القانون البنكي

بقلم ذ باحماد الحسين
باحث في قانون الأعمال
تحت عدد: 698
يعتبر العقد دائما الأداة المتميزة للمبادلات ولتقدير حجم الدخل القومي، لذلك فإنه من المفترض أن يخضع تكوينه لمبدإ الحرية1، أو مبدإ سلطان الإرادة.

إلا أن هذا المبدأ عرف تراجعا كبيرا بسبب التفوق الاقتصادي والفني لأحد أطراف العلاقة التعاقدية، أي المهني في مواجهة المستهلك 2.
و نظم المشرع المغربي عقد القرض أو عارية الاستهلاك في الباب الثاني من القسم الخامس من الكتاب الثاني من قانون الالتزامات والعقود وذلك في الفصول من 856 إلى 878.
وقد عرف المشرع المغربي عارية الاستهلاك أو القرض في الفصل 856، أما التسديد المبكر للقرض فالمشرع اكتفى بتحديد شروط ممارسة هذا الحق وذلك في الفصلين 866 و 876 حيث قيد فيهما المشرع حرية المقترض عند ممارسة هذا الحق، وهذا ما سنحاول إظهاره في (المطلب الأول) ،لنخصص المطلب الثاني لتبيان آثار ممارسة التسديد المبكر للقرض.

المطلب الأول : تقييد حرية المقترض في الأداء المبكر للقرض في ق.ل.ع
بقراءة مقتضيات الفصلين 866 و 876 من ق ل ع، نلاحظ أن المشرع حدد شروط شكلية (الفقرة الأولى) ، وأخرى موضوعية (الفقرة الثانية)، لاستفادة المقترض من حق الأداء المسبق للقرض.
الفقرة الأولى : الشروط الشكلية
تنص الفقرة الأولى من الفصل 876 من ق ل ع على أنه : "إذا تجاوزت الفوائد الإتفاقية الحد الأقصى المحدد على نحو ما هو مبين في الفصل السابق، كان للمقترض الحق في أن يدفع أصل الدين بعد عام من تاريخ العقد، وكل شرط يخالف ذلك يكون عديم الأثر، غير أنه يجب على المقترض إخطار الدائن كتابة بعزمه على الدفع قبل إجرائه بثلاثة أشهر على الأقل...".

من خلال الفصل أعلاه نلاحظ أن المشرع وضع شرطين شكليين للمقترض حتى يقوم بالتسديد المسبق للقرض، الأول يتعلق بأجل ممارسة حق الأداء المبكر، والذي حدده في سنة من تاريخ العقد، والثاني يرتبط بإخطار المدين للدائن كتابة بعزمه على الأداء المسبق، وذلك في ثلاث أشهر على الأقل قبل الإقدام على هذا الإجراء.

ويتضح من خلال الشرطين السابقين أن المشرع المغربي قيد حرية المقترض من ممارسة حق الأداء المسبق، حيث جعل له أجل سنة من تاريخ العقد يمنع عليه فيه ممارسة حقه في التسديد المبكر، مع ضرورة احترامه لشرط آخر متمثل في إعلام الدائن (المقرض) كتابة بعزمه على الأداء المسبق ثلاثة أشهر على الأقل.
وتجد الإشارة إلى أن هذا الأجل هو أجل أدنى مما يمكن المقرض من اشتراط آجال تفوق الأجل السابق ذكره4.
وبناء على ما سبق يتبين لنا أن ق ل ع كان قاسيا مع المقترض الذي يرغب في التخلص مبكرا من التزامه المالي.
كما أن المشرع في ق ل ع أعطى حماية للبنك على حساب الزبون الضعيف في العلاقة التعاقدية، نظرا لما يتوفر عليه الأول من قوة اقتصادية وتقنية، والذي لا يحتاج لحماية تشريعية5.
الفقرة الثانية : الشروط الموضوعية
بالعودة إلى الفصل 866 من ق ل ع يمكن إجمال الشروط الموضوعية للتسديد المسبق للقرض في شرطين وهما:
أ- عدم تعارض الأداء المبكر مع مصلحة المقرض (الفصل 866).
ب- أن تتجاوز الفائدة الإتفاقية الحد الأقصى المحدد على نحو ما هو مبين في الفصل 875 من ق ل ع6.
ونلاحظ من خلال الشرط المذكور الوارد في الفصل 866 الذي ربط فيه المشرع حق المقترض في الأداء المسبق بعدم تعارضه مع مصلحة المقرض بأنه يحمل في طياته نوعا من الحماية للمقرض على حساب المستهلك، إضافة إلى أنه من الناحية العلمية، عادة ما تفرض المؤسسات المقرضة غرامات على المقترض الذي يؤدي ما بقي من الأقساط قبل حلول أجلها، وبالتالي فإن احتمال تعارض الأداء المسبق مع مصلحة المقرض تبقى قائمة7.
علاوة على الشرط الأول فالمشرع قيد حرية المقترض بشرط آخر، حيث أنه لا يمكن لهذا الأخير أن يعجل في أداء مبلغ القرض إلا إذا ارتكب المقرض خطأ ونص على نسبة فائدة تفوق المنصوص عليها في القانون8، وهذه الإمكانية يصعب تحقيقها وذلك راجع إلى عمل البنوك الذي يمتاز بالدقة وقلة نسبة احتمال ارتكابها لخطأ فادح كالنص في عقد القرض على نسبة تفوق نسبة الفائدة المحددة قانونا.

ومن خلال الشروط السابقة -الشكلية والموضوعية- يظهر أن المشرع وضع شروطا تعجيزية أمام المستهلك المقترض الراغب في تسديد قرضه مبكرا، كما أنها شروط تحمي المقرض بالرغم من أنه طرف قوي في العلاقة التعاقدية ولا يحتاج إلى أية حماية تشريعية9، وهذه الحماية سيكون لها آثار إيجابية على المقرض وأخرى سلبية على المقترض وهذا ما سنظهره في النقطة الموالية.

المطلب الثاني : آثار التسديد المبكر للقرض في ق.ل.ع
تجدر الإشارة إلى أن آثار القيام بالأداء المبكر لم يرد في قانون الالتزامات والعقود المغربي، وترك الأمر للحرية التعاقدية، وبالفعل هذا ما عمله المهنيون من مقرضين على تكريسه كما ذهب إلى ذلك جانب من الفقه10، حيث اعتبر أن نظام الشرط هو المتحكم.

وعموما فالحديث عن آثار الأداء المسبق للقرض سيتم بتناولها في جانب المقرض (الفقرة الأولى) ، وكذلك بالنسبة للمقترض (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى : آثار التسديد المبكر بالنسبة للمقرض
لقد سبق لنا أن بينا بأن الشروط التي وضعها المشرع في ق ل ع هي شروط تعجيزية وقاسية، بحيث تجعل تسديد الدين قبل أجله أمرا صعبا إن لم نقل مستحيلا، علاوة على ذلك فالتنظيم القانوني للتسديد المسبق للقرض في القواعد العامة لم يكن تنظيما مفصلا، وترك الأمر للحرية التعاقدية، وهذا الأمر هو الذي استغله المهنيون باعتبارهم الطرف القوي في العلاقة التعاقدية، من أجل وضع شروط وبنود قاسية في مواجهة المستهلك المقترض الذي يرغب في الأداء المسبق للقرض.

الفقرة الثانية : آثار التسديد المبكر بالنسبة للمقترض
من خلال الفصول المنظمة للتسديد المسبق للقرض في ق ل ع11 وكذا بعض نماذج العقود المبرمة ما بين مؤسسات التمويل و زبنائها نستخلص أن آثار الأداء المسبق للقرض في ظل ق ل ع ليس بالأمر السهل، وهذا ما يتجلى من خلال الشروط التعجيزية التي وضعها مشرع ق ل ع، علاوة على تركه حرية للبنك لوضع ما شاء من شروط تعيق حرية المستهلك أثناء الأداء المبكر للقرض، إضافة لاعتماد البنوك لطرق ملتوية أثناء حساب الفوائد، كل هذه الأمور تؤثر سلبا على رضا المستهلك المقترض، الذي يواجه ببنود قاسية في كل مرة يرغب في تسديد القرض قبل أوانه.

وعلى العموم فقانون الالتزامات والعقود المغربي لا زال يعاني من قصور في تنظيمه للتسديد المبكر، حيث أنه أضفى حماية تشريعية لمؤسسات التمويل على حساب المستهلك الضعيف وأخضعه لحرية التعاقد بالرغم من كون البنك طرف قوي في العلاقة التعاقدية، وهذه الحرية تم استغلالها من قبل المؤسسات البنكية، مما جعل المقترضين مجبرين أمام الحاجة إلى الرضوخ لشروط المقرضين الذين يهدفون إلى تحقيق أعلى نسبة من الربح، دون إعارة أي اهتمام للمستهلكين.


1. -مهدي منير : "المظاهر القانونية لحماية المستهلك"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة البحث والتكوين، قانون الأعمال، جامعة محمد الأول، كلية الحقوق وجدة، السنة الجامعية 2014/2015، ص 4.
2. -لقد كان هذا المفهوم- للمستهلك- مستعملا من قبل علماء الاقتصاد، ومع تزايد استعماله وانتشاره في كثير من الدول نتيجة لحركة الدفاع عن المستهلكين، وتبلور فكرة جماعة المستهلكين، أثار اهتمام التشريعات ومعها الفقه بتحديد مفهومه القانوني.
فالمفهوم التشريعي نجده حاضرا في المادة الثانية من القانون 08-31 والتي جاء فيها : " يقصد بالمستهلك كل شخص طبيعي او معنوي يقتني او يستعمل لتلبية حاجياته غير المهنية منتوجات أو سلعا أو خدمات معدة لاستعماله الشخصي أو العائلي "، اما المفهوم الفقهي فيمكن تحديده في اتجاهين :
الإتجاه الضيق : يرى أنصار هذا الاتجاه أن المستهلك هو الشخص الذي يقتني أو يستعمل السلع والخدمات لإشباع حاجياته الخاصة والعائلية، بعيدا عن أي ارتباط بالمهنة التي يزاولها.
الاتجاه الموسع : يرى بأن المستهلك هو كل شخص يتعاقد بهدف الاستهلاك، أي اقتناء واستعمال مال أو خدمة، سواء كان غرض استعماله للسلعة لتلبية حاجياته الشخصية أو المهنية على السواء، فهو يعنبر مستهلكا للتفصيل في هذا الموضوع راجع :
- عمر قريوح : "المظاهر القانونية لحماية المستهلك"، أطروحة لنيل الدكتوراه في القانون الخاص، وحدة التكوين والبحث في قانون الأعمال، جامعة محمد الأول، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية وجدة، السنة الدراسية 2004/2005، ص 24 وما بعدها.
- دنيا مباركة : "الحماية القانونية لرضا مستهلكي السلع والخدمات"، المجلة المغربية للإقتصاد والقانون، العدد الثالث، يونيو 2001، ص 46 وما بعدها.

3. ينص الفصل 856 على أن : "عارية الاستهلاك أو القرض عقد بمقتضاه يسلم أحد الطرفين للآخر أشياء مما يستهلك بالإستعمال أو أشياء منقولة أخرى لاستعمالها بشرط أن يرد المستعير عند انقضاء الأجل المتفق عليه أشياء أخرى مثلها في المقدار والنوع والصفة".
4. ابراهيم وجعدان : "معالجة صعوبات المستهلك المقترض"، منشورات مجلة القضاء المدني سلسلة دراسات وأبحاث، العدد 4-حماية المستهلك الطبعة الأولى 2014، ص 174.
5. - عبد المههيمن حمزة :النظام القانوني للقروض البنكية العقارية المخصصة للسكن-دراسة في الأسس النظرية والجوانب العملية- أطروحة لنيل الدكتوراه في القنون الخاص، جامعة عبد المالك السعدي، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية طنجة، السنة الجامعية 2012-2013 ص 335.
6. ينص الفصل 875 من ق ل ع على أنه : "في الشؤون المدنية والتجارية يحدد للسعر القانوني للفوائد والحد الأدنى والأقصى للفوائد الإتفاقية بمقتضى ظهير خاص".
7. عمر قريوح : أطروحته، م س، ص 325.
8. ابراهيم وجعدان : "معالجة صعوبات المستهلك المقترض"، مرجع سابق، ص 174.
9. عبد المهيمن حمزة : أطروحته، م س، ص 332.
10. عمر قريوح : "الحماية القانونية للمستهلك"، أطروحته، م س، ص326.
11. نخص بالذكر الفصلين 866 و 876 من ق ل ع.

بقلم ذ باحماد الحسين
باحث في قانون الأعمال
 


أعلى الصفحة