القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 406
يشكل العمل الجمعوي لبنة رئيسية في بناء صرح

المجتمع المدني، بل يشكل ركيزة أساسية لتفعيله، وهذا بإجماع المحللين الثقافيين والسياسيين على حد سواء، ما دام هذا الأخير يشكل أساس ضبط العلائق مع الدولة، خصوصا وأن المجتمع المدني هو الوجه الآخر لتناول السلطة والديمقراطية وحقوق الإنسان(1).

إن المجتمع المدني يشمل حسب جل التعريفات، مجموعة من المؤسسات الطوعية التي تعبر عن إرادة الناس ومصالحهم، من قيمها الأساسية الحرية والاستقلالية عن السلطة، ويصعب تحديد مكوناتها، رغم أن أغلب الباحثين اتفقوا على أن الجمعيات، النقابات العمالية، الهيئات المهنية، التيارات الفكريـة والفنية والأحزاب السياسية.. تشكل أهم مقومات المجتمع المدني(2) ، والذي يتبلور أحيانا من خلال أهم وظائفه  داخل المجتمع، والمتجلية  في الوسائطية. حيث أنه، إذا كان المجتمع  المدني  مجال المؤسسات الوسيطة (صيغة مونتسكيو بحسب تشارلز تايلور) ،  وليس فقط  مجال  المؤسسات التعاقدية  للأفراد  مقابل "علاقتهم الطبيعية"(صيغة  جون لوك )،فإنه من الضروري  الإصرار  على أهمية  كافة  البنى الوسيطة : المؤسسات الأهلية  والحركات والمنظمات (من الكنائس  وحتى الأحزاب السياسية  ومؤسسات الدعم المتبادل ) كلها  ذات أهمية كامنة(3). في هذا السياق "المتحرك" لمفهوم المجتمع المدني، باعتباره تجسيد لمختلف  المكونات والتنظيمات  التي  "تبعث" الروح في  البنية  المجتمعية القائمة،  يمكن أن  نضيف مجازفة  إلى هيئاته  مايسمى بThink Tank أو مختبرات  الأفكار،  والتي  تبرز بشكل عام  كبنية  للقانون الخاص  مستقلة عن الدولة  أو أي قوة أخرى،  كما أنها  مبدئيا  هي ذات هدف غير ربحي  but  non  lucratif وتضم في طياتها مجموعة من الخبراء(4). ولتتموقع بالتالي،  في منأى  عن  الأشكال  "الكوربوراتية"  للمجتمع المدني،  وفق فهم  هوراد ج وياردا، والذي يعرف هذا  النموذج بكونه " نظام للتنظيم  الاجتماعي  والسياسي  تقوم فيه الدولة  بالسيطرة  والتقييد وأحيانا  احتكار،  بل وخلق جماعات المصالح  أو المجتمع  المدني  الذي يدور  في فلكها". مما يجعل  في نهاية  التحليل،  من  كل ماهو  "كوربوراتي"  خارج  سياقات   تواجد المجتمع  المدني "الحقيقي"  الفاعل  والفعال،  أي خارج سياقات مكوناته .

    عموما، إن الجمعيات المدنية هي السماد الذي يعول عليه لإخصاب تربة المجتمع المدني، وإمدادها بعناصر الحيوية، النماء والتطور، بل إنه الدعامة الأساسية التي تبنى عليها البرامج والمشاريع ومخططات التنمية البشرية، بكل ما تحمل من اقتراحات وحلول للأزمات التي تحتل واجهة الانشغالات اليومية للمواطن، ومنها التقليل من حدة الفقر ورفع مستوى المعيشة، وتوفير مناصب عمل جديدة والاعتناء بالطفولـة والمرأة والأسرة، وتحسين الأداء الديمقراطي وتعزيز مساعي الإصلاح السياسي والتطلع إلى تأسـيس علاقات شراكة مع الأجهزة الرسمية قصد تقليص كلفة الإنفاق الاجتماعي عن مؤسسات ومصالح الحكومة، خاصة في مجالات الصحة والبيئة والتربية والتضامن الاجتماعي بإشراك القطاع الخـاص ومؤسسات التمويل المختلفة(5).

  وعلى هذا الأساس، تعد الجمعيات أحد الشروط الأساسية لبروز وتدعيم مجتمع مدني مسؤول وتشارك بكامل الفعالية في النمو الاقتصادي والثقافي. وتكون هذه الجمعيات فضاءات للتأمل والعمـل الجماعي الذي تبذل فيه الجهود من أجل قضايا مشتركة، كما تشكل مرتعا خصبا تتولد وتختمر فيـه الطموحات الجماعية كمعوض لغياب الدولة في عملية التغيير الاجتماعي والثقافي والتنموي المنشود(6) . وبهذا المعنى تظهر هذه الجمعيات المنظمة، رغم تنوعها الكبير كمصادر ممتازة للاستخلاص العبر والدروس، وعلى جميع المستويات بالنسبة لكل من يريد الإنصات إلى انشغالات المجتمع(7) . ومن أجل ذلك هناك اهتمام كبير بتمظهرات المجتمع المدني هاته، ليس باعتبارها وسائط للتحفيز والتعبئة فقط، بـل وكشركاء أيضا وبالمعنى الكامل، في مشروع النهوض بالثقافة الديمقراطية والتأسيس لحركة جمعوية رائدة، أساسها الديمقراطية والمسؤولية والشفافية. وهنا، يحدد المفهوم "الخاص" للمجتمع المدني، بالقياس إلى المجتمع السياسي، حيث يتمظهر هنا المجتمع المدني كمجموعة متناسقة من الجمعيات والمنظمات والمؤسسات التي تشتغل في استقلالية عـن المستوى السياسي وتشتغل دون شعبوية، بمعنى أنه يعمل عن قرب، لذلك يتم التركيز على ضرورة بنــاء مجتمع مدني محلي باعتبار أن المجتمع المدني التقليدي لم يعد له وجود. ونجد في المقابل، أن الجمعيات الصغرى والمنظمات المحلية في الأحياء وحسب القطاعات الخدماتية  تمثل  جوهر المجتمع المدني(8).

إن الجمعيات كمكون من مكونات المجتمع المدني تعتبر بمثابة مجموع فضاءات للحرية الجماعية المتعددة الأبعاد : اقتصاديا، اجتماعيا، ثقافيا  وسياسيا.  ومن ثم تبرز الملامح الأولى لغائية التنظيم الجمعوي كتنظيم مهيكل ومبني على أسس ابستيمولوجية وقانونية ورهانات تدبيرية وتقويمية، يسعى لتجسيد مفهوم جديد لتسييـر الشأن العام، يقف سدا منيعا أمام كوربوراتية  باقي  المؤسسات.

هكذا، تعتبر الجمعيات أحد أبرز المكونات الفاعلة في المجتمع المدني، لأنها تشكل فضاء واسطا لفهم جانب أساسي من المجتمع المدني، مثلما تعتبر إطارا تنظيميا لتأطير المواطنين وتوعيتهم قصد الاندماج والمشاركة في تفعيل عمل المجتمع المدني، إلا أنه ورغم ذلك فالجمعيات والمنظمات المدنية لا تمثل أكاديميا إلا ضلعا من أضلاع المجتمع المدني، أي أنها ليست كل المجتمع المدني(9). فالجمعيات  لا تمثل إلا مكونا واحدا من مكونات هذا المجتمع. ويحق لنا التساؤل في هذا الصدد أي دور يلعبه وسيلعبه هذا المكون من أجل تحقيق تنمية شاملة؟(10) كما يدفعنا مجددا للتساؤل عن طبيعة المجتمع المدني، هل هو إحدى قطاعات المجتمع أم أنه وثيق الصلة بتطور الدول والأسواق؟ هل هو حكرا على فئات محددة سلفا، كالفئات الديمقراطية والعصرية والمدنية، أم أنه يضم جميع أنواع الجمعيات، بما فيها "الجماعـات غير المدنية" والجمعيات التقليدية القائمة على الخصائص الموروثة مثل الدين والعرق؟ وهل الأسـرة مكون من مكونات المجتمع المدني؟ ثم ماذا عن قطاع الأعمال؟ هل المجتمع المدني هو الحصن المنيـع ضد الدولة ؟ أم أنه يعتمد بدوره على تدخلها والتشارك معها من أجل وجوده؟ هل هو أساسي في حماية حقوق الفرد من خلال تجربة التعددية؟ أم أنه يمثل تهديدا للديمقراطية من خلال المصالح الخاصة التي قد يمثلها؟ هل هو اسم أي جزء من المجتمع أم أنه صفة ملاحقة لنوع من أنواع المجتمعات؟ هل هو ساحة للجدال الاجتماعي؟ أم مزيج من تعريف وخصائص عدة؟ ما الذي بإمكاننا فعله إزاء فكرة غير واضحة المعــالم وذات تعاريف هلامية الشكل؟ هل يمكن لكل وجهات نظر المختلفة جذريا مع بعضها البعض أن تكون صحيحة؟ هل يمكن التوفيق فيما بينهما؟ بل هل ينبغي لنا أن نحاول؟ أم أن علينا التخلي عن هذا المفهـوم المربك والانضمام إلى رد فعل المتنامي ضد فكرة المجتمع المدني وضد أوجه قصور منظمات المجتمع المدني؟(11)

هكذا، تحتل الجمعيات مكانة الصدارة، ومع ذلك فإنه إذا كانت بعض الجمعيات والمنظمات سندا قويا  للمجتمع  بما تضمنه من رؤية لتطور المجتمع  نحو الديمقراطية والتقدم، فإن البعض الآخر يفتقد لهذه الرؤية، وبالتالي لا يحمل أي تصور مجتمعي  أو نظرة عامة لشؤون  البلاد، وفي  هذه  الحالة  لا يمكن اعتبارها منتسبة أو فاعلة  في المجتمع المدني، لهذا  فإنه لا يجب أن ينظر لارتفاع عدد الجمعيات في بلد ما  على أنه دلالة  مباشرة على قوة وحيوية المجتمع المدني (12) .

وعموما، فإن مسألة اعتبار الجمعيات مكونا أساسيا من مكونات المجتمع المدني، تفرض علينا  الاقتناع بالحقيقة التي مفادها،  أن  هذا  المجتمع  في حد ذاته  أضحى يجسد اليوم "سلطة خامسة "صاعدة.  ومن ثم، ينبغي  تحديد  مختلف   أسسه المفاهيمية والتنظيمية والتسييرية والتوجيهية. وذلك  كله،  بغية تحفيز مختلف  مكوناته،  بما فيها الجمعيات،  على  ارساء  معالم تنمية بشرية مستدامة  وشاملة  .                             الاحالات :

(1)محمد الغبريتي "فعاليات المجتمع المدني، أي دور؟ وأي مستقبل؟ نموذج مدينة تطوان" رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المعمقة في القانون العام  كلية الحقوق، أكدال، الرباط، السنة الجامعية 2002 -2003، ص:46.

(2) سعاد الدويب النجار "الشراكة بين مكونات المجتمع المدني. أية آفاق في مجال التنمية؟" الحوار المتمدن العدد 1251. 7 يوليوز 2005 من ندوة " المجتمع المدني ورهانات التنمية "تنظيم جمعية فضاء المضيق للثقافة والتنمية 21 ماي 2005. المضيق تطوان. أنظر موقع. WWW.ahewar.org                                           (3) عزمي بشارة " المجتمع المدني  دراسة نقدية ( مع إشارة  للمجتمع المدني العربي) مركز دراسات الوحدة العربية،   بيروت، الطبعة الثالثة ،2008ص273.                      (4) Dictionnaire                     Hachette illustré éd .2003 P1858  

(5)أحمد شنة "المجتمع المدني من الاحتواء إلى الشراكة" موقع دروب، بتاريخ: 31 يناير 2008 .أنظر موقع: WWW.droob.com

(6)عبد الله حارص" العمل الجمعوي بالمغرب: المفهوم والتطور" جريدة  الصحراء المغربية، عدد 16 شتنبر 2002.

(7)عمر عزيمان، في تقديمه لدليل مجموعات التداول في الجمعيات بالمغرب الرباط، نونبر 1994، "دليل  عملي  لفائدة الجمعيات"، الجمعية المغربية للتضامن والتنمية AMSED، ص:3.

[1](8) يحي اليحياوي" لامستقبل للمجتمع المدني في المغرب العربي في ظل العولمة والمواطنة "العالمية" إذا لم يكرس ثقافة الاشتغال عن قرب"، على هامش المؤتمر العاشر للفكر المعاصر في المغرب العربي، مدينة زغوان بتونس 23- 25 أكتوبر 2002 .أنظر موقع WWW.maktooblog.com

(9)أحمد شنة ، مرجع سابق.

(10)سعاد الدويب النجار، مرجع سابق                                                 .  (11)عطية صالح الأوجلي " تأملات في المجتمع المدني" موقع دروب، 6 غشت 2009 www.Droob.com

(12)عبد اللطيف كداي، "رعاية الطفولة المهددة بالجنوح، دراسة مقارنة لبرامج المؤسسات الحكومية والمنظمات  غير الحكومية "، بحث لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة  في علوم التربية، كلية علوم التربية جامعة محمد الخامس، السويسي، الرباط، السنة الجامعية 2001/2002، ص66.

 

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة