققه من استقرار نفسي وعاطفي للطرف الثالث في هذه العلاقة وهم الأطفال، باعتبارهم الخلية الأساسية في المجتمع المغربي، وهو ما تجسد في الفلسفة التشريعية لمدونة الأسرة.

ومما سبق يمكن القول أن الطلاق الاتفاقي مؤسسة جديدة جاءت بها مدونة الأسرة، من أجل تحقيق المساواة بين الرجل والمرأة في فك العصمة الزوجية، ورغبة منها كذلك في تجنب المشاكل والنزاعات التي تثار عند طلب الطلاق بإرادة منفردة، لذلك عملت على منح إرادة الزوجين كامل الحرية والاختيار في توقيع الطلاق، بطريقة ودية وسليمة صونا للكرامة وحفظا للحقوق.

وعلى هذا الأساس أسند المشرع المغربي للقضاء دور تفعيل مقتضيات مدونة الأسرة، ولجعلها تتلاءم مع الأهداف المتوخاة منها، فرض رقابة المحكمة على محتوى الاتفاق المبرم بين الزوجين، كلما تعلق الأمر بمصلحة الأطفال، لأنها الأولى بالاعتبار.

المطلب الثاني: مسطرة الطلاق الاتفاقي على ضوء العمل القضائي
من الواضح أن الممارسة العملية في ظل مدونة الأحوال الشخصية الملغاة، أبانت أن الزوجة كانت المتضرر الوحيد في دعوى الطلاق، إذ كانت تعترض دعواها عدة صعوبات على مستوى الإجراءات، في حين كان الزوج يجد مسطرة الطلاق يسيرة ومبسطة، وقد تنبه المشرع لذلك، فنظم الطلاق الاتفاقي الذي فتح الباب على مصراعيه للزوجين على حد سواء لطرق أبواب القضاء. لذلك كان لابد من الوقوف على الإشكاليات المتعلقة بتطبيقاته العملية باعتباره أكثر المساطر طرقا (الفقرة الأولى)، مع رصد موقعه بين باقي أنواع الطلاق الأخرى من خلال الإحصائيات الرسمية (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الإشكاليات العملية لمسطرة الطلاق الاتفاقي
نظرا لخصوصيات العلاقات الأسرية ولحساسية القضايا المرتبطة بها، فإن المشرع المغربي وسعيا منه في الحفاظ على استقرار الأسرة التي يتهدد كيانها بظاهرة الطلاق، ووعيا منه بالدور الذي يمكن أن يلعبه القضاء في التخفيف من حدة هذه الظاهرة، عمل على إدخال تعديلات جوهرية في مدونة الأسرة تتمثل أهمها في جعل الطلاق بصفة عامة، والطلاق الاتفاقي بصفة خاصة، يتم تحت رقابة القضاء.

ورغم أهمية المقتضيات التي جاءت بها مدونة الأسرة في موضوع الطلاق الاتفاقي، فإن تطبيقها من طرف بعض القضاء، يكشف عن وجود بعض مظاهر النقص فيما يتعلق بالتداخل الحاصل بين الطلاق الاتفاقي والطلاق الخلعي، خاصة في حالة تنازل الزوجة عن مستحقاتها ومستحقات أبنائها عند وجودهم. كذلك نلاحظ في بعض الأحكام غياب تحديد المستحقات من طرف المحكمة في إطار الدور المخول له وفي إطار سلطته التقديرية، خاصة في حالة عدم الاتفاق عليها أو التنازل عنها. الأمر الذي يؤدي إلى إهدار مجموعة من الحقوق لاسيما تلك المخولة للأطفال باعتبارهم الطرف الضعيف في العلاقة الأسرية. وهذا يتجلى بوضوح من خلال مجموعة من الأحكام القضائية الصادرة في هذا الشأن.

وهكذا جاء في حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بسوق الأربعاء الغرب: "وحيث أكد الزوجان أمام هيئة المحكمة أنهما اتفقا على إيقاع الطلاق، وأضافت الزوجة أنها تتنازل عن كافة حقوقها بعد الطلاق.

وحيث إن محاولة الصلح التي أجريت من طرف المحكمة باءت بالفشل لتمسك الزوجان بطلبهما.

وحيث أدنت المحكمة للزوج بالإشهاد على الطلاق الاتفاقي وتوثيقه لدى عدلين داخل نفوذ هذه المحكمة".

وفي حكم آخر صادر عن قسم قضاء الأسرة بفاس جاء فيه: "وحيث إن العلاقة الزوجية ثابتة بين الطرفين بمقتضى رسم الزواج... وحيث إن الطرفين اتفقا على إنهاء العلاقة الزوجية... وحيث إن محاولة الصلح فشلت وأن الزوجة تنازلت عن مستحقاتها...".

كما جاء في حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بطنجة: "حيث إن الزوجين تراضيا على الطلاق الاتفاقي طبقا لأحكام المادة 114...

وحيث إن الزوجين اتفقا على الطلاق مقابل تنازل الزوجة عن مستحقاتها ومستحقات ابنها...".

وأيضا جاء في حكم قسم قضاء الأسرة بالحسيمة : "وحيث اتفق الطرفان على إسناد حضانة البنت للأم مع تكفل أخ الزوجة بنفقتها وكل ما تحتاجه والتزام الزوجة بعدم متابعة الزوج في شيء بعد ذلك".

يتضح من قراءة هذه الأحكام أن تنازل الزوجة عن كل حقوقها ومستحقاتها، وتنازلها عن مستحقات أبنائها، غالبا ما يكون مقابل الحصول على الطلاق الاتفاقي، فكان الأجدر هو حصول الزوجة على كل مستحقاتها الشرعية، جبرا لخاطرها وتمكينها من كل حقوقها، بدل تنازلها عنها وعن حقوق أبنائها كذلك، حتى ولو كان تنازلها هذا في ظاهره يجسد إرادة مشتركة بينها وبين زوجها.

وما يمكن الإشارة إليه أيضا على المستوى العملي وجود خلط كبير بين الطلاق الاتفاقي والطلاق الخلعي، فالتوافق والتراضي الواقعين في كل من الخلع والطلاق الاتفاقي يؤديان إلى وجود تداخل بين هذين النوعين، بحيث يصعب التمييز بينهما أحيانا من طرف الهيئة القضائية، وهو ما يظهر بجلاء من خلال الحكم الصادر عن قسم قضاء الأسرة بطنجة والذي جاء فيه: "بناء على الطلب المقدم من السيد (...) ملتمسا الإذن له بإيقاع الطلاق الاتفاقي الخلعي على أساس تنازل الزوجة عن جميع مستحقاتها المترتبة عن الطلاق.

وبناء على فشل محاولة الصلح بين الزوجين التي أجريت بواسطة القاضي المقرر نظرا لعدم حضور الزوجة التي مثلتها والدتها بوكالة.

وبناء على اتفاق الزوجين على أن تختلع الزوجة من زوجها بجميع حقوقها المترتبة عن الطلاق.

وبناء على إدراج القضية بجلسة 17/08/04 تقرر خلالها اعتبارها جاهزة وحجزها للمداولة لجلسة 24/08/04.

حكمت المحكمة علنيا ابتدائيا في الموضوع : نأذن للزوج بتوثيق طلاقه الخلعي الاتفاقي".

وفي حكم آخر صادر عن قسم قضاء الأسرة بسوق الأربعاء الغرب ورد فيه: "وحيث أكد الزوجان أمام هيئة المحكمة أنهما اتفقا على إيقاع الطلاق، وأضافت الزوجة أنها تتنازل عن كافة حقوقها المترتبة بعد الطلاق، وأن الزوج التزم بأداء مبلغ 150 درهم شهريا كنفقة البنت (...).

وحيث إن محاولة الصلح التي أجريت من طرف المحكمة باءت بالفشل لتمسك الزوجان بطلبهما.

وحيث أذنت المحكمة للزوج بالإشهاد على الطلاق الخلعي وتوثيقه لدى عدلين".

وجاء أيضا في حكم صادر عن قسم قضاء الأسرة بفاسعلى أنه:
"بناء على الطلب المودع... والذي يلتمس بموجبه المدعيان الإذن لهما بالإشهاد على الطلاق الاتفاقي... حيث اتفقا على إنهاء العلاقة الزوجية لعدم التفاهم بينهما... وبناء على فشل محاولة الصلح التي تم إجراؤها بين الطرفين... حيث نصت المادة 114 على أنه: "يمكن للزوجين أن يتفقا على مبدأ إنهاء الزوجية دون شروط أو بشروط لا تتنافى وأحكام هذه المدونة، ولم تضر بمصالح الأطفال، وحيث نصت المادة 115 من مدونة الأسرة على أنه: "للزوجين أن يتراضيا على الطلاق بالخلع طبقا لأحكام المادة أعلاه".

لهذه الأسباب
أصدرت المحكمة... وقوع الطلاق بين الطرفين طلاقا خلعيا بائنا بعدما تنازلت المطلقة عن مستحقاتها ومستحقات ابنها".
يتضح من خلال هذه الأحكام أن الهيئة القضائية وقع لها خلط وتداخل بين الطلاق الخلعي المنظم بالمواد (115 إلى 120 من م.أ)، والطلاق الاتفاقي المنظم بالمادة (114 من م.أ)، بالرغم من أن الزوجان تقدما بطلب إنهاء العلاقة الزوجية على أساس الاتفاق الواقع بينهما، إلا أن المحكمة اعتبرته تارة طلاقا خلعيا وتارة أخرى طلاقا خلعيا اتفاقيا.

ثم إن الإشكال العملي الذي تطرحه المادة 114 من م.أ. من طرف القضاء، هو تخلف الزوجين أو أحدهما عن الحضور لإجراء الصلح. رغم أنه إجراء جوهري هام لا يمكن للمحكمة التغاضي عنه حتى ولو كان الطلاق واقعا برضا وتوافق الزوجين، وإلا اعتبر مقررها مبنيا على إجراءات باطلة، باعتبار الصلح إجراء يدخل في صميم النظام العام.

وهكذا جاء في حكم قسم قضاء الأسرة بالعرائش ما يلي:
"وحيث إن مسطرة الصلح إجراء جوهري قبل الإذن للطرفين بالإشهاد على الطلاق... وحيث إن تخلف الطرفين... الزوج الذي أفيد عنه بأن عنوانه ناقص والزوجة رغم سابق الإعلام لم يمكن المحكمة من إجراء الصلح مما يقتضي معه التصريح بعدم قبول الطلب".

وفي حكم آخر صادر عن قسم قضاء الأسرة بسلا ورد فيه ما يلي:
"...حيث التمس الزوجان المشار إلى هويتهما أعلاه، الإذن لهما بالإشهاد على طلاقهما الاتفاقي.

وحيث إنه وبعد إدراج الملف بجدول القضايا وبآخر جلسة تخلف الزوج ودفاعه رغم الإعلام والتكليف.

وحيث إن هذا الموقف يستدعي اعتبار الزوج متراجعا عن طلبه، وتطبيقا للفصول 78 و79 و83 من مدونة الأسرة، والفصول 37 و38 و39 و124 من ق.م.م. أصدرت المحكمة سريا وانتهائيا بغرفة المشورة الحكم الآتي نصه: باعتبار الزوج متراجعا عن طلبه، وبحفظ الملف، وتحميل رافع الطلب الصائر".

ونعتقد أن تخلف الزوجين أو أحدهما عن الحضور بصفة عامة، وعن إجراء الصلح بصفة خاصة، راجع إلى جهلهما بضرورة الحضور الشخصي لجلسات الصلح، وإلى اعتقادهما أن الاتفاق والتراضي على الطلاق يغنيهما عن الحضور، سواء في حالة وجود أطفال أو عدم وجودهم، وهو ما يؤدي إلى عدم قبول طلبهما أو حفظه.

كما أن الإشكال الذي يواجه القضاء بخصوص تطبيق مقتضيات المادة 114 من م.أ. هو صعوبة إيجاد حكمين بالأوصاف والشروط المطلوبة من أهل الزوجين أو من غيرهما، الشيء الذي يؤدي إلى فشل محاولات الصلح، لأنه غالبا ما يتم تعيينهم واختيارهم من أقارب الزوجين، وهو ما يفرغ مهمة الحكمين من الغاية المنشودة منها وجعل الصلح إجراء شكليا فقط. على اعتبا أن هذا يؤدي إلى اشتداد النزاع أكثر من تذويبه، لأن كل حكم يميل إلى طرفه.

كذلك تطرح المادة 114 من م.أ. إشكال عملي آخر يتمثل في تراجع الزوج عن الإذن بالإشهاد على الطلاق بعد إذن المحكمة له بتوثيقه. حيث تبقى العلاقة الزوجين قائمة بين الزوجين، خصوصا وأن هذا التراجع من قبل الزوج لا يخول للزوجة استكمال باقي الإجراءات الإدارية للطلاق الاتفاقي.

وهذا ما ذهب إليه قسم قضاء الأسرة بطنجة في الحكم التالي :
"حيث التمس المدعي الإذن له بطلاق زوجته المدعى عليها طلاقا اتفاقيا.
وحيث تم إشهاد على فشل محاولة الصلح بين الزوجين.
وحيث إن المحكمة أذنت للزوجين بتوثيق الطلاق حسب قرارها الصادر بتاريخ 12/02/2008.

وحيث إنه لم يبادر إلى توثيقه رغم سحب الإذن من طرف الزوج مما يعد تراجعا عن طلب الطلاق".
وعلى العموم، فإن المشرع المغربي كان حكيما في إسناده للقضاء الرقابة من أجل المحافظة على حقوق الزوجين وأطفالهما، ومن أجل عدم السماح بتصعيد الوضع بينهما، والذي يذهب الأطفال ضحيته، باعتبارهم العنصر الأكثر تضررا من حصول الطلاق، وكذا عدم السماح بالتجاوزات التي تخدم مصالح الزوجين على حساب حقوق أطفالهما، خصوصا وأن الطلاق الاتفاقي له انعكاسات إيجابية على طرفي العلاقة الزوجية في حالة استحالة العشرة بينهما، وعلى الأبناء في حالة وجودهم، باعتباره وسيلة اتفاقية تحول دون الدخول في نزاعات وخلافات عن طريق مساطر قضائية أخرى قد تطول، خاصة وأنه عرف ارتفاعا ملفتا للنظر خلال عشر سنوات من عمر المدونة.

الفقرة الثانية: حصيلة مسطرة الطلاق الاتفاقي على الصعيد الوطني
إن الطلاق الاتفاقي عرف ارتفاعا مستمرا، وهو مؤشر يؤكد أن كثير من المقبلين على الطلاق يختارون هذا النوع لإنهاء العلاقة الزوجية برضاهما وبأسلوب ودي، تسترا على دواعي الخلاف بينهما، وحفاظا على أسرار حياتهما الزوجية. ولعل المعطيات المستقاة من الإحصائيات الرسمية المحصل عليها من وزارة العدل والحريات تسعفنا كثيرا على تأكيد هذا المعطى.

وتسهيلا للمقارنة عملنا على تجميع المعطيات في جدول ومبيان وذلك على الشكل الآتي:

2013 2012 2011 2010 2009 2008 2007 2006 2005 2004 السنوات
14992 14301 12209 10294 9887 9800 8243 6741 4949 1860 رسوم الطلاق الاتفاقي
25215 24712 22937 22452 24170 27935 27904 28239 29668 26914 رسوم الطلاق
59,46% 57,87% 53,23% 40,91% 40,91% 35,08% 29,54% 23,87% 17,74% 6,59% نسبة الطلاق الاتفاقي من مجموع حالات الطلاق

المصدر: وزارة العدل والحريات – تركيب شخصي.
يتضح جليا من خلال معطيات الجدول أعلاه أن نسبة قضايا الطلاق الاتفاقي المسجلة على الصعيد الوطني، تعرف ارتفاعا مستمرا ومتزايدا. ففي سنة 2004 لم تكن تتجاوز حالات الطلاق الاتفاقي 1860 حالة من أصل 26914 رسم طلاق، وهو ما كان يشكل نسبة 6,59% من مجموع حالات الطلاق، ليستمر هذا النوع من الطلاق في منحاه التصاعدي من سنة إلى أخرى، حيث ارتفع سنة 2012 بعدد وصل إلى 14301 حالة طلاق اتفاقي من أصل 24712 رسم زواج، وهو ما يشكل نسبة 57,87% من مجموع حالات الطلاق. مقابل نسبة 59,46% سنة 2013 حيث استقر في عدد بلغ 14992 طلاقا اتفاقيا.

ولتوضيح النسبة التي يحتلها الطلاق الاتفاقي بين باقي أنواع الطلاق الأخرى، نعتمد المبيان التالي:

مبيان يوضح موقع الطلاق الاتفاقي بالنسبة لباقي أنواع
الطلاق الأخرى خلال فترة (2004-2013)



المصدر: وزارة العدل والحريات – تركيب شخصي.

يلاحظ أن قضايا الطلاق الاتفاقي تكاد تحتوي قضايا الطلاق الأخرى، فهي دائما في ارتفاع مستمر حتى في الحالات التي تعرف فيها باقي قضايا الطلاق الأخرى انخفاضا أو تراجعا ملحوظا، وهذا يفسر الإقبال الكبير على مسطرة الطلاق الاتفاقي من لدن الأزواج لحل رابطتهم الزوجية. ويمكن إرجاع ذلك بالأساس إلى أسباب سوسيوثقافية، وأسباب قانونية ومسطرية أهمها :

الوعي بأهمية إنهاء العلاقة الزوجية بشكل ودي، وحل النزاعات الأسرية بالحوار للوصول إلى الاتفاق، وهو ما يجسد التسريح بإحسان لقوله عز وجل: فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان

سهولة تفعيل مسطرة الطلاق الاتفاقي ونجاعتها وسرعتها نتيجة اتفاق الزوجين، بالإضافة إلى أنها مسطرة وقائية، هدفها الأساسي حل الصعوبات التي تعترض الزواج.

دور القضاء في تشجيع الأطراف على حل نزاعاتهم عن طريق الاتفاق والتفاهم، حماية لحقوق الأطفال، وتشبعا بفلسفة مدونة الأسرة وأبعادها.

جعل مسطرة الطلاق الاتفاقي كغيرها من أنواع الطلاق الأخرى شفوية، ساعد الزوجين على اقتضاء حقوقهن دون اللجوء إلى محام، مما يصير اللجوء إليها ميسرا، لكافة طلبات الطلاق الاتفاقي، دونما حاجة إلى تنصيب محام على سبيل الإلزام وأداء الرسوم القضائية، وهو ما يفسر الكم الهائل لطلبات الاتفاق التي ترد على المحاكم.

لجوء الكثير من الأزواج لمسطرة الطلاق الاتفاقي، غالبا ما يكون مرتبطا برغبتهم في التملص من واجب أداء المستحقات المترتبة عليهم لصالح الزوجات لو سلك مساطر الطلاق الأخرى.

وهناك عامل آخر يفسر سبب ارتفاع نسبة الطلاق الاتفاقي، يتمثل في كون إيقاع الصلح بين الزوجين، غالبا ما يكون مطلبا عصيا، لا يدرك إلا بمشقة، لكون طرفاه متفقان على إيقاع الطلاق، وعلى الآثار المترتبة عنه.

وهكذا نرى أن العديد من الأسر المغربية تحبذ إنهاء الحياة الزوجية بصورة ودية، وهذا يدل على ازدياد الوعي وانتشاره وتقبل المجتمع المغربي للطلاق الاتفاقي، مما يسهم إيجابيا في تخفيف انعكاسات الطلاق على الأبناء، وإبعادهم عن الضغوطات النفسية حماية لمصالحهم عند استحالة استمرار العشرة الزوجية.

لائحــة المراجــع المعتمـــدة:

عبد القادر العرعاري: "النظرية العامة للالتزامات في القانون المدني المغربي"، الجزء الأول، طبعة 1995.
وفاء معتوق حمز: "الطلاق وآثاره المعنوية والمادية في الفقه الإسلامي"، دار القاهرة، الطبعة الأولى 2000.
عبد الواحد شعير : "مدونة الأسرة خارطة الطريق"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2003.
الرافة وتاب: "دور القضاء في تفعيل إجراءات الطلاق بالاتفاق والطلاق الخلعي"، مقال منشور في مجلة الملف، العدد 11، أكتوبر 2007.
محمد الأزهر: "مدونة الأسرة، الزواج، انحلال ميثاق الزوجية وآثارها، الولادة ونتائجها"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2004.
محمد الكشبور: "شرح مدونة الأسرة، انحلال ميثاق الزوجية"، الجزء الثاني.
محمد الشرقاوي: "حدود ملاءمة مدونة الأسرة مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل"، أشغال ندوة علمية حول مدونة الأسرة، المستجدات والأبعاد، منشورات مولاي إسماعيل، العدد 5، 17 و18 فبراير 2004.
الطيب اللومي: "الجديد في مجلة الأحوال الشخصية"، مقال منشور في المجلة القانونية التونسية، لسنة 1983.
Marie Laure Nibayet : "Regard Français sur la reconnaissance en France des répudiations musulmans", revue international de droit comparé, n°1, 2006, p : 31.
-Jean Yves Carlier : "Autonomie de la volonté et statut personnel cahier des droits maghrebiens", vol 1, N°1, 1995.
-Pierre Gannagé : "La pénétration de l'autonomie de la volonté dans le droit international privé", Rev. Crit. Dr. Internat privé 81-1992.
-Jean Hauser et Daniele Huet-Weiller : "traité de droit civil la famille, dissolution de la femme", imprimerie France Quercy, Paris, 1991..

الإحصائيات والتقارير :
وزارة العدل والحريات: "القضاء الأسري: الواقع والآفاق عشر سنوات من تطبيق مدونة الأسرة، دراسة تحليلية إحصائية : 2004-2013".
وزارة العدل: "دليل عملي لمدونة الأسرة"، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 1، 2004.
وزارة العدل والحريات: "المقتضيات الجديدة لمدونة الأسرة من خلال أجوبة السيد وزير العدل والسيد وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية"، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الشروح والدلائل، العدد 4، 2004.

النصوص التشريعية والتنظيمية :
ظهير شريف رقم: 1.04.22 الصادر في 03 فبراير 2004 بتنفيذ القانون 07.03 بمثابة مدونة الأسرة، والمنشور بالجريدة الرسمية عدد 5184، بتاريخ 05 فبراير 2004.
قانون رقم 84-11 مؤرخ في 9 رمضان عام 1404 الموافق 9 يونيو سنة 1984 يتضمن قانون الأسرة معدل ومتمم بالأمر 05-02 المؤرخ في 27 فبراير 2005.

بقلم ذ لطيفة الشدادي
دكتورة في الحقوق
 


أعلى الصفحة