القانون الدولي

بقلم ذ صوفيا بومنينة
محامية متمرنة بهيئة طنجة باحثة في قانون الأعمال
تحت عدد: 525
تمهيد
إدراكا من المغرب بضرورة تقوية دوره في مكافحة

الجريمة على الصعيد الدولي، فقد صادق على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد[1]، وعلى معاهدة الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الأوطان[2]، وعلى جل المعاهدات الدولية الخاصة بالحقوق الإنسانية، وخاصة منها معاهدة فيينا لسنة 1969[3]، والتي نصت المادة 27 منها على أنه لا يجوز لأي طرف أن يحيل على مقتضيات قانونه الوطني ليبرر عدم تنفيذ المعاهدة ؛ مما يبرهن على سمو المعيار الدولي[4].

وتفعيلا لالتزاماته الدولية أكد في تصدير الدستور على : " جعل الاتفاقيات الدولية، كما صادق عليها المغرب، وفي نطاق أحكام الدستور، وقوانين المملكة، وهويتها الوطنية الراسخة، تسمو، فور نشرها، على التشريعات الوطنية، والعمل على ملاءمة هذه التشريعات، مع ما تتطلبه تلك المصادقة ".

وفي هذا المضمار، نصت الفقرة الأولى من المادة 713 من قانون المسطرة الجنائية على سمو الاتفاقيات الدولية على القوانين الوطنية فيما يخص التعاون القضائي مع الدول الأجنبية، مما يجعل المغرب من الدول التي يتيح تشريعها الداخلي اعتماد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد كأساس للتعاون الدولي.

وتبعا لذلك، فما هي وسائل التعاون الدولي في مجال الكشف عن جرائم الفساد المالي المرتبطة بالصفقات العمومية ؟

تقتضي الإجابة على التساؤل المطروح التطرق لمختلف مجالات التعاون الدولي في مكافحة الفساد (المطلب الأول)، قبل أن نعرج على التعاون الدولي في المجال القضائي (المطلب الثاني).

المطلب الأول : مجالات التعاون الدولي

تضمنت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد نظاما إجرائيا فعالا في مجال مكافحة الجرائم المالية، ويظهر ذلك في إطار تعزيز التعاون الدولي في مجال المساعدة التقنية لمنع ومكافحة الفساد، والذي يشمل إنشاء وتدعيم أجهزة الملاحقة المزودة بالوسائل والإمكانيات الحديثة، وتدريب العناصر القائمة على هذه الأجهزة حسب ما نصت عليه المادة 43 من الاتفاقية.

هذا علما بأن استراتيجية مكافحة الفساد والوقاية منه على المستوى الدولي تستدعي التنسيق والتعاون بمناسبة البحث والتحري، وكذا الإجراءات المتزامنة والمالية لهذه المرحلة، مما يتعين معه دراسة أهمية التعاون الدولي في تقديم المعلومات المحصل عليها (الفقرة الأولى)، وما يتبع ذلك من تسليم المشتبه فيهم والمبحوث عنهم (الفقرة الثانية)، قبل أن نتطرق لمختلف جوانب التعاون المرتبطة بالبحث والتحري (الفقرة الثالثة).

 

الفقرة الأولى : أهمية تقديم المعلومات

يمكن للسلطات الوطنية أن تمد السلطات الأجنبية المختصة بالمعلومات المالية المفيدة المتوفرة لديها بمناسبة التحقيقات الجارية على إقليمها، وفي إطار الإجراءات المتخذة بغرض المطالبة بعائدات الجرائم واسترجاعها.

ويجوز للسلطات المعنية لدى الدولة الطرف في الاتفاقية دون المساس بالقانون الداخلي، ودون أن تتلقى طلبا مسبقا، أن ترسل معلومات ذات صلة بالمسائل الجنائية إلى السلطات المختصة في دول الأخرى، حيثما تعتقد أن هذه المعلومات يمكن أن تساعد تلك السلطة على القيام بالتحريات والإجراءات الجنائية أو إتمامها بنجاح، أو قد تفضي إلى تقديم الدولة الأخرى طلبا بمقتضى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (الفقرة الرابعة من المادة 46 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد).

وترسل المعلومات دون المساس بما يجري من تحريات وإجراءات جنائية في الدولة التي تتبع لها السلطات المعنية التي تقدم تلك المعلومات، وعلى السلطات المختصة التي تتلقى المعلومات أن تمتثل لأي طلب بإبقاء تلك المعلومات طي الكتمان، وإن كان ذلك مؤقتا، أو بفرض قيود على استخدامها. بيد أن هذا لا يمنع الدولة المتلقية من أن تفشي في سياق إجراءاتها معلومات تبرئ شخصا متهما (الفقرة الخامسة من المادة 46 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد).

كما يلتزم الموظفون العموميون الذين لهم مصلحة في حساب مالي في بلد أجنبي أو حق أو سلطة توقيع أو سلطة أخرى على ذلك الحساب بأن يبلغوا السلطات المعنية عن تلك العلاقة، وأن يحتفظوا بسجلات ملائمة تتعلق بتلك الحسابات، وذلك تحت طائلة الجزاءات التأديبية.


الفقرة الثانية : التعاون بمناسبة تسليم المشتبه فيهم والمتهمين

لم تعد جرائم الفساد في العديد من صورها محض جرائم داخلية يستغرق تنفيذ أركانها إقليم دولة واحدة، بل تعدته وصار لها طابعها الدولي الذي يتنامى يوما بعد يوم، إذ يمكن القول أنها عولمة الفساد.

لذا تدعو اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد إلى ضرورة تفعيل نظام تسليم الأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم الفساد أو المحكوم عليهم بالإدانة، وفي هذا الإطار أكدت الاتفاقية على عدم جواز رفض التسليم استنادا للدفع بالطابع السياسي للجريمة المنسوبة إلى الشخص عملا بمقتضيات الفقرة الرابعة من المادة 44.

هذا علما بأنه لا يمكن إجبار أي دولة على تسليم رعاياها على أساس أن تلتزم بمحاكمتهم.

كما يجوز للدولة الطرف التي يسمح قانونها بذلك أن توافق على طلب تسليم شخص ما بسبب أي من الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية والتي لا يعاقب عليها بموجب قانونها الداخلي (الفقرة الثانية من المادة 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد).

أما إذا شمل طلب التسليم عدة جرائم منفصلة يكون جرم واحد منها على الأقل خاضعا للتسليم بمقتضى المادة 44 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، ويكون بعضها غير خاضع للتسليم بسبب مدة الحبس المفروضة عليها ولكن لها صلة بأفعال مجرمة وفقا لهذه الاتفاقية، جاز للدولة متلقية الطلب أن تطبق هذه المادة أيضا فيما يخص تلك الجرائم (الفقرة الثالثة من المادة 44).

ولا يجوز للدولة التي يسمح قانونها بذلك أن تعتبر أيا من الأفعال المجرمة وفقا لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد جرما سياسيا ؛ إذا ما اتخذت هذه الاتفاقية أساسا للتسليم (الفقرة الرابعة من المادة 44).

وبالنظر إلى أحكام المادة 44 من نفس الاتفاقية، والتي جاءت بعنوان " تسليم المجرمين " نجدها لم تحدد الطبيعة القانونية لطلب التسليم فهي لم تشر لطبيعته، إلا أنه من المستقر عليه في مجال التعاون القضائي الدولي أن طلب التسليم المنصب على المتهمين يكون قضائيا رغم أن هذه القاعدة عرفت انتهاكات كبيرة في السنوات الأخيرة.

وفي هذا السياق، فإذا سلمنا أن طلب التسليم يكون بالضرورة قضائيا نسلم بالضرورة بتحريك الدعوى العمومية ضد المتهمين محل التسليم، وإلا نكون أمام خرق سافر لحق من حقوق الإنسان.

اتساقا مع هذه التوجهات، منح المشرع المغربي للوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية الصلاحية لإصدار أوامر دولية بإلقاء القبض لتطبيق مسطرة تسليم المجرمين، وذلك وفقا لمقتضيات الفقرة الثالثة من المادة 40 من قانون المسطرة الجنائية.

ولوكلاء الملك أيضا سحب جواز السفر وإغلاق الحدود كلما تعلق الأمر بجنحة معاقب عليها بسنتين حبسا أو أكثر، وإذا كان هذا الإجراء الأخير يحد من حرية التنقل التي ضمنها الدستور والتي لا يحد من مداها إلا القانون، فإنه لا ينبغي أن يستغل هذا الحق للفرار من وجه العدالة وإلحاق الضرر بالضحايا.

الفقرة الثالثة : التعاون بمناسبة البحث والتحري

من أجل مكافحة الفساد بفعالية، تقوم كل دولة طرف، بقدر ما تسمح به المبادئ الأساسية لنظامها القانوني الداخلي ؛ وفقا للشروط المنصوص عليها فيه، وضمن حدود إمكانياتها، باتخاذ ما قد يلزم من تدابير لتمكين سلطاتها المختصة من استخدام أسلوب التسليم المراقب على النحو المناسب، وكذلك حيثما تراه مناسبا، اتباع أساليب تحري خاصة كالترصد الإلكتروني، وغيره من أشكال الترصد والعمليات السرية التي يكون استخدامها مناسبا داخل إقليمها (الفقرة الأولى من المادة 50 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد).

بالإضافة إلى تعزيز التعاون الدولي في المسائل الجنائية المتعلقة بملاحقة جرائم الفساد، خاصة في مجال نقل الأشخاص، والتحقيقات المشتركة وإجراءات الاستدلال.

المطلب الثاني : التعاون الدولي في المجال القضائي

يشمل التعاون الدولي في مجال مكافحة جرائم الصفقات العمومية بمعناه العام ؛ مراحل عديدة تبدأ من أعمال الشرطة وإجراءاتها، وتستمر إلى ما بعد تنفيذ حكم القضاء.

وفي هذا السياق، ولإبراز ذلك، سنتناول أهم أوجه المساعدة القانونية الدولية المتاحة في هذا المجال (الفقرة الأولى)، مع التركيز على تجميد وحجز الأموال واسترداد الممتلكات عن طريق إجراءات المصادرة الدولية (الفقرة الثانية)، قبل أن نتطرق لمشروعية الحكم بالتعويضات المدنية لصالح الدول المتضررة من جرائم الفساد المالي (الفقرة الثالثة).

الفقرة الأولى : المساعدة القانونية

تنص المادة 46 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على أن الدول الأطراف تقدم لبعضها البعض أكبر قدر ممكن من المساعدة القانونية في التحقيقات والملاحقات والإجراءات القضائية المتصلة بالجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية، وتشمل المساعدة القانونية :

ü          الحصول على أدلة أو أقوال الأشخاص؛

ü          تبليغ المستندات القضائية؛

ü          تنفيذ عمليات التفتيش والحجز والتجميد؛

ü          فحص الأشياء والمواقع؛

ü          تقديم المعلومات والمواد والأدلة وتقييمات الخبراء؛

ü          تقديم أصول المستندات والسجلات ذات الصلة، بما فيها السجلات الحكومية أو المصرفية أو المالية أو سجلات الشركات أو المنشآت التجارية، أو نسخ منها مصادق عليها؛

ü          تحديد العائدات الإجرامية أو الممتلكات أو الأدوات أو الأشياء الأخرى أو اقتفاء أثرها لأغراض إثباتية؛

ü          تيسير مثول الأشخاص طواعية في الدولة الطرف الطالبة؛

ü          أي نوع آخر من المساعدة لا تتعارض مع القانون الداخلي للدولة الطرف متلقية الطلب؛

ü          اقتفاء عائدات الجريمة وتجميدها؛

ü          استرداد الموجودات.

كما يشمل التعاون مع الدول الأطراف الأخرى فيما يتعلق بتنفيذ القانون بخصوص الجرائم المشمولة بهذه الاتفاقية حسب مقتضيات الفقرة الأولى من المادة 48 على إجراء تحريات بشأن :

ü          هوية الأشخاص المشتبه في ضلوعهم في تلك الجرائم، وأماكن تواجدهم وأنشطتهم، أو أماكن الأشخاص المعنيين الآخرين؛

ü          حركة العائدات الإجرامية أو الممتلكات المتأتية من ارتكاب تلك الجرائم؛

ü          حركة الممتلكات أو المعدات أو الأدوات الأخرى المستخدمة أو المراد استخدامها في ارتكاب جرائم الفساد؛

ü          القيام، عند الاقتضاء، بتوفير الأصناف أو الكميات اللازمة من المواد لأغراض التحليل أو التحقيق؛

ü          تبادل المعلومات، عند الاقتضاء، مع الدول الأطراف الأخرى بشأن وسائل وطرق معينة تستخدم في ارتكاب جرائم الفساد، بما في ذلك استخدام هويات زائفة أو وثائق مزورة أو محورة أو زائفة أو غيرها من وسائل إخفاء الأنشطة؛

ü          تبادل المعلومات وتنسيق ما يتخذ من تدابير إدارية وتدابير أخرى، حسب الاقتضاء، لغرض الكشف المبكر عن جرائم الفساد؛

ü          تسهيل التنسيق الفعال بين السلطات وأجهزتها ودوائرها المعنية، وتشجيع تبادل العاملين وغيرهم من الخبراء، بما في ذلك تعيين ضباط اتصال.

 

الفقرة الثانية : إجراءات المصادرة الدولية

تعتمد التشريعات الحديثة في مكافحة الجريمة على ضرب أصحابها في النفع العائد عليهم.

وفي هذا الجانب فإن المشرع المغربي لا يتساهل مع الأحكام القضائية الأجنبية التي أمرت بمصادرة ممتلكات اكتسبت عن طريق إحدى جرائم الفساد المنصوص عليها، وذلك طبقا للقواعد والإجراءات المقررة.

كما يمكن للجهات القضائية أو السلطات المختصة بناء على طلب إحدى الدول الأطراف في الاتفاقية التي تكون محاكمتها أو سلطاتها المختصة قد أمرت بتجميد أو حجز العائدات المتأتية من إحدى الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية، أو الممتلكات أو المعدات أو الأدوات التي استخدمت أو كانت معدة للاستخدام في ارتكاب جرائم الفساد أن تحكم بتجميد أو حجز تلك الممتلكات شريطة وجود أسباب كافية لتبرير هذه الإجراءات، ووجود ما يدل على أن مآل تلك الممتلكات هو المصادرة.

وتؤكد اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على ضرورة تفعيل نظام استرداد الأموال والعائدات المتحصلة من جرائم الفساد، وهذا من أجل حرمان مرتكبيها من ثمار مشروعهم الإجرامي مهما استخدموا من حيل الإخفاء والتمويه المصرفي ووسائل غسل الأموال.

وفي هذا المضمار، لقد خصص لنظام استرداد الأموال الفصل السادس من الاتفاقية، وبالضبط المواد من 51 إلى 59.

وفي ذلك، تشدد الاتفاقية الأممية المذكورة أعلاه أنه على كل دولة طرف، ومن أجل تقديم المساعدة القانونية المتبادلة عملا بأحكام المادة 55 منها فيما يتعلق بممتلكات اكتسبت بارتكاب فعل مجرم بأن تقوم بما يلي :

ü          أن تحيل الطلب على سلطاتها المختصة لتستصدر منها أمر مصادرة، وأن تضع ذلك الأمر موضوع التنفيذ في حال صدوره؛

ü          اتخاذ ما قد يلزم من تدابير للسماح لسلطاتها المختصة بتنفيذ أمر مصادرة صادر عن محكمة في دولة طرف؛

ü          اتخاذ ما قد يلزم من تدابير للسماح لسلطاتها المختصة عندما تكون لديها ولاية قضائية بأن تأمر بمصادرة تلك الممتلكات ذات المنشأ الأجنبي من خلال قرار قضائي بشأن جريمة غسل الأموال أو أي جريمة أخرى تندرج ضمن ولايتها القضائية أو من خلال إجراءات أخرى يأذن بها قانونها الداخلي؛

ü          النظر في اتخاذ ما قد يلزم من تدابير للسماح بمصادرة تلك الممتلكات دون إدانة جنائية في الحالات التي لا يمكن ملاحقة الجاني بسبب الوفاة أو الفرار أو الغياب.

فضلا عن الوثائق والمعلومات اللازمة التي يجب أن تتضمنها طلبات التعاون القضائي وفقا لما تقرره الاتفاقيات الثنائية والمتعددة الأطراف، وما يقتضيه القانون.

ترفق الطلبات المقدمة من إحدى الدول الأطراف في الاتفاقية لأجل الحكم بالمصادرة أو تنفيذها حسب الحالات التالية :

ü          بيان بالوقائع التي استندت إليها الدولة الطالبة ووصف الإجراءات المطلوبة إضافة إلى نسخة مصادق على مطابقتها للأصل من الأمر الذي استند إليه الطلب حيثما كان متاحا، وذلك إذا تعلق الأمر باتخاذ إجراءات التجميد أو الحجز أو بإجراءات تحفظية؛

ü          وصف الممتلكات المراد مصادرتها وتحديد مكانها وقيمتها متى أمكن ذلك مع بيان الوقائع التي استندت إليها الدولة الطالبة، والذي يكون مفصلا بالقدر الذي يسمح للجهات القضائية الوطنية باتخاذ قرار المصادرة طبقا للإجراءات المعمول بها، وذلك في حالة الطلب الرامي إلى استصدار حكم المصادرة؛

ü          بيان يتضمن الوقائع والمعلومات التي تحدد نطاق تنفيذ أمر المصادرة الوارد من الدولة الطالبة إلى جانب تقديم هذه الأخيرة لتصريح يحدد التدابير التي اتخذتها لإشعار الدول الأطراف حسنة النية بشكل مناسب، وكذا ضمان مراعاة الأصول القانونية والتصريح بأن حكم المصادرة نهائي.

مما يفيد أن مكافحة جرائم الصفقات العمومية لا يتطلب اتباع استراتيجية قانونية عقابية فقط، كما يتعين أن لا تقتصر المواجهة على الصعيد المحلي فقط، بل يجب أن تشمل الصعيد الدولي أيضا، وما يفرضه الأمر من تعزيز التعاون الدولي في مواجهة جرائم الفساد.

إضافة إلى ذلك، يجب أن تتخذ كل دولة ما يلزم من التدابير بما فيها التشريعية والإدارية لضمان تنفيذ التزاماتها بمقتضى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، هذا علما أنه لها الحق في اعتماد تدابير أكثر صرامة أو شدة من التدابير المنصوص عليها في هذه الاتفاقية من أجل منع الفساد ومكافحته.

الفقرة الثالثة : التعويضات المدنية لفائدة الدول المتضررة

تكريسا لإيديولوجية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، يجوز لكل دولة طرف فيها إذا ما لحقت بها أضرار ترتبت بسبب إحدى جرائم الفساد، اللجوء للقضاء من أجل استصدار حكم يعترف بملكيتها للأموال المتحصلة منها، كما يمكن للدولة المتضررة تقديم طلبها للسلطات القضائية محل تواجد الأموال، وذلك بغرض استصدار حكم يقضي بإلزام الأشخاص المدانين بأفعال الفساد بأداء تعويضات مدنية لصالحها.

واتساقا مع ذلك، وعملا بأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وفي ضوء ما سبق بيانه، يمكن القول بأن كل عقد أو صفقة أو براءة أو امتياز أو ترخيص متحصل عليه من ارتكاب إحدى جرائم الفساد يتعين التصريح ببطلانه وانعدام آثاره، هذا مع مراعاة حقوق الغير حسن النية.

أما بالنسبة للمغرب، فلا شك أن وزارة العدل والحريات هي القناة الأساسية التي ينبغي أن تمر عبرها هذه الإجراءات القضائية الحساسة بالإضافة إلى السلطة القضائية المختصة، لكونها أدرى بشؤون التعاون الدولي، وباتفاقيات التعاون القضائي، وبموجبات المعاملة بالمثل.

خاتمة :

 

يعتبر التعاون الدولي لمكافحة أي جريمة مهما كان نوعها وطبيعتها من الالتزامات الهامة الملقاة على عاتق الدول، وهو ما تقره المادة 46 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد التي توجب على الدول الأطراف أن تقدم لبعضها البعض أكبر قدر ممكن من المساعدة القانونية المتبادلة في التحقيقات والملاحقات والإجراءات القضائية المتصلة بهذه الجرائم.

وتبعا لذلك، نظم المشرع المغربي إجراءات الإنابات القضائية الدولية الواردة والصادرة، وكذا إجراءات تسليم المجرمين، والاعتراف ببعض الأحكام الزجرية الأجنبية، واستدعاء الشهود من طرف الدولة الأجنبية، وإصدار الأوامر الدولية بالبحث وإلقاء القبض، وشكليات تقديم المجرمين، غيرها من الطلبات الدولية الرسمية.



[1]  - اعتمدت اتفاقية مكافحة الفساد من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة في 31 أكتوبر 2003 من قبل قرار 58/4، صادق عليها المغرب بتاريخ في 9 ماي 2007 (نشرت بالجريدة الرسمية بتاريخ 17 يناير 2008).

[2] - معاهدة " باليرم " (Palerme) بتاريخ 12 دجنبر 2000، المصادق عليها من طرف المغرب بتاريخ 20 شتنبر 2002.

[3]  - اتفاقية فينا لقانون المعاهدات، عرضت للتوقيع في 23 ماي 1969 ودخلت حيز التنفيذ في 27 يناير 1980.

[4] - وهذا ما أكده المجلس الأعلى (محكمة النقض حاليا) الذي كان له الحسم في هذه المسألة من خلال مجموعة من القرارات، حيث أكد مرارا سمو المعاهدات الدولية على القانون الداخلي، مشيرا إلى شرط أن يكون قد تم نشر المعاهدة بشكل قانوني في الجريدة الرسمية.

بقلم ذ صوفيا بومنينة
محامية متمرنة بهيئة طنجة باحثة في قانون الأعمال
 


أعلى الصفحة