القانون التجاري

بقلم ذ محمد المقريني
دكتور في الحقوق
تحت عدد: 533
مقدمة
من خلال الفصل الثامن من القانون 16.49 الجديد المنظم

  للكراء التجاري، اعتبر المشرع المغربي بأن إقدام المكتري على تولية محله التجاري أو كرائه من الباطن خلافا لمقتضيات العقد، سببا للإفراغ دون تعويض، وبالرجوع إلى الفصل 24 من ذات القانون نجده يجيز للمكتري أن يؤجر للغير المحل المكترى كلا أو بعضا، ما لم ينص العقد على خلاف ذلك، وفي هذه الأخيرة يعتبر المكتري مخلا بأحد الالتزامات المنصوص عليها قانونا وقد يكون سببا لممارسة المكري لحقه في المطالبة بالإفراغ وفي حالة استعمال هذا الحق وفقا لمقتضيات العقد فإن من حق المكتري أن يؤجر من الباطن المحل لفائدة الغير والتولية أو الكراء من الباطن تصرف قانوني بمقتضاه يقوم المكتري الأصلي بإبرام عقد جديد بينه وبين المكتري الفرعي يكون الأول كمكري لحقه في الانتفاع والعلاقة بينهما يحكمها العقد الجديد دون أن يخضع المكتري الفرعي لأي التزام منصوص عليه في العقد الذي يربط بين المكري والمكتري الأصلي اللذان يخضعان للعقد الأول الذي أبرماه معا.

وهذا التصرف كان جائزا في إطار القواعد العامة، فالفصل 668 من ق.ل.ع يجيز للمكتري الحق في أن يكري تحت يده ما اكتراه بالنسبة إلى الشيء كله أو بعضه إلا إذا منع من ذلك في العقد.

والكراء من الباطن أو التولية تقع على منفعة العقار أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي، وليس على الأصل التجاري كمنقول معنوي يشمل جميع الأموال المنقولة المخصصة لممارسة نشاط  تجاري أو عدة أنشطة تجارية (المادة 79 من مدونة التجارة).

والمشرع المغربي لم يعمد إلى تعريف التولية أو الكراء من الباطن بل أجازها من خلال المادة 24 من القانون 16.49 ما لم ينص العقد على خلاف ذلك.

واعتبر بأن العلاقة تبقى قائمة بين المكري والمكتري الأصلي كما أن الكراء من الباطن لا يكون له أي أثر في مواجهة المكري إلا من تاريخ إخباره بذلك.

هذا بالإضافة إلى العديد من المقتضيات التي سنحاول أن نتعرض لها باعتبار العلاقات المختلفة التي تترتب عن هذا التصرف.

وسنحاول من خلال هذا البحث إلى رصد مجموعة من المواضيع وذلك باعتماد التقسيم التالي:

الفصل الأول: الطبيعة القانونية لعقد التولية أو الكراء من الباطن.

الفصل الثاني: آثار عقد التولية أو الكراء من الباطن.


الفصل الأول: الطبيعة القانونية لعقد التولية أو الكراء من الباطن

من خلال هذا الفصل سنتعرض لمفهوم التولية أو الكراء من الباطن (المبحث الأول) ولتمييز الكراء من الباطن أو التولية عن بعض التصرفات القانونية المشابهة (المبحث الثاني) ولشروط التولية أو الكراء من الباطن (المبحث الثالث).


المبحث الأول: مفهوم التولية أو الكراء من الباطن

لم يعمد المشرع المغربي إلى إعطاء تعريف للتولية أو الكراء من الباطن بل اكتفى بإيراد بعض المقتضيات المتعلقة به، ولهذا فإن المهمة ستلقى على عاتق الفقه والقضاء لوضع كتعريف لهذه المؤسسة مسايرا بذلك الظروف الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالمؤسسة.

وإذا كان القضاء بدوره لم يهتم بتبيان وتحديده هذه المؤسسة فيبقى الفقه الذي عمد إلى إعطاء بعض التحديدات التي تبين معنى ومفهوم التولية أو الكراء من الباطن.

فقد عرفه أحد الباحثين بأنه: "عقد بمقتضاه يلتزم المستأجر الأصلي بتمكين المستأجر الفرعي من المنفعة المؤجرة له كلها أو بعضها لمدة معينة لقاء أجرة معلومة"[1].

كما عرفه آخر بأنه: "العقد الذي بموجبه يعمد المكتري الأصلي على اكراء ما اكتراه من المكري إلى طرف ثالث يسمى المكتري الفرعي مقابل كراء معين..."[2].

كما أورد أحد الباحثين: "تعنى التولية أن يقوم المكتري، ويسمى في هذه الحالة بالمكتري الأصلي، بكراء المحل الموجود تحت يده إلى شخص ثان يسمى بالمكتري الفرعي بحيث يصبح هذا الأخير ملتزما تجاه المكتري الأصلي بجميع الالتزامات التي نص عليها في العقد، في حين يظل المكتري الأصلي ملتزما تجاه صاحب الملك[3].

من خلال التعاريف السابقة يتضح جليا بأن التولية أو الكراء من الباطن يقتضي ضرورة وجود عقد كراء أصلي بين المكري والمكتري وعقد كراء فرعي بين المكتري الأصلي والمكتري الفرعي، حيث يقوم المكتري الأصلي بإبرام عقد كراء آخر بموجبه يكري الشيء محل الكراء للغير، بمقتضى هذه العلاقة يلتزم المكتري الأصلي بتمكين المكتري الفرعي من الانتفاع من الشيء محل الكراء الأصلي في مقابل التزام المكتري الفرعي بأداء الوجيبة الكرائية المحددة في العقد[4].

ويترتب عن عقد الكراء من الباطن الذي يعتبر مثله مثل عقد الكراء الأصلي التزامات متبادلة تقع على عاتق كل من المكتري الأصلي والمكتري الفرعي.

المبحث الثاني: تمييز التولية أو الكراء من الباطن عن بعض التصرفات المشابهة

إن التصرفات التي قد تشبه التولية أو الكراء من الباطن من شأنها أن تثير الغموض وعدم التمييز بين المؤسسات القانونية كما هو الوضع للحق في الكراء (المطلب الأول) والتسيير الحر (المطلب الثاني).

المطلب الأول: تمييز التولية أو الكراء من الباطن عن تفويت الحق في الكراء

الحق في الكراء هو تصرف المكتري في حقه الناشئ من عقد الكراء بمقابل أو غير مقابل فهو بيع للحق في الكراء أو هبة له.

وحسب المادة 80 من مدونة التجارة المغربية[5] فإن الحق في الكراء هو عنصر من عناصر الأصل التجاري.

والأصل أن تفويت الحق في الكراء أو الكراء من الباطن حقان للمكتري يستطيع أن يجري أيا منهما أثناء مدة الكراء أو أن يجريهما معا في شقين من العين ولا تمنعه من هذين الحقين إلا إذا نص على المنع العقد أو اقتضت طبيعة الشيء المنع، فتفويت الحق في الكراء هو حوالة حق وحوالة دين في وقت واحد.

حوالة لحق المكتري في الإيجار إلى المفوت له، وحوالة الالتزامات للمكتري إلى المفوت له.

فالحقوق والالتزامات الناشئة عن عقد الكراء تنتقل إلى هذا المفوت له[6].

أما عقد الإيجار من الباطن (التولية أو الكراء من الباطن) فينشأ عنه عقد إيجار جديد بين المكتري الأصلي والمكتري الفرعي، ولقد تعرض المشرع المغربي للكراء من الباطن في المادة 24 من القانون 16.49 حيث أجازت للمكتري أن يؤجر للغير المحل المكترى كلا أو بعضا، ما لم ينص العقد على خلاف ذلك، وتبقى العلاقة قائمة بين المكري والمكتري الأصلي، في حين تعرض لتفويت الحق في الكراء في المادة 25 من القانون 16.49 حيث أجازت للمكتري تفويت حق الكراء مع بقية عناصر الأصل التجاري أو مستقل عنها دون ضرورة الحصول على موافقة المكري، وبالرغم من كل شرط مخالف.

من خلال ما سبق يتبين لنا بأن الكراء من الباطن هو تأجير للمحل المكتري كله أو بعضه بإبرام عقد جديد بين المكتري الأصلي والمكتري الفرعي مع بقاء العلاقة قائمة بين المكري والمكتري الأصلي.

أما تفويت الحق في الكراء هو عقد بيع لعنصر من عناصر الأصل التجاري الذي هو حق الكراء، بحيث يترتب عن ذلك حلول المكتري الجديد محل المكتري القديم، ونشوء عقد كراء جديد مباشر  بين المكري والمفوت له هذا الأخير الذي ستصبح له صفة مكتري في إطار عقد الكراء التجاري.

المطلب الثاني: تمييز الكراء من الباطن عن التسيير الحر

الكراء من الباطن وكما سبق الإشارة إلى ذلك هي إمكانية منحها المشرع للمكتري في إطار عقد الكراء التجاري، حيث أجازت المادة 24 من القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري للمكتري أن يؤجر للغير المحل المكترى كلا أو بعضا، ما لم ينص العقد على خلاف ذلك وتبقى العلاقة قائمة بين المكري والمكتري الأصلي.

أما عقد التسيير الحر وحسب المادة 152 من مدونة التجارة المغربية فهو كل عقد يوافق بمقتضاه مالك الأصل التجاري أو مستغله على إكرائه كلا أو بعضا لمسير يستغله تحت مسؤوليته.

فالمبدأ العام أنه يجوز إبرام عقد التسيير الحر للأصل التجاري وفقا لمبدأ حرية التعاقد.

وعليه وحسب ما تبين أعلاه، فإن الكراء من الباطن محله هو العقار الثابت، أما التسيير الحر فمحله الأصل التجاري الذي يعتبر مال منقول معنوي حسب مقتضيات المادة 79 من مدونة التجارة المغربية[7].

وفي عقد التسيير الحر هناك علاقة ما بين مالك الأصل التجاري والمسير الحر وينظمها عقد واحد يتضمن التزامات وحقوق أطراف العلاقة التعاقدية ويخضعان في هذا الشأن للأحكام العامة المتعلقة بكراء المنقول وللأحكام الخاصة المنظمة لعقد التسيير الحر المنظمة في مدونة التجارة[8].

أما بالنسبة للكراء من الباطن فهناك عقد أصلي ما بين المكري والمكتري وعقد تبعي ما بين المكتري الأصلي والمكتري الفرعي.

المبحث الثالث: شروط التولية أو الكراء من الباطن

جاء في المادة 24 من القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري: "يجوز للمكتري أن يؤجر للغير المحل المكترى كلا أو بعضا، ما لم ينص العقد على خلاف ذلك، وتبقى العلاقة قائمة بين المكري والمكتري الأصلي.

لا يكون لهذا الكراء أي أثر تجاه المكري إلا من تاريخ إخباره به ،على المكري الذي أخبر بالكراء من الباطن أن يشعر المكتري الفرعي بكل إجراء يعتزم القيام به تجاه المكتري الأصلي، تحت طائلة عدم مواجهته به.

لا يمكن للمكتري الفرعي التمسك بأي حق تجاه المكتري الأصلي، مع مراعاة الفقرة السابقة.

يبقى المكتريان الأصلي والفرعي متضامنين تجاه المكري في جميع الالتزامات المنوص عليها في عقد الكراء الأصلي.

يحق للمكري، إذا كانت قيمة الكراء من الباطن تفوق قيمة الكراء الأصلي، مراجعة السومة الكرائية إما اتفاقا أو قضاء، وفي الحالة الأخيرة تراعى المحكمة الفرق بين السومتين دون أن تتقيد بمقتضيات القانون رقم 07.03 المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكن أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي السالف الذكر"

ونود الإشارة إلى أن مقتضيات هذه المادة هي ذاتها الواردة في الفصل 668 من ق ل ع كالتالي: "للمكتري الحق في أن يكري تحت يده ما اكتراه وأن يتنازل عن عقد الكراء لغيره، بالنسبة إلى الشيء كله أو بعضه إلا إذا حجز عليه ذلك في العقد أو اقتضته طبيعة ما اكتراه..."

مما يعني أن المشرع بقي وفيا لمبدأ حرية التعاقد وأن العقد شريعة المتعاقدين، لذلك فقد اعتبر القواعد المتعلقة بالتولية أو الكراء من الباطن ليست من النظام العام، حيث يجوز ذلك ما لم يتم الاتفاق على خلاف ذلك في العقد.

وترتيبا على المادة 24 أعلاه  يتبين لنا بأن المشرع يتطلب توافر شروط لصحة عقد التولية أو الكراء من الباطن؛ ومنها عدم منع العقد ذلك (المطب الأول) وإخبار المكري بذلك (المطلب الثاني).

المطلب الأول: عدم وجود مقتضى في العقد يمنع التولية أو الكراء من الباطن

وهذا ما تضمنته الفقرة الأولى من المادة 24 من القانون 16.49 كالتالي "يجوز للمكتري أن يؤجر للغير المحل المكترى كلا أو بعضا، ما لم ينص العقد على خلاف ذلك..."

إن تضمين العقد بند يقضي بمنع المكتري من التولية أو إبرام عقد كراء من الباطن، يجعل من غير الممكن إبرام عقد كراء فرعي وقد يكون مبررا  لإنهاء العقد وإفراغ المكتري الأصلي من المحل التجاري وبدون تعويض، حسب المادة 8 من القانون 16.49 [9] فقد جاء في قرار لمحكمة النقض بتاريخ 01/03/2006 ما يلي: لكن حيث أن محكمة الاستئناف التي ثبت لها من خلال وثائق الملف أن الطالب (ص 34 عمر ازوكاغ مجلة المحاكم المغربية).

كما قضت المحكمة التجارية بالدار البيضاء في حكم لها بتاريخ 27/12/2016 [10]: "وحيث إن الثابت من وثائق الملف ولا سيما ملحق عقد الكراء المؤرخ في 22/03/1973، يتبين بأن الطالبين الحاليين، والمكترية الأصلية شركة أونافيكس اتفقا على تولية جزء من العين المكراة لفائدة المدعي عليها الحالية، مقابل الرفع من الوجيبة الكرائية، وبالتالي يكون لهذه الأخيرة سند قانوني يبرر تواجدها بالمحل المدعى فيه، وهي الحالة التي وقع تنظيمها بمقتضى الفصل 23 من ظهير 24 ماي 1955.

وحيث يتعين تبعا لما أشير إليه أعلاه، الحكم برفض الطلب".

إن منع المكتري من التولية أو الكراء من الباطن يجب أن يكون كتابة وصريحة كوسيلة للإثبات في حالة حصول نزاع بين المكري والمكتري بسبب الكراء من الباطن.

خاصة وأن المشرع المغربي من خلال القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري يتطلب الكتابة؛ حيث نصت المادة الثالثة منه على أن: "تبرم عقود كراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي وجوبا بمحرر كتابي ثابت التاريخ عند تسليم المحل يجب تحرير بيان بوصف حالة الأماكن يكون حجة بين الأطراف"

وإلا فعدم تضمين عقد الكراء المنع من الكراء من الباطن يعتبر إجازة للمكتري بأن يؤجر للغير المحل المكترى كلا أو بعضا وفقا لعبارات وألفاظ المادة 24علاه.

 

المطلب الثاني: إخبار المكري بذلك

تنص المادة 24 من القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري على أنه في حالة إبرام عقد الكراء من الباطن تبقى العلاقة قائمة بين المكري والمكتري الأصلي، ولا يكون لهذا الكراء أي أثر تجاه المكري إلا من تاريخ إخباره به.

فلا يكفي عدم تضمن العقد لمقتضى يمنع التولية أو الكراء من الباطن،لابرام المكتري عقد كراء فرعي بل أن المشرع يتطلب بالضرورة إعلام المكري بذلك بحيث أن العقد لا ينتج أي أثر تجاه المكري إلا من تاريخ إخباره به.

فقد تضمن قرار صادر عن محكمة النقض بتاريخ 12-11-2008 ما يلي: "يكتب من القرار ص 33 عمر ازوكاغ مجلة المحاكم المغربية)

وعملية الإخبار هذه يجب أن تتم وفقا لمقتضيات المادة 34 التي ألزمت أن تتم الإنذارات والإشعارات وغيرها من الإجراءات المنجزة في إطار هذا القانون بواسطة مفوض قضائي أو طبق الإجراءات المنصوص عليها في قانون المسطرة المدنية.

والهدف من هذا الإخبار هو تمكين المكري من إشعار المكتري الفرعي بكل إجراء يعتزم القيام به تجاه المكتري الصلي تحت طائلة عدم مواجهته به، خصوصا إذا كانت قيمة الوجيبة الكرائية الجديدة أكثر من القيمة المضمنة في عقد الكراء الأصلي، ففي هذه الحالة للمكري الحق في المطالبة بمراجعة السومة الكرائية إما اتفاقا أو قضاءا، وتراعى المحكمة الفرق بين السومتين دون أن تتقيد بمقتضيات القانون 07.03 المتعلق بمراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي أو الحرفي[11].

ويبقى أن المكتري الأصلي والمكتري الفرعي متضامنين تجاه المكري في جميع الالتزامات المنصوص عليها في عقد الكراء الأصلي ووفقا لمقتضيات الفقرة الخامسة من المادة 24 من القانون 16.49.


الفصل الثاني: آثار عقد  التولية أو الكراء من الباطن

من خلال هذا الفصل سنتحدث عن كل من التزام المكتري الأصلي في مواجهة المكتري الفرعي (المبحث الأول) ولعلاقة المكري بكل من المكتري الأصلي والفرعي (المبحث الثاني) ثم للجزاء الذي قد يترتب عن الإخلال بالشرط المانع (المبحث الثالث).

المبحث الأول: التزام المكتري الأصلي في مواجهة المكتري الفرعي

 يعتبر عقد الكراء الأصلي الإطار العام المحدد للعلاقات التعاقدية بين المكري والمكتري، وعليه يتفرع عقد الكراء من الباطن الذي يحدد العلاقات التعاقدية بين المكتري الأصلي والمكتري الفرعي، ولذلك يجب على المكتري الأصلي أن يراعي أثناء ممارسته للتولية أو للكراء من الباطن للغير الشروط التي بمقتضاها منح هو نفسه هذا الحق[12] وذلك بموجب عقد الكراء الأصلي.

ويلتزم المكتري الأصلي بتمكين المكتري الفرعي من العين المكراة فرعيا، وصيانة العين، وضمان التعرض والعيوب الخفية وهذا ما نصت عليه القواعد العامة في تنظيم عقد الكراء، كما يلتزم وحسب مقتضيات المادة 24 أعلاه بإخبار المكري بإبرامه لعقد الكراء من الباطن تحت طائلة عدم إنتاج العقد لأي أثر في مواجهته إلا من تاريخ إخباره به، وفي المقابل يلتزم المكتري الفرعي بدفع أجرة الكراء التي تم تحديدها في عقد الكراء من الباطن وليس التي تم تحديدها في عقد الكراء الأصلي وذلك حتى ولو كانت الأجرتين مختلفتين ما دام أن الفصل 24 من القانون 16.49 واضح الدلالة في حق المكري في مراجعة السومة الكرائية إما اتفاقا أو قضاء، إذا كانت قيمة الكراء من الباطن تفوق قيمة الكراء الأصلي.

كما يلتزم المكتري الفرعي باستعمال العين فيما أعدت له، ما دام أن المشرع يعتبر من الأسباب المبررة للإفراغ مع الإعفاء من التعويض حسب المادة 8  من القانون 16.49.

1-...

2-...

3- إذا قام المكتري بتغيير نشاط أصله التجاري دون موافقة المالك، ما عدا إذا عبر المكتري عن نيته في إرجاع الحالة إلى ما كانت عليه داخل الأجل الممنوح له، على أن يتم هذا الإرجاع في جميع الأحوال، داخل أجل لا يتعدى ثلاثة أشهر.

المبحث الثاني: علاقة المكري بكل من المكتري الأصلي والمكتري الفرعي

إن الكراء الأصلي يظل يحكم العلاقة بين المكري والمكتري الأصلي رغم انعقاد الكراء من الباطن حسب المادة 24 الذي أشار إلى أنه "... تبقى العلاقة قائمة بين المكري والمكتري الأصلي"

وعليه يبقى المكتري الأصلي دائنا للمكري بجميع الالتزامات التي يرتبها له عقد الكراء الأصلي ومدين له بجميع الالتزامات التي تترتب في ذمته بموجب هذا العقد، فالمكري يبقى ملزما بتنفيذ جميع الالتزامات المترتبة عن عقد الكراء الأصلي، فالمكتري الأصلي له الحق في مطالبة المكري باحترام وتنفيذ التزاماته الناشئة عن العقد الرابط بينهما، ما دام أنه قد تصرف في حقه عن طريق الكراء من الباطن.

أما بالنسبة للمكتري الفرعي وحسب مقتضيات الفصل 228 من ق ل ع يعتبر من الغير بالنسبة للمكري[13] تطبيقا لقاعدة نسبية آثار العقود فالعلاقة التعاقدية في عقد الكراء لا تنتج آثارها إلا فيما بين المكري والمكتري وبهذا فإن المكتري الفرعي يعتبر غيرا بالنسبة للمكري الأصلي.

وإذا كانت هذه هي القاعدة في القواعد العامة، إلا أنه في القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري، حاول المشرع إيجاد نوع من العلاقة ما بين المكري الأصلي والمكتري الفرعي.

فالمادة 24 منه أوجبت إخبار المكري بعقد الكراء من الباطن حتى ينتج العقد آثاره.

وعلى المكري الذي أخبر بالكراء من الباطن أن يشعر المكتري الفرعي بكل إجراء يعتزم القيام به تجاه المكتري الأصلي، تحت طائلة عدم مواجهته به.

يبقى المكتريان الأصلي والفرعي متضامنين تجاه المكري في جميع الالتزامات المنصوص عليها في عقد الكراء الأصلي.

وبمقتضى هذه الفقرة الأخيرة يمكن للمكري الأصلي أن يرفع دعوى مباشرة تجاه المكتري الفرعي أو من الباطن ما دام أن المشرع يعتبر المكتريان معا متضامنين تجاه المكري الأصلي.

أما بالنسبة للمكتري الفرعي فإنه لا يملك الحق في رفع دعوى مباشرة تجاه المكري الأصلي يطالب فيها بحقوق المكتري الأصلي، فهذا الأخير هو الذي يملك إمكانية المطالبة بتلك الحقوق للمكري الأصلي[14].

المبحث الثالث: الجزاء الذي قد يترتب عن الإخلال بالشرط المانع

يتطلب القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري أن يرد عقد الكراء التجاري كتابة[15].

وبهذا يظل المكتري الأصلي ملتزما تجاه المكري بجميع الالتزامات التي تترتب في ذمته بموجب عقد الكراء الأصلي، أو بموجب عقد الكراء من الباطن.

فلو تضررت العين المكراة بفعل المكتري فمن حق المكري أن يطالبه بالتعويض عن ذلك، وفي حالة الكراء من الباطن فالمكري قد يطالب المكتري الأصلي بضمان الأضرار الحاصلة أو قد يطالبهما معا في إطار التضامن المفترض وفقا للفقرة الخامسة من المادة 24 أعلاه "يبقى المكتريان الأصلي والفرعي متضامنين تجاه المكري في جميع الالتزامات المنصوص عليها في عقد الكراء الأصلي..."

ولكن قد يحدث أن يقدم المكتري على إبرام عقد كراء من الباطن رغم وجود شرط مانع في العقد، ولهذا يكون قد أخل بالتزام من الالتزامات المضمنة في العقد مما قد يترتب عن ذلك جزاء والذي هو حسب مقتضيات المادة 8 من قانون الكراء الجديد:

الإفراغ دون أداء أي تعويض.


الخاتمة:

من خلال ما سبق يتبين لنا بأن المشرع المغربي بعدما كان يمنع التولية أو الكراء من الباطن في ظل ظهير 1955 إلا إذا تضمن العقد مقتضى صريح يجيز ذلك، عاد من خلال القانون 16.49 الجديد المنظم للكراء التجاري إلى إجازة ذلك إلا إذا تضمن العقد مقتضى يمنع ذلك.

ويبقى المشرع وفيا لمبدأ سلطان الإرادة وذلك بإطلاق يد المكتري في التولية أو الكراء من الباطن على غرار ما كان عليه الأمر في ظل قانون الالتزامات والعقود، وبالضبط في الفصل 668 منه الذي يعطي للمكتري الحق في أن يكري تحت يده ما اكتراه وأن يتنازل عن عقد الكراء لغيره، بالنسبة إلى الشيء كله أو بعضه إلا إذا حجر عليه ذلك في العقد أو اقتضته طبيعة ما اكتراه.

وهذا إن دل عن شيء فإنما يدل على ثبات قواعد القانون المدني بصفة عامة وقانون الالتزامات والعقود بصفة خاصة في مواجهة التحولات الاقتصادية والاجتماعية التي عرفها المغرب، فما زال ق ل ع صالح لأن يطبق لحقبة زمنية أخرى رغم قدمه ومرور مدة زمنية لا يستهان بها على صدوره.



[1] - محمد بونبات، الكراء تحت اليد أو التأجير من الباطن وفقا لأحكام التشريع المغربي والمقارن، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا في القانون الخاص، جامعة محمد الخامس، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية الرباط. سنة 1985، ص .51

[2] - عمر أزوكار، الإنذار بالإفراغ في ضوء ظهير الكراء التجاري، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، سنة 2015، ص. 294

[3] - محمد  إلرام، التعليق على نصوص قانون أكرية الأماكن المعدة للسكنى والاستعمال المهني، مطبعة النجاح الجديدة، سنة 1992، ص. 151

[4] - أستاذنا الحسين بلحساني، الحماية القانونية لمكتري المحلات السكنية، دراسة مقارنة، منشورات كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة محمد الأول بوجدة، سنة 1992، ص. 283

[5] - حسب المادة 80 يشتمل الأصل التجاري وجوبا على زبناء وسمعة تجارية ويشمل أيضا كل الأموال الأخرى الضرورية لاستغلال الأصل كالاسم التجاري والشعار  والحق في الكراء والأثاث التجاري والبضائع والمعدات وبراءة الاختراع..."

[6] - للمزيد من التفصيل انظر في هذا الشأن:

- عبد الرزاق أحمد السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء السادس، فقرة 453، ص. 662 إلى 665

[7] - تعرف المادة 79 من مدونة التجارة: الصل التجاري مال منقول معنوي  يشمل جميع الأموال المنقولة المخصصة لممارسة نشاط تجاري أو عدة أنشطة تجارية.

[8] - نجاة الكص، الحق في الكراء كعنصر في الأصل التجاري، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى، سنة 2006، ص. 197

[9] - نصت المادة 8 من القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري عن ما يلي: "لا يلزم المكري بأداء أي تعويض للمكتري مقابل الإفراغ في الحالات الآتية:

1.

2.

3.

4.

5.

6. إذا عمد المكتري إلى كراء المحل من الباطن خلافا لعقد الكراء.

7.

[10] - حكم صادر عن المحكمة التجارية بالدار البيضاء، ملف عدد 10105 – 8205 – 2016 وتاريخ 27/12/2016، غير منشور.

وفي ظل ظهير 24 ماي 1955 كان المشرع يتطلب لتولية الكراء أن ينص العقد عن ذلك صراحة أو في عقد ملحق وهذا ما قد يبرر أو يعتبر سببا للإفراغ ففي حكم صادر عن المحكمة التجارية بالدار البيضاء بتاريخ 09/01/2017 جاء فيه: "وحيث إن واقعة تولية الكراء من طرف المدعى عليه للغير ثابتة بإقرار المطلوب نفسه، وأن علم المدعي بهذه الواقعة ليس بالملف ما يثبته، كما أنه ليس بعقد الكراء ولا بغيره أي شرط يخول المكتري تولية الكراء للغير دون موافقة المكري مما يكون معه التصرف المذكور جاء مخالفا لمقتضيات الفصل 22 من ظهير 24 ماي 1955... وبالتالي يكون طلب المصادقة على الإنذار بالإفراغ في محله، ويتعين الاستجابة له"

- حكم صادر عن المحكمة التجارية بالدار البيضاء، ملف رقم 10524-8209-2016 وتاريخ 09/01/2017، غير منشور.

[11] - ظهير شريف رقم 1.07.134 بتاريخ 30 نونبر 2007 بتنفيذ القانون 07.03 المتعلق بكيفية مراجعة أثمان كراء المحلات المعدة للسكنى أو الاستعمال المهني أو التجاري أو الصناعي، نشر بالجريدة الرسمية عدد 5586 بتاريخ 13 دجنبر 2007، ص. 4061 و 4062

ولقد نص هذا القانون من المادة الرابعة منه على ما يلي: "تحدد نسبة الزيادة في ثمن الكراء كما يلي:

-          8% بالنسبة للمحلات المعدة للسكنى.

-          10% بالنسبة لباقي المحلات.

[12] - محمد إكرام، المرجع السابق، ص. 157

[13] - ينص الفصل 228 من ق ل ع على أن "الالتزامات لا تلزم إلا من كان طرفا في العقد فهي لا تضر الغير ولا تنفعهم إلا في الحالات المذكورة في القانون".

[14] - محي الدين اسماعيل علم الدين، نظم الكراء بالمغرب، مطبعة الساحل الرباط، سنة 1986، ص. 189

[15] - تنص المادة الثالثة من القانون 16.49 المنظم للكراء التجاري بالمغرب على أن تبرم عقود كراء العقارات أو المحلات المخصصة للاستعمال التجاري أو الصناعي أو الحرفي وجوبا بمحرر كتابي ثابت التاريخ عند تسليم المحل يجب تحرير بيان بوصف حالة الأماكن يكون حجة بين الأطراف.

بقلم ذ محمد المقريني
دكتور في الحقوق
 


أعلى الصفحة