القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ نوفل علي عبد الله الصفو
أستاذ القانون الجنائي المساعد كلية الحقوق / جامعة الموصل
تحت عدد: 294
الجريمة ظاهرة تقع في المجتمعات الإنسانية، فالجريمة أولاً وقبل كل شيء حقيقة بشرية، وهي حصيلة

عوامل ومؤثرات داخلية وخارجية اجتماعية ونفسية واقتصادية وغيرها من هذه العوامل والمؤثرات المختلفة، وينصرف معنى المسؤولية على وجه العموم الى مفهوم المواخذة وتحمل التبعة ، او بمعنى ادق ان مصطلح المسؤولية يستخدم للدلالة على معنى التزام شخص بتحمل العواقب التي تترتب على سلوكه الذي ارتكبه مخالفاً به اصول او قواعد معينة، ويستوي في ذلك ان يكون السلوك ايجابياً ام سلبياً ،وقد  يكون سلوكه مخالفا لواجب شرعي او قانوني او أخلاقي، فتكون المسؤولية على ثلاثة أنواع أولها شرعي ويراد بها التزام الشخص بتحمل نتائج تصرفاته غير المشروعة المخالفة للأحكام الشرعية، او تكون قانونية وذلك اذا خالف احكام القواعد القانونية الامرة النافذة، فان المسؤولية هنا تكون مسؤولية قانونية وتستتبع بالضرورة فرض جزاء قانوني تحدده السلطة المختصة في الدولة فالقانون كله ليس الا تجسيدا للمسؤولية وتنظيما لأحكامها، اما النوع الأخير فهو تحمل نتائج افعاله التي يخالف فيها الثوابت المتعارف عليها في قاعد الاخلاق، فتوصف المسؤولية في هذه الحالة بانها مسؤولية ادبية، وتقتصر آثارها على ما تثيره من استهجان في نفوس افراد المجتمع لذلك المسلك المخالف لقواعد الاخلاق، ولم تتعرض أغلب التشريعات العربية ومنها القانون العراقي لتعريف المسؤولية الجنائية تاركة ذلك للفقه واكتفت في نصوصها برفع المسؤولية الجنائية عن فاقدي الإدراك أو الإرادة كالمجنون والصغير غير المميز والمكره لعدم توافر الأهلية الجنائية التي هي ركيزة أساسية لقيام المسؤولية الجنائية، الا ان الفقه قد عرفها بتعاريف عديدة اذ تعرف المسؤولية بوجه عام بانها: (الالتزام بتحمل الجزاء الذي ترتبه القواعد كأثر للفعل الذي يمثل خروجا على احكامها)، اما المسؤولية الجنائية فقد عرفت بانها:( الالتزام بتحمل الاثار القانونية المترتبة على توافر اركان الجريمة وموضع هذا الالتزام الجزائي فرض عقوبة او تدبير احترازي حددهما المشرع الجزائي في حالة قيام مسؤولية اي شخص ) وتعرف ايضا بانها: (مجموعة الشروط التي تنشئ عن الجريمة لوما شخصياً موجهاً ضد الفاعل ، وهذه الشروط تظهر الفعل من الناحية القانونية على انه تعبير مرفوض لشخصية الفاعل) ، أو هي :( تحميل الإنسان نتيجة أعماله ومحاسبته عليها لأنها تصدر منه عن إدراك لمعناها ولنتائجها وعن أرادة منه لها )، اما المسؤولية الجنائية في الفقه الاسلامي فلا تختلف في معناها عما هو في القانون على الرغم من عدم استخدام فقهاء الشريعة الاسلامية لفظ المسؤولية واستخدامهم لفظ تحمل التبعة او اهلية الشخص لتوقيع العقوبة عليه ،اذ ان المسؤولية الجنائية في الفقه الاسلامي هي عبارة عن (الالتزام بتحمل النتائج المترتبة على توافر اركان الجريمة)، او هي (تحمل الانسان نتائج الافعال المحرمة التي يأتيها مختاراً وهو مدرك لمعانيها ونتائجها فمن اتى فعلا محرماً وهو لا يريده كالمكره او المغمى عليه لا يسأل جنائياً عن فعله، ومن اتى فعلاً محرماً وهو يريده ولكنه لا يدرك معناه كالطفل او المجنون لا يسأل عن فعله)، وقد رجح في الفقه الإسلامي تعريف الجريمة بانها:( الجريمة هي محظورات شرعية زجر الله تعالى عنها بحد أو قصاص أو تعزير).

فالمسؤولية تعني في ابسط معانيها (تحمل التبعية) او (المؤاخذة) فهي تدل على التزام شخصي بتحمل الشخص عواقب فعله الذي أخل بقاعدة ما، فالقاعدة العامة تقضي بان المسؤولية عن الجريمة شخصية ولذلك فالعقوبة لا توقع الا على من يستحقها وبالقدر الذي يستحقه. ومن بديهيات العدل أن لا يفلت من العقاب معتد أثيم ، وأن لا يعاقب بريء ولا معذور، ومن ثم لابد من معرفة كل ملابسات الجريمة والعوامل المؤثرة على المجرم سواء من الناحية النفسية او الاجتماعية، كما يجب ان يكون العقاب متناسبا مع ما يحدثه الجاني من خرق في نظام المجتمع ، فلا يظلم ولا يتسامح معه، فإن مظلة العدل يجب ان تسع الناس كلهم مظلومين كانوا أو ظالمين، لان من يرتكبون الجرائم ليسوا سواء في أحوالهم ولا في قدراتهم العقلية أو النفسية أو الجسدية وليس من العدل مؤاخذتهم على السواء في تصرفاتهم فالمسؤولية نتيجة لمخالفة اوامر القاعدة او عدم الامتثال لنواهيها، فالمسؤولية الجنائية هي مجموعة الشروط التي تنشي من الجريمة لوما شخصيا موجها ضد الفاعل ، وتتحقق المسؤولية الجنائية بعد تحقق عدم مشروعية الفعل، فالذي يثبت صفة اللامشروعية للواقعة هو تعارضها مع القاعدة القانونية في حين يشترط لتوافر المسؤولية البحث عما اذا كان الفاعل يمكن ان يكون مسؤولا جنائيا عن فعله المخالف للقانون.

  فالأفراد احرار في اتيان كل سلوك لم يرد بحظره والعقاب عليه نص في القانون ، فالأصل في الانسان البراءة، والاصل في الافعال الاباحة وان ما يرد من قواعد التجريم والعقاب انما يأتي على سبيل الاستثناء الذي تتطلبه الموازنة بين حماية الحقوق والحريات وحماية المصلحة العامة ،اذ يتكون القانون الجنائي من مجموعة من النصوص القانونية، فالقانون الجنائي جزء من النظام القانوني، وتتحدد احكامه في ضوء طبيعة العلاقة بين الفرد والدولة ، فالفرد هو اما المجني عليه او المتهم ، والدولة هي صاحبة الحق في العقاب وهي صاحبة السلطة الاجرائية ،اذ ان قانون العقوبات يتسع مجاله للحياة الاجتماعية باسرها فيعالج كل النواحي الاساسية التي يلزم مراعاتها لحسن سير الحياة الاجتماعية، بينما تهتم سائر القوانين بتنظيم مجالات معينة من هذه الحياة كالعلاقات المدنية التي يتكفل بها القانون المدني والعلاقات التجارية وغيرها ، والنص الجنائي هو القالب الذي تصاغ فيه القاعدة الجنائية، وهو اداة المشرع ووسيلته التي يضمنها القاعدة الجنائية التي تمثل تطبيقا لمبدا الشرعية الجنائية( لا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون )، فالنص الجنائي هو الوعاء الذي يحتوي القواعد الجنائية التي يفرض بها ارادته على المخاطبين بالقاعدة الجنائية ويحدد السلوك المجرم، اذ ان القاعدة الجنائية من قبيل القواعد الامرة المقومة لسلوك الانسان، ويتحقق هذا التقويم عندما تجد القاعدة ان هذا السلوك كان ينبغي ان يكون على نحو اخر افضل الامر الذي يترتب عليه المساس بالحياة المشتركة بين من صدر عنه السلوك وبين الجماعة التي هو فرد من أعضائها، ولذلك فالقاعدة الجنائية تنظر لما يجب ان يكون وليس لما هو كائن، وهي بذلك تكون قاعدة تقويم . فالقاعدة الجنائية هي نتاج قيام المشرع بإفراغ فحوى مبدا الشرعية الجنائية في قالب النص الجنائي، فالجريمة سلوك انساني ارادي غير قانوني يعتدي على مصلحة قانونية يعاقب مرتكبه ، وهي واقعة انسانية ارادية قانونية نموذجية، فهي انسانية باعتبار انها حدث يرجع الى سلوك الفرد ويقع في العالم الخارجي وتخالف قاعدة جنائية يضمها القانون الجنائي ولا يصدر هذا السلوك عن غير الانسان الحي الذي تتحقق فيه شروط المسؤولية، فالإنسان هو اداة الجريمة وهو في الوقت نفسه ضحية هذه الجريمة، وهي واقعة قانونية لان المشرع هو الذي ينظمها ويرتب عليها الاثار القانونية، ولا تكتسب الجريمة تلك الصفة القانونية الا اذا تحقق التطابق التام بين الواقعة المسندة الى الفرد والانموذج القانوني الذي تتضمنه القواعد الجنائية التجريمية ، والجريمة واقعة نموذجية اذ ان المشرع هو السلطة المختصة بخلق الجرائم عن طريق النص على نماذجها القانونية المجردة في القانون ، اذ لا جريمة بغير سلوك او خطأ ، ولا سلوك او قصد بغير ارادة ،ولا يعتد القانون بكل ارادة ، ولا ارادة بغير علم ، ولا قيمة للعلم بغير ارادة ، وان العلاقة بين العلم والارادة علاقة طردية وبين العلم والغلط علاقة عكسية ،فالإرادة نشاط نفسي يصدر عن وعي وادراك اتجه الى تحقيق غرض (النتيجة الجرمية ) عن طريق وسيلة معينة (الفعل )، فالإرادة قوة نفسية واعية ذات غرض معين تتجه اليه وتسيطر على الحركات العضوية وتدفعها لبلوغ هذا الغرض، ولا توصف الواقعة الانسانية بوصف الجريمة (اللامشروعية الجنائية) الا اذا طابقت الانموذج القانوني المجرد في كافة اركانه وعناصره والذي يقصد به الحد الادنى من العناصر المكونة واللازمة لوجود الجريمة. والمسؤولية تكون قانونية جنائية عندما تكون القاعدة المنتهكة جنائية، فالمسؤولية الجنائية هي الالتزام بتحمل النتائج القانونية المترتبة على توافر اركان الجريمة وموضع هذا الالتزام هو العقوبة او التدبير الاحترازي الذي ينزله القانون بالمسؤول عن الجريمة، ويجب ان تتناسب العقوبة مع جسامة الجرم ، دون مغالاة في القسوة ، فعقوبة معتدلة افضل من عقوبة قاسية يعمل الجاني على تفاديها بالإفلات من قبضة العدالة، ويكفي العقوبة ان تلحق بالمجرم من الضرر قدرا يفوق النفع الذي كان يبغي تحقيقه من وراء جريمته وكل ما يتعدى هذا القدر يكون تزيدا واستبدادا وخروج على التناسب، فليس للدولة بحجة مكافحة الاجرام ان تغالي في تقييد حريات الافراد ، فالعبيد اكثر فسادا واسوأ خلقا من الاحرار رغم تقييد حرياتهم، فالعدالة المطلقة تعلو على مقدرة القضاة ولا يمكن ان توجد بين الناس سوى عدالة نسبية قابلة للاختلاف في الزمان والمكان ، وفي ظل السياسة الجنائية التي توجت بأفكار الاتحاد الدولي لقانون العقوبات فقد اقيمت المسؤولية على اساس فكرة الخطأ كقاعدة عامة وعلى اساس الخطر في حالات استثنائية عند عدم كفاية العقوبة او توافر مانع من موانع المسؤولية ، فالمسؤولية العقابية تفترض الخطيئة( فالفعل لا يكون اثما الا اذا كانت النفس اثمة ) اما المسؤولية الاحترازية فتفترض الخطورة الاجرامية، ( فأساس العقوبة هو الخطأ واساس التدبير هو الخطر )، فاختلف في اساس المسؤولية الجنائية بين مذهب حرية الاختيار ومذهب الجبر، فالمذهب التقليدي (مذهب حرية الاختيار) يرى ان الانسان يتمتع بالاختيار الحر وان الجريمة هي اثم اخلاقي، والمذهب الوضعي (مذهب الجبرية) يهمل حرية الاختيار ويرى ان الانسان مسير وليس بمخير، وان الجريمة نتاج مجموعة من العوامل داخلية وخارجية وليست نتاج حرية الارادة والاختيار ويقيم الجريمة على اساس اجتماعي، الا ان المستقر في التشريعات الحديثة تأسيسها للمسؤولية على اساس اخلاقي (المسؤولية الاخلاقية) قوامه حرية الاختيار، لأنه الاقرب الى العدل والمنطق والعقل ولكن هذه الحرية هي حرية مقيدة اذ ينص الشارع على العديد من التدابير الاحترازية التي لا تتوقف على توافر حرية الاختيار ولا تستبعد بامتناع المسؤولية الجنائية، فمن غير المتصور ان ننكر الارادة الحرة للإنسان لان الواقع العملي يؤيد وجودها وان كانت غير مطلقة، فالمسؤولية الجنائية تقوم على اساس حرية الاختيار المقيدة فالجزاء ينزل بالجاني لأنه اتجه بإرادته نحو مخالفة القانون، اما اذا لم يكن بالإمكان فرض العقوبة عليه فانه يخضع لتدابير احترازية لتامين المجتمع من خطورته وقد تبنت اغلب التشريعات الجنائية هذا الاتجاه التوفيقي ومنها قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969(المواد 60 -63 عقوبات عراقي) اذ تبنى المشرع مذهب حرية الاختيار كأساس للمسؤولية الجنائية ، اذ اشترط الادراك والاختيار لتحقق المسؤولية الا انه عند تعرض الانسان لما ينفي ادراكه او اختياره فسوف تمتنع مسؤوليته ولا يمنع ذلك دون اتخاذ تدابير احترازية ضده، ولم يضع المشرع العراقي قاعدة عامة لامتناع المسؤولية وانما اشار الى حالات امتناع المسؤولية في المواد (60-65) من قانون العقوبات العراقي ، وتبنى الشارع المصري كذلك هذا المذهب باعترافه بحرية الاختيار واستبعاده المسؤولية الجنائية حيث تنتفي حرية الاختيار وهذا ما جاء في احكام المادة (62) من قانون العقوبات المصري لسنة 1937.

  والقاعدة انه لا يسال جنائيا غير الانسان، اذ ان الارادة لا تكون الا للإنسان وهي قوام الركن المعنوي وجوهره وهي عنصر في الفعل الاجرامي، والاصل ان المسؤولية الجنائية لا ترتبط بخصائص او صفات تتعلق بشخصية الفاعل او نوعية سلوكه (خلافا لموانع المسؤولية الجزائية التي ترتبط بشخصية الفاعل فهي ذات طبيعة شخصية) وانما ترتبط بالفعل الذي يرتكب نتيجة خطا يصدر عن الفاعل، فالقاعدة ان المكان والزمان والطريقة والوسيلة وصفة الجاني وصفة المجني عليه لا تؤثر في تحقق الجريمة فلا تعد من العناصر المكونة للجريمة ولا تكون محل اعتبار في قيام الجريمة لذلك لا يتعين العلم بها في الأصل الا ان المشرع في بعض الجرائم قد يعتد بها فيجعلها محل اعتبار اما لقيام الجريمة فيجعلها ركنا خاصا او لا يعتد بها كعنصر مكون وانما كظرف يدخل على الجريمة فيؤثر في جسامتها تخفيفا او تشديدا، وإذا نص المشرع على اعتبارها عناصر مكونة في بعض الجرائم فعندئذ يتعين العلم بها لتحقق القصد الجنائي، اذ ان خطورة الفعل على الحق الذي يحميه القانون ثابتة له أيا كان مكان او زمان ارتكابه او صفة الجاني او المجني عليه ،فالقاعدة في الجريمة انها تتحقق بالسلوك المكون لها أيا كان الفاعل صاحب السلوك ،الا ان هناك جرائم لا يحقق السلوك فيها الجريمة الموصوفة في النموذج الاجرامي الا اذا كان الفاعل ذا صفة معينة ، فالجريمة في الحالة الاولى تسمى بجريمة الفاعل المطلق اما في الحالة الثانية فتسمى بجريمة الفاعل الخاص. فالأصل ان قانون العقوبات هو قانون يعاقب على الفعل ولا يرتبط بالفاعل فالفعل الارادي حركات عضوية تصدر عن عوامل نفسية تدفع اليها وتتمثل هذه العوامل النفسية في تصور الغرض (النتيجة الجرمية) الذي يريد الشخص بلوغه لإشباع حاجاته ثم تصور الوسيلة (الفعل) التي تعين على بلوغ هذا الغرض ،فالعوامل النفسية التي تدفع الى الحركات العضوية تتمثل في الدافع الى اشباع الحاجة ثم العلم بالسبل المتعددة لإشباع الحاجة ثم اختيار سبيل منها وترجيحه على سواه ثم العلم بكيفية سلوك هذا السبيل وانطلاق قوة نفسية تؤثر على اعضاء الجسم وتسيطر عليها وتدفعها الى الحركة التي يتطلبها الوصول الى هذه الغاية، لذا من المستحيل توافر اركان الجريمة والمسؤولية لغير الانسان (مع اختلاف الفقه حول مسؤولية الشخص المعنوي واقرار المشرع العراقي لهذه المسؤولية في المادة (80) من قانون العقوبات)، والقانون لا يعتد بالإرادة الا اذا كانت معتبرة قانونا ، والركن المعنوي لا يقوم باي ارادة وانما يتطلب القانون فيها شروطا كي تكون معتبرة قانونا اي ذات قيمة قانونية ( وتتجرد الارادة من هذه القيمة اذا توافرت حالات موانع المسؤولية فلا يعتد بها القانون ولا يتوافر بها الركن المعنوي ) وتكون الارادة اجرامية اثمة عندما تتجه الى غير ما يريد الشارع فتقوم الصلة بينها وبين الماديات الاجرامية، ويعتد القانون بالإرادة اذا توافر لها شرطان : التمييز او الادراك وحرية الاختيار، فالإرادة غير المعتبرة قانونا هي الارادة غير المميزة او غير الحرة، فموانع المسؤولية هي الحالات التي تتجرد فيها الارادة من القيمة القانونية فلا يعتد بها القانون ، والقاعدة ان الانسان لا يسال الا عما يقع منه شخصيا من افعال بحيث لا يحمل شخص تبعة فعل غيره (شخصية المسؤولية الجنائية) فمن لم يساهم في ارتكاب الجريمة بصفته فاعلا او شريكا لا يسال عنها.

 وقد اختلف فقهاء القانون بشأن الاصطلاح الذي يطلق على مكونات المسؤولية، فمنهم من يطلق عليها لفظ اركان المسؤولية، ومنهم من يستخدم لفظ عناصر المسؤولية، واخرون يطلقون عليها لفظ شروط المسؤولية وذلك لاختلاف منهج بحثهم في الموضوع، وسوف نرجح استخدام مصطلح اركان المسؤولية على اعتبار ان المسؤولية هي التزام قانوني على الفرد بتحمل تبعة افعاله ، واذا كانت الجريمة تشكل الركن الاول للمسؤولية الجنائية لأنها المصدر المنشى لها، فان الاهلية الجنائية والتي تتعلق بصلاحية الشخص لتحمل المسؤولية تمثل الركن الثاني للمسؤولية ، فالأهلية الجنائية هي ( مجموعة العوامل النفسية اللازم توافرها في الشخص لكي يمكن نسبة الواقعة إليه بوصفه فاعلها عن إدراك وإرادة)، أو هي (صلاحية مرتكب الجريمة لأن يسأل عنها جنائياً )، فهي وفقا لهذا المعنى وصف أو تكييف قانوني لإمكانيات شخص للحكم بعد ذلك على مدى صلاحية الشخص للمسؤولية فهي بهذا ركن لقيام المسؤولية الجنائية ويترتب على انتفائها انتفاء المسؤولية الجنائية، فالاهلية الجنائية تعني استعداد الشخص او قدرته على فهم ماهية افعاله وتقدير نتائجها وعواقبها، مما يستلزم ان تكون ملكاته العقلية والذهنية طبيعية وقت ارتكاب الجريمة، وهذا يعني انه يلزم ان يكون مرتكب الفعل متمتعا بالملكات الذهنية والعقلية التي تسمح له بادراك معنى الجريمة والعقوبة وتدفعه بالتالي الى الاختيار بين الاقدام على الجرم وبين الاحجام عنه. وان عناصر الاهلية لاتعد بين اجزاء السلوك الاجرامي لذلك لا يشترط العلم بها لكي تثبت خطورة الجاني على المجتمع وتحقق مسؤوليته فهي تنتج اثرها القانوني سواء علم الجاني بها ام لم يعلم اذ يتعلق الامر بالتكييف القانوني للإرادة طبقا لقواعد موضوعية يخاطب الشارع بها القاضي دون ان يجعل للمتهم دورا في التكييف لذلك سوف تنتج اثرها القانوني سواء علم بها المتهم ام لم يعلم فلا يعد العلم بها شرطا لكي تثبت خطورة الجاني على المجتمع ، لذا يمكن القول ان اركان المسؤولية الجنائية تتمثل في ركني الجريمة والاهلية الجنائية، ويندرج تحت ركن الجريمة اركان الجريمة سواء الاركان العامة المادي والمعنوي( وفقا للراي الراجح في اركان الجريمة ) او الخاصة، اذ يمثل الركن المادي الوجه الظاهر لها ، اما الركن المعنوي فيمثل الوجه الباطني لها والذي يعبر عن الاثم الذي حاك في نفس الجاني ويتمثل في العلاقة التي تربط بين ماديات الجريمة وشخصية الجاني وجوهره الارادة، اذ لا يمكن تحقق الجريمة استنادا للماديات فقط انما لابد من توافر الجانب المعنوي المتمثل بالركن المعنوي اذ لا جريمة بلا خطأ ، فالخطأ هو اساس المسؤولية الجنائية في العصر الحديث بعد ان كانت الشعوب البدائية تكتفي بوجود علاقة سببية مادية بين السلوك والنتيجة اي تكتفي بالركن المادي ، فحيث لا خطيئة فلا عقوبة ، والعقوبة لا توقع الا على من يستحقها وبالقدر الذي يستحقه ، وان المسؤولية الجنائية لا تعتمد على الركن المعنوي وحده وانما تتطلب اجتماع كل اركان الجريمة ومن ثم كانت هذه الاركان كافة اركانا للمسؤولية، ويصف البعض الركن المعنوي بانه ركن المسؤولية الجنائية وتوصف بعض حالات انتفاء الركن المعنوي بانها موانع من المسؤولية الجنائية، وان هذا القول فيه شيء من التجاوز ولكنه يبرر لان توافر الركن المعنوي يفترض توافر الاركان الاخرى ،ويبرر ايضا لان الركن المعنوي يفترض توافر الاهلية الجنائية اي الاهلية للمسؤولية الجنائية لذلك يوصف الركن المعنوي بانه ركن المسؤولية، لذلك كانت موانع المسؤولية هي الاسباب التي تحول دون توافر الاهلية الجنائية او تجعل الارادة غير صالحة ليقوم بها الركن المعنوي ، فموانع المسؤولية تمثل بعض حالات انتفاء الركن المعنوي لان الركن المعنوي قد ينتفي على الرغم من انه لم يتوافر مانع للمسؤولية وذلك عندما تكون الارادة معتبرة قانونا ولكنها لم تتجه على نحو يتوافر به القصد الجنائي او الخطأ غير العمدي المتطلب لقيام جريمة معينة فينتفي الركن المعنوي على الرغم من ان الارادة معتبرة قانونا ، فالجريمة كيان قانوني تندمج عناصره وتقوم في داخله الصلة الوثيقة بين اركانه ، ويندرج تحت ركن الاهلية الجنائية ما يسمى بعناصر او شروط المسؤولية الجنائية والمتمثلة في الادراك (التمييز) والارادة ( حرية الاختيار )، اذ لا يكفي لقيام هذه المسؤولية ان يقع الفعل المكون للجريمة وتتم نسبته الى فاعل للقول بان الفاعل اصبح جديراً من الناحية القانونية بتحمل تبعة فعله، بل يشترط ان يتوافر فيه صفتان اساسيتان هما الادراك او التمييز وحرية الاختيار او الارادة ، وان عناصر الاهلية لاتعد بين اجزاء السلوك الاجرامي لذلك لا يشترط العلم بها لكي تثبت خطورة الجاني على المجتمع وتحقق مسؤوليته فهي تنتج اثرها القانوني سواء علم الجاني بها ام لم يعلم. وهذان العنصران هما شرطا قيام المسؤولية الجنائية اللذان إذا انتفى أحدهما ادى ذلك الى انتفاء المسؤولية عن مرتكب الفعل، اذ ان الارادة غير المميزة او غير الحرة ليست محل اعتبار في القانون. وسنتناول توضيح هذين الشرطين تباعاً: -

اولا: -الادراك (التمييز)

       يعرف الادراك بأنه (تمييز الانسان بين الاعمال المشروعة والاعمال غير المشروعة وتقدير نتائج عمله)، او هو (المقدرة على فهم ماهية الفعل المرتكب وطبيعته وتوقع الاثار المترتبة عليه). وتنصرف هذه المقدرة الى ماهية الفعل وطبيعته وتوقع الاثار التي تترتب عليه، كما انها تتعلق بعناصر الفعل وخصائصه وتنصرف ايضا الى خطورة الفعل على المصلحة او الحق الذي يحميه القانون وما توحي به من اعتداء على ذلك الحق، ولا تنصرف المقدرة على الفهم الى التكييف القانوني للفعل أي العلم بحكم القانون عليه، وذلك لان العلم بقانون العقوبات مفترض في حق مرتكب الفعل وان افتراض العلم بالقانون مفترض بقرينة قانونية قاطعة لا تقبل اثبات العكس وان وردت عليها استثناءات فالجهل بالقانون لا يعد عذرا ( المادة 37 عقوبات عراقي ) لذلك يستوي كون الفاعل يستطيع العلم بوصف الفعل في القانون من عدمه .

     والادراك المعول عليه هو السليم الخالي من العيوب التي قد تؤدي الى انتفائه وانتفاء المسؤولية الجنائية تبعاً له ويمكن حصر أسباب فقد الادراك بـ (الصغر دون سن التمييز والجنون والعاهة العقلية والسكر او تناول المواد المخدرة). اذ تنص المادة (60) من قانون العقوبات العراقي على انه (لا يسأل جزائياً من كان وقت ارتكاب الجريمة فاقد الادراك اوالارادة لجنون او عاهة في العقل او بسبب كونه في حالة سكر او تخدير نتجت عن مواد مسكرة او مخدرة اعطيت له قسراً او على غير علم منه بها او لأي سبب آخر يقرر العلم أنه يفقد الادراك او الارادة). فاذا كان المتهم وقت ارتكاب الجريمة مجنوناً او مصاباً بعاهة  في عقله او كان في حالة سكر او تخدير لتناوله مواد مسكرة او مخدرة من دون علمه او قسراً عليه ، وكان فاقد الادراك او الارادة وقت اتيانه السلوك الذي نجمت عنه الجريمة غير العمدية امتنعت مسؤوليته الجنائية، فموانع المسؤولية الجنائية ينصرف تأثيرها الى الارادة فتجرد الارادة من قيمتها القانونية فلا تعد موجودة من الناحية القانونية وان كانت موجودة من الناحية النفسية ويقتصر تأثيرها على المسؤولية العقابية دون ان تأثر على التكييف القانوني للفعل اذ يبقى غير مشروع. وقد يسأل المتهم مسؤولية مخففة إذا لم يكن فاقد الادراك او الارادة وقت ارتكاب الجريمة، وانما اصيب بنقصهما او بضعفهما، وهذه تمثل حالة وسط بين المسؤولية التامة وعدم المسؤولية بحسب نص الفقرة الاخيرة من المادة (60) اذ نصت على انه (.... اما إذا لم يترتب على العاهة في العقل او المادة المسكرة او المخدرة او غيرها سوى نقص او ضعف في الادراك او الارادة وقت ارتكاب الجريمة عد ذلك عذراً مخففاً).   

ويقصد بالإدراك قدرة الانسان على فهم ماهية افعاله وتقدير نتائجها من حيث خطورتها على المصالح الاجتماعية باحتمال اصابتها بضرر، وان الادراك هو القدرة على الفهم ، والفهم مصدره العقل فهو اذن لا يوجد عند الانسان دفعة واحدة وانما يتطور معه بتطور نموه العقلي ، وحيث انه لا يوجد دليل قاطع على اكتماله لدى الانسان في سن معينة، لذلك يفترض المشرع بقرينة قانونية قاطعة لا تقبل اثبات العكس اكتمال ادراك الانسان عند بلوغه سنا قانونية معينة، ففي القانون العراقي من لم يتم التاسعة من عمره غير مدرك ولا يسمح بأثبات عكس ذلك( المادة الثالثة/ اولا من قانون رعاية الاحداث العراقي رقم 76 لسنة 1983 )، ومع ذلك فان المشرع يسمح بأثبات عدم ادراك من اتم هذه السن لعاهة اصابت عقله وافقدته ادراكه او انتقصت منه، اذ تمر اهلية الانسان في مراحل ثلاث يمكن تقسيمها كما يأتي :-

المرحلة الاولى: -تكون فيها اهليته منعدمة لأنه يولد فاقدا للإدراك ثم تنمو مداركه مع مرور الزمن حتى تكتمل، ومعظم التشريعات تجعل من بلوغ الانسان سنا معينة من عمره حدا لانتهاء هذه المرحلة، وانتفاء الاهلية في هذه المرحلة في التشريعات التي نصت عليها يعد قرينة قانونية قاطعة لا يجوز اثبات عكسها (لم يتم التاسعة من عمره في القانون العراقي).

المرحلة الثانية: -هي المرحلة التي تكون فيها اهلية الانسان ناقصة ويكون ذلك في مرحلة الحداثة اتمام التاسعة حتى اتمام الثامنة عشر (المادة الثالثة/ ثانيا من قانون رعاية الاحداث العراقي رقم 76 لسنة 1983)، اذ تتدرج اهلية الانسان تبعا لازدياد قدرته على التمييز ونمو مداركه حتى يصل الى مرحلة التمييز بين الشر والخير، ويخضع الحدث لتدابير تربوية في الفترات الاولى من هذه المرحلة والى عقوبات مخففة في الفترات النهائية منها.

  المرحلة الثالثة:- هي مرحلة تمام الاهلية( اتمام الثامنة عشر) واكتمال مدارك الشخص وقدرته على فهم طبيعة افعاله فيصبح اهلا لتحمل اثار المسؤولية التي يقررها الشارع ، وقرينة اكتمال الاهلية لدى الشخص في هذه المرحلة ليست قاطعة ، اذ يجوز اثبات عكسها ، فيجوز اثبات عدم توافر هذه الاهلية لدى الشخص لجنون او عاهة عقلية على الرغم من بلوغه سن الرشد الجنائي، فالأفراد يتفاوتون في تقديرهم للأمور ومن غير الممكن الجزم بالسن التي يصل فيها الناس الى درجة معقولة من النضج العقلي ، فالمشرع لا يستطيع ان يترك تحديد هذه السن الى الظروف الذاتية لكل انسان ، وانما ينبغي ان يراعي الراجح والغالب من الاحوال، لذلك يعمد الى تحديدها بسن معينة.

   وقد تناول المشرع العراقي انتفاء المسؤولية لفقد الادراك الناشئ عن صغر السن في المادة (47/اولا) من قانون رعاية الاحداث رقم 76 لسنة 1983 حيث نصت على: (اولا – لا تقام الدعوى الجزائية على من لم يكن وقت ارتكاب الجريمة قد اتم التاسعة من عمره).          

 اما في إطار الفقه الاسلامي فقد اجمع الفقهاء المسلمين على ان سن المسؤولية الجنائية (سن التمييز) يبدأ بإكمال السنة السابعة من العمر، فمتى ما اتم الصغير السابعة ولم يعتريه أي عارض من عوارض الاهلية كالجنون او السفه كان محلاً للمسؤولية الجنائية.

 

ثانيا: -حرية الارادة (حرية الاختيار)

      يقصد بها (القدرة على توجيه السلوك نحو فعل معين او امتناع عن فعل معين دون وجود مؤثرات خارجيه تعمل على تحريك الارادة او توجيهها بغير رغبة او رضاء صاحبها)، او هي (قدرة الانسان على المفاضلة بين البواعث المختلفة وتوجيه الارادة وفقا لأحدها). في حين يراها البعض الاخر بانها (قدرة الانسان على تحديد الوجهة التي تتخذها اراددته ويكون ذلك فيما إذا كان بمقدوره دفع ارادته في وجهة بعينها من الوجهات المختلفة التي يمكن ان تتخذها). وحرية الارادة تعني حرية الاختيار بين الخير والشر، اما الارادة فهي نشاط نفسي يصدر عن وعي وأدراك اتجه الى تحقيق غرض (النتيجة الجرمية) عن طريق وسيلة معينة (الفعل). فالإرادة قوة نفسية واعية ذات غرض معين تتجه اليه وتسيطر على الحركات العضوية وتدفعها لبلوغ هذا الغرض، اذ لا يتصور وجود الارادة دون علم فالإرادة قوة نفسية واعية ذات غرض تتجه اليه وهي تدرك الوسيلة لبلوغ هذا الغرض من اجل اشباع الحاجة ويتيح لها العلم هذه الخصائص المدركة الواعية الا ان العلم لا يعد عنصرا من عناصرها بل له كيان مستقل عن الارادة وان كان يمهد لها ويستحيل تصور الارادة دون علم.

     فلا يكفي ان يكون الانسان قادراً على العلم بالوجهات المختلفة التي يمكن ان تتخذها ارادته وانما يجب ان تكون له المقدرة على انتقاء الوجهة التي يمكن ان تتخذها ارادته ، ولذلك يفترض لوجودها ان يكون الفاعل حراً في تصرفاته غير مرغم عليها وفي وضع جسدي ونفسي وعقلي يساعده على اتخاذ القرارات التي يريدها، اذ يستبعد من نطاق المسؤولية الجنائية الحركات العضوية الغير ارادية الصادرة عن الانسان ، والحركات المستبعدة طائفتان :- أ- الحركات الصادرة ممن لا تسيطر ارادته على اعضاء جسمه كما في حالة الاغماء  ، ب- الحركات الصادرة ممن يخضع لإكراه مادي يسلبه كل سيطرة ارادية على بعض اجزاء جسمه، فالإرادة ليست هي السبب الوحيد للفعل انما هي احد اسبابه فهي احد العوامل التي حملت الجاني على ارتكاب الفعل ، انما الاصل ان تتأثر باعتبارات عديدة يكاد بعضها يدفع الجاني دفعا الى ارتكاب الفعل وتبقى للفعل الصفة الارادية ما دام لم يبلغ تأثير هذه الاعتبارات الى  درجة الاكراه لأنه اذا وصل الى هذه الدرجة تزول عن الفعل الصفة الارادية فلا يكون محل اعتبار في القانون ، وكما ان الارادة ليست هي السبب الوحيد للفعل فكذلك ليست هي السبب الوحيد للنتيجة انما هي تضافر عوامل عديدة ولكن الارادة هي من يقوم بالدور الرئيسي لأنها العامل الواعي المدرك بينها  .

 وحرية الاختيار يقصد بها قدرة الشخص على المفاضلة بين الامور والاختيار بناء على تلك المفاضلة، والمفاضلة بالنسبة للجاني تكون بين العوامل الدافعة للجريمة والعوامل المانعة لها اي بين الايجابيات والسلبيات، ولم يضع المشرع معيارا تقاس به حرية الارادة في الاختيار لعدم وجود مثل ذلك المعيار لذلك التجا الى الافتراض فافترض حرية الارادة في الانسان العاقل افتراضا يقبل اثبات العكس اي بقرينة قانونية غير قاطعة قابلة لأثبات العكس فيجوز اثبات عدم حرية الارادة متى ما خضعت تلك الارادة لضغوط جعلتها غير حرة في اختيارها سواء اعدمت ذلك الاختيار ام انتقصت منه لدرجة جعلت منه غير ذي قيمة قانونية، مما يعني ان من يرتكب جرما الاصل فيه ان يكون اهلا لتحمل الجزاء ولا حاجة للقضاء الى التثبت من سلامة ادراكه وحرية اختياره الا اذا تمسك الجاني بما يخالف ذلك فيقع عليه عبء الاثبات، وتنتفي حرية الاختيار بنوعين من الاسباب : اسباب خارجية كالإكراه او حالة الضرورة ، واسباب داخلية ترجع الى الحالة العقلية او النفسية، فالعلاقة التي تربط الجاني بماديات الجريمة هي علاقة نفسية جوهرها الارادة المعتبرة قانونا وهي الارادة الحرة المميزة وهي محل لوم القانون لان القانون قد جرم هذه الماديات اذ منع بعض الافعال عن طريق شق التكليف لذلك كان يتعين على الجاني ان لا تكون له علاقة بهذه الماديات خاصة وانه يسيطر على الفعل بإرادته، فيتحمل وزرها لأنه تربطه بها علاقة تتمثل في سيطرة ارادته على هذه الماديات وهذه السيطرة قد تضيق وقد تتسع وكان يتعين ان لا تكون له بهذه الماديات علاقة خاصة بعد معرفته بعدم مشروعيتها وذلك عندما يسبغ المشرع عليها الصفة غير المشروعة، ومقدار اللوم في الجرائم العمدية اشد لان العلاقة بين شخصية الجاني وماديات الجريمة اقوى عند توافر القصد الجنائي لان الارادة تسيطر سيطرة فعلية شاملة على ماديات الجريمة ، اما في الجرائم غير العمدية فان نطاق سيطرتها الفعلية يقتصر على بعض ماديات الجريمة (الفعل) في حين ان علاقتها بالبعض الاخر (النتيجة) منحصرة في مجرد امكان السيطرة  .

 وثمة ترابط بين حرية الاختيار والادراك ،اذ لاوجود للإرادة الحرة (حرية الاختيار) بغير ادراك سليم (تمييز) ، ذلك لان من لا يمتلك الادراك لا يقوى على التمييز بين الصواب والخطأ وبالتالي لا يقوى على توجيه ارادته والاختيار، فان حرية الارادة شرط وجودها الادراك حيث لاوجود للإرادة الحرة مالم تكن هذه الارادة مدركة، فوجود الارادة الحرة يعني لزاما وجود الادراك ، اذ ان كل خلل في الادراك لا بد من تأثيره في الارادة (حرية الاختيار ) ولكن ليس كل خلل في الارادة (الاختيار)  يؤثر في الادراك ، اذ ان فاقد الادراك فاقداً لحرية الاختيار بحكم ان الادراك هو الذي يعطي لصاحبه القدرة على ممارسة حرية الاختيار .

الا ان قدرة الانسان على توجيه ارادته الوجهة التي يختارها ليست مطلقة وانما هي مقيدة، اذ ترد عليها مجمودعبة من العوامل لا يملك الجاني السيطرة عليها فتؤثر في حرية اختياره، وهناك مجال يتمتع الشخص بداخله بحرية التصرف وتحدد هذا المجال قواعد القانون والقواعد المستمدة من الخبرة الانسانية العامة التي تحدد مقدار تحكم الانسان في تصرفاته، فاذا انتفى او ضاق هذا المجال وانساق الجاني تحت تأثير العوامل التي لا سيطرة له عليها الى الجريمة، تنتفي حرية الاختيار وتنتفي معها المسؤولية الجنائية. كما ان هذه العوامل هي نفسها تؤثر في قدرة الانسان على الادراك وتؤدي الى انتفائها او إنقاصها الامر الذي يؤدي معه الى انتفاء المسؤولية الجنائية او تخفيفها.

وقد تباينت التشريعات في اتجاهاتها في بيان عناصر المسؤولية او شروطها، اذ حصرت بعض التشريعات الحالات التي تمنع قيام المسؤولية مثال ذلك المشرع الفرنسي، وذهبت تشريعات اخرى الى وضع الشروط اللازمة للمسؤولية بمبدأ عام يطبق على جميع الحالات وهو اتجاه المشرع الايطالي، واتجهت بعض التشريعات الى الجمع بين التوجهين السابقين اذ اضافت الى المبدأ الذي وضعته لامتناع المسؤولية والذي يطبق في جميع الحالات بعض اسباب امتناع المسؤولية وهذا ما اخذ به المشرع العراقي في قانون العقوبات (المواد 60-63).

  وتختلف المسؤولية الجنائية عن المسؤولية المدنية اختلافات أساسية ترجع بجملتها إلى اختلاف الطبيعة القانونية لكل من المسؤوليتين، بالشكل الذي يجعل لكل منهما حدوداً فاصلة عن الأخرى، وهذه الفروق التي تميز كلاً من المسؤوليتين عن الأخرى هي: -

أولاً: -يشترط لقيام المسؤولية الجنائية صدور خطأ من الجاني، فإذا كان من المتصور قيام المسؤولية المدنية في بعض الأحيان على مجرد خطأ مفترض مبني على فعل الغير، كما هو الحال بالنسبة إلى مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه، أو على مجرد وقوع ضرر ولو لم يكن هناك خطأ، فإنه ليس من المقبول في ميدان المسؤولية الجنائية أن تتجرد المسؤولية من عنصر الخطأ الشخصي الذي ينسب إلى مرتكب الفعل ذاته استنادا إلى القاعدة الجنائية التي تقضي بأنه (لا جريمة بلا خطأ).

ثانيا – تستقل المسؤولية الجنائية عن فكرة الضرر بخلاف المسؤولية المدنية  التي تقوم عليها ، ذلك أن المسؤولية الجنائية تحدد العقوبة لا على أساس أهمية الضرر وجسامته ، وانما على أساس جسامة الفعل الاثم من الناحية الأدبية ،ولا تتدخل فكرة الضرر عند وقوعه الا بصفة تبعية في هذه المؤاخذة ، اذ تبقى المسؤولية الجنائية مستقلة عن الضرر الذي نشأ عن الفعل ويحاسب المتهم في أغلب الأحيان عن خطئه فحسب مجرداً عن الضرر ، ولا يعني هذا أن المشرع الجنائي لا يأخذ بنظر الاعتبار الضرر عندما يؤثم التصرفات الإجرامية ، اذ ان تحديد العقوبة يخضع لنوعين من الاعتبارات : الاول يتعلق بالواقعة الاجرامية وملابساتها المختلفة ،والثاني يتعلق بشخص الجاني والظروف الخاصة به،  الا أنه ينظر الى الضرر نظرة متميزة ويطلق عليه فقهاء القانون (الجسامة المادية للخطأ الجنائي)، وهذه الجسامة المادية لا تتمثل في النتيجة المترتبة على الخطأ ، وانما في طبيعة المصالح القانونية التي يهددها هذا الخطأ .

 أما في نطاق المسؤولية المدنية، فنجدها تتجه الى إصلاح الأضرار وليس الى العقاب عن الاخطاء، وهذا هو السبب في عدم الاعتداد بالخطأ المدني عند تقدير الجزاء المدني، وانما يحسب له حساب في تقدير قيام هذه المسؤولية، ويحتسب الجزاء المدني (التعويض) تبعاً لأهمية الضرر، ولا شك في ان القاعدة المقررة في القانون المدني والقاضية بالتعويض الكامل عن الضرر الواقع تمنع من ان يكون هناك تناسب بين قيمة التعويض المقدرة وجسامة الخطأ المرتكب.   

 وتأسيساً على ذلك يكون سبب المسؤولية الجنائية هو السلوك الضار بالمجتمع باعتبار ما يمثله من خطورة إجرامية، في حين يكون سبب المسؤولية المدنية هو الفعل الضار الذي يصيب حقاً أو مصلحة تتعلق بشخص أو أشخاص معينين، وتترتب على ذلك الاختلاف النتائج الآتية: -

1-يكون الجزاء في نطاق المسؤولية الجنائية عقوبة توقع باسم المجتمع على شخص المسؤول عن الجريمة، أما الجزاء في نطاق المسئولية المدنية فيكون تعويضا يستوفى من محدث الضرر.

2-تكون دعوى المسؤولية الجنائية من حق المجتمع، ولذلك فأن ممثل المجتمع وهو الادعاء العام هو الذي يتولى تحريكها. أما دعوى المسؤولية المدنية فهي من حق المضرور نفسه، فهو الذي يملكها ويثيرها.

3-تختص المحاكم الجزائية بالنظر في دعوى المسؤولية الجنائية. أما دعوى المسؤولية المدنية فالأصل أن يكون النظر فيها من اختصاص المحاكم المدنية، وأن جاز رفعها أمام المحاكم الجزائية تبعاً للدعوى الجزائية.     

4-لا يجوز لممثل المجتمع الصلح ولا التنازل في المسؤولية الجنائية لان الحق فيها عام للمجتمع. في حين يجوز الصلح والتنازل في المسؤولية المدنية لان الحق في التعويض خاص بالفرد.

5-الافعال التي يعاقب عليها القانون في نطاق المسؤولية الجنائية يجب ان تذكر على سبيل الحصر لا المثال وان تحدد العقوبة المقترنة بكل جريمة، فالقاعدة في المسؤولية الجنائية تقضي بأن (لا جريمة ولا عقوبة الا بناء على قانون). اما الافعال غير المشروعة التي توجب المسؤولية المدنية فلا ضرورة لحصرها، وذلك لان المسؤولية المدنية تترتب على أي عمل غير مشروع يلحق بالغير ضرراً دون حاجة لنصوص قانونية تبين الاعمال غير المشروعة على وجه التحديد.

6-حيث ان المسؤولية الجنائية تدور مع الخطأ وجوداً وعدماً لذا فان التمييز يعد شرطاً لقيامها، وذلك لان غير المميز لا يدرك ما يفعل ومن لا يدرك لا ينسب اليه خطأ وتنتفي مسؤوليته الجنائية. اما المسؤولية المدنية فقد تتقرر وان لم يكن المسؤول مميزاً.

  وعلى الرغم من الاختلاف بين المسؤوليتين، إلا أن ذلك لا يمنع من أن ينشئ الفعل الواحد كلتا المسؤوليتين حين تتوافر في الفعل شروطهما فتتحققان معاً في وقت واحد.  فسائق المركبة الذي يدعس شخصاً بسبب اهماله، فان فعله هذا يرتب عليه إذا نشأ عنه وفاة المجني عليه مسؤولية جنائية عن جريمة قتل خطأ، كما انه يرتب عليه مسؤولية مدنية تتمثل في إلزامه بدفع تعويض لعائلة المجني عليه عما لحق بهم من ضرر مادي وادبي.

 

 (محاضرة القاها الدكتور نوفل علي عبد الله الصفو على طلاب المرحلة الثانية في كلية    الحقوق جامعة الموصل)

بقلم ذ نوفل علي عبد الله الصفو
أستاذ القانون الجنائي المساعد كلية الحقوق / جامعة الموصل
 


أعلى الصفحة