القانون العام

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 225
تشير طبيعة مفهوم المجتمع المدني إلى الجوهر الفلسفي العميق للعمل

التطوعي بصفة عامة، وهو فكرة المبادرة الذاتية للفرد من منطلق قناعته وإيمانه بقدرته على الفعل والتأثير في محيطه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والثقافي وتغيير الأنماط السائدة وبلورة توجهاتها المتعددة .

ومن ثم ،فان غالبية العلاقات في المجتمع المدني تتم في إطار مجموعة من المؤسسات ذات النفحة التطوعية، أي تلك التي ينضم إليها الأفراد  بكل استقلالية و حرية و بملء إرادتهم  وبتعبير صادق عن قناعاتهم إيمانا منهـم في نهاية المطاف بقدراتهم وقدرات هذه المؤسسات على حماية مصالحهم والتعبير عنها وفق رؤى تتسم بالنجاعة و الكفاية .  بحيث يكون التطوع هنا هـو المجهود الذي يقوم به الفرد بصفة اختيارية وطوعية ،عن طريق  شكل من الأشكال المختلفة  للمساهمة، قد تكون  عمل أو علم أو رأي أو تمويل أو غير ذلك مما يتوخى خدمة  المجتمع. ويبرزأنجح شكل يكون عليه التطوع في الجمعيات أو المشاريع المنجزة بمبادرة أفراد متطوعين ينتظمون ضمن هيئة مهيكلة، منظمة وممأسسة، رغبة منهم في مساعدة المجتمع والرقي به عن طريق استخدام امكانياتهم الخاصة، البشرية والمادية.

لقد تعددت اراء المفكرين حول المؤسسة التطوعية ومفهوم التطوع، حيث هناك من يرى أن التنظيمات والمؤسسات التطوعية تنتعش في الدول النامية مع عمليات التحول السياسي والانتقال الديمقراطي والتنمية الاقتصادية والتحديث الحضاري. و غالبا ما يتم تفسير ذلك على ضوء فقدان الأفراد في تلك الدول– أثناء عمليات التغير المستمر و الدائم–  الدعم والسند الأسري  الذي تتيحه البنيات  التقليدية للأسرة قبل تفككها كبنيات متجددة ،كنتاج لعمليات التعلم والتمدن والتحديث و التطور. و الجدير بالملاحظة ان  هذه التنظيمات تختلف من حيث غاياتها ،فقد تكون لها غايات اقتصادية أو سياسيـة أو دينية أو نقابية أو ترفيهية... ومما لا ريب فيه أن انبثاق هذه التنظيمات وتعدد أنواعها وأهدافها ووظائفها هي أمور مرتبطة بتعقد مسارات  الحياة و صيرورة العلاقات والمصالح الاجتماعية. ويمكننا أن نفسر التوجه المفرط للتنظيمات التطوعية في ظل التيار العام – والذي تغذيه بشكل دائم  عمليات التحديث والتنمية - نحو التخصص، وفي ظل تعقد النظام الطبقي وتزايد التدرج والانقسام الاجتماعي والمهني والثقافي والاقتصادي، فكل ذلك من شأنه أن يشجع كل فئة متجانسة ، متراصة على تأسيس تنظيم معين كفيل  بالدفاع عن مطالبها و الاستجابة لطموحاتها و تلبية  رغباتها. ولعل من أبرز هذه التنظيمات يمكن ذكر النقابات المهنية والعمالية والاتحادات الثقافية والنوادي والجمعيات. . .

 ان التطوع هو سمة من السمات الأساسية للحركة الجمعوية،  فهذه الأخيرة تقوم على القيم الإنسانية الرفيعة التي تدبر الموارد البشرية التطوعية والمأجورة للجمعية.

وقد عرف قاموس Petit Robert المتطوع كالذي "يفعل شيئا عن طيب خاطر أودون عوض أو مجانا". أما أحمد مصطفى خاطر، فقد وضع صياغة مبدئية لمفهوم التطوع بحيث يكون على النحو التالي: "التضحية بالوقت أو الجهد أوالمال دون انتظار عائد مادي يوازي الجهد المبذول".

على أساس ما سلف  ليس إذن، للمتطوعين أي حق في المقابل المادي لقاء ما يقومون به من جهد أو عمل إزاء الجمعية. وبالمقابل فهم غير ملزمين بالخضوع لأوامرها الخضوع الصارم ، وحتى الجمعية نفسها المبنية على العمل التطوعي لا يمكن لأي كان أن يسائلها فيها إذا قلصت من خدماتها أو حتى جمدتها، فالفعل الجمعوي هو فعل تطوعي   .  

 وما دام أنه ليس للمتطوع أي حق في المقابل المادي ،  فغالبا ما نجد أن العمل التطوعي في جزء كبير منه، وبالطبيعة التكوينية، مصاب باللافعالية وغياب الكفاءة و الضبط و التأهيل ، و بذلك فالتطوع  شيء جيد و مستحب، لكنه  يبقى للأسف الشديد ذا مردود ضعيف، وهو نادرا ما يكون فعالا على مستوى تنفيذ الأنشطة و انجاز  المهام .

والعمل التطوعي هو عمل يجب تميزه عن وقت الفراغ، يمارس طوعا، وهو ما يميزه عن العمل المأجور .ويمكن تمييز العمل التطوعي عن العمل المأجور بكل بساطة بوجود "عقد الشغل" بالنسبة للمأجور. والمقاول "الجمعوي "الذي يبادر لتسيير المنظمة الجمعوية هو دوما متطوع، ما دام ليس هناك توزيع محتمل للمنافع أو الأرباح،  في حين أنه توجد حالات متنوعة تتوسط بين التطوع والإجارة،ومنها مثلا : التعويض عن النفقات المهنية، الإرادة في العمل، وهو ما يحفز على الانخراط وبايجابية في أهداف الجمعية، الشيء الذي يمنح العمل بعدا تطوعيا.

فالتطوع إذن يتسم بالمجانية، وغير مؤدى عنه، لأن العلاقة التي تربط المتطوع بالجمعية تنبني بالاساس على العمل من أجل المنفعة العامة والتعاون المشترك و التشاركي لبلوغ الأهداف النبيلة المتوخاة، ويستوجب ذلك  أداء الخدمات  دون  التقيد بنفس إجراءات عقد العمل الذي يربط بين المشغل والمأجور.

وإذا كان لا يخول للمتطوعين التمتع بحق المطالبة بالأجور، فانه مع ذلك  لهم الحق في  الاستفادة من  التعويض عن جميع النفقات التي صرفوها لصالح الجمعية في حالة إذا ما كلفتهم بذلك. وفي ظل غياب  إحصائيات  – خاصة مع عدم وجود مراكز متخصصة في التطوع على شاكلة  المركز الوطني للتطوعيةLe Centre National du Volontariat  بفرنسا- من شأنها أن تطلعنا على مدى مساهمة متطوعي المنظمات غير الربحية في المغرب ولا حتى عدد مناصب الشغل التي يوفرها هذا القطاع. في ظل هذا الغياب لابد من الإشارة إلى أن أكثر من 80 مليون رجل يعملون كمتطوعين في و.م.أ، يخصصون في المتوسط ما يقرب من خمس ساعات في الأسبوع لمنظمة أو لعدة منظمات ذات أهداف غير ربحية. وهذا يعادل عشرة ملايين عمل كامل. وإذا كان المتطوعون يتلقون تعويضات لقاء ما يقومون به من عمل، فان أجورهم (لو كانت لهم أجور) يمكن أن تكون قد ارتفعت إلى ما يقرب من 150 مليار دولار. مما يبرهن عن تجذر الفعل التطوعي بالمجتمعات الديمقراطية.

ان أسباب الاهتمام بالعمل التطوعي تظل جد متنوعة وتتأرجح بين العوامل الداخلية والعوامل الخارجية. وتبرز الأولى في التفاقم الكبير للمشاكل الاجتماعية العويصة كالبطالة والفقر و الاقصاء والتهميش وكذا لعدم قدرة الدولة لوحدها على إيجاد الحلول  الناجعة لهذه المشاكل المتفاقمة، مع التراجع الملحوظ لدورها الهام في هذا المجال، إضافة إلى الوعي المتزايد للمجتمع بالأهمية  التي يلعبها العمل التطوعي كمكمل حيوي لدور الدولة.  أما الثانية فتتمثل في تعدد مصادر التمويل الضرورية للنهوض  و الرقي بمشاريع وبرامج التنظيمات الجمعوية، وكذا توفيرأسس الدعم الفني والتقني ،كالاستفادة من التداريب ومواكبة الدورات التكوينية. ان كل ما سلف ذكره  يجعل المتطوع يكتسب تجارب وخبرات ما كان ليحصل عليها في عمله المأجور ويستطيع تصريفها إذ ذاك في حياته اليومية الخاصة و بناء  شخصية تتسم بالخلق و الابداع و المهارة و الانفتاح .

ان محفزات التطوع تبقى جد متنوعة، فهي  يمكن أن تكون جماعية كما يمكن أن تكون شخصية: فمثلا يصبح شخصا ما متطوعا في جمعية تنموية لأن ذويه في العالم القروي يعانون من الفقر والتهميش و غياب شروط العيش الكريم . كما يمكن أن توجـد أصناف أخرى من المحفزات شخصية ،كاكتساب خبرات ومهارات والحصول على المسؤوليات ولقاء الأشخاص المهنيين وذوي الحنكة و التجربة،وعلاوة  على ذلك  يمكن أن يعكس العمل التطوعي الاستعداد  الجواني للمواطن -عن وعي وإدراك- بدوره في خدمة وطنه و الدفاع المستميت عن شيمه الرفيعة ، لأن الموروث الثقافي يحتوي على العديد من القيم الاجتماعية والثقافية الايجابية ،كالتعاون والتكافل والتضامن و التعاضد، وغيرها من القيم السامية والتي يظل لها   الأثر البالغ في نشر مبادئ العمل التطوعي.  هذا الأخير تحكمه في المجتمع المعاصر  منظومة قيمية حديثة مبنية على المواطنة والإحساس بالمسؤولية والتفاني في خدمة  الغير والتي يمكن أن تكون مكملة و موطدة للقيم الموروثة.

إن عددا متزايدا من المتطوعين في الوقت الحالي أصبحوا "مستخدمين غير مأجورين" يتحملون مهام مهنية وإدارية في العديد من الجمعيات، رغم أنها أصبحت تعي جيدا القيمة  الرفيعة و المكانة  الفضلى للموارد المالية  كما هو الشأن بالنسبة للمقاولات. فالموارد المالية هـي في صميم قلب انشغالاتها و مطلبا مهما لتنفيذ برامجها ،و يظل من الصعب عليها جمع الأموال بكميات كافية وقادرة  على تغطية حاجياتها المرتبطة بطموحاتها اللامحدودة. غير أن إستراتيجيتها لا تنبني على المال كما هو الحال عليه في المقاولات. فهدف اللاربحية يظل هدفا مقدسا في غائيات العمل التطوعي.

فالمقاولات تبدأ تسييرها المرتقب وفي اطار  استشرافي /توقعي بمداخيلها المالية، بينما  تعمل الجمعيات كمنظمات غير ربحية بتأدية رسالتها،وتحقق ذلك بفضل جهود متطوعيها، لذلك فهم يخضعون لنمط من التسلسل الإداري الذي يمثله المكتب الإداري والمنصوص عليه قانونا، ومع أن هؤلاء المتطوعون غير ملزمين بالخضوع لتعليمات العمل المحتمل من طرف أعلى السلم الإداري، إلا أنهم مع ذلك يقبلون طوعا و إرادة،  وعن طيب خاطر وبما تميله عليهم أخلاقيات العمل الجمعوي  الهادف بالتقيد بالقرارات الجماعية التي تعمل   الجمعية على إتخاذها ، لذلك يتطلب  الأمر أن يتحمل المتطوع مسؤولية الواجبات الملقاة على عاتقه   بدلا من العمـل فقط حسب ما تميله عليه رغباته وما تفرضه إحتياجاته  .ويسدي المتطوعون خدمات جليلة للعمل الجمعوي عن طريق تقديم المساهمات المادية والمعنوية من خلال أداء الاشتراكات والانخراطات والتبرعات التي يمكن أن تكون نقدية أو عينية ثم مساهماتهم المعنوية المتجلية في تنظيم الحلقات الدراسية واللقاءات التحسيسية و الأنشطة التعبوية، والقيـام بندوات ومحاضرات تدخل  في صميم الأهداف المسطرة للجمعية، وكذا الانخراط في عملية الإصلاحات والترميمات التي تقوم بها الجمعية سواء لمقراتها أو للتجهيزات التي تحتاجها في عملية اشتغالها أو باقي البنايات ذات المصلحة العامة  .   

إن التركيبة الاجتماعية للمتطوعين هي بالغة الأهمية، باعتبارها الأساس الذي تنبني عليه الحياة الجمعوية ككل .  ولهذا السبب انعقد المؤتمر العالمي للتطوع سنة 1990 في باريس. وفي غضون هذا اللقاء تبنى ممثلوا أكثر من ستين دولة "الإعلان العالمي المتعلق بحقوق وواجبات المتطوعين" الذي أكد المبادئ الأساسية وأهمية العمل التطوعي كأداة للتنمية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية. ولأهمية هذا الإعلان لا بأس من الإشارة إلى النقط التي جاء بها:

فحسب ما جاء في الإعلان، وجب على المتطوعين:

- تشجيع التطوع الفردي ليترجم في الحركة الجماعية.

- البحث بهمة لأخذ جمعيتهم نحو الانخراط بكل وعي في أهدافها والوقوف على سياساتها واشتغالها.

- الدخول في الأخذ الجيد للمهام المحددة جماعيا بالنسبة إلى استعداداتهم.

- التعاون بروح من التفاهم المتبادل والتعبير المشترك مع كل الفاعلين في الجمعية.

- قبول التكوين.

- الارتباط بسر ممارسة الوظيفة.

وقد حدد الإعلان أيضا ما هي حقوق المتطوعين، أو بمعنى اخر، ما هي واجبات الجمعية تجاههم:

وجب على الجمعية بنفس الاحترام لحقوق الإنسان والمبادئ الأساسية للمتطوعين:

- أن تفكر في القواعد الضرورية لممارسة النشاط التطوعي، وتحديد معايير مشاركة المتطوعين والسهر على احترام وظيفة كل واحد بشكل واضح ودقيق.

- أن تسند لكل واحد الأنشطة التي يوافق عليها لضمان التكوين والمواكبة الضرورية.

- التفكير بطريقة ملائمة في تغطية الأخطار التي يتعرض لها المتطوعون أثناء ممارسة وظائفهم والأضرار التي يتسببون فيها دون تعمد والتي تلحق أنشطة الأعضاء المكونون للجمعية.                                                

- تسهيل وصول الكل إلى التطوع بتعويض النفقات التي تحد من التزام المتطوعين.                                                                           ومن ثم فان العديد من العوامل هي التي تمنح العمل التطوعي أهميته الكبرى. ويمكن أن نذكر من بينها:

1- عدم قدرة الدولة على تلبية الحاجات الأساسية للمجتمع أو لفئات خاصة منه ، لكون العمل التطوعي يتسم بالسرعة في العمل  و الكفاية و حسن الاستجابة، خلافا للدوائـر الادارية البيروقراطية التي تتميز بالبطء والتأجيل  و التعقيد .   

2- ينتبه العمل التطوعي أكثر للجوانب التي تكون الحاجة ماسة لمعالجتها،وبنوع من الضبط و الدقة  .        

3- يعطي العمل التطوعي تلك الفرصة التي لا تتيحها الدولة للسكان من أجل المشاركة في حل المشكلات التي يتخبطون فيهاو ايجاد حلول مشتركة مناسبة لها   .  وذلك ما يبرز من خلال التحسيس والتدريب والتوجيه والتأطير ،وبالتالي المساهمة في اتخاذ القرارات التي تهم مستقبلهم التنموي وفق رؤية تشاركية     .  

4- إن العمل التطوعي هو ذلك الشكل الجديد  و المتطور من التعاون والتضامن والتآزر بين الناس، فهو يخضع لآليات التنظيم والتقعيد ناشدا بذلك تحسين الأوضاع الإنسانية للمجتمع، بل يرى البعض أن تقدم المجتمع الإنساني أوضمان أسس رقيه  أصبح يقاس بحجم المنظمات التطوعية الموجودة فيه.

إن التطوع إذن يحتل مكانة هامة داخل النسيج الجمعوي، فرغم أن المتطوع غير ملزم بإنجاز عمل ما لأنه يعرف مسبقا أنه سوف لن يحاسب عليه، إلا أنه يجد نفسه مضطرا للقيام به لتحسين خبرته وسبر حنكته ثم للوفاء بعهود  وإلتزامات التطوع التي قطعها على نفسه اقتناعا  و رغبة منه بذلك. ومما يساهم على تحفيزه كذلك هو شعوره بالفخر وإحساسه بالإعتزاز جراء الانجازات التي تقوم بها الجمعية والتي يكون له الإسهام الفعال والدور الريادي في تحقيقها. ومن ثم، فالمتطوع لا يعمل من أجل الجمعية ولكنه يعمل معها وفي تماهي مطلق مع أهدافها  .   فالتطوع بذلك يجسد قيمة إنسانية  رفيعة تمثل مبدأ المواطنة في أسمى تعبيراته .

 هكذا يتحدد التطوع كنتاج إيجابي لجملة من القيم والمبادئ ذات العلاقة الوطيدة بمبدأ المواطنة من قبيل :المبادرة و التضحية والحرية والإرادة والتعددية و المسؤولية والعقلانية. . . والتي تعتبر من المقومات والمرتكزات الأساسية لبناء وتفعيل المجتمع المدني وتمتين مؤسساته التي تتوخى في نهاية المطاف  تحقيق مصالح عامة تشمل مختلف فئات المجتمع  و مكوناته أو مصالح فئوية خاصة تهم منخرطي هذه المؤسسات.

إنطلاقا مما سلف ، فان مفهوم المجتمع المدني القائم على فكرة التطوعية كمبدأ من المبادئ المكونة لجوهره ،يستوجب توافر بعض الشروط المعنوية والأخلاقية الأساسية، ومنها:

  • الحرية: حيث لن يكون للمجتمع المدني وجود  ولن تقوم له قائمة دون تمتع الأفراد بحرية المبادرة والاختيار والتعبير عن الإرادة وإ تخاذ القرار  .   

فكلما تم التمكين من قيمة الحرية بأنواعها المختلفة خارج وداخل مؤسسات المجتمع المدني وبين بعضها البعض ،كلما كان ذلك مؤشرا واضحا و شفافا على حيوية هذا المجتمع بالمعنى الايجابي والعكس صحيح.

و عبر هذه القيمة السامية تخفف مؤسسات المجتمع المدني من  الأنانية المفرطة  وتساهم بالتالي  في تجميع الأفراد وفق منظور المصلحة المشتركة .


  • المواطنة: على الرغم من صعوبة تحديد مفهوم المواطنة باعتباره مصطلحا سياسيا "زئبقيا" فان للمفهوم عناصر ومقومات مشتركة يجب أن تتوافر حتى تسمح لنا بالقول بمراعاة مبدأ المواطنة في دولة ما، وتتمثل هذه العناصر والمقومات في الحقوق القانونية والدستورية و السياسية وضمانات المشاركة الديمقراطية الفعالة ،الى جانب الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تمكن الفرد من التعبير عن رأيه ومطالبه ومصالحه بحرية وإستقلالية .  

هذه الرابطة المعروفة بالمواطنة هي المفتاح لتحقيق التماسك الاجتماعي في دواخل  المجتمع من حيث غرس مشاعر الانتماء إليه بإفتخار وإعتزاز  وهنا تلعب الإرادة الشخصية للفرد الدور الرئيسي في الفعل الجمعوي ،إذ  يتبلور سلوك  المواطنة  من خلال التأسيس لإتفاق يدخله الأفراد بمحض اختيارهم الحر والطوعي لتشكيل منظمات وجمعيات تدافع عن مصالحهم وتلتزم بالعمل في حدود النظام السائد والقواعد المتعارف عليها داخل المجتمع ،بحيث تحقق أهدافها المرجوة بالوسائل السلمية المقبولة والمسموح بها دون اللجوء إلى  الممارسات  المتسمة بالعنف وهو ما يعني الحفاظ على وحدة وتماسك واستقرار المجتمع.

في هذا الصدد، ما فتئ نمو "المجتمع المدني يرتبط أشد الإرتباط" بنمو مفهوم "المواطنة" ووعي الفرد بأن له حقوقا وعليه واجبات.  لذلك تعتبر تنظيمات المجتمع المدني بمختلف تمثلاتها و تجسيداتها ،هي الشرايين الحية للديمقراطية وتحقيق التنمية. فمن خلال هذه التنظيمات يوطد الأفراد قدراتهم ومهاراتهم التنظيمية. ولكن أهم من ذلك ،فان هذه التنظيمات هي التي تحرص على دعمهم جماعيا من أجل خدمة قضاياهم وتحقيق مصالحهم المشتركة ،وهي التي تساندهم في مواجهة هيمنة السلطة.

هكذا نجد أن هذه الشروط  في إطلاقياتها تجعل من طبيعة مفهوم المجتمع المدني تشير إلى جوهر "فكرة الطوعيـة" باعتبارها جملة الأفكار و التصورات التي تحيل  على  مجموعة من الظواهر الأساسية في تكوين التشكيلات الاجتماعيـة المختلفة.

وعموما فانتشار التطوع كأهم خاصية من خصائص المجتمع المدني الفاعل يعتبر من المقاييس التي يقاس بها تقدم المجتمع وتطوره، حيث يعد الوعي بأهمية التطوع وممارسته بصورة فعلية مؤشرا للتفاعـل الايجابي للأفراد تجاه مجتمعهم للنهوض به وتنميته في كافة المجالات. ولا تقتصر الآثار الايجابية للتطوع على المجتمع فحسب، إنما يعد التطوع من أهم الوسائل لبناء شخصية المتطوع وتنميته مهاريا واجتماعيا وأخلاقيا. كما أن للخدمات التي يقدمها التطوع في دعم الدولة والتخفيف من حدة المشاكل في الميادين التي لا تدخل في صلب انشغالاتها الدور البارز، هذا بالاضافة الى أن القطاع التطوعي المنظم تتميز أنشطته بالسلاسة، مما يساعد علـى تقديم الخدمات بصورة أسرع وأيسر من المبادرات الفردية، مهما كانت أهميتها وجدوائيتها. ورغم أهمية هذا المفهوم بالنسبة للمجتمع المدني كجوهر للفعل الجمعي فان النظرة القائلة بأن النشاط التطوعـي يعزز الديمقراطية هي مجرد طريقة واحدة في فهم المجتمع المدني.أي أن هذا الأخير تتشعب معالم الوقوف على خصائصه بالنظر إلى هذه الخصائص ذاتها.

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة