القانون التجاري

بقلم ذ عبد القادر بنعدو
قاض بالمحكمة التجارية بفاس
تحت عدد: 411
تقديم
إن الفورية التي أرادها المشرع من خلال سن

 القانون رقم 16 – 49 المتعلق بالكراء التجاري الجديد وذلك عن طريق التخلص الفوري من نص ظهير 24 ماي 1955 طرحت إشكالات كبرى حول تطبيق القانون الجديد المتعلق بالكراء التجاري ، لا سيما نص المادة 38 منه والتي أثارت جدلا قضائيا واسعا بين مختلف محاكم المملكة ، حول المقصود من نص المادة المذكورة .

وهكذا فقد جاء فيها على أنه : " ... يطبق هذا القانون على عقود الكراء الجارية وعلى القضايا غير الجاهزة للبث فيها دون تجديد للتصرفات والإجراءات والأحكام التي صدرت قبل دخوله حيز التنفيذ، وتخضع الأكرية المبرمة خلافا للمقتضيات الواردة في المادة الثالثة أعلاه لهذا القانون ويمكن للأطراف الاتفاق في أي وقت على إبرام عقد مطابق لمقتضياته .. " .

ومن هنا تظهر أهمية هذا الموضوع الذي يعتبر دو راهنية كبرى ، خاصة أمام عدم استقرار محاكم المملكة على اتجاه موحد حول المقصود من نص المادة المذكور ، فما أراد المشرع من خلال نص المادة المذكور ؟، وهل هو اتجاه تشريعي مقصود أم خطأ إن لم نقل خلل تشريعي لم يدرك المشرع عواقبه إلا بعدما اشتد الغضب حوله ؟ .

إن الإجابة على إشكالية هذا الموضوع ، تحتم علينا النظر إليه من زاويتين أساسيتين ، تتطلب منا اولا تفكيك نص المادة المذكور والبحث عن كنهها لعلنا نجد ما يقي طرفي العلاقة الكرائية خاصة الطرف المكري الذي سوف يكتوي بنار التجديد الذي طال تشريع الكراء التجاري ، ثم التطرق ثانيا إلى أهم الإشكالات التي أثارها نص المادة المذكور على بعد أقل من شهر على تطبيق القانون الجديد.

هذا ما سنعاجله وفق الشكل التالي : 

 

 

النقطة الأولى: المقصود بعقود الكراء الجارية :

معلوم أن نص المادة 3 من القانون الجديد رقم 16 -49 جعلت الكتابة شرطا أساسيا لتطبيق هذا القانون ، وبالتالي فجميع العقود التي سوف تبرم بعد دخول القانون الجديد حيز التطبيق يجب أن تبرم بمحرر عرفي أو محرر ثابت التاريخ تحت طائلة بقاء العقد خاضعا للقواعد العامة المنصوص عليها بمقتضى ق ل ع ، بمعنى آخر أن العقود الشفوية التي أبرمت قبل دخول القانون الجديد حيز التطبيق بتاريخ 11 / 2 / 2017 ولا زالت النزاعات بشأنها رائجة تبقى خاضعة لمقتضيات هذا القانون ، أما العقود الشفوية التي تبرم بعد دخول القانون حيز التطبيق بالتاريخ المذكور فتبقى خاضعة لقانون الإلتزامات والعقود ولا تخضع له إلا العقود المكتوبة .

الملاحظ حول هذا المستجد التشريعي -  الذي أراد منه المشرع هيكلة قطاع الكراء التجاري إن لم نقل البحث عن مداخيل جديد للدولة تستهدف حتى التاجر الصغير – هو غياب جزاء صريح حول تخلف شرط الكتابة المتطلبة ، اللهم فقط حرمان طرفي العلاقة من مقتضيات القانون الجديد ( الفقرة الأولى من نص المادة 37 ) ، وهل فعلا مقتضيات القانون الجديد لها امتيازات بديلة على القواعد العامة حتى تليق بوصف الحرمان من الحماية  ، وهل الكتابة المتطلبة شرط لإنعقاد العقد أم فقط شرط للإثبات ؟ ألا يتعارض نص المادة 3 من القانون الجديد مع مبدأ حرية الإثبات في الميدان التجاري ؟.

إن الإجابة على هذه التساؤلات تحتم علينا التطرق إلى الكتابة كوسيلة من وسائل الإثبات المنصوص عليها بمقتضى الفصول 400 وما يليها من ق ل ع من زاويتين :

أولا : الكتابة كشرط لانعقاد العقد :  يعتبر الدليل الكتابي أحد أهم وسائل الإثبات على الإطلاق وأهمية مستمدة من اصدق كلام وهو كلام الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز: " يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب وليملل الذي عليه الحق وليتق الله ربه ولا يبخس منه شيئا فإن كان الذي عليه الحق سفيها  أو ضعيفا أو لا يستطيع أن يملل هو فليملل وليه بالعدل واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونوا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى ولا يأب الشهداء إذا كما دعوا ولا تساموا أن تكتبوه صغيرا أو كبيرا إلى أجله ذلكم أقسط عند الله وأقوم للشهادة وأدنى ألا ترتابوا إلا أن تكون تجارة تديرونها بينكم فليس عليكم جناح ألا تكتبوها واشهدوا إذا تبايعتم ولا  يضار كاتب ولا شهيد وإن تفعلوا فإنه فسوق بكم واتقوا الله ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم" ( سورة البقرة الآية 282 ) .

 لكن مع تراجع الوازع الديني لدى الناس، وانتشار الإنتقام والحقد والكذب والفقر، بشكل أصبحت معه الشهادة قابلة للشراء، كل ذلك جعل حقوق الناس مهددة قد تهددها شهادة سفيه أو مرتشي، وهو ما جعل المشرع يعطي للكتابة مكانة الصدارة من حيث الحجية في الإثبات، مكرسا بذلك فحوى الآية القرآنية التي أمر فيها ربنا عز وجل بتوثيق التصرفات.

وإذا كان المبدأ أن الإلتزامات التعاقدية تنشأ صحيحة بين طرفيها لمجرد توفر الرضا والسبب والمحل، فإنه واستثناء من تلك القاعدة، قد يشترط المشرع في بعض العقود شكلية الكتابة كركن لتمامها، بحيث يؤدي تخلفها إلى اعتبار العقد غير موجود .

 وتعتبر التصرفات الناقلة لملكية العقار  أحد أهم العقود التي استوجب فيها المشرع لشكلية معينة كركن لقيامها ذلك ما نص عليه الفصل 489 من ق ل ع فيما يخص التصرفات الناقة لملكية عقار أو التي قد  تنشئ عليه حقا عينيا عليه، والأشياء التي يمكن رهنها رسميا، فالبيع لا يكون  تاما إلا إذا تم في محرر ثابت التاريخ، بل إن مقتضيات هذا الفصل نسخت جزئيا بمقتضى المادة الرابعة من م ح ع.

كما خول المشرع للأطراف إمكانية إضفاء الصفة الشكلية على التزاماتهما وذلك بالإتفاق على أن تتم وفق الشكل الذي يرتضيانه، حيث يصبح الشكل المتفق عليه من الأطراف ركنا في العقد، بالرغم من كون المشرع لم يشتط ذلك .

ثانيا : الكتابة كشرط للإثبات : إذا كان المشرع قد أخذ بمبدأ رضائية العقود، ولم  يلزم عاقديها أن يفرغوها في شكل معين إلا استثناءا كما اشرنا إلى ذلك سابقا، فإنه وتوخيا لإستقرار المعاملات وتجنبا لما يمكن أن يعتري الشهادة من عيوب، اعتمد أسوة بغيره من التشريعات اللاتينية على مبدأ الإثبات بالكتابة كقاعدة، و ذلك لما لها من قوة ثبوتية وما تضمنه من ثقة في المعاملات، إلا أن هذه القاعدة ليست مطلقة. بل أورد عليها المشرع استثناء يتعلق بالالتزامات التي تقل عن 10.000 درهم بحيث يجوز إثباتها بكل وسائل الإثبات بما في ذلك الشهادة،  بينما لا يمكن إذا تجاوز مبلغ الذين هذا المبلغ أن يعتمد على شهادة الشهود في إثباته.

ونحن نعتقد أن المشرع جعل من الكتابة المنصوص عليها بمقتضى نص المادة 3 من القانون رقم 16 – 49 شرطا لإنعقاد العقد بدليل صيغة الوجوب الواردة بنص المادة المذكورة يؤدي تخلفها إلى استبعاد تطبيق مقتضيات القانون وبقاء النزاع خاضعا لقانون الإلتزامات والعقود ، لكن ما المقصود بالمحرر الثابت التاريخ الذي جاء بنص المادة الثالثة من القانون ؟

نحن نعلم أن المحرر نوعين : إما محرر رسمي ، وإما محرر عرفي ، فما المقصود بالمحرر ثابت التاريخ؟.

فإذا كان المحرر الرسمي هو المحرر الذي يحرره الموظفون الذين منحهم القانون صلاحية توثيق العقود ، فإن المحرر العرفي هو الذي يحرره الأطراف دون تدخل هؤلاء ، وهذا المحرر الأخير قد يكون ذا تاريخ معلوم أي ثابت أو غير ثابت ، وتختلف آثاره فيما بين المتعاقدين أو الغير ( أنظر المواد 418 وما يليها من ق ل ع ) ، ونحن نعتقد أن عقد الكراء التجاري الذي يبرم كتابة ولكن دون تاريخ ثابت ستظهر أهميته ليس بين المتعاقدين الذين أبرما العقد ولكن بين ورثهما وخلفائهما ، خاصة وأن المشرع من خلال قانون الكراء التجاري الجديد جعل الكراء من الباطن جائز من حيث المبدأ .

النقطة الثانية : المقصود بالقضايا غير الجاهزة للبث فيها : إن المقصود بالقضية الجاهزة من غير الجاهزة تخضع للسلطة التقديرية للمحكمة بعد استنفاذ الأطراف أوجه دفاعهم وتقديم مذكراتهم ومستنتجاتهم ، واتخاد المحكمة لجميع إجراءات التحقيق العادية وغير العادية لتجهيز القضية للبث فيها .

وبالتالي فالقانون الجديد يطبق حسب نص المادة المذكورة على القضايا غير الجاهزة للبث فيها ، والمقصود بها ليست تلك القضايا التي لا زالت لم يتم الفصل فيها بعد دخول القانون الجديد حيز التطبيق بتاريخ 11 / 2 / 2017 وإنما يمكن أن تكون القضية أصبحت جاهزة قبل دخول القانون الجديد ولكن لسبب من الأسباب لا زال لم يتم البث فيها ، فهاته القضايا تبقى خاضعة لمقتضيات ظهير 24 ماي 1955 .

·       النقطة الثالثة : الإشكالات التي أثارها تطبيق نص المادة 38 :

·       من بين الإشكلات التي أثارها نص المادة المذكورة هي ما جاء في الفقرة 5 من المادة 26 من القانون ، والتي نصت على أنه يسقط حق المكري في طلب المصادقة على الإنذار بالإفراغ بمرور أجل ستة أشهر ابتداء من انتهاء الأجل الممنوح له للإفراغ  .

·       لقد جعل نص المادة 38 من القانون الجديد المحاكم أمام تناقض صارخ ، بين مقتضى كان منصوص عليه بمقتضى الفصل 6 من ظهير 24 ماي 1955وهي لا تنتهي العمل بعقود الكراء إلا بعد توجيه إنذار للمكتري قبل انتهاء العقد بستة أشهر على الأقل .

·       فالمحاكم كانت تلزم المكري الراغب في وضع حد للعلاقة الكرائية بضرورة توجيه إنذار بالإفراغ للمكتري متضمنا لشروط الفصل 6 من ظهير 1955 ومن بينها منحه أجل ستة أشهر ما بين تاريخ التوصل بالإنذار وتاريخ رفع الدعوى تحت طائلة اعتبار الطلب سابق لأوانه والتصريح بعدم قبوله .

·       وبين عشية وضحاها وجدت المحاكم نفسها في تناقض وأصبحت تلزم المكري الذي كانت بالأمس تطالبه بمنح مهلة ستة أشهر ،تلزمه برفع الدعوى داخل أجل أقصاه ستة أشهر ، فكيف يعقل ذلك .

·       ومن جهة أخرى قيل بعدم وجوب إثارة الأجل من تلقاء نفس المحكمة وإنما يجب على صاحب المصلحة التمسك به ، لكن نحن نعلم أن الأجل المذكور هو أجل سقوط وآجال السقوط حسب ما استقر عليه الفقه والعمل القضائي هو النظام العام تثيره المحكمة تلقائيا ولو لم يتمسك به الطرف الأخر .

·        لكن رغم ذلك هناك اتجاه دهب الى عدم إثارة الأجل تلقائيا ويجب على ن له مصلحة التمسك به .

·       اتجاه ثالث ذهب في اتجاه وسط وهو احتساب الأجل الممنوح للمكتري في الإنذار هو ستة أشهر وإضافة أجل السقوط وهو ستة أشهر ليصبح الأجل هو السنة ابتداء من انتهاء الأجل الممنوح للمكتري في الإنذار  .

·       + أما فيما يتعلق بالتصرفات والإجراءت والأحكام التي صدرت قبل دخول القانون حيز التطبيق بتاريخ 11 / 2 / 2017 فتبقى صحيحة ومنتجة لكافة آثارها القانونية ، وهكذا فإن الإنذار الذي وجه في إطار ظهير 24 ماي 1955 ووفق شكلياته يبقى صحيحا ، كما أن الإجراءات التي اتخدتها المحكمة في الملف تبقى منتجة لكافة آثارها وكذلك الأحكام التي صدرت .

·       لكن سوف يثار إشكال بخصوص الأحكام التي صدرت قبل دخول القانون وتم استئنافها بعد دخول القانون ، فمحكمة الإستئناف ملزمة بنص القانون الجديد والحكم صدر بناء على مقتضيات القانون القديم  ما العمل ؟

·       أثير نقاش أيضا حول العلاقة بين نص المادة 8 ونص المادة 26 هل الأمر يتعلق بإنذارين أم إنذار واحد ؟ .

·       لكن نعتقد أن نص المادة 8 تتعلق بالتماطل وأجل إرجاع الحالة إلى ماكانت عليه ، أما نص المادة 26 يتعلق بأجل الإفراغ ، وأن الإنذار هو إنذار واحد في حالة عدم استجابة المكتري له إن كان السبب المبني عليه صحيح ،بناء عليه يمكن المطالبة بالإفراغ .

·       استنتاج :

·       يمكن القول على أن المشرع لم يكن موفقا بما فيه الكفاية ، ورغم طول المدة التي مر منها القانون المذكور قبل خروجه لحيز الوجود ، ظهرت على محيا مقتضياته سمة السرعة في سن مقتضياته ، والتي سوف تخلف وراءها ضحايا كثر لا محالة ، ونتمنى من القضاء والذي هو في الأول والأخير من توجه إليه أصابع الإتهام ، أن يتحلى بروح المرونة في تفسير مقتضيات القانون رقم 16 – 49  وعدم التسرع في إصدار الأحكام التي تصدر ضمن زمرته ، سريا على نهج قول عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لأبي موسى الأشعري : " ..... فَإِنَّ الْحَقَّ قَدِيمٌ وَمُرَاجَعَةُ الْحَقِّ خَيْرٌ مِنَ التَّمَادِي في الْبَاطِلِ ... " .   

 

 

 

بقلم ذ عبد القادر بنعدو
قاض بالمحكمة التجارية بفاس
 


أعلى الصفحة