القضاء الإداري

بقلم ذ عبد الرحمان جيضار
مجاز في القانون الخاص
تحت عدد: 568
مقدمة: كان ولا يزال وضع سياسة عقارية من أهم المواضيع التي تواجه المشرع، حيث عرف المغرب منذ الاستقلال عدة محاولات من أجل إرساء سياسة عقارية تكون بديلة عن تلك الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، وهذا لأهمية الأملاك العقارية التي أولى لها المشرع المغربي عناية

ذ محمد شكر ماستر العقار والتعمير بالسويسي الرباط مقدمة: كان ولا يزال وضع سياسة عقارية من أهم المواضيع التي تواجه المشرع، حيث عرف المغرب منذ الاستقلال عدة محاولات من أجل إرساء سياسة عقارية تكون بديلة عن تلك الموروثة عن الحقبة الاستعمارية، وهذا لأهمية الأملاك العقارية التي أولى لها المشرع المغربي عناية كبيرة لما تكتسيه من أهمية بالغة، وكذا لصعوبة إجراءات التعامل فيها، نظرا للغموض والتناقض التي يكتسي القوانين والتنظيمات المتعلقة بها، وفي هذا الإطار رهن المغرب على ميدان إعداد التراب باعتباره المجال الذي تتقاطع فيه أنشطة الدولة مع متطلبات وحاجيات الساكنة المحلية، ولأهميته في مسار التنمية ، بحيث يعتبر المدخل الهام بل الأرضية الوحيدة المنتظر منها احتضان كل جهود التنمية. واعتبارا لأهمية الاستثمار في تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية الحقيقية، ووسيلة ناجعة لإدماج الوحدات الترابية في مسلسل التنمية، فقد تم اتخاذ عدة تدابير لإنعاش الاستثمارات الوطنية والأجنبية في القطاعات المنتجة، من أبرزها "التسويق الترابي"، باعتباره مجموعة من الأنشطة التي يقوم بها الخواص أو الجماعات نفسها بغاية توسيع شبكة الوحدات الاقتصادية المتواجدة بالجماعة عبر جلب أنشطة اقتصادية جديدة، ويعرف بأنه منهجية تدبيرية حديثة لجلب المقاولات وتسويق صورة جيدة عن الجماعة المعنية بالأمر، سواء أكانت جماعة حضرية أو قروية، وهو يساعد على وضع استراتيجية تنموية وتشكيل شخصية اقتصادية للجماعة. إن الاهتمام المتزايد بالمجال الترابي المحلي، جاء كضرورة لحل المشاكل التي تعرفها العديد من القطاعات، خصوصا الاقتصادية والاجتماعية منها، وذلك بالبحث عن الحلول الممكنة للخروج من هذه المشاكل، في إطار ما يصطلح عليه اليوم بالحكامة المحلية، والتي تأخذ من التراب المحلي أو الجهوي حجر الزاوية لكل مقاربة تنموية. و من هذا المنطلق، فإن أهمية دراسة موضوع التسويق الترابي تكمن في المكانة البارزة والمتميزة التي تحظى بها التنمية المحلية، والتي نالت حيزا كبيرا من اهتمام الباحثين والدارسين، وذلك لكونها أصبحت استراتيجية الدول في التقدم والازدهار. ومن هنا تثار إشكالية موضوعنا على الشكل التالي: أي دور للتسويق الترابي في تدبير وإنعاش الملك الخاص للدولة من أجل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية؟ وسيتم تقسيم الموضوع لمبحثين؛ الأول سيتناول سياسة التسويق الترابي للملك الخاص للدولة، على أن يخصص المبحث الثاني لحكامة تدبير الملك الخاص للدولة وآفاق التنمية. المبحث الأول: سياسة التسويق الترابي للملك الخاص للدولة المطلب الأول:الإطار المفاهيمي التسويق الترابي المطلب الثاني: الإطار المؤسساتي للتسويق الترابي المبحث الثاني: حكامة تدبير الملك الخاص للدولة وآفاق التنمية المطلب الأول: آليات وإشكالات تدبير الملك الخاص للدولة . المطلب الثاني: علاقة التسويق الترابي للملك الخاص للدولة بآفاق التنمية.  المبحث الأول: سياسة التسويق الترابي للملك الخاص للدولة عرفت الأحداث والوقائع التي ميزت العقدين الأخيرين من القرن الماضي معالم العالم المعاصر الذي تمخض عنه بروز نظام معالم نظام عالمي جديد تربعت على عرشه الرأسمالية الغربية التي أعلنت عن نفسها سيدة العالم، وتمخض عن ذلك عولمة الاقتصاد العالم مما أدى إلى تراجع الدولة الوطنية لصالح هيمنة الشركات العالمية بعد إلغاء الرسوم الجمركية منذ اتفاقية الكات التي لم تعترف بالحدود الوطنية كرمز من رموز سيادة الأوطان. فقد أصبحت الجماعات الترابية والأقطاب الحضرية الكبرى مطالبة بالتموقع داخل السوق التنافسي الترابي، خاصة بعد أن أصبح القرار السياسي على المستوى المحلي مجموعة من الاختصاصات والصلاحيات التي بإمكانها أن تجعل من الوحدات اللامركزية مقاولات حقيقية في مجال تدبير الشأن العام المحلي من خلال تكريس مبادئ الحكامة الجيدة في إطار الإصلاحات التي تنهجها الدولة بالإعتماد على اللامركزية واللاتمركز الإداريين. وفي هذا الصدد ومن أجل مواجهة التنافسية الدولية، فقد أصبحت الجماعات الترابية مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالأخذ بالأساليب للتدبير ومنها التسويق كآلية تبحث عن صورة جيدة للتراب داخليا وخارجيا، لذا يبدو الأخذ بالإستراتيجية تسويقية للتراب من أجل المنافسة واقع تفرضه عدة عوامل سواء على المستوى الوطني أو الدولي، وطنيا من أجل تحقيق تنمية شاملة ودوليا من أجل المنافسة على جلب الاستثمارات الاقتصادية. ويعتبر التسويق الترابي من المجالات الحديثة في مجال الدراسات المتعلقة بالقانون العام الاقتصادي، هذا المفهوم الذي يجعل من الجماعة والإقليم والجهة منتوجا خاضعا لقواعد وميكانيزمات السوق، وبإخضاعها لتقنيات التدبير المقاولاتي واستعمال مفاهيم مستوحاة من المجال التجاري الجودة، الرأسمال، التنافسية... ومن هذا المنطلق سنعمل على تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين نخصص (المطلب الأول) مفهوم التسويق الترابي والرأسمال الترابي، و(المطب الثاني) الإطار والمؤسساتي للتسويق الترابي. المطلب الأول: مفهوم التسويق الترابي والرأسمال الترابي إن الحديث عن مفهوم التسويق الترابي يتطلب منا الوقوف على مفهوم التسويق الترابي وتمييزه عن المؤسسات المشابهة (الفقرة الأولى)، مفهوم الرأسمال الترابي وعناصره الأساسية (الفقرة الثانية). الفقرة الأولى: مفهوم التسويق الترابي وتمييزه عن باقي المؤسسات المشابهة عرفت الجمعية الأمريكية للتسويق (AMA) "American Marketing Association" على أنها تنطوي على تخطيط وتنفيذ المفاهيم أو التصورات الخاصة بالأفكار والسلع والخدمات وتسعيرها وترويجها وتوزيعها لتحقيق أهداف الأفراد والمؤسسات . كما عرفها "كندف وستل" Gundiff et Still للتسويق بأنه العملية التي يتم بواسطتها تحقيق قدر من التطابق من السلع والخدمات المنتجة من جهة وبين الأسواق من جهة ثانية والتي تنتقل من خلالها ملكية تلك السلع والخدمات من بائعيها إلى مشتريها . كما نجد "Philip Kother" عرف التسويق بأنه " العملية الاجتماعية والإدارية التي يستطيع الأفراد والجماعات من خلالها الحصول على ما يحتاجونه ويرغبون فيه من المنتجات وتبادلها وتقييمها" . وبناءا على ما سبق من خلال مجمل التعريفات الخاصة بالتسويق يمكن القول أن التصور العام للتسويق من خلال الأبعاد المضامين التي ينطوي عليها فالتسويق المعاصر يمثل مجموعة من الأنشطة المتكاملة التي توجه من خلالها موارد المؤسسة لفرص متاحة في سوق ما. ويتعين من خلال ذلك تحقيق أقصى مستويات الإشباع لحاجات ورغبات المستهلكين الحالية والمستقبلية، وبما يضمن تعظيم فرص الربح للمؤسسة سواء كان ذلك الربح ماديا أو اجتماعيا. كما نجد الأستاذ " عبد الله شكور" يعرف التسويق الترابي هو " تلك الصيرورة التي تهدف إلى جلب الشركات أيضا أنه " شكلا حديثا للتدبير الترابي أو المجال يمكن من إعداد إستراتيجية وصورة واضحة للتراب أو المجال، والتركيز على الموقع، أي اختيار المواقع المناسبة للأنشطة المهمة". كما يضيف بأنه "حالة روحية بمعنى أن التسويق الترابي أو المجالي يتضمن آراء للمواطنين، والزبناء المرتفقين لكي تلبى أحسن حاجياتهم وبالتالي ضرورة التهييئ والتحسب لأية حالة غير مرغوب فيها والغير المتوقعة وإجمإلافإن التسويق الترابي يهدف بالأساس إلى جعل الجماعات الترابية مقاولات حقيقية لاستقطاب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات الأجنبية والوطنية، وخلق نوع من الدينامية التنموية التي تعيد رسم معالم المجال وجعله في الاتجاه الصحيح الذي يخدم الإنسان بالدرجة الأولى ومن ثمة ضمانة الرفاه والعيش الكريم. إلاأن تحقيق هذا المبتغى يستدعي من الجماعات الوحدات الترابية الاعتماد على إستراتيجية تقوم على مجموعة من المرتكزات والقواعد المضبوطة تحدد كيفية التسويق المجال الترابي. وتتجلى في تقنيات التفاوض وتقنيات الحضور في المحافل والتظاهرات الدولية تقنيات التواصل مع الصحافة... التسويق الترابي وتمييز عن المؤسسات المشابهة بالرجوع إلى سياسة التسويق الترابي نجد مجموعة من المفاهيم والموضوعات ذات الصلة بإعداد التراب تتشابه مع سياسة وإستراتيجية التسويق الترابي، إلاأنه تختلف معه في التوجهات والمضمون ومن أبرزها التواصل الترابي والذكاء الترابي. فيما يخص التواصل الترابي La communication territoriale هو بمثابة المساهمة في تثبيت دعائم الحكامة المحلية من خلال عدة مستويات منها: تنمية الديموقراطية المحلية إعطاء قيمة مضافة للتراب المحلي الرفع من قيمة وفعالية الاتصال والتواصل داخل التراب من جهة ومن جهة أخرى فهو يسمح بفتح حوار ونقاش داخلي على مستوى الجماعات وكيفية تحسين العلاقات مع المواطنين . فيفضل سياسة التواصل الترابي تتحسن إمكانية التواصل داخل التراب المحلي للجماعة الذي يبتغي تحقيق هدفين محورين: هدف خارجي-اقتصادي يرتكز على تنمية الجماعة والجهة من خلال جذب الاستثمارات والرساميل الوطنية والأجنبية وهدف داخلي –سياسي يفسر ويشرع لعمل المجالس الجماعية . وسياسة التواصل الترابي لها علاقة مباشرة بالتسويق الترابي ولازمة لإنجاحه، لذلك فاستراتيجية التسويق لا بد أن تحتوي على تحديد قنوات التواصلية اللازمة توفرها سواء لبث المعلومة (عرض، ترابي، تشجيع...) أو لاستقبالها (معرفة استراتيجية مقاولة تود تغيير موطنها la délocalisation) ومن ثمة فأهمية التواصل تأتي والحالة هذه من خلال تسهيل العمل داخل الجماعة وكذلك العمل على تطوير الاستشارة والتشاور والحوار بالخصوص برامج العمل والتدخلات التي تستجيب كحاجيات السكان... وعليه إذا كانت استراتيجية التسويق تقوم في جزء منها على السياسة التواصلية (الداخلية أو الخارجية) فإن أهمية الوسائل التي تنهجها الجماعة الترابية حتما على نجاعة استراتيجيتها التسويقية سواء على مستوى التعريف بالمشروع المنتج أو الخصائص والمستويات الترابية الداعية إلى دعم المشروع وفي النهاية بالصورة المراد ترويجها عن التراب. أما فيما يخص الذكاء الترابي: يعتبر مفهوم الذكاء الترابي " l’intelligence territoriale" يعد من الأمور الصعبة والشائكة لأنه مصطلح متعدد المعاني وقد مر بعدة مراحل من صياغته. ظهر مفهوم الذكاء الترابي لأول مرة سنة 1988 لتوضيح الكيفية التي تتطور بها الأقاليم باعتماد مقاربة علمية ومنهجية متعددة التخصصات. واعتبره برتاتشينيBertachini بأن الذكاء الترابي يمكن تشبيهه بالإقليمية التي تنتج عن ظاهرة الربط بين موارد إقليم معين ونقل الصلاحيات بين فاعلين محليين لديهم توجهات ثقافية مختلفة والذكاء الترابي يعد إحدى دعامات اللامركزية، فإذا كانت الدولة لم تستطيع إيجاد الجواب الوحيد والدائم لانتظارات الجهات والمناطق فقد أصبح من الملح أن يجد الفاعلون المحليون العموميون والخواص مصادر داخلية للنمو من أجل تدبير فعال للتشغيل والتماسك الاجتماعي والإبداع الاقتصادي والثقافي والاجتماعي . ومنه فإن استراتيجية الذكاء الترابي ترمي إلى تحقيق نمو ذكي ومستدام وإدماجي. نمو ذكي: معناه تنمية اقتصاد ينيبني على المعرفة والابتكار. نمو إدماجي: يحث على اقتصاد ومعدل تشغيل مرتفع يعزز التماسك الاجتماعي والترابي نمو مستدام: أي النهوض باقتصاد أكثر فاعلية في استخدام الموارد أكثر تنافسية. وعليه فالذكاء الترابي يكتسي مقاربة شاملة نسقية فهو في نفس الوقت نمط فكر وضع القين الشخصي للفرد موضع التساؤل، ضرورة التوفر على قناعات مع الحذر من اليقين التام التعبئة الجماعية حول مشاريع مشتركة . الفقرة الثانية: مفهوم الرأسمال الترابي وعناصره الأساسية للتسويق الترابي إن مفهوم الرأسمال الترابي le capital terrritorial مفهوم معقد يصعب تحديده بشكل دقيق دون التركيز على مختلف النقط التي تمكن من تقديم صورة على التراب. فالرأسمال الترابي يشكل مجموع المعطيات التي يتوفر عليها التراب سواء كانت مادية أو غير مادية، والتي تشكل في نهاية الأمر الصورة العامة للتراب. وعليه فمفهوم الرأسمال الترابي ليس بالقار، بقدر ما هو بالمشروع الترابي، فإذا كان الرأسمال الترابي يحيل على * الذي يتوفر عليه التراب (الطبيعة ، الإرث المشترك...) فإنه لا يمكن أن يقيم على ضوء التاريخ الترابي باعتبار أن الماضي ينجر الحاضر، والحاضر بدوره يمكن من ترميم وإصلاح أعطاب الماضي التي يمكن على أساسها تأسيس صرح استراتيجية المستقبل، وبذلك يصبح الرأسمال الترابي بمثابة تقاطع عمومي وأفقي، عمودي من خلال التفاعل الداخلي والخارجي، وأفقي من خلال التلاقح ما بين الماضي والمستقبل . أما فيما يتعلق بالعناصر الأساسية للتسويق الترابي فنجده يتكون من أربعة عناصر أساسية هي: المنتج ، السعر، التوزيع، والترويج وتمثل هذه العناصر المحاور الرئيسية لأية استراتيجية تسويقية تتبناها المؤسسة للتعامل مع السوق. ومن خلال هذه المنطلق فإنه سيتم توضيح العناصر الأربعة للتسويق. يعرف المنتج بأنه أي فكرة أو خدمة أو سلعة يمكن الحصول عليها من قبل المستهلك، من خلال عملية مبادلة بينه وبين البائع بمقابل نقدي أو عيني. السعر: يعتبر السعر العنصر الثاني في المزيج التسويقي الذي يمثل قيمة ما يدفع لشراء المنتج، إنه الوسيلة التي تستطيع المؤسسة بواسطتها أن تغطي تكاليفها، وتحقق من خلالها الربح. التوزيع: ويقصد به تصريف المنتجات بأكبر كفاءة توزيعية ممكنة وتحديد هذه المنافذ المستخدمة حسب طبيعة السلعة وهيكل الصناعة ، ويمثل مجموعة الأنشطة التي تنطوي على عملية التحريك المادي للسلع والخدمات من أماكن إنتاجها إلى الأسواق. أما الترويج فيشتمل على عمليات اتصال إقناعي تستهدف التأثير على المستهلك لاستمالة سلوكه الشرائي ويتم الترويج بأساليب كثيرة ومتعددة من أبرزها الإعلان والدعاية التجارية والبيع الشخصي ووسائل ترويج المبيعات. وفيما يتعلق بالسياسة الترويجية في مجال التسويق الترابي، فإن هذه الاستراتيجية ترتكز على مبدأين هما: التعريف بالمنتوج والعرض الترابي أو المجالي. اختيار الوسائل التي يتم استعمالها من أجل جلب انتباه الطلب. أما بالنسبة للوسائل والآليات التي يتم استعمالها قبل الجماعات الترابية للترويج التسويق بمنتوجها الترابي، فتتجلى في الإشهارات، القيام بالندوات، التكليف بالمهام، المشاركة في المعارض التجارية توزيع الأوراق الإشهارية، تهييء الظروف للمستثمرين المحتملين ، تهييء المقترحات والمشاريع، التسويق المباشر عن طريق فتح البوابة الإلكترونية للجماعة الترابية، تمثيل الجماعات الترابية في المحافل الوطنية والدولية. المطلب الثاني: الإطار المؤسساتي للتسويق الترابي عملت الدولة المغربية من أجل تدعيم سياستها التسويقية على اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتحفيز المستثمرين على اختيار الاستقرار داخل التراب الوطنين وتقوية حضورهم في الاقتصاد الوطني من أجل مواكبة التحولات الدولية مما دفع بالمغرب إلى اللجوء لسياسة التقويم الهيكلي لانقاد اقتصاد البلاد من الانهيار، حيت أصبح المتغير المؤسساتي من أهم الضمانات التي ينظر إليها المستثمرين والمؤسسات الدولية الداعمة لسياسة التقويم الهيكلي. ومن هذا من المنطلق سنحاول الوقوف عند أهم المؤسسات المتدخلة في الاستراتيجية التسويقية للتراب المتمثلة في كل من الوزارة المكلفة بالإسكان وسياسة المدينة ووزارة التجهيز والنقل واللوجستيك (الفقرة الأولى)، ثم وزارة السياحة و وزارة التجارة والتكنولوجيا الحديثة والاقتصاد الرقمي(الفقرة الثانية). الفقرة الأولى: وزارة الإسكان وسياسة المدينة و وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك سنحاول من خلال هذه الفقرة التطرق إلى وزارة الإسكان وسياسة المدينة(أولا)، ثم وزارة التجهيز والنقل واللوجستيك(ثانيا). أولا: وزارة الإسكان و سياسة المدينة تعتبر وزارة الإسكان و سياسة المدينة من أهم المؤسسات الحكومية المركزية المنوط بها مهمة تأهيل التراب و تحقيق تنمية شمولية مندمجة، من خلال الاشتغال على محاور ذات الارتباط المباشر بالبنيات المساعدة على التسويق للوحدات الترابية. فالإشكالات المرتبطة بالإسكان و سياسة التعمير لا يمكن فصلها عن الرؤى الاستراتيجية للتنمية الجهوية . و في هذا الصدد فإن الأهداف المعلنة من قبل الوزارة و كذا البرامج و المخططات التي سطرت مركزيا حاولت لم شتات البرامج القطاعية الأخرى، كالسياحة و التجارة و الصناعة و عيرها، و لذلك فالوزارة هي التي تصنع القوالب الترابية التي تسقط فيها البرامج القطاعية الأخرى. بعد التنسيق و العمل المشترك مع باقي المؤسسات علاوة على ذلك فقد نهجت الوزارة مقاربة جديدة للشأن الترابي ببلادنا تعتمد على آلية التعاقد كرافعة للتنمية و أداة ضرورية لتنفيذ السياسة العمومية بالجهات، كما تعتبر أسلوبا لتقريب الهوة بين التخطيط القطاعي و التخطيط الترابي، بالإضافة إلى كونها أداة للبحث عن الانسجام بين التدخلات العمومية. بطبيعة الحال و لتفعيل هذا التوجه الجديد المرتكز على سياسة التعاقد بين الدولة و الجهات، تم الاعتماد على مجموعة من الأدوات تتجلى في تعميم المخططات الجهوية لإعداد التراب على مختلف جهات المملكة بشراكة مع وزارة الداخلية و المجالس الجهوية، و كذا متابعة إنجاز الدراسات الإستراتيجية و المشاريع الترابية . و تعد هذه المرحلة بمثابة تحول أساسي في ميدان التنمية الترابية و لا من حيث التوجهات و المقاربات و لا من حيث آليات العمل و التدخل، فهي تشكل بحق مرحلة حاسمة للإنتقال من التفكير الإستراتيجي إلى التفعيل، تعتمد النهج التشاركي وفق حكامة محلية ناجعة تفتح آفاق الالتقائية و الاندماجية و التتبع و التقييم. ثانيا: وزارة النقل و اللوجستيك تتولى وزارة التجهيز و النقل و اللوجستيك إعداد البنايات و التجهيزات الأساسية للملكة، فالوزارة تقوم في إطار القوانين و الأنظمة الجاري بها العمل إعداد و تنفيذ السياسة الحكومية في ميدان الطرق و الموانئ و السكك الحديدية و الملاحة الجوية و البحرية. كما تتولى الوزارة أيضا إعداد و تنفيذ سياسة الحكومة المتعلقة بالنقل عبر الطرق و السكك الحديدية و بالنقل الجوي و البحري، علاوة على ذلك تضطلع الوزارة ببلورة السياسة الحكومية في مجال السلامة الطرقية و تنسيق تنفيذها . و في السياق ذاته، يمكن للوزارة أن تقوم و لحساب بعض الوزارات الأخرى أو لحساب الجماعات الترابية أو المؤسسات العمومية متى طلب منها ذلك، القيام بإجراء دراسات ذات طابع تقني أو الإشراف عليها أو مراقبتها، و كذا إنجاز أعمال تقنية أو المراقبة من الوجهة التقنية لأعمال منح فيها الامتياز أو عهد إلى الغير بتسييرها. الفقرة الثانية: وزارة السياحة و وزارة التجارة والتكنولوجيا الحديثة والاقتصاد الرقمي سنحاول من خلال هذه الفقرة التطرق إلى وزارة السياحة(أولا)، ثم وزارة التجارة والتكنولوجيا الحديثة والاقتصاد الرقمي(ثانيا). أولا: وزارة السياحة. بتوفره على مؤهلات طبيعية على درجة كبيرة من الأهمية و على تراث ثقافي خني و متنوع، فقد اختار المغرب العمل من أجل تطوير القطاع السياحي و ذلك بإرسائه استراتيجية وطنية إدارية للتنمية السياحية من شأنها أن تساهم بفعالية في انطلاق دينامية قوية للتنمية المندمجة و المستدامة. و في هذا الإطار و من أجل التسويق الترابي لبلادنا فقد نهجت وزارة السياحة مجموعة من الآليات تتجلى في إعداد و تتبع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية في المجال السياحي ، و كذا إقامة و ترسيخ علاقات التعاون على الصعيد الثاني و مع المؤسسات الدولية الخاصة . و في السياق ذاته تتولى وزارة السياحة تتبع كل الأعمال المتعلقة بالاستراتيجية الوطنية لتطور المنتوج السياحي( المخطط الأزرق، مخطط بلادي، مخطط المدائن، و السياحة الجبلية ...) ثانيا: وزارة التجارة و التكنولوجيات الحديثة و الاقتصاد الرقمي تلعب وزارة التجارة و التكنولوجية الحديثة و الاقتصاد الرقمي دورا طلائعيا على مستوى خلق البنيات الصناعية من أجل التسويق للمغرب، و من ثمة جلب الاستثمارات الوطنية و الأجنبية إلى المناطق الحرة و الأقطاب الصناعية، و مناطق ترحيل الخدمات. و في هذا الصدد سنورد بعض تدخلات الوزارة في مجال التسويق الترابي و التي تعتبرها في صلب العملية أو المقاربة و المتمثلة في :  خلق محطات صناعية مندمجة في قطاع ترحيل الخدمات من بينها محطتين مشتغلتين "كازانيرشور" و " ريا تيكنوبوليس".  خلق محطات صناعية مندمجة في قطاع السيارات و الطيران الالكترونيك مع إعطائها وضع المنطقة الحرة كمشروع "رونو الضخم بالمنطقة الصناعية الحرة الملموسة.  مخطط رواج والذي يهدف إلى إصلاح التعمير التجاري و خلق مناطق للأنشطة التجارية، و كذا مواكبة المقاولات الوطنية الرائدة في قطاع التجارة و التوزيع.  استراتيجية المغرب ابتكار و التي تهدف إلى تموقع المغرب في نادي البلدان المنتجة للتكنولوجيا، و التمكين من انبعاث اقتصادي ذي قيمة مضافة قوية ترتكز على الابتكار و المعرفة، بالإضافة إلى تعزيز صورة المغرب على المستوى الدولي و بالتالي جلب الاستثمارات. المبحث الثاني : حكامة تدبير الملك الخاص للدولة وآفاق التنمية إذا كانت التطورات التي أضحى يعرفها العالم اليوم قد مست جميع الميادين سواء الاقتصادية منها او الاجتماعية فإن الأمر امتد ليشمل حتى الميدان العقاري على اعتبار أن العقار يعتبر من بين أهم الأرضيات الخصبة التي ينبني عليها إقتصاد الدولة وكذا المحرك الأساسي لتنميتها لذلك فغالبا ما تعمد جل الدول إن لم نقل كلها إلى احتواء وامتلاك رصيد عقاري مهم بما يضمن لها تلبية حاجياتها وهو الأمر الذي يسوقنا إلى تقسيم هذا المبحث إلى مطلبين نتناول في )المطلب الأول آليات تدبير الملك الخاص للدولة والإشكالات التي يعرفها (على أن نعالج في )المطلب الثاني التسويق الترابي للملك الخاص وآفاق التنمية ( المطلب الاول آليات وإشكالات تدبير الملك الخاص للدولة المعلوم أن الدولة تمتلك رصيدا عقاريا مهما من الأراضي (القروية او الحضرية)، والتي آلت إليها عن طريق الاقتناءات العقارية سواء تلك التي تقوم بها بالمراضاة أو بواسطة نزع الملكية لأجل المنفعة العامة وهي بذلك تعتبر عقارات تعود ملكيتها الخاصة للدولة فلها بذلك أن تتصرف فيها أو أن تستغلها أو أن تستعملها شأنها في ذلك شأن الملكية الخاصة العائدة للأشخاص العاديين وذلك عن طريق اعتمادها على مجموعة من الآليات والميكانيزمات التي تسمح بتدبيرها في سياق التدبير الجيد للأملاك الخاصة (الفقرة الأولى)، بيد أنه رغم المجهودات المبذولة من طرف الدولة بهذا الخصوص إلاأنه لازالت مسالة التدبير هاته تكتنفها مجموعة من الإكراهات والإشكالات التي تحول دون تحقيقها للغرض المرصودة له (الفقرة الثانية) الفقرة الاولى: آليات تدبير الملك الخاص للدولة يمكن تعريف الملك الخاص للدولة بأنه رصيد عقاري مكون من جميع الأملاك العقارية المملوكة للدولة باستثناء العقارات المكونة للملك الغابوي والملك العام وعليه تقوم الدولة باعتماد مجموعة من الآليات غالبا ما تتخذ على شكل عمليات عقارية والمتمثلة أساسا في عملية التخصيص وعملية كراء الأملاك الخاصة للدولة إلى جانب عملية تفويتها أولا: عملية تخصيص الملك الخاص للدولة يقصد بعملية التخصيص وضع بعض العقارات التابعة للملك الخاص للدولة رهن إشارة المصالح الإدارية التي طلبت تخصيصها لفائدتها قصد استغلالها لأغراض إدارية حيث إن هذه العقارات لا تخرج من تعداد الملك الخاص وإنما توضع فقط رهن إشارة الإدارة المستغلة على أن تعود إلى تسيير مديرية أملاك الدولة بالمجان كلما استغنت عنها تلك الإدارات ولم تستعمله للغرض المخصص له مع العلم أن الأراضي المخصصة لا يمكن تفويتها إلا بعد إنهاء تخصيصها ويكون هذا التخصيص مقابل ثمن يودع في صندوق إعادة توظيف أملاك الدولة ثانيا: عملية كراء الأملاك الخاصة للدولة كآلية للتدبير يعتبر عقد الكراء من الأعمال القانونية الأساسية التي تمكن الأشخاص من استغلال أموالهم والاستفادة منها لأغراض مالية والدولة باعتبارها مالكة لرصيد مهم من الأملاك العقارية فإنها تعمل على كراء عقاراتها لمجموعة من الأشخاص سواء كانوا أشخاص طبيعيين أو معنويين  كراء العقارات العادية المملوكة للدولة : بالرجوع إلى المقتضيات القانونية المتفرقة المنظمة لتدبير الأملاك الخاصة للدولة نجد عملية الكراء تتم كقاعدة عامة عن طريق السمسرة العمومية وفق دفتر التحملات الذي بموجبه يتم تحديد الشروط العامة المنظمة للعلاقة الكرائية بين الدولة والمكتري كما يتم كراء العقارات المخزنية بشكل استثنائي عن طريق المراضاة مع تحديد التزامات كل طرف شريطة موافقة السلطات الوصية مديرية الأملاك المخزنية بالنسبة لمدة خمس سنوات ووزير المالية بالنسبة التي تتجاوزها خلافا للكراء عن طريق السمسرة العمومية الذي لا يحتاج إلى الموافقة على إجراءها وما تجب الإشارة إليه هنا هو انه يمكن للعقارات المخزنية أن يرد عليها كراء طويل الأمد الذي تفوق مدته ثمانية عشرة سنة والذي يكتسب على إثره المكتري حقا عينيا قابلا للرهن الرسمي وذلك طبقا لقرار وزير المالية الصادر بتاريخ 22 يونيو 1958 وقد حدد القرار السالف ذكره مدة أربعين سنة كحد أقصى وذلك قصد مباشرة البناء من طرف المكتري للمحلات المخصصة للسكنى ولعل الهدف من وراء إبرام هذه العقود هو إعدادها للسكنى الذي يستفيد منه المكترون الذين ليس بإمكانهم اقتناء قطعة أرضية وهي مدة كافية لضمان عيش المكتري خلالها بأمان وفي جميع الأحوال سواء تعلق الأمر بالكراء الطويل المد أم القصير الأمد وسواء تم سلوك المسطرة المتعلقة بالسمسرة العمومية أو عن طريق التراضي فان قيمة الوجيبة الكرائية ومدة الكراء تتحدد من طرف اللجنة الإدارية للخبرة وتخضع للموافقة من طرف الإدارة المركزية غير أن السؤال الذي يجب طرحه في هذا المضمار هو ما هي الطبيعة القانونية لهذا النوع من عقد الكراء. باعتبار أن كراء العقارات المخزنية ترتب علاقة بين مديرية الأملاك المخزنية والمكتري فإنه يثور إشكال حول طبيعة هذا العقد فهل يدخل ضمن العقود الإدارية باعتبار أن الدولة طرف فيه أم يعتبر عقدا عاديا . وعليه فبالرجوع إلى المشرع الفرنسي المنظم للأملاك الخاصة للدولة نجده ينص صراحة على الطبيعة القانونية للعقود التي تبرمها الدولة في إطار تدبير أملاكها الخاصة حيث اعتبرها عقودا عادية تطبق عليها القواعد العامة من ثم فان العقود التي تبرم للانتفاع من أملاك خاصة للدولة لا تعتبر عقودا إدارية وبالتالي تسري عليها الأحكام الخاصة المنظمة للأملاك التي تعود للخواص أما المشرع المغربي فلا نجده يعطي تكييفا لهذا النوع من العقود أما الاجتهاد القضائي المغربي فقد سلك نفس التكييف الذي أعطاه المشرع الفرنسي لعقد الكراء المنصب على عقارات الدولة الخاصة حيث اعتبره عقدا عاديا وليس إداريا وهو ما أكده المجلس الأعلى في احد قراراته عدد 1195 ملف إداري عدد 2000/1/4/722بتاريخ 2000/07/27 ( أن العقود التي تبرمها الدولة الملك الخاص وان كانت تعتبر من أشخاص القانون العام فان عقود الكراء التي تبرمها مع الخواص بشان أملاكها تعتبر عقودا مدنية تخضع النزاعات فيها بإبرامها وتنفيذها لمقتضيات وأحكام القانون الخاص)  كراء العقارات الفلاحية : تشكل الأراضي الفلاحية مساحة مهمة داخل المساحة الإجمالية للمغرب وباعتبار الدولة مالكة لمجموعة من العقارات الفلاحية فإنها تعمل على كرائها للخواص لأغراض فلاحية ويتم كراء هذه الاراضي عن طريق السمسرة العمومية لمدة خمس سنوات فلاحية غير قابلة لتجديد ويمكن كرائها استثناء عن طريق المراضاة إلا أنه من الناحية العملية غالبا ما يتم كراء جل عقارات الدولة الخاصة كراء طويل الأمد عن طريق المراضاة لأغراض فلاحية وبشروط خاصة أهمها القيام بانجازات ذات طابع اقتصادي و اجتماعي وتقوم اللجنة الإدارية للخبرة بمعاينة تنفيذ المكتري لهذه الالتزامات والملاحظ أن هذا الصنف من الكراء لم يعطي النتائج المرجوة منه حيث إن منح الأراضي المخزنية المخصصة لأغراض فلاحية من طرف إدارة الأملاك المخزنية لا يخضع لقواعد مضبوطة فمساحة هذه الأراضي وكذا مدة إيجارها ومبلغ الكراء تختلف من عقد لأخر وذلك حسب أهمية الشخص المكتري كراء العقارات لموظفي الدولة يعتبر السكن الوظيفي امتياز ينعم به موظفي الدولة أو المؤسسات العمومية سواء بحكم موقعهم أو بحكم المهام الموكولة لهم أو بسبب رتبهم الإدارية التي تخول لهم الحق في الانتفاع من مسكن إداري لمدة أقصاها إحالة المعني بالأمر على التعاقد حيث تسعى الدولة إلى كراء بعض من رصيدها العقاري لفائدة بعض موظفيها وأعوانها وذلك طبقا للتعريفة المعمول بها بموجب القرار الوزيري المؤرخ في 19 شتنبر 1951 وقد حدد الفصل الثاني منه فئة الموظفين المستفيدين من السكن الوظيفي حيث رتبهم إلى أربعة أصناف: فئة الموظفين المسكنين بحكم القانون: ويقصد بهم الذين يستفيدون من السكن عينا أو يتقاضون تعويضا عنه في حالة عدم إسكانهم وتشمل هذه الوظيفة فيما يخص وزارة التربية الوطنية على سبيل المثال الكاتب العام للوزارة مديرات ومديري الإدارة المركزية و مديرات ومديري الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين ومديرات ومديري مؤسسات تكوين الأطر. فئة الموظفين المسكنين بالمجان: ويستفيد من هذه الوضعية الأعوان الرسميون والمؤقتون المسكنون في عقار تعينه الإدارة للقيام بمهام بواب أو حارس بكيفية مستديمة ليلا نهارا ولا تنتج هذه الوضعية إلا بمقتضى نص تنظيمي . فئة الموظفين المسكنين وجوبا: ويقصد بهم الموظفون والأعوان الملزمون بالسكن في عقار تعينه الدولة اعتبارا لما تقتضيه حاجات المصلحة فئة الموظفين المسكنين بصفة فعلية :هم الذين وان كانوا لا يتمتعون بحق السكن الإداري بمقتضى أنظمتهم الأساسية أو بمقتضى المهام الموكولة لهم يسكنون بالفعل في أملاك الدولة أو أملاك البلديات أو الأملاك المكتراة المعدة بصفة رئيسية لفائدة مصلحة عمومية ويؤدون واجب الكراء باقتطاع من راتبهم . على أنه في مقابل هذا المسكن الذي يحظى به الموظف يتعين على هذا الأخير دفع الوجيبة الكرائية كمقابل للانتفاع وقد حدد القرار الوزيري السالف ذكره والذي تم تعديله بمقتضى قرار آخر المؤرخ في 11 ابريل 1953 قيمة الوجيبة الكرائية التي يلتزم الموظف الساكن بأدائها حيث حددها في ثلاثة أصناف تختلف حسب الموقع الجغرافي وكذا حسب نوعية البناء والتجهيزات التي يشتمل عليها ولعل أهم ميزة يمتاز بها هذا النوع من الكراء هي انخفاض السومة الكرائية مقارنة مع الكراءات العادية، وتجدر الإشارة إلى أنه إذا كانت الدولة تهدف من وراء هذا الكراء إلى توفير مسكن يستقر فيه معينة من موظفيها أو إعانتهم على إيجاد مساكن فهي في نفس الوقت تسعى إلى محاولة التخفيف من أزمة السكن التي يعاني منها المغرب . ثالثا: عملية تفويت أملاك الدولة الخاصة كآلية للتدبير إن عملية التفويت هي عملية عقارية تنقل بموجبها إدارة الأملاك المخزنية حق ملكية عقار من أملاكها الخاصة لشخص معين سواء كان من أشخاص القانون العام أو من أشخاص القانون الخاص مقابل ثمن، ويمكن أن تتخذ عملية تفويت أملاك الدولة صورتين:  تفويت العقارات للأشخاص العادية: يخضع تفويت العقارات المخزنية لمرسوم الملكي المؤرخ في 21 ابريل 1967 المتعلق بتنظيم المحاسبة العمومية وبالرجوع إلى مقتضياته نجد أن عملية تفويت الأملاك المخزنية تتم على غرار الكراء، إما عن طريق السمسرة العمومية كقاعدة عامة وإما عن طريق المراضاة كاستثناء  التفويت عن طريق السمسرة العمومية : إن عملية التفويت الواردة على أملاك الدولة الخاصة بموجب المرسوم الملكي 1967 تتم بواسطة السمسرة العمومية كمبدأ عام وتشتمل هذه التفويتات العقارات التي لا تعتبر عقارات صعبة التسيير وكذلك العقارات المخزنية غير المخصصة للمصالح العمومية، والتي يمكن بيعها للأشخاص المعنويين أو الذاتيين لتحقيق مشاريع ذات طابع اجتماعي أو اقتصادي. وفي هذا السياق يرى أحد الباحثين أن احترام القاعدة العامة للبيع عن طريق السمسرة العمومية والمزاد العلني يؤدي إلى استقطاب أكبر عدد ممكن من المشاركين، وبالتالي تشتد المنافسة الشيء الذي يضمن للخزينة جني أكبر ربح ممكن من وراء عملية البيع إلا أنه إن كانت هذه المسطرة تخدم مصالح الدولة وتبرز الوظيفة المالية لملك الدولة الخاص ففي المقابل لا تخدم مصالح الأشخاص المفوتة إليهم، إذ ما يعاب على مسطرة التفويت بالمزاد العلني هو اتسامها بالتعقد والبطء وطول الإجراءات، وهو ما يؤدي بطبيعة الحال إلى عرقلة التنمية وتعطيل العديد من المشاريع.  التفويت عن طريق المراضاة : يعتبر التفويت عن طريق المراضاة استثناء من المبدأ العام، حيث يحرر عقد البيع بعد تقديم طلب الاقتناء للمديرية ليتم تعيين لجنة إدارية للخبرة لأجل تحديد الثمن ثم عرضه على الجهة المختصة لأجل المصادقة عليه، وكذا على العقد وللمشتري أداء الثمن وكذا الالتزام باحترام الشروط الواردة في دفتر التحملات .  تفويت العقارات للجماعات الترابية: الجماعات الترابية هي الجهات والعملات والأقاليم والجماعات الحضرية والقروية ذات شخصية معنوية واستقلال مالي تمارس اختصاصاتها تحت وصاية الدولة ولتكوين رصيدها العقاري تقوم الجماعات الترابية بمجموعة من الإقتناءات أو تلك مسطرة نزع الملكية، والأكيد أن المتتبع للعمليات العقارية التي تقوم بها هذه الجماعات يجد بأن جل هذه الإقتناءات التي تمارسها تخص العقارات المخزنية بما توفره من أثمنة مناسبة تساهم في انجاز مشاريع اقتصادية واجتماعية، وتبدأ مسطرة تفويت العقارات المخزنية المملوكة للدولة لفائدة الجماعات الترابية بعد إدراج نقطة الإقتناءات في جدول أعمال المجلس الجماعي والمصادقة عليه من طرف المجلس، ثم السلطة الوصية حيث تعمل الجماعة المعنية بتوجيه طل الاقتناء إلى إدارة الأملاك المخزنية التي تعمل على تشكيل لجنة للخبرة تتكون من السلطة المحلية ومن مندوب الأملاك الخزينة والسلطة المكلفة بالتعمير، وذلك لأجل تحديد الثمن الحقيقي للعقار. وبعد تحرير محضر الخبرة يتم رفعه لمديرية الأملاك لأجل استصدار النص الإذن بالبيع من الجماعة المعنية، والملاحظ أن الجماعات الترابية في بعض الأحيان لا تحترم مسطرة الاقتناء المعمول بها إذ تلجا إلى استغلال أملاك الدولة الخاصة على أمل أن تتم التسوية لاحقا . الفقرة الثانية : الإشكالات المتعلقة بتدبير الملك الخاص للدولة يمكن إجمال الإشكالات التي تطرحها مسالة تدبير الأملاك الخاصة للدولة في: النقطة الاولى؛ الوضعية غير القانونية للملك الخاص للدولة : كثيرا ما يصتدم التدبير الجيد للملك الخاص للدولة في كونه يوجد في وضعية غير سليمة من الناحية القانونية كان يكون موضوع تقييدات احتياطية أو موضوع رهون أو إحتلالات من طرف الغير أو أن تلك الأرض تملكها الدولة ملكية شائعة مع الغير، أو أن هذه الأرض تقع في المناطق الخاضعة لضم الأراضي الفلاحية أو الاستثمار الفلاحي الذي يتطلب لاستغلالها عدة إجراءات قانونية معقدة، وبالتالي فإن هذه الوضعية تقف كحجر عثرة ّأمام التدبير الجيد للأملاك الخاصة للدولة، وكذا أمام عدة مشاريع تنموية لان تصفية هذه الأملاك وتسويتها يتطلب عدة إجراءات ومساطر إدارية وقضائية للفصل فيها. النقطة الثانية؛ الملك الخاص للدولة موضوع نزاع قضائي: عديدة هي النزاعات المتعلقة بالعقارات التي تمتلكها الدولة ملكية خاصة وهذه النزاعات أفرزتها بالخصوص الوضعية غير القانونية التي يوجد فيها بعض من رصيدها العقاري، فهناك نزاعات متعلقة بطرد محتل بدون سند نتيجة الترامي على الملك الخاص وهناك نزاعات متعلقة بالقسمة القضائية عندما تكون بعض العقارات مشاعة بين الدولة والخواص وكذا نزاعات استحقاق العقار، وعموما يمكن إجمال هذه النزاعات في تلك المتعلقة بنزاعات التحفيظ العقاري والنزاعات المتعلقة باحتلال الملك الخاص للدولة. فعلى مستوى النزاعات المتعلقة بالتحفيظ العقاري فنجدها تشغل حيزا مهما ضمن القضايا التي تهم ملك الدولة الخاص، فكما هو معلوم أن مسطرة التحفيظ العقاري تتكون من مسطرة إدارية وأخرى قضائية، وفي حالة وجود تعرضات يقوم المحافظ بمقتضاها بإحالة الملف على المحكمة الابتدائية لتبث في التعرضات المقدمة ضد مطلب التحفيظ والفصل في هذه النزاعات يستغرق مدة طويلة نظرا لتراكم العدد الهائل من القضايا المعطلة والمتعلقة أساسا بكثرة التعرضات التي تنقل النزاع من المرحلة الإدارية إلى المرحلة القضائية، ولعل السبب الرئيسي المؤدي إلى كثرة هذه التعرضات هو تعدد الأنظمة العقارية بالمغرب مما يجعل المحافظ أمام حقوق عقارية ذات مصادر متداخلة ومتشابهة . أما على مستوى النزاعات المتعلقة باحتلال الملك الخاص للدولة من طرف الغير فهذه النزاعات تشغل بدورها حيزا كبيرا ضمن القضايا المعروضة على المحاكم حيث نجد هناك بعض العقارات تكون موضوع احتلال من قبل الغير وبالتالي يتعين اللجوء إلى المحكمة لإفراغهم وهذه النزاعات بدورها تستغرق وقتا طويلا لأجل الفصل فيها خصوصا إذا كان الامر يتعلق بعقار محفظ النقطة الثالثة؛ وضعية الملك الخاص للدولة اتجاه وثائق التعمير: تتجلى هذه الإشكالية عندما يقدم على تدبير ملك مخزني بإقامة مشروع عليه خاضع لوثائق التعمير فيكون التخصيص المخصص للعقار ضمن وثائق التعمير لا ينسجم مع نوايا المشروع، كأن تكون تلك المنطقة خضراء أو منطقة مخصصة للسكن الاقتصادي، في حين أن المشروع يتعلق مثلا بانجاز مركب سياحي . وعموما يمكن القول أن الإكراهات المتعلقة بوضعية العقارات المخزنية تأثر بشكل سلبي على تحقيق النتيجة المرجوة من هذه الأملاك، إذ أن الوضعية غير السليمة وغير المصفاة من الناحية القانونية تجعل من أملاك الدولة الخاصة أملاك عاجزة عن مسايرة التطورات الحالية المطلب الثاني : التسويق الترابي للملك الخاص للدولة وآفاق التنمية يعتبر التسويق الترابي من المبادئ الحديثة للتدبير باعتباره آلية لجذب الاستثمارات، وبالتالي الرفع من قاطرة التنمية الاقتصادية المنشودة. إن التسويق الترابي يعتبر مادة من المواد التي تتعارض فيها المصالح وتتباين وتتداخل فيها الأدوار والوظائف وتتقاطع فيها الثقافات والقيم والإيديولوجيات، فإن الأمر يستلزم إخضاع تدبيره لتخطيط إستراتيجي هدفه إشراك الفاعلين المعنيين، بغية الحصول على فضاء منسجم ومتوازن بين متطلبات التنمية ومراعاة مصالح الأفراد واحترام خصوصياتهم ويجعل منهم آلية من آليات التنمية الشيء الذي سيجعل منه أحد المداخل الأساسية لتطبيق وتنفيذ السياسات العمومية في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالي فإن التسويق الترابي هو عبارة عن مجموعة من العمليات التي تهدف إلى حسن تسويق المنتوج الترابي، الشيء الذي يعني استعراض كل المقومات والرساميل الوطنية بغية البحث عن آليات جديدة لإنعاش الاستثمار. وبالتالي فإن التسويق الترابي باعتباره آلية من آليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ومدخلا من المداخيل الرئيسية لتنفيذ السياسات العامة للدولة وذلك من أجل تحقيق تنمية منشودة على الصعيد المحلي والجهوي. وتأسيسا على ما سبق، فإن التسويق هو خلق دينامية للسوق سواء على الصعيد المحلي أو الوطني وحتى الدولي ولهذا الاعتبار فقد أصبح التسويق بدوره من الأدوات والآليات التي عرفت طريقها من القطاع الخاص إلى القطاع العام وتحديدا في الجماعات الترابية وبهذا فإن التسويق الترابي أصبح عنصرا محددا للتدبير المحلي وأحد مداخل التميز والابتكار. وتجدر الإشارة أن التسويق الترابي يحتاج إلى إعادة وتهيئة المجال الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والمؤسساتي لضمان توزيع أفضل لكل الموارد الطبيعية والبشرية والاقتصادية اعتمادا على آليات التسويق من أجل تجاوز الفوارق بين الجماعات الترابية قصد تحقيق عدالة اجتماعية على كل القطاعات وهو ما يجعل التسويق الترابي آلية للتضامن الترابي يتحدد دورها في كل تدخل أو سياسة اقتصادية واجتماعية معقلنة تهدف إلى تحسين جودة المجال وتوزيع أفضل بين المكان والأنشطة والتخفيف من التباينات والاختلافات المجالية دون إغفال للخصوصيات المحلية أو الإمكانات المادية بكل جهة والحفاظ على البيئة. وإذا كان التسويق الترابي أحد الركائز والمداخل الأساسية لتنفيذ السياسات العمومية في سبيل تحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، فإنه يسمح بإعادة توزيع الأدوار، بحيث يعترف للفاعلين المحليين كمؤسسات جديدة تعتمد على تقنيات التدبير الحديثة التي تأخذ بالمبادئ الكبرى للحكامة الترابية فإن الأمر يقتضي مراجعة مجموعة من الركائز التي يقوم عليها التسويق الترابي. وتجدر الإشارة أيضا أن التسويق الترابي يلعب دورا مهما في جلب الاستثمارات الخارجية عن طريق التسويق الرشيد وتشجيع المستثمرين الأجانب في الاستثمار داخل التراب الوطني باعتباره آلية للتدبير المعقلن الذي يهدف إلى تثمين العرض الاقتصادي وبالتالي النهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية المنشودة. وفي هذا الصدد فقد حاولت السلطات العمومية دعم التدابير التي تم تبنيها من خلال قانون الإطار المتعلق بتشجيع الاستثمار عبر مجموعة من الإصلاحات التي تهم تحرير المبادلات الخارجية، إصلاح القطاع البنكي، إعادة النظر في القطاع البورصي واعتماد سياسة الخوصصة، وهي كلها إجراءات تندرج في إطار إستراتيجية عامة تهدف بالأساس إلى تقوية التراب الوطني وتنمية قدرته على جذب الرساميل الكبرى الدولية والتموقع في قلب حركية الاستثمارات والمبادلات الدولية . كما يعمل التسويق الترابي على سياسة الإعلام والتواصل والمتمثلة في مجموع الأعمال التواصلية والإعلامية والمجهودات المبذولة من طرف هيئة ترابية من أجل إقناع مقاولة ما باختيار ترابها موطنا لممارسة أنشطتها الإنتاجية والإسهام في تنميته الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، ومن هنا تبرز ضرورة اعتماد سياسة تواصلية إعلامية من أجل بث صورة التراب والامتيازات التي يخولها للمنشآت الإنتاجية من خلال تقديم معلومات حوله تتميز بالتنوع والتكامل وتتسم بالانسجام والوضوح والتنظيم . وفي هذا الإطار، تظهر ضرورة الاعتماد على التكنولوجيات الحديثة، لما تنتجه من إمكانيات تسمح ببناء إدارة ترابية عصرية دائمة الإصغاء لمحيطها ومتفاعلة معه، وقادرة على توفير المعلومات الكاملة حول خصائص ترابها والامتيازات التي يوفرها بالنسبة للوحدات الإنتاجية وكذلك طبيعة الإجراءات والمساطر التي يلزمها الإجابة عليها من أجل إخراج مشروعها الاستثماري إلى حيز الوجود. وبذلك يبدو مشروع الإدارة أو الحكومة الإلكترونية كنتيجة حتمية للتفاعل بين مجالات تكنولوجيا المعلوميات والاتصال وتبسيط المساطر وتوطيد العلاقة مع المقاولة .   خاتمة: يستنتج مما سبق ذكره، أن استراتيجية التسويق الترابي تبقى آلية جد فعالة، باعتبارها وسيلة أبرزت من خلال الواقع العملي على جديتها ومنتوجيتها للنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية للجماعات الترابية بصفة خاصة والدولة كمؤسسة بصفة عامة، مما يفرض على جل الفاعلين بجميع مكوناتهم وتوجهاتهم وتكويناتهم إلى إيجاد حلول قويمة عملية لتجاوز الإكراهات و الإشكالات التي تطرحها عملية تفعيل هذه الإستراتيجية التسويقية واقعيا.   لائحة المراجع  باللغة العربية:  عرفي موان، الذكاء الاقتصادي والتنمية الترابية، نموذج المنطقة الصناعية وكالة تنمية الجهة الشرقية، العدد 4، دجنبر 2008.  معلال ناجي ذيب، الأصول العملية للترويج التجاري والإعلان دار الصفاء للنشر، هان الأردن، الطبعة الثانية، 1997.  ميشال الرومي، الذكاء الاقتصادي في خدمة المجالات الترابية، وكالة تنمية الجهة الشرقية، العدد 4.  المملكة المغربية، وزارة الوظيفة العمومية والإصلاح الإداري، الإدارة المغربية وتحديات 2010، مطبعة إليت، سلا، 2002.  التسويق الترابي ورهان التنمية المحلية بالمغرب نموذج جهة مكناس، تافيلالت وآفاق مشروع الجهوية الموسعة، أطروحة في قانون العام.  طارق الحاج وآخرون، التسويق الترابي من المنتج إلى المستهلك.  امساعف بن زيان تدبير الأملاك المخزنية بين المتطلبات القانونية ورهانات التنمية رسالة لنيل دبلوم الماستر قانون العقود والعقار، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية.  محمد الدرويش، التسويق الترابي ورهان التنمية المحلية بالمغرب.  سليم قلة آليات تدبير الملك الخاص للدولة droit maroc.com  باللغة الفرنسية:  Hassan Azaoui, le marketing territorial et la gouvernance locale au Maroc.  Fatima Chahid, territorialisation des politiques publique, publication de la Remald, collection manuels et travaux, n° 63, 2005.  المواقع الالكترونية:  موقع وزارة الإسكان والتعمير وسياسة المدينة: WWW.marocurba.gov.ma  موقع وزارة التجهيز و النقل والوجستيك :www.met.gov.ma  موقع وزارة السياحة: www.tourisme.gov.ma  
بقلم ذ عبد الرحمان جيضار
مجاز في القانون الخاص
 


أعلى الصفحة