القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 464
تتبلور الحكامة في غالب الأحيان من منظور الرؤية

  الشمولية كمقاربة جديدة للتغيير والتفكير تخص العالم بأسره، وعلى صعيد شتى أنماطه الاقتصادية، المالية، الاجتماعية السياسية والثقافية... من منطلق اعتبارها – أي الحكامة- النهج الأكثر نجاعة وكفاية لتدبير قضايا الشأن العام والخاص والمدني وكشف رهانات المجتمع ككل، كما أنها أضحت تجسد في زمننا الحاضر النمط الأعمق للتفكير في  ممارسة السلطة بتجلياتها المتعددة  والنموذج الأقدر على التأثير الفاعل والفعال في مجمل التطبيقات ذات  الصلة  بأشكال التنظيم، بما فيها الأشكال السياسية والاقتصادية  والمجتمعية  وأحيانا الأخلاقية... من  جهة أخرى،  فإن   الحكامة،  وفق معايير التحديد الشمولي،  كثيرا ما تنبثق كرؤية جديدة / متجددة للدولة والمجتمع، رؤية  تتوخى، وعبر منافذ  عديدة،  تحليل  ودراسة مختلف الروابط الناظمة لهما، وإبراز كل الطرائق  والأبعاد الكفيلة بضمان  ريادتهما، وبالتالي تحقيق  كل تمظهرات  التغيير الحي  والنابض لمستويات التدبير الإيجابي  والناجع  للسياسات والاستراتيجيات. 

إن شمولية الحكامة، تتأكد  وفق مستويين  من التحليل : معنى ومبنى. فالمستوى  الأول،  يجعل من مصطلح  الحكامة يشمل  كل  الدلالات  التي قد يصبغ بها  التدبير  الجيد لأي مجال من  المجالات، في  حين أن المستوى  الثاني،  فهو يرتبط  بمختلف الأنماط الجاهزة التي  قد تبنى  في إطارها سياقات  تمثل  هذه الدلالات داخل  مجتمع من المجتمعات. 

ومن ثم، تعتبر الحكامة آلية أو أداة للتدبير الرشيد والمعقلن والحكيم للموارد والإمكانات، والتي  ترمي في نهاية  المطاف،  من الناحية  الغائية، إلى تحقيق التوازن والتناسق والانسجام في شتى الميادين وسائر القطاعات. فالحكامة بشكل شمولي، هي مجمل الأساليب المتطورة والمتجددة باستمرار، والتي تمارس من خلالها السلطة بتمظهراتها المختلفة وتطبيقاتها المتنوعة  ويضمن عبرها التسيير الجيد والفعال للشأن العام  وتوطد على ضوئها معظم الممارسات الفضلى، بغية  الوصول إلى الحد الأقصى-حتى لا نقول الأدنى-  من درجات التنمية، بأنماطها المتعددة الأصناف والمتداخلة الأبعاد.  

  هكذا، تشكل التنمية  والحكامة  والشمولية  مفاهيم  أيديولوجية  تداخلت  وتمفصلت  فيما بينها،  عبر  مجريات  التاريخ.  ويبقى  بكل تأكيد،  كون  تداخلها أو تمفصلها يحمل في طياته  أكثر من تفسير، والمتعلق  أساسا بمجمل البلاغات  الإجرائية،  حيث  ينجم عنها الآثار الجد القوية على المجتمعات، خاصة  على مستوى  العلاقات  الاجتماعية المصغرة Les microrapports sociaux(1).   

 في هذا السياق –المتعنت علميا-  كثيرا ماتعرف الحكامة ووفق المنظور الشمولي،  بأنها النموذج المحتذى للحكامة المتعددة الأطراف والتي تهدف إلى دمقرطة العلاقات الدولية.إن الحكامة بذلك، هي مفهوم حيادي ليست ملكا خاص لبلدان الشمال ولا هي منجزة لبلدان الجنوب، فالشمال والجنوب يتقاسمان نفس التوجه(2).                                                                      فالحكامة،  ووفق  هذا المنطلق الذي يمتح  أساسه  القيمي من  شمولية  المبادئ،  وقبل أن تتمثل  فقط  كمبدأ عمل معياري-بالمعنى  العادي البسيط-  أو كمجرد تصور إجرائي شكلاني،  فهي  تترسخ،  وبشكل   متسارع،  كتحول فكري رصين، يؤسس لكل  أنماط التغيير الإيجابي للبنيات والرؤى  وكنظرة فلسفية  عميقة،   تستشرف الإستراتيجيات  والسياسات وتحاول  أن تشمل   بالبحث والتنقيب كل  تمظهرات علاقة المجتمع بالدولة  وما ينصهر في  دواخلها من  قيم الحرية  والديمقراطية  والمواطنة ، أي أنها الحركية الدؤوبة التي  تسري  في  شرايين  الفكر والممارسة،  والتي  تتوخى  بالأساس، الكشف الدقيق عن أسباب  الفهم  الشمولي  لمعطيات  وبيانات التكيف  الدائم مع مستجدات الحياة، خاصة في ظل  رهانات  وإكراهات زمن  العولمة، والتي  تستلزم  نوعا متطورا من التعامل،  لا يمكن  أن  تقوم  له قائمة،  إلا في ظل   اشتراطات الانصهار  في بوتقة  الحكامة. 

 على هذا  الأساس، تشكل الحكامة  الأداة  الرئيسية أو الرافعة المركزية  للشمولية Globalisation- بمعنى  العولمة-.  فمعايير  الحكامة الجيدة غالبا ما تثار بشأنها قضايا متشابكة ومسائل معقدة ، من قبيل   التأسيس  لمشروع  عالم شامل،  منظم  ذاتيا،  شفاف،  وحيث كل المخاطر  محدقة به من كل  جانب،  بيد أنها تظل مخاطر  متحكم فيها.  إن الحكامة بذلك،  تتمظهر  أيضا كيوتوبيا Utopie في  زمن  نهاية اليوتوبيات. هنا،  تبرز الشمولية وفق تجليات  منطق ناشئ ، والذي كثيرا  ما "نظر" إليه  في الأدبيات الراهنة للاقتصاد الدولي كمنطق  مهيمن،  والمتمثل في  نهاية  التاريخ، حيث  يسود "السوق المعولم" والخاضع  بشكل كلي وتام  للتطبيع وتتشكل  في سياقاته  الروابط التجارية  وفق أفق مسدود، مع ملاحظة تواجد كوة lucarne واحدة،  تنادي  بتخليق الرأسماليةMoralisation du  capitalisme   أو  ما يعرف  بالرأسمالية  الأخلاقية / الإتيقية  Capitalisme éthique. وكل  ذلك،  لن  يتحدد  بطبيعة الحال، إلا عبر مستلزمات ومتطلبات   تخليق  الاقتصاد،  والذي عليه أن يجابه ويذوب  مختلف التناقضات  السياسية  والاجتماعية  المطروحة، وأن  يؤكد على عمله  الحثيث  في  تدبير المخاطر  المتطورة  باستمرار(3).

هكذا، تنبثق الحكامة، ليس باعتبارها  فكرة مجردة، أو شعار فضفاض  يتم  رفعه  مناسباتيا،  بغرض الإشعاع  المرحلي والاستهلاك المجاني،  وأيضا ليس من منطلق بروزها كحل سحري لكل مشاكل العالم، وإنما في  ظل  تأسيسها لمنظومة شاملة متكاملة  ومندمجة من  المبادئ والمعايير، والتي تتطلب وجوبا توفر جملة متراصة  ومتداخلة  من العناصر والركائز  والمقومات والدعائم التي تتماهى وتنصهر فيما بينها،  بغية تحسين وتجويد وضعية المجالات التي تشتغل في إطارها  مكونات الحكامة.

كما ينظر إلى الحكامة بكونها التدبير الواعي لبنيات النظام، مع نظرة تستهدف تعزيز شرعية الحقل العمومي و تحفيز الأفراد لممارسة حقوقهم حتى يساهموا في الشأن العمومي(4).

لقد كثر الحديث في الوقت  الراهن عن الحكامة كأداة منهجية "فضلى"، يمكن عن طريق التوسل المستمر بها  رسم  وصياغة السياسات العامة، تحديد  وتغيير رؤى التدبير،  ضبط و توجيه التوجهات الإستراتيجية الكبرى التي تمس الجوانب الاقتصادية والمؤسساتية للمجتمعات، وكذا سائر البنى الاجتماعية والثقافية والفكرية  التي  تؤسس مقومات وجود وديمومة هذه المجتمعات.

إن التأسيس الفعلي والفعال لمنظومة الحكامة  وتوطيد بنيانها وتكريس مقوماتها  تظل رهانات  في أمس الحاجة  إلى  توافر جملة من الاشتراطات القيمية،  من قبيل التكامل  والاندماج  والانسجام والتوازن بين  سائر المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.  وذلك كله، في إطار من التداخل  الشمولي  والتماهي  المطلق. كما يفترض تحقيق  أهداف هذه الرهانات  الطموحة القيام،  وبشكل حثيث،  بإصلاحات  جذرية وعميقة  تطال البنيات الدستورية والقانونية والمؤسساتية والتنظيمية ونقل هذه البنيات من الجوانب التقليدية "المتحجرة" إلى الجوانب الحديثة "المتطورة". وكل ذلك أضحى يشكل مستلزمات الليبرالية الجديدة وأجوبة إجرائية عن الإشكالات المطروحة، نتيجة  التحولات الدولية المتلاحقة والمستجدات العالمية المتسارعة.

إن الحكامة بالإضافة إلى كونها أضحت في  عصرنا هذا مطلبا دوليا ملحا، هي أيضا،  وبالأساس مطلب تدبيري وتنموي، يشمل في كل جمعي  السياسة والاقتصاد والبيئة والعمران...إنها بنيان  متراص من القيم والمبادئ والقواعد والمعايير التي تمكن  الأفراد والجماعات والأجهزة والمؤسسات  من الاختيار المضبوط  والمعقلن للقرارات السليمة  وتحقيق  الأهداف  الإيجابية ، اعتمادا على سلط  الشفافية والكفاية والمشاركة والمساهمة. فهي  من منطلق ذلك،  تتجلى كأسلوب جديد  ومنهج متطور في التدبير، أصبح  لزوما على الدولة،  أن تعتمده كآلية ناجعة لتحسين أنماط عيش المواطنين وتحقيق سبل  رفاهيتهم  والاستجابة لمتطلباتهم  وتوفير احتياجاتهم، على شتى الأصعدة وذلك في انسجام  كامل وشامل مع  باقي مكونات  الحكامة  من القطاع الخاص والمجتمع المدني.

لقد أضحى مفهوم الحكامة  أو ما يعرف كذلك بـ"الإدارة  الجيدة  لشؤون الدولة والمجتمع"، يعتبر من أكثر المفاهيم ذيوعا واستخداما في مجال العلوم الاجتماعية والسياسات العامة، بيد أنه بالرغم من شيوع  الاستعمالات العلمية والعملية لهذا المفهوم، إلا أنه لم يستطع أن  يتوفر  في الوقت الحالي على الإجماع الضروري حول دلالاته  الحقيقية – البريئة والموجهة- فهناك من جهة أولى،  تصور البنك الدولي للحكامة،  والذي يأخذ بعين الاعتبار  مختلف الجوانب الإدارية والاقتصادية  المتحكمة  إيجابيا  في التدبير، كما  أن هناك تصور ثان، يعطي الأولوية للمعيار السياسي، مطالبا بتبني آلية الديمقراطية في إطار  تلازمي بين المفهومين ،  ثم تصور ثالث يصبغ عليه أبعادا "ميثولوجية"،  من منظور  اعتبار الحكامة  الحل السحري  لكل اختلالات العالم، مما يشكل في حد ذاته  انتقاصا من القيمة  الابيستمية لهذا المفهوم.     

 عموما، تجسد الحكامة  معيارا  حاسما  في الحاضر  والمستقبل،  كما أنها  تتبلور  كشرط  لا محيد عنه  لتشكل الشمولية. وهو الشرط  المحوري، الذي يبقى  الهدف الأساسي المتوخى من خلاله،  هو تفكيك  وإظهار  المصادر الدلالية لكل مفهوم  مطروح،  من زاوية خطابه  ومن جانب تمثلاته، انطلاقا  من جدول  شامل Tableau exhaustif، موجود سلفا،  والذي  غالبا  ما يفشل  في الانحناء  بخصوص  التمفصلات  الكائنة  في قلب المسارات المشروطة دوما  بفعاليتها  الرمزية والسياسية(5).

 على أساس ماسبق،  يمكن أن نستشف، أنه  ليس هناك تعريف جامع للحكامة. فهي من ناحية، تعكس تنوع الأبحاث المنجزة حولها وتعدد أنظمتها وجذورها النظرية (الاقتصاد، اقتصاد التنمية، العلاقات الدولية، علم اجتماع المنظمات، علم السياسة، علم الإدارة...) ومن ناحية أخرى، نجد أن تيبولوجيا الحكامة،  كثيرا ماتعري عن  صعوبة تحديدها كمفهوم (حكامة المقاولة، الحكامة المحلية، الحكامة العالمية أو الشمولية، الحكامة الحضرية...) (6).

إن الحكامة عبر ذلك،  هي تلك الأداة الفعالة، التي يمكن بواسطتها ضبط وتفسير، توجيه وتحديد التوجهات الاستراتيجية الكبرى التي تطال مجمل الجوانب الاقتصادية والمؤسساتية ومختلف البنى الاجتماعية والثقافية والفكرية وغيرها، كما أنها تتوخى بالأساس تطبيق  كل أنماط التدبير الجديد،  وفق  مستويات : أفقية وعمودية،  هيكلية  وقطاعية، محلية ودولية...  علاوة،  على البحث عن الروابط  القائمة  أو التي  يمكن أن تقوم بين مختلف المجالات  والفضاءات،  مع الحرص  الأكيد  على وضع  وبشكل تدريجي وتصاعدي  تراتبية هرمية عميقة  بين مختلف القطاعات لتجاوز تمظهرات التباين في  التصورات والإستراتيجيات في ظل التحديات الراهنة  والمستقبلية التي أصبحت مطروحة  بقوة وبشكل ملفت للنظر –إن لم نقل  للدهشة  والاستغراب – في ظل ترسخ نظام  شمولي  لتيار العولمة الجارف.   وهي  بالإضافة  إلى كل ذلك أداة وصفية تحليلية  رصينة ومنهج استشرافي متطور بإمكانهما المساعدة على تقديم  الإجابات الضرورية والحلول القابلة للتطبيق لمختلف الإشكالات الآنية والمستقبلية، الظرفية منها والدائمة، ولا يمكن أن يتحقق كل ذلك  إلا بالاسترشاد بمنظومة متكاملة من معايير ومبادئ الحكامة. 

وباختصار شديد، تتجلى الحكامة كمجموعة قواعد مبدئية، معيارية وقيمية، تتضمن إجراءات تتغيى أساسا تنظيم وضبط  أنشطة ومجالات تتعدى الحدود.

إذن، من خلال كل تلك التحديدات  ذات المعنى الشمولي العميق، فإن دعاة الحكامة يقصدون بها الحكامة العالمية التي تشمل العالم بأسره.   

    الإحالات :

                                                                     (1) Bernard Hours :«Développement gouvernance globalisation du XXe au XXIe siècle» , (L’Harmattan,Paris ),2012,P12

 

)2( عبد العزيز أشرقي، " الحكامة الجيدة: الدولة – الوطنية الجماعية ومتطلبات الإدارة المواطنة "، (مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى 2009)، ص:34

 

(3)  Bernard Hours :Op . cit,P12

 

 )4(  أمينة جبران، "المتحد العلمي في القانون الإداري والعلوم الإدارية"، (المطبعة والوراقة الوطنية مراكش، الطبعة الأولى2007)، ص:82.

(5)  Bernard Hours :Op . cit, P12-13

 

 (6)  Wafae Fares : « Du gouvernement A La gouvernance : Etude D’un Concept Ambigüe » Revue MASSALIK. N°8. 2008. P6

 

 

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة