قانون الأعمال

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
تحت عدد: 78
لم يعد الموضوع البيئي في القطاع العمراني هو مجرد فكر كمالي أو مجرد دعوة يناقشها المختصون في ندواتهم أو مؤتمراتهم ضمن بنود ثانوية، وإنما أصبحت البيئة مطلبا مهما من الضروري التفاعل معه والاستجابة لمتطلباته. هذا الموضوع الذي بات يشكل بحق أحد المقومات الرئيسية للوعي البيئي العالمي، الذي بدوره يشكل- هو وصناعة المعرفة - الإطار لتقدم وحضارة الانسان في القرن الحالي. وهذا المعنى هو ما أشار اليه ألان موغار رئيس المركز العلمي والتقني للعمارة في فرنسا، عندما قال " إن التنمية البيئية وصناعة المعرفة هما اللتان ستشكلان طبيعة وهيكل مستقبلنا ".

الإطار المفاهيمي للتنمية العمرانية المستدامة

إن تنامي معرفة الانسان وإدراكه لنشاطاته من تأثير سلبي في البيئة هو الذي عزز طرح موضوع حماية البيئة في الإطار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وانعكس هذا الاهتمام العالمي المتزايد لحماية البيئة بانعقاد مؤتمر ستوكهولم حول البشرية عام 1972. والذي طالب، من خلال توصياته، بإيجاد نوع من التوازن والانسجام بين متطلبات البيئة ومتطلبات التنمية الاجتماعية والاقتصادية. وتعزيزا لهذا الاتجاه جاءت دعوة نادي روما، من خلال الوثيقة المنشورة والمسماة " حدود التنمية "، لتؤكد أهمية وخطورة المواضيع البيئية، أمثال التلوث والتدهور البيئي ونفاذ المصادر الطبيعية، على مستقبل الإنسان وإمكان بقائه. وفي عام 1980 - بعد مخاضات طويلة وصعبة لحل إشكالية التوفيق بين متطلبات التنمية وضرورة المحافظة على البيئة وسلامتها - جاءت فكرة التنمية المستدامة أو التنمية القابلة للاستمرار. ولقد جاء إعلان وطرح هذا المفهوم في إطار تقرير أعده الاتحاد العالمي لحماية البيئة والموارد الطبيعية الذي أطلق عليه " إستراتيجية حماية العالم ". في هذا التقرير تعرف التنمية على أنها " أي تعديل في المحيط الحيوي من أجل إشباع حاجات الإنسان "، وأما حماية البيئة فيقصد بها " إدارة استخدام الإنسان لمحيطه الحيوي من أجل منفعة أكبر وأدوم له وللأجيال القادمة ".

ولما كان المحيط الحيوي هو المصدر لإشباع حاجات الإنسان فلا بد من جعل سلامة وحماية هذا المحيط في مقدمة الأولويات التنموية والتطويرية. وفي عام 1987 أصدرت المنظمة العالمية للتنمية و البيئة (WCED) منشورها المسمى " مستقبلنا المشترك "، أشارت فيه إلى التنمية المستدامة على أنها " إشباع الحاجات الأساسية لكل الناس وتلبية طموحهم من أجل حياة أفضل، ومن دون إلحاق الضرر أو المساس بقدرات الأجيال القادمة على تلبية متطلبات معيشهم". وفي قمة الأرض التي انعقدت في البرازيل عام 1992 عزز حضور وتقبل مفهوم التنمية المستدامة على الساحة العالمية وأصبح هذا المفهوم محور المخططات المستقبلية والأساس لتغيير الكثير من القوانين والتشريعات الوطنية والعالمية والتي تمس من دون - استثناء - كل القطاعات التنموية. ومن هنا جاءت الدعوة لصناعة خضراء وهندسة وعمارة خضراء وحتى ثقافة خضراء.

ولما كانت التنمية المستدامة لا تستثني أي قطاع تنموي أو نشاط بشري - لأنها في الحقيقة تدعو إلى تطور الإنسان من خلال استخدام حكيم وعادل للموارد الطبيعية - فمن الضروري أن تكون لهذا المفهوم مساحة واسعة من التأثير والتفاعل في القطاع العمراني لما لهذا القطاع من دور كبير في العملية التنموية، وما له من تأثير ملموس وواسع في البيئة المحيطة بالإنسان. وهذا ما دعا إليه إعلان شيكاغو الذي صدر عن الاجتماع الثامن عشر للاتحاد العالمي للمعماريين، والذي عقد في مدينة شيكاغو في الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1993. هذا الإعلان وضع التنمية البيئية والاجتماعية محورا رئيسيا في الممارسة المعمارية. وطلب معماريي العالم أن يطوروا ممارستهم وآلياتهم لجعلها تنسجم ومتطلبات هذا النوع من التنمية.

إن السياسة العمرانية تتقاطع مع البيئة في ثلاثة محاور رئيسية، وهي كالتالي:

1 – تعديل في البيئة المحيطة لإيجاد بيئة خاصة بالإنسان.

2 – استخدام الموارد المتاحة " الطبيعية والمصنعة " لإنتاج هذه البيئة وتشغيلها.

3 – التخلص من النفايات والانبعاثات المصاحبة.

وحركة كل من هذه المحاور الثلاثة يجب أن تجري في إطار من القواعد يجعل من موضوع البيئة وسلامتها فرصة لتطوير القطاع والارتقاء به معرفيا وتكنولوجيا وإداريا.

ففي المحور الأول يجب أن يأتي التعديل في البيئة المحيطة، لإيجاد بيئة داخلية أفضل للإنسان على أن يكون هذا التعديل بأقل قدر ممكن من الضرر للبيئة، ومنسجما مع متطلباتها المادية والجمالية.

أما المحور الثاني فعنده يجب أن ينصب الاهتمام على استخدام حكيم للموارد غير المتجددة، وكذلك ضرورة الاعتماد أو الاستفادة بأقصى قدر ممكن من المصادر الطبيعية المتجددة.

أما المحور الثالث فيثير أهمية موضوع ما يطرحه العمل من مخلفات وانبعاثات. وأن تأتي استجابة القطاع العمراني في هذا الإطار متماشية مع إمكان البيئة من تقبل المخلفات العمرانية، على كافة مراحل وعمر المشروع. وفي إطار هذا المحور هناك حاجة للعمل والسعي جديا للوصول إلى مرحلة تنعدم فيها المخلفات و المنبعثات بكل أنواعها وإن وجدت فهي بأقل قدر ممكن مع إتاحة إمكان إعادة استخدامها وتدويرها في العملية العمرانية.

هذه القواعد التي من خلالها يمكن لهذه المحاور الرئيسية الثلاثة أن تتحرك، يمكن تقديمها باعتبارها القواعد الرئيسية للتنمية العمرانية المستدامة والقابلة للاستمرار. ومنذ تزايد الإحساس في القطاع العمراني بضرورة التجاوب والتفاعل مع مفهوم التنمية المستدامة وتحمل الإحساس في القطاع العمراني بضرورة التجاوب والتفاعل مع مفهوم التنمية المستدامة وتحمل المسؤولية في ظل هذا التوجه العالمي الجديد باعتباره قطاعا تنمويا مهما، كانت هناك محاولات لصياغة ووضع جملة من هذه القواعد وتقديمها على أنها القواعد الرئيسية لمفهوم التنمية العمرانية المستدامة. ففي دراسة لشارلز كيبرت من مركز العمران والبيئة بجامعة فلوريدا، والمقدمة بمناسبة المؤتمر الأول العالمي عن القطاع العمراني والتنمية المستدامة، عام 1994، ذكر هذا الباحث ست قواعد للتنمية المستدامة، وهي: الترشيد، إعادة الاستخدام، الاعتماد على المصادر المتجدددة أولا ومن ثم المصادر ذات المخلفات القابلة لإعادة التصنيع والتدوير، حماية ما حولنا من نظم بيئية، تجنب المواد الضارة صحيا، وأخيرا الاهتمام بجودة البيئة التي توفرها هذه المنشأة العمرانية. هذه القواعد هي في الحقيقة مستوحاة من المحاور الرئيسية لمفهوم التنمية الشاملة والمستدامة، وهي الاهتمام بالترشيد والجودة والمصادر المتجددة والمخلفات.

ومن خلال إعادة قراءة هذه المحاور الرئيسية يمكننا أن نخرج بمجموعة أخرى من القواعد الرئيسية التي تجعل من القطاع العمراني قطاعا تنمويا مستداما. هذه القواعد تبدأ في التأكيد على ضرورة التعامل مع المنتج العمراني منذ ولادته على أنه استجابة لحاجة الإنسان ومن ثم كمجموعة من الأفكار والتصورات في ذهن المعماري ولاحقا كتصميم ونظم بناء، لتأتي بعدها مرحلة الإنشاء أو التصنيع ومن ثم التشغيل والصيانة وأخيرا الهدم. هذه القواعد يمكن شرحها بإيجاز فيما يلي:

1 – الاستجابة: إن الغاية من المنتج العقاري أو الإنشائي هو إشباع مجموعة من الحاجات المتأصلة في نفس الإنسان، وهي كما ذكرت سابقا حاجات وظيفية أولا، ومن ثم حاجات رمزية ووظيفية. ومن هنا لابد أن يأتي المنتج المعماري ملبيا ومستجيبا لهذه الحاجات، وإلا كانت النتيجة مجموعة من الإسقاطات السلبية على حياة الإنسان المادية والنفسية والاجتماعية. وعندما يلتفت الإنسان بعد ذلك إلى أن المنتج العمراني الذي بين يديه لا يلبي حاجاته التي ينشدها فإنه قد يعود – تحت تأثير ضغط هذه الحاجة – إلى تصنيع منتج معماري جديد أو إحداث تغيير أو إضافة على المنتج الحالي، والنتيجة هي هدر الكثير من طاقات الإنسان وتحميل البيئة الكثير من الأعباء الجديدة.

2 – الديمومة: إن المنتج المعماري يستهلك الكثير من طاقات الإنسان، وكما هائلا من المواد الطبيعية، ولذلك فلا بد لهذا المنتج أن يصمم ويصنع بكيفية تمكنه من البقاء طويلا. ولا يعني هذا البقاء ثبات وجوده كما هو، وإنما استمرارية وبقاء عناصره الأساسية وقابليته لاستيعاب عناصر وإضافات جديدة تعكس ارتقاء معرفة الإنسان وتطور نظم حياته.

3 – الترشيد: مادام المنتج المعماري هو في الحقيقة عملية إشباع لمجموعة من الحاجات المتأصلة في نفس الإنسان، فإننا ومن أجل تنمية عمرانية مستدامة، مطالبون بالاستجابة المعقولة والحكيمة لهذه الحاجات ومن دون إسراف. والترشيد في الأساس هو محاولة لتأسيس بيئة فكرية وعملية تسعى دوما للوصول إلى الحل الأفضل، الحل الذي يعطينا أفضل ما نريد في مقابل تفكير أكثر وموارد مادية أقل.

 

الهاجس البيئي ضمن السياسة العمرانية المحلية

إن قراءة في الواقع المغربي تفضي سريعا إلى إبداء الملاحظات التالية:

تميز النسيج العمراني بالنشاز وعدم الانسجام مع متطلبات التنمية، سواء تلك المسطرة في البروتوكولات و المواثيق الدولية، أو تلك المعلن عنها ضمن البرامج الحكومية، هذه القراءة تفضي الى الملاحظات التالية:

على مستوى الواقع:

1 – عدم مراعاة الانسجام و التكامل في البناءات و التشييدات المنجزة على طول المرحلة الممتدة الى أواخر القرن الماضي. فباسثتناء المدن العتيقة أو ما يصطلح عليه ب "النسيج العمراني القديم " والمتواجد أصلا بالمدن التاريخية كمراكش وفاس ومكناس وتارودانت والقصور الصحراوية، فإن الحركية العمرانية التي عرفها المغرب في العقد الأخير، اتسمت عموما بظاهرة الزحف الإسمنتي على حساب المناطق الخضراء، و إدراج المشاريع الصناعية والحرفية وسط التجمعات السكانية.

2 – عدم مراعاة الترشيد في استعمال الحيز المكاني، دائما مواكبة لحركية القطاع في السنين الأخيرة، وطريقة تعامل المنعشين العقاريين مع توافر الطلب والتسهيلات الائتمانية التي قدمتها البنوك للملاك الجدد، جعل من عملية البناء تتم وفق حسابات اعتباطية ودون دراسات مسبقة للجدوى الاقتصادية. حيث غزت الظاهرة الإسمنتية جل مدن المغرب، حتى تلك التي لم تكن تعاني من أي نقص في المعروض من البنايات، حيث لوحظ تمركز كبريات شركات الاستثمار العقاري في مراكز ومدن شبه قروية، هذا التواجد وإن أتى وبشكل كبير على المقدرات البيئية و التنوع الطبيعي بتلك المراكز، فإنه في إطار فكرة " الترشيد "، أتى على مقدرات وأموال طائلة فشل استثمارها حتى بإرجاع الرأسمال المستثمر فبالأحرى الحصول على هامش من الربح الذي تنشده المعاملات العقارية. هذه المقاربة المعتمدة من طرف المنعشين العقاريين في التعامل مع فترة الازدهار العقاري في السنوات الماضية، خلق حالة من عدم التوازن بين العرض والطلب وصل في أحسن الحالات الى مرحلة الركود والأزمة المالية، وفي أسوأ الحالات إلى أزمة بيئية باستنفار طاقات وموارد طبيعية هائلة أفضت في الأخير إلى تشييد مدن أشباح، واقع جديد على المجتمع المغربي، ضرب في العمق تناسق و تناغم النسيج المعماري المغربي.

3 – فقدان الجمالية و الكمال اللذين قد ينشدهما أي عمل معماري، فهاجس الربح، وكذا الاستحواذ على أكبر نسبة من السوق العقارية، أدى الى سرعة وارتفاع مهول في وثيرة التعمير، مما خلق حالة من الفوضى ضمن المنظر العام للبنايت والتشييدات المحدثة، فالحقل البصري أصبح ملوثا نتيجة تغييب معامل الجمالية والكمال ضمن التصاميم العمرانية، ونجد لهذه الفكرة محلا، باختلاف المساحات المبنية داخل الوحدة السكنية نفسها، وبين وحدة سكنية وأخرى مجاورة، واختلاف الواجهات، وعدم تشابه التصاميم المبرجمة لعملية تشييد واحدة خاصة بالنسبة للتجزئات السكنية، ومجاورة الفيلات للعمارات، ودخول المناطق الصناعية لقلب المدار الحضري للمدن.

4 – انتعاش للقطاع الغير منظم، وذلك بموازاة مع الطفرة العقارية التي شهدتها البلد في السنوات الأخيرة، حيث كان لارتفاع ثمن المعروض للسكن، وكذا المضاربات العقارية، الأثر الكبير في انتعاش القطاع الغير منظم، والذي تمظهر في انتشار كثيف للبناء الغير قانوني والعشوائي، سواء بداخل وعلى طول الحزام المحيط بالمدن الكبرى، وكذا بالمراكز الحضرية و القروية المحيطة بالتجمعات  السكانية الكبرى، هذا الواقع الجديد أفضى الى مجموعة من المعطيات السلبية التي تهدد في العمق التوازن البيئي، وتهدد في الصميم أهداف التنمية المستدامة. فهذا النوع من البناء والتشييد خلق ما أصبح يسمى ب " أحزمة الفقر والبؤس "  المتمثلة في أحياء بكاملها تسكنها أسر فقيرة تفتقر الى أبسط وأدنى الخدمات الأساسية من ربط كهربائي وربط بشبكة التطهير والماء الصالح للشرب ناهيك عن غياب تام لأبرز التجهيزات الأساسية والخدماتية من طرق ومدارس ومستشفيات ومراكز أمنية، هذا الواقع المخيف يربط مخططات التنمية برهانات تمويلية إضافية قد تمتد للعديد من العقود.

أما على صعيد النصوص القانونية:

1 - تشتت المقتضيات القانونية المتعلقة بالتعمير ضمن نصوص متفرقة ومتنافرة لا تراعي التنسيق والانسجام المتوخى في منظومة قانونية تعنى بقطاع تنموي من الأهمية بما كان سواء على المستويين الاقتصادي أو الاجتماعي، إضافة إلى رهنه اختيارات الدولة لأجيال.

2 - يمكن القول أن المشرع المغربي وعبر ترساناته القانونية كان مغيبا لمقاربة البيئة وعلاقتها بالتعمير، فمن خلال تصفح معظم النصوص القانونية الصادرة في العشرية الأخيرة من القرن العشرين، وباستثناء بعض الفقرات المضمنة ضمن نصوص عامة والذي تنادي بصيغة عامة باحترام مقتضيات " الصحة و السلامة و الوقاية بمناسبة أنجاز بناءات أو تشييدات جديدة "، فإن النصوص القانونية المعنية بقطاع التعمير عامة لم تأخذ بالجدية اللازمة مسالة الهاجس البيئي ضمن السياسة التشريعية في قطاع التعمير.

هذا الهاجس لم يظهر إلى في العقد الأخير وبمناسبة استصدار تشريعات خاصة بالبيئة أشارت وبصفة صريحة عن سابقاتها الى ضرورة احترام ومراعاة البعد البيئي في السياسات العامة الاقتصادية والاجتماعية، وفي هذا الإطار صدرت على التوالي القوانين 03-11 و 03-12 و 03 – 13 والمتعلقة بحماية واستصلاح البيئة، ودراسات التأثيرات على البيئة، ومكافحة تلوث الهواء.

3 - إذا كان النص القانوني في ميدان التعمير يعني الخضوع لضوابط وقوانين محددة، فإن مغزاه الاجتماعي يهدف إلى المحافظة على سلامة وبيئة عيش المواطنين، هذا الهدف الذي يظل مغيبا في وثائق التعمير بأكملها، سواء منها التقديرية أو التوجيهية ممثلة في المخططات التوجيهية للتهيئة العمرانية، أو وثائق التعمير التنظيمية النافذة ممثلة في تصاميم التنطيق والنمو والتهيئة الحضرية.

4 - كذلك تتميز النصوص الحالية بتداخل في الأجهزة والمساطر القانونية والتنظيمية، مما نتج عنه ضعف قوي في المراقبة والتتبع والتقييم، أيضا تداخل للاختصاص وتضارب بين المساطر الإدارية والقضائية التي أضحت عائقا أمام الاستعمال الأمثل للمجال.

5 - تخلف نظام المسؤولية وعجزه عن مواكبة الحركية التي أصبح يعرفها قطاع العمران وما أصبح يتولد عنها من مخاطر بيئية، حيث لازالت مخالفات التعمير تصنف ضمن أنواع الجرائم التي يتوقف نظام المتابعة فيها على تحرير الشكاية و إيداعها بمكاتب النيابة العامة.

6 – ضعف الجانب الجزائي ضمن النصوص المنظمة لباب المخالفات في قطاع التعمير، فالإكتفاء بالغرامة مع تكييف التجاوزات ضمن أدنى سلم تسلسل الجرائم رغم خطورة الضرر الملحق، كلها نواقص قانونية تساهم، إن لم نقل تشجع على إتيان الفعل الجرمي.

بعض التوصيات المقترحة في الموضوع:

إن ما يجدر التأكيد عليه في ختام هذه المداخلة، هو أن مقاربة التعمير والتنمية المستدامة أصبحت واقعا يجب التعامل معه ولا يمكن بأي حال إنكار هذه الظاهرة الجديدة رغم جل الصعوبات القانونية والتقنية التي تواجه المتعاملين بها، ذلك أن الظاهرة تجاوزت مراحلها الجنينية وأضحت تأخذ تشكيلاتها، لذلك من الضروري مضاعفة الجهد والاهتمام القانونيين مع مواكبتهما بجملة من التدابير التقنية،

 

أولا:الشق التقني من الإصلاح.

أما الشق التقني من الإصلاح، فهو الاعتراف بأن تعزيز ودعم التنمية العمرانية المستدامة يتطلبان دورا نشيطا وفاعلا للقطاع الخاص، كما أن حماية البيئة تتوقف على وجود اقتصاد متطور ذي قاعدة إنتاجية متسعة ومرنة تتولى فيه المقاولة الخاصة دورا رياديا، وكذا شبكة اتصالات وبنية معلوماتية كاملة تقوم بالإنتاج الكثيف للمعلومات، دون أن ننسى أهمية التوافر على العناصر البشرية الكفؤة القادرة على استعمال تكنولوجيا المعلومات وتطويرها والابتكار المستمر في آلياتها ووسائل عملها المختلفة.

وفيما يلي محاولة لطرح ومناقشة بعض الممارسات التي من خلالها يمكن للمعماري المساهمة في تفعيل الموضوع البيئي في القطاع العمراني :              

1 - تحديد الحاجات الحقيقية للمالك أو المستفيد من المشروع : هناك تنوع في حاجات الإنسان فمنها حاجات لا يمكن الإستغناء عنها ويعتبر وجودها ضروريا، وهناك حاجات ثانوية وكمالية ، وأخرى قد تأخد صورة الحاجة ، ولكنها في الحقيقة  أماني أو رغبات أو مجرد أوهام صنعها ذهن الإنسان وكسرتها المماراسات المألوفة في الحياة . هذه التشكيلة المتنوعة لما يسمى بحاجات الإنسان قد لا ينجح الإنسان في إدراكها ومن ثم ترتيبها حسب أولويتها، مما يرجع بضرر على ما يريد إنجازه وتحقيه. ومن هنا فإننا بحاجة إلى المعماري المدرك لهذا الأمر والقادر على توعيتنا ليساعدنا في التعبير عن حاجاتنا، حتى يأتي التصميم مستجيبا لها وليس مبنيا على رغبات وأوهام خادعة. إن نظرة ولو سريعة إلى ما هو موجود من تصاميم متداولة لما يسمى بالبيوت والمباني الحديثة تعطينا فكرة، وبصورة واضحة لذلك الخلط المشوه لحاجاتنا وكيفية الإستجابة الخاطئة لها، عملية تتطلب من المعماري نفسه أن يكتسب عددا من المهارات التي تمكنه من التأثير في ذهنية وفكر المالك أو المستفيد، ومنها:

 أ- القدرة على إيضاح فكرة تحديد الحاجات وأهميتها بالنسبة إلى المالك والمستفيد، وذلك من خلال ربط هذه الفكرة بكفاءة استخدام المنشأة وتكلفتها، وهنا تأتي أهمية الموضوع.                                                                                     

ب- تحيين تكوين المعماري باستمرار فيما يخص هذا الموضوع. وذلك من خلال جعله مطلعا على ما يرصد ويحلل من أسباب وعوامل اجتماعية تساهم في حدوث هذا الالتباس في حاجات الانسان ، فيما يخص مسكنه أو منشأته.

 ج- القدرة على الدخول في حوار إيجابي مع المالك والمستفيد حتى يتسنى لهما التعبير عن حاجاتهما، وذلك من خلال ما يطرحه المعماري من نقاط أو أسئلة تمكنهما من تنظيم ما عندهما من أفكار وخواطر.

 د- القدرة على تلخيص وصياغة ما طرح من أفكار خلال الحوار للخروج بضوابط وقواعد يمكن اتباعها في مراحل التصميم والتنفيذ. واكتساب هذه القدرات يتطلب من المعماري الدخول في دورات معرفية ومهارية في مجال السلوك الإنساني وحقل الاتصالات البشرية. وقبل كل ذلك لا بد من بناء منظومة من القيم في عقلية المعماري تؤمن برسالة المعماري وتقدر دوره في الحفاظ على البيئة وإبقائها كمصدر عطاء متجدد ودائم للإنسان.

2 - الكفاءة في تصميم الفراغ المعماري: والمقصود بالفراغ هنا هو ذلك الحيز الذي يتحرك فيه الإنسان ويتأثر بأبعاده الوظيفية والمكانية والجمالية، والكفاءة في الاستجابة لهذه الأبعاد الثلاثة هي التي تحدد حسن ذلك التصميم وعلو قيمته وهذا يعني أن الكفاءة الوظيفية الموجودة في جسم الإنسان والتناسق الموضعي والجمالي في أعضائه يجب أن نقرأها ونتلمسها في بيوتنا .

ولنأخذ أولا البعد الجمالي ، فالمنشأة غير المتناسقة فراغيا والمفتقرة الى التناغم بين أجزائها وعناصرها قد تشوه ذوق الإنسان وحسه الجمالي، بالإضافة الى مالها من تأثيرات سلبية في سلامة نفسية الإنسان وإنتاجيته. وخلاصة الأمر هو أننا عندما نعي أهمية ودور الجمال الحقيقي في حياتنا، ومن ثم تعزيز مكانته في الممارسة العمرانية، فإننا بذلك نستطيع أن نساهم في رفع مستوى الإحساس بالجمال في مجتمعاتنا، وبذلك نكون قد ساهمنا في التصدي لأحد أنواع الفساد البيئي وهو التلوث الجمالي.

أما في ما يخص البعد المكاني فهنا يبرز موضوعا المساحة والارتفاقات وغيرهما، وفي هذا البعد يجب أن نتقرب من حقيقة أن المكان الصغير الموظف بصورة جيدة هو الأفضل للتفاعل إيجابيا معه ومع أبعاده المتنوعة والمتعددة، وفي هذا المجال تعطي لنا العمارة اليابانية صورة صادقة للإبداع الإنساني في التعامل مع المكان بالرغم من صغره ومحدوديته.

وفيما يخص البعد الثالث، وهو البعد الوظيفي، فالمقصود به هو استجابة ذلك المكان لنشاط إنساني معين، من هنا تكون معرفة وتحليل هذا النشاط الإنساني المعين هما المدخل لكفاءة تصميم ذلك المكان، فالكفاءة في تصميم المباني هي مطلب بيئي، ولكن هذه الكفاءة لا يمكن تحقيقها من دون كفاءة في عملية تصميم الفراغ العمراني هاته الأخيرة تتطلب وجود عناصر معينة في عملية التصميم، ومن هذه العناصر، إعطاء الوقت الكافي للتصميم، ووجود الأهداف الواضحة والمشتركة والتفكير المنظم، ومتانة الاتصالات، وأخيرا العمل الفريقي.

3 – تحسين وتطوير الأنظمة الإنشائية: والمقصود هو الرقي بالمنشأة المعمارية كوحدة مستقلة أو مندمجة في إطار مجموعات متكاملة، كي تلبي حاجيات الإنسان المادية والمعنوية والصحية، وبأقل ضرر لبيئتنا الطبيعية وللبيئة الداخلية التي نعيش بها. هذا الهدف يستلزم بالضرورة تطوير المعرفة فيما يخص استعمال المواد الإنشائية ذات التكلفة القليلة كما ونوعا والمتأقلمة مع أية عملية إضافة أو تعديل أو حتى إزالة.

4 – ترشيد الطاقة في المباني: حيث أن استهلاك الطاقة هو الهم البيئي الأكبر، كما أنه المعامل المؤثر بقوة في ارتفاع تكلفة الإنتاج، وهناك ثلاثة مستويات في الترشيد: فهناك ترشيد في مصادر الطاقة، وترشيد في نقلها، وأخيرا ترشيد في استخدامها. ومفهوم الترشيد لا يعني التقليل من استخدامها بقدر ما هو تعزيز الكفاءة في انتاجها واستخدامها.

5 – تقليل المخلفات الإنشائية: إن قضية المخلفات بصورة عامة وطرق التعامل معها من التحديات القادمة بقوة، والتي ستكون لها مساحات واسعة في السياسات العمومية المقبلة، وفي هذا الإطار يأتي التوجه للحد من المخلفات الإنشائية كأحد المحاور الرئيسية في مفهوم التنمية العمرانية المستدامة، ومن أجل التقليل من هذه المخلفات لابد من استحضار هذا الهاجس في العملية التصميمية وجعله أحد مقومات التقييم لجودة المشروع. وفي هذا الإطار لابد أن تشمل الممارسة المعمارية ملتزمة بمقاييس البناء لتفادي الأخطاء التقنية التي يصعب تداركها، مع تمكين الإنشاء من القابلية اللاحقة لأي عملية تعديل أو إضافة أو حتى مع إطالة عمرها الإفتراضي.

ثانيا: الشق القانوني من الإصلاح.

وفي هذا الصدد وفيما يتعلق بالشق القانوني نورد:

1 -  ضرورة تعديل النصوص الحالية أو تنقيحها حتى تقبل التطبيق على الالتزامات البيئية في مجال التعمير.

2 – تجميع النصوص القانونية الخاصة بالتعمير في مدونة شاملة وجامعة، لتجنب التشتت والتشرذم الذي يطبع النصوص الحالية، ويسهل عملية الإطلاع والبحث والمراجعة عند الاقتضاء.

3 – التنصيص الصريح و المفصل على الالتزام بالبعد البيئي في ضوابط البناء الجماعية العامة والخاصة.

4 – توضيح الاختصاصات بين جميع المتدخلين في قطاع التعمير مما يجنب حالة الصراع والتخبط الذي تعرفه عموما الدواليب الإدارية المختصصة، ويمكن من تحقيق الفاعلية والنجاعة في مواجهة التحديات البيئية في مجال التعمير.

5 – تحيين الإطار المنظم للمهندس المعماري بما يمكنه من المساهمة و تشكيل الإضافة المرجوة على مستوى تدبير المجال في بعده البيئي، وإعطاء مجال أوسع للتخصص الفني في إدارة القطاع. وهنا تطرح فكرة إحداث مرصد تعميري كما نادى بها بعض الباحثين، يكون له دور استشاري قصد تحديد التوجهات العامة لأي مخطط تنموي أو دراسة تعميرية، وكذا إبراز المناطق الحساسة أو التي يجب إعطاؤها الأولوية على مستوى مجال الدراسة وتتبع تنفيذ وثائق التعمير.

 6 – تقوية الجانب الزجري في قوانين التعمير والرقي بالتجاوزات المرتكبة من مستوى المخالفة الى مستوى أكبر، وذلك حسب خطورتها و ما قد ينجم عنها خاصة من أضرار بيئية.

7 – تغليب الرقابة القضائية على نظيرتها الإدارية، وجعل قانون التعمير قانون قضائي بامتياز، فالرقابة الإدارية قد لا توفي بالغرض المتوخى منها في ضمان حماية مبدأ المشروعية، لأن جهة الإدارة المصدرة للقرار قد تأخدها اعتبارات غير الصالح العام في التتبع والمراقبة وإعمال القانون، عكس القاضي الذي يمثل الضمانة من حيث التكوين القانوني وكذا من جهة الحياد والاستقلال.          

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

هناك شعار جميل يرفعه حماة البيئة وهو " الأرض أمنا "، وهو شعار ينسجم مع ما يطرحه القرآن الكريم من علاقة للإنسان بالأرض "هو أنشأكم من الأرض و استعمركم فيها "، وفي إطار التنمية بوجه عام، تعتبر التنمية العمرانية إحدى الحلقات الرئيسية والمهمة لما لها من تأثير كبير في جملة النشاطات الاقتصادية والاجتماعية التي تمس كل نواحي حياة الانسان. اللازمة لمعيشته وتطوره. هذه الأهمية الكبيرة التي يحظى بها قطاع العمران في إطار التنمية تؤكدها الارقام الكبيرة والمتنامية للأموال التي تصرفها دول العالم على المشاريع العمرانية أو ما يسمى بالبنية الاساسية وحجم العمالة التي يسند اليها تنفيذ هذه المشاريع والقيام بأعمالها، ففي الولايات المتحدة الامريكية بلغ إجمالي الأموال المصروفة على المشاريع العمرانية سنة 1989 أكثر من 400 مليار دولار، وهو ما يعادل 8 في المائة من الناتج القومي المحلي في ذلك العام. وفي دراسة اخرى أجريت في المملكة المتحدة خلصت نتائجها إلى أن 56 في المائة من الطاقة تذهب للقطاع العمراني بنشاطاته المتعددة وبكل مراحله من تصنيع للمواد الانشائية ونقلها، ومن ثم مرحلة التشييد والتشغيل والصيانة.

هذه المساحة المهمة والمتسعة لقطاع العمران في حياتنا ومسيراتنا التنموية تتطلب من الأطراف والدوائر الفاعلة والمهتمة بهذا القطاع أن تستجيب بحساسية أكبر للهموم البيئية، وأن تسعى إلى تبني وتطوير نظم وسياسات وطرق تفكير ومناهج تحقق درجة عالية من الانسجام بين حاجاتنا التنموية ومستلزماتها الضرورية، وبين متطلبات السلامة والحماية للبيئة من حولنا بأبعادها المتنوعة المباشرة والغير مباشرة والمعاصرة والقادمة مستقبلا. إن المطلوب هنا ليس إجراء تغيرات جزئية وإضافات شكلية في طرق التصميم وأساليب البناء و ما إليه من أمور وتفصيلات ثانوية، بل يجب أن نعيد النظر جذريا في اللأطر التي تلامس رؤانا ومناهجنا ونظامنا ونحن نتعامل مع حاجة الإنسان المتأصلة إلى  العمران للوصول إلى حالة من التوافق والانسجام مع متطلبات البيئة.

بقلم ذ مولاي حفيظ علوي قاديري
دكتور في القانون الخاص تخصص قانون الأعمال أستاذ بكلية الحقوق مراكش
 


أعلى الصفحة