القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ ادريس شهبون
طالب مجاز في القانون الخاص
تحت عدد: 778
قد أصبح الحق في المحاكمة العادلة من أبرز وأهم حقوق الإنسان،باعتبار هذا الحق ضمانة أساسية في مواجهة مختلف التجاوزات والانتهاكات التي تتخذصورا وأشكالا متعددة، لاسيما في

القضايا ذات الطبيعة السياسية وفي الأنظمة الديكتاتورية بالخصوص.ومن أبرز هذه الخروقات نجد الاعتقال التعسفي، الاختفاء القسري،التعذيب و انتهاك حقوق الدفاع بوجه عام، وهذا ما يجرمه الدستور الجديد للمملكة (1122)،من خلال ذكره لشروط المحاكمة العادلة ضمن مقتضياته1.
تعتبر مؤسسة قاضي التحقيق من بين الاليات المحققة لمفهوم المحاكمة العادلة في المجتمعات الديمقراطية و الحداثية التي يسودها العدل و الإنصاف، وهذا ما كرسه المشرع المغربي من خلال إعطائه لقاضي التحقيق مكانة مهمة في سير الدعوى العمومية، باعتباره الحلقة الفاصلة بين امكانية متابعة المتهم أو اخلاء سبيله
وقد خصص المشرع المغربي القسم الثالث من الباب الثاني للقاضي المكلف بالتحقيق من خلال التطرق لطبيعة عمله التي تتجسد في القيام بإجراءات التحقيق الإعدادي، ولكن دون تنصيصه بشكل صريح عن الجهة المختصة قانونا بإبلاغ قاضي التحقيق أثناء وقوع الجريمة في نفوذه الترابي2 ، وهذا ما جعلنا نتساءل عن طبيعة
عمل قاضي التحقيق؟،والجهة المكفول لها قانونا اتباع مسطرة تبليغه في حالة تلبس بجنحة أو جناية؟.
لمقاربة هذه التساؤلات وغيرها إرتأينا تقسيم الموضوع إلى مطلبين: تطرقنا في الأول إلى طبيعة عمل قاضي التحقيق، ثم حاولنا استكشاف الجهة الموكولة لها إبلاغ قاضي التحقيق بوقوع الجريمة في المطلب الثاني
المطلب الأول: طبيعة عمل قاضي التحقيق
يكتسي عمل قاضي التحقيق صفة قضائية محضة، وذلك من خلال إجراءاته الدقيقة المتمثلة في التحقيق الإعدادي.
تعتبر هذه الإجراءات - مرحلة وسطية - بين البحث التمهيدي الذي تقوم به الشرطة القضائية والمحاكمة.
يتمتع خلالها قاضي التحقيق بمجموعة من الصلاحيات ذات طبيعة قانونية صرفة، تهدف إلى تعميق البحث و تمحيص الأدلة وجمع المعطيات و المعلومات والبت في وضعية المتهم بمتابعته وإحالته على المحكمة أو عدم متابعته و حفظ القضية في حقه.3 وعليه فإننا سوف نعمل على التطرق إلى كيفية تعيين قاضي التحقيق (الفقرة الأولى)،على (أن نتحدث لاحقا عن مدى استقلاله عن أطراف الدعوى الجنائية (الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: طريقة تعيين قاضي التحقيق4
لقد أخد المشرع المغربي بازدواجية التحقيق الإعدادي في الجنايات و الجنح، أي بمحاكم الاستئناف و المحاكم الابتدائية 5 ،بعدما كان مقتصرا على محاكم الاستئناف فقط 6. يتم تعيين القضاة المكلفون بالتحقيق في المحاكم الابتدائية بقرار لوزير العدل والحريات من بين قضاة الحكم لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد، بناء على اقتراح من رئيس المحكمة الإبتدائية
أما القضاة المكلفون بالتحقيق في الجنايات بمحاكم الإستئناف، فيتم تعيينهم بنفس الطريقة من بين مستشاريها، بناء على اقتراح من الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف.

يمكن خلال هذه المدة اعفاؤهم من مهامهم بنفس الكيفية 7 .إلا أنه إذا لم يوجد في المحكمة سوى قاض واحد مكلف بالتحقيق وحال مانع مؤقت دون ممارسته لمهامه، يمكن لرئيسها في حالة الاستعجال بناء على طلب من النيابة العامة، وفي انتظار زوال المانع أو صدور التعيين بقرار نظامي أن يعين أحد قضاة أو مستشاري المحكمة لممارسة هذه المهام، كما تقضى بذلك مقتضيات المادة 32من قانون المسطرة الجنائية

كما أنه يمكن لوزير العدل و الحريات عن طريق مسطرة الإنتداب 8 أن ينتدب قاضيا للتحقيق لمدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر أخرى9.
الفقرة الثانية: استقلال قاضي التحقيق
يعتبر قاضي التحقيق مؤسسة قضائية مستقلة عن الأطراف المتدخلة في الدعوى العمومية من أطراف ومحكمة ونيابة عامة، إذ تقتصر علاقته بهذه الأخيرة على الملتمسات الكتابية التي تحيلها عليه من أجل مباشرة اجراءات التحقيق، وهذا ما كرسته المادة 31من قانون المسطرة الجنائية.
يلزم أن يتوافر في المحقق صفة الحياد التام في مباشرة إجراءات التحقيق، فلا ينحاز إلى خصم دون أخر، ولا يمارس تحقيقه بناء على فكرة مسبقة قد تكون ضد المتهم أو صالحه10.
يقتضي هذا الحياد و الاستقلال عن أطراف الدعوى العمومية عدم خضوع سلطة القاضي للمواقف التي تعرضها لخطر التحكم أو الخطأ الجسيم أو الانحراف عن المصلحة العامة
إن كل إخلال بهذا المبدأ يفقد المحقق صلاحيته، مما يترتب عليه بطلان الإجراء الذي باشره في هذه الحالة بطلانا متعلقا بالنظام العام لتعلقه بصلاحية قضاء التحقيق في تحقيق ضمانات المحاكمة العادلة.
ولكن رغم كل هذا الاستقلال و الحياد الذي يتصف به قاضي التحقيق، فإن مجال وقوع الإخلال بإجراءات التحقيق وارد، لهذا أعطى المشرع لجهة قضائية اخرى صلاحية مراقبة القرارات التي يصدرها قاضي التحقيق، وهي الغرفة الجنحية بمحكمة الاستئناف، حيث يحق للخصوم من نيابة عامة ومتهم ومطالب بالحق المدني استئناف هذه القرارات أمامها، كلما وقع إخلال مسطري بقصد الرجوع عنها

المطلب الثاني: الجهة المخول لها قانونا ابلاغ قاضي التحقيق
بما أن قاضي التحقيق يكتسب الصفة القضائية ومخول له مباشرة إجراءات التحقيق الإعدادي، فلا بد له من الانتقال إلى مكان وقوع الجريمة من أجل الإحاطة بكل ما هو مفيد في فك لغر الجريمة و الاهتداء إلى الفاعل الحقيقي.
ولكن برجوعنا إلى مقتضيات المسطرة الجنائية لا نجد فيها بالملموس وبشكل صريح نص تشريعي يحدد لنا الجهة المخول لها ابلاغ قاضي التحقيق، باعتباره من الجهات الأصلية للقيام بالتحقيق، وبحكم التزامه بمكتبه نظرا لكثرة الملفات الشائكة التي تروج داخل دهاليز المحاكم، عكس النيابة العامة التي تبلغ من طرف ضباط الشرطة القضائية،11 وهذا ما نلتمسه عند استقرائنا للمادة 34من قانون المسطرة الجنائية، إذ جاء فيها بشكل صريح ضرورة اخبار النيابة العامة فورا كلما أشعر بحالة تلبس بجنحة أو جناية، ومن خلال هذه المادة فإن المشرع لم يذكر بتاتا قاضي التحقيق، وهذا ما جعلنا نتساءل حول دور الشرطة القضائية في حالة التلبس بجنحة أو جناية في الفقرة الأولى، ونخصص مسطرة تبليغ قاضي التحقيق في الفقرة الثانية

الفقرة الأولى: دور الشرطة القضائية في حالة التلبس12
تعتبر الشرطة القضائية جهاز مختص بإجراءات البحث التمهيدي، الذي يعد أول مسطرة اجرائية تنطلق بها الدعوى الجنائية.
ويعهد للشرطة القضائية من خلال البحث التمهيدي التثبت من وقوع الجرائم وجمع الأدلة حول ملابساتها لإعداد محضر حول المشتبه بهم، وهذا ما كرسته المادة 24من قانون المسطرة الجنائية.
يجب على ضباط الشرطة القضائية بمجرد علمه أو اشعاره بحالة تلبس بجنحة أو جناية ،13 الانتقال فورا إلى عين المكان للقيام بالمعاينات المفيدة قصد اضهار الحقيقة.
ويجب عليه إخبار النيابة العامة باعتبارها من الضباط السامين، والجهة التي تسير أعمال الشرطة القضائية العادية.14
كما تجب الإشارة إلى أن المشرع لم يرتب جزاء حول عدم إخبار النيابة العامة بالتنقل إلى مكان الحادث، ولكن من الناحية العملية لا يجوز هذا الإجراء لأنه يعتبر إخلالا مسطريا في سير الدعوى العمومية.

ولكن بالرغم من غياب نص صريح يتحدث عن الجهة التي يجب عليها ابلاغ قاضي التحقيق بوقوع حالة تلبس بجنحة أو جناية، فإننا نجد المادة 43من قانون المسطرة الجنائية تلح على ضرورة حضور قاضي التحقيق إلى مكان الجريمة المتلبس بها، وله حق الأولوية في مباشرة إجراءات البحث التمهيدي التلبسي، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه كيف يتم اعلام قاضي التحقيق إذا كانت المادة 34من قانون المسطرة الجنائية قد ألزمت ضابط الشرطة القضائية بإخبار النيابة العامة؟. وهذا ما سنحاول الإجابة عليه في الفقرة الموالي

الفقرة الثانية: مسطرة تبليغ قاضي التحقيق
لم يحدد المشرع المغربي كيفية تبليغ قاضي التحقيق بوقوع الجريمة المتلبس بها،15 على عكس النيابة العامة التي تبلغ وفق مقتضيات المادة 34من قانون المسطرة الجنائية من طرف ضابط الشرطة القضائية.
ومحاولة منا لاكتشاف هذه المسطرة رغم غياب نص صريح في مقتضيات المسطرة الجنائية، التي تعتبر قانون مسطري وإجرائي امتياز، التجأنا إلى تطبيق القاعدة التي تقول إذا غاب الفصل في نص خاص وجب الاحتكام بمقتضيات النص العام، ولكن في هذه الحالة لن نهتدي إلى مقتضيات القانون الموضوعي (مجموعة القانون الجنائي)، باعتباره قانون يتطرق إلى صنف الجرائم وعقوباتها ولا يتعمق في الاجراءات.

وهذا ما أدى بالمشرع إلى استدراك الأمر وغطى هذا النقص التشريعي من خلال ادراجها في أسمى وثيقة بالمملكة آلا وهو الدستور الجديد لسنة ،1122وهو ما لمسناه من خلال مقتضى الفصل 214الذي يقول بشكل صريح "تعمل الشرطة القضائية تحت سلطة النيابة العامة وقضاة التحقيق في كل ما يتعلق بالأبحاث والتحريات الضرورية بخصوص الجرائم وضبط مرتكبيها ولإثبات الحقيقة"، ومن خلال هذا النص العام يتحتم على ضابط الشرطة القضائية اتباع نفس المسطرة التي يجريها في إخبار النيابة العامة في حق قاضي التحقيق، دون انتظار وكيل الملك أو الوكيل العام للملك من أجل تفعيل مسطرة التبليغ بما أنه يعمل بشكل موازي تحت سلطة النيابة العامة وقاضي التحقيق.

لقد غطى الفصل ( )214من دستور المملكة على الثغرة التي وقع فيها المشرع في مقتضيات المادة 34من قانون المسطرة الجنائية، من خلال الإشارة الى نوعية العلاقة بين قاضي التحقيق و الشرطة القضائية التي نستنتج من خلالها أن هذه الأخيرة هي الجهة المخولة لها قانونا بإعلامه بوقوع الجرائم، ولكن حبذا لو أشار المشرع لهذه الجهة في نص صريح، سواء عن طريق التعديلات اللاحقة على المسطرة الجنائية أو من خلال إضافة مادة مكررة تغطى هذا النقص، بالرغم من بساطة هذا الخلل إلا أنه يستوقف دائما جل الطلبة الباحثين والمهتمين ورجال القانون.

ومن خلال ما سبق يتبين أن المشرع على الرغم من تدخله لإرساء مؤسسة قاضي التحقيق، واعطائه مكانة مهمة في إجراءات سير الدعوى الزجرية، وذلك من خلال الترسانة القانونية المخصصة لذلك، إلا أن الصيغة العامة التي أتت بها المادة 34من قانون المسطرة الجنائية، بالإضافة إلى عدم الاسترسال في تحديد الجهة المخولة لها قانونا ابلاغه في حالة التلبس، أحدثت تضاربا على مستوى فهمها لدى الباحثين لتحديد المسؤوليات بشكل دقيق، وهو الأمر الذي يستدعي من المشرع إعادة صياغة المادة 34من ق.م.ج، وتثمينها بمواد أخرى كما ثم الإشارة إليه سابقا

ونعتقد أن سلامة الإجراءات القضائية كفيلة بوجود ترسانة قانونية محينة وملحقة بأهم التعديلات المضمنة والمسايرة لتطورات المجتمع، وهي السبيل الوحيد لتحقيق مبادئ المحاكمة العادلة.

1- الفصول 11و 12من دستور المملكة.
2عندما نقول قاضي التحقيق فإننا نقصد قاضي التحقيق بالمحاكم الابتدائية في حالة التلبس بجنحة،وقاضي التحقيق بمحاكم الاستئناف في حالة التلبس بجناية
3- ذة.مجيدي السعدية: "الشرح العملي لقانون المسطرة الجنائية" ط،،1122،1ص:221
4- سواء بالمحاكم الإبتدائية أو بمحاكم الإستئناف.
5- التعديل الجديد الذي لحق قانون المسطرة الجنائية (فاتح اكتوبر .)1112
6- الفصل 2من الظهير بمثابة قانون رقم 22/41/114الصادر في 14شتنبر .2991
7- المادة 31من قانون المسطرة الجنائية.
8- أو ما يسمى بالإنابة القضائية التي هي بمثابة تفويض قانوني من طرف قاضي التحقيق الأصلي إلى قاض اخر أو الى ضابط للشرطة القضائية إحدى صلاحياته ليقوم مقامه من أعمال التحقيق
9 الفصل 34من الظهير بمثابة القانون الاساسي لرجال القضاء ( )22/22/2941كما وقع تعديله
10- ذة.لطيفة الداودي "دراسة في قانون المسطرة الجنائية وفق اخر التعديلات"،الطبعة .1121،3ص:.114
11 - الشرطة القضائية هي الجهة المخول لها قانونا القيام باجراءات البحث التمهيدي، كرجال الشرطة و الدرك... الذين يكتسبون الصفة الضبطية من خلال مزاولتهم لعملهم لمدة 2سنوات ( الفقرة الاخيرة من المادة 11من ق.م.ج)
12 - يقصد بحالة التلبس ضبط الفاعل أثناء تنفيذ الفعل الإجرامي أو الجريمة التي تضبط وقائعها بعد تنفيذها في ظروف خاصة يحددها القانون.ولمعرفة حالات التلبس المرجو الرجوع الى مقتضيات المادة 32من ق.م.ج
13 - التلبس بجنحة يكون الاختصاص لوكيل الملك بالمحكمة الابتدائية
- التلبس بجناية يرجع الاختصاص للوكيل العام للملك بمحكمة الاستئناف.
14- الفقرة الاولى من المادة 13من قانون المسطرة الجنائية.
15- رغم ذكره الملتمسات الكتابية بين النيابة العامة و قاضي التحقيق.

المراجع
كتاب "الشرح العملي لقانون المسطرة الجنائية "الطبعة الثانية..6102
كتاب "دراسة في قانون المسطرة الجنائية وفق اخر التعديلات "،الطبعة الخامسة.. 6102 دستور المملكة (.)6100
الظهير بمثابة القانون الأساسي لرجال القضاء .0791
قانون المسطرة الجنائية.

بقلم ذ ادريس شهبون
طالب مجاز في القانون الخاص