القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
تحت عدد: 474
يشكل المواطن حجر الزاوية فيأي منظور تدبيري / تنموي

 فالتدبير الحديث والمتطور، والذي يتوخى بالأساس، الرفع  من القدرات  التمكينية التنموية  لمختلف المؤسسات /  التنظيمات يظل في عمقه، ومن أجل  تحقق هذا المبتغى،  يعمل جاهدا، وفق آليات تجدد نفسها  باستمرار، على متح عناصر قوته من شرعية الاستجابة  لمتطلبات  المواطن. وهي  المسألة التي يتم استحضارها في سائر الخطط والاستراتيجيات والسياسات التي مافتئت تتخذها الدولة  على هذا  الصعيد .إنه،ورغم وجود معايير هامة تؤسس لتدعيم حكامة جيدة،كالشمولية والديمقراطية والكونية، فإن ذلك لا يكفي لإقامة حكامة عملية مبنية على قواعد متينة وصلبة، بل يجب أن تمارس فعليا على أرض الواقع من طرف كل الفاعلين الاجتماعيين على حد سواء. وهذا يتطلب تمتع الجميع بكامل حرياتهم الأساسية وممارسة حقوقهم والقيام بالالتزامات التي تفرضها المواطنة التي هي قاعدة الديمقراطية الحقة والمجسدة للروح التي تجري في جميع شريان المؤسسات الرسمية،  وتعمل على تنشيطها وتفعيل مقتضياتها المسطرية(1).

فالمواطن كعنصر من عناصر الحكامة وكمكون من مكوناتها،يظل هو المنطلق المرجعي والمبتغى المنشود لترسيخ  قيمة المواطنة كلبنة أساسية من لبنات بناء الصرح الديمقراطي لأية دولة من الدول، لدرجة معها يمكن اعتبار أصل الأزمات والنكسات  الحضارية التي ما فتئت تبتلى بها الأمم ، هو قعود الناس" المواطنين" عن ممارسة "مواطنتهم"(2). وهنا يبرزمفهوم "المواطن الديمقراطي"،باعتباره  ذاك المواطن المؤمن بالحقوق التي له والواجبات التي عليه، والمتشبع  في  ذات الوقت بالقيم  الديمقراطية الكونية من حوار وتعايش وتسامح وتراضي وتوافق...

 على هذا الأساس، يمكن التأكيد ووفق أدبيات "الدمقرطة"،  على  أنه لا ديمقراطية حقيقية بدون "مواطن ديمقراطي" ودولة ديمقراطية ولا تقدم بدون علم وعمل ووعي بتحـديات العصر ومتطلباته  التي أضحت في الوقت الحالي أكثر راهنية وإلحاحا. هذا من جهة، من جهة ثانية يظل المشروع المجتمعي  الفعال والناجع، هو الذي يساهم في صنعه جميع المواطنين، وفي طليعتهم القوى الحية والنخبة المثقفة الواعية والمخلصة التي تدعم الدولة وتقدم لها النصيحة وعليها تقع مسؤولية توعية المواطن وتنظيمه وتأهيله ليشارك بدوره وبفعالية في بناء المجتمع وتقدمه وازدهاره في إطـار ديمقراطي صحيح  وواضح وشامل. وبذلك،لن تكون  الديمقراطية هي الأداة الوحيدة للبناء، ما لم تترسخ قيمها وفضائلها في البيت والمدرسة والشارع وفي جميع المؤسسات وعلى جميع المستويات(3). كما أنه من جهة ثالثة، يبقى من الضروري أن يكون هناك إطار للتفاعل والحوار بين  مكونات القطاع الخاص وتنظيمات المجتمع المدني ومؤسسات الدولة فيما يخص التنمية،  وذلك كله بغية  الرفع من التمكين الأفضل للسياسات العامة وجعلها تحقق الأهداف  الطموحة المتوخاة منها،  وعلى رأسها  ترك الأثر الايجابي على أنماط عيش المواطن. ومن ثم، خلق الصدى الطيب تجاه  العمق الغائي لهذه السياساتوبعث التفاؤل المأمول في روح "المواطن الديمقراطي" . هكذا،يستطيع القطاع الخاص أن يؤمن الشفافية في الكثير من المجالات، لقدرته الفائقة على نشر المعلومات وإصدار الإحصاءات الدورية وتسهـيل الحصول على المعلومات. كما  تبرز في هذا السياق،أهمية العلاقاتالقائمة  ما بين القطاع الخاص والجامعات ومراكز البحوث والتطوير والتدريب لربط مخرجات التعليم بالحاجات الحقيقية لسوق العمل، وتأمين الوظائـف ومكافحة البطالة التي هي أحد مسببات الفقر(4)، علاوة على مختلف  الأدوار والوظائف التي  أضحت ملقاة على عاتق مؤسسات المجتمع المدني، خاصة  في ظل عصر  مافتىء  يعرف  دينامية  قوية  للفاعل  المدني،مما يؤسس بذلك لمفهوم المشاركة.هذه الأخيرة، سواء كانت مباشرة للسكان أو عن طريق الجمعيات تفتح المجال لما يسمي بالديمقراطية  التشاركية، وهـي تشكل المبدأ  الذي يسمح بالمشاركة المباشرة " للمواطن " في اتخاذ القرارات واختيار الأولويات (5).

إن قيمة المواطنة مرتبطة بانتعاش  الحرية والمسؤولية وممارستهما علـى أرض الواقع، من طرف المواطنين وممثليهم المنتخبين. ومن ثم، فإنه لا زال الإلحاح يتأكد مرة بعد  أخرى،  ووفق  درجات مختلفة على الدفع بهذا الشعور القوي لمدلول المواطنة، حيث يتم الحديث عن الشخص المواطن، المقاولة المواطنة، المؤسسة المواطنة، الإدارة المواطنة... (6)وفي إطار تركيبي لكل ذلك، يمكن المزج مثلا بين الشخص المواطن والإدارة  المواطنة، ليتم ترسيخ بعض قيم ومبادئ المواطنة، من قبيل:

·       تعزيز التوجه الديمقراطي للإدارة في علاقتها بالمواطنين بصفتهم قيمين على حصيلة مكتسبات  وتراث الأجيال، ومساهمين في أعباء عامة، ومستفيدين من  خدمات عامة.

·       تحقيق الشفافية  ومسؤولية الإدارة  تجاه المواطنين.

·       بناء الثقة بين المواطن المساهم في أعباء عامة والمتضامن مع شركائه في المواطنة والإدارات العامة التي تتولى الجباية والإنفاق.

·       تعزيز المواطنة الضريبية التي هي أساس السلوك المواطني، حيث  أن المواطن الذي يساهم في أعباء  عامة تحت مظلة التضامن الوطني من حقه المشاركة والمساءلة والمحاسبة(7).

إن مبدأ المواطنة كما تناولته مختلف المراجع والأدبيات السياسية والاجتماعية هو علاقة تبدأ بيـن فرد ودولة، بما تتضمنه تلك العلاقة من حقوق وواجبات، ويندرج ضمن هذا المفهوم الحرية وما يصاحبها من مسؤوليات. فالمواطنة إذا تضفي على المواطن حقوقا سياسية وأخرى قانونية واجتماعية واقتصادية وثقافية، كما تفرض عليه التزامات عليه أن يتحملها ويلتزم بها كمواطن تجاه الدولة(8).

وبمنطلق الحقوق والواجبات هذا،سنجد أن طموحات المواطن مهما كانت مشروعة، لا بد وأن تعكس الغاية النبيلة التي تحركها، بغية الاطمئنان على سعيه الحثيث وراء البحث  عن فرص الاندماج التي يسمح بها الواقع بإكراهاته وتناقضاته، كما أن توجه الدولة لابد وأن يسعى إلى تحصين المواطن ضـد كل التيارات المشككة في قدرته على الاندماج، فتصبح بالتالي مصلحة الدولة ومصلحة المواطن متقاربة إلى حد التماثل، خصوصا في غاية يحركها منطق التعايش الاجتماعي والمعزز بقبول الدولة لفكرة الانتساب لنفس المرجعية التي تؤطر سلوك المواطن(9)، وهي مرجعية غالبا ما تكـون دستورية، إذ أن العلاقة  بين  المواطن والدولة هي علاقة تعاقدية مقننة عادة بالدستور أو القوانين الأساسية والمتمثلة في واجبات محددة وفي حقوق معترف بها(10).

ومع أنه يصعب تحديد تعريف مضبوط وثابت لمبدأ المواطنة باعتباره مصطلحا أساسيا، حيا ومتحركا في صيرورة تاريخية مستمرة ، إلا أنه مع ذلك يمكن إعطاء تعريف عام لمبدأ المواطنة ينحصر في المشاركة الواعية والفاعلة لكل شخص  دون استثناء ودون وصاية من أي جهة  في بناء الإطار الاجتمـاعي  والثقافي  للدولة .

 وفي هذا الصدد، يقع الإلحاح على أن يتم الأخذ المتواصل بمفهوم واسع وعميق لإشراك المواطن، وفي نفس الوقت  يكون مزودا  بمتطلبات المواطنين تجاه   الدولة، يضاف إلى هذا بنية قوية واستجابة متزايدة لحاجياتهم من الحريات الأساسية والخدمات العمومية (11).كل ذلك  يتم في إطار المشاركة في شتى تجلياتها بما فيها المشاركة السياسية التي ترتبط بالاهتمام بالشأن العام وبإشراك المواطنين والمواطنات في  إنجازه، وتتوقف المشاركة على اهتمامات المواطن بالدرجة الأولى وعلى المناخ السياسي –فكريا وماديا واجتماعيا- الذي يسود في المجتمع. ففي المجتمعات الغربية تعتبر المشاركة السياسية واجبا مدنيا على المواطنين، وكلما زادت المشاركة كان ذلك دليلا على صحة المناخ السياسي وسلامته، فضلا على أن المشاركة تعتبر أفضل وسيلة لحمايــة المصالح الفردية(12). ولقد تعددت الإحاطة بمفهوم المشاركة السياسية في علاقته بالدور المنـوط بالمواطن. فهناك من يرى أنها" النشاط الذي يقوم به المواطنون المعنيون بقصد التأثير على عملية صنع القرار الحكومي "، وهناك من يعرفها، على أنها "عملية تشمل جميع صور اشتراك أو إسهامات المواطنين في توجيه عمل أجهزة الحكومة أو أجهزة الحكم المحلي أو لمباشرة القيام بالمهام التي يتطلبها المجتمع، سواء كان طابعها استشاريا أو تقريريا أو رقابيا، وسواء كانت المساهمة مباشرة أو غير مباشرة" .

إن المشاركة بذلكتتجلى  باعتبارهاجسرا رابطا بين الفرد كعضو في جماعة والفرد كمواطن سياسي.ولتجسد  بذلكإحدىأهم  مقومات الديمقراطية، إذ تعكس من جهة درجة الوعي السياسي لكونه معيار للتقدم وتساهم من جهة ثانية في تحقيق مطلب التحول الديمقراطي والتنمية الاجتماعية والسياسية.

ويظل العنصر الأساسي هنا في مفهوم المواطنة هو الانتماء الذي لا يمكن أن يتحقق بدون تربية المواطنين على القيم النبيلة،  وهي التربية  التي تعد  شرطا لا مندوحة  عنه  لتحقيق المواطنة.وبذلك،  نستنتج أن روح الديمقراطية هي المواطنة.ومن ثم، فهذه الأخيرة هي القلب النابض لمفهوم الديمقراطية(13)، والتي توفر بالأساس نهج حكم جيد قائم على المشاركة السياسية الواسعة للأفراد، وتتيح تدبيرا عقلانيا(14) يجعل المواطن هو أساس التنمية(15).

على هذا الأساس، فالحكامة تجد عامل انبعاثها القوي، وبالموازاة مع الإمكانية الحقيقية للمعارضة، والمراقبة  الفعلية على نمط تدبير الدولة وأجهزتها ، والذي يساعد على مواجهة الممثلين والناخبين على حد سواء، بل يوفر أكثر من ذلك الحرية المطلوبة لإثارة الانتباه  والنقد عند الضرورة ومساءلة كلأوجهالتدبير السيء والقائمين عليه . وباختصار، يتحدد المواطن كعنصر من عناصر الحكامة من خلال إيمانه العميق بمفهوم المواطنة، باعتباره  التجسيد  الأمثل للمشاركة المتساوية، أي إمكانية  تماهي المواطن  مع كل ما هو كيان تاريخي، حقوقي، قيمي ومساهمته الفعالة  في اقتراح  وصياغة القرار، وفي تدبير وتسيير كل من الشأنين المحلي والعام، وكذا في تقاسم ممارسة السلطة وتداولها والرقابة عليها، وذلك بالمساواة في الحقوق والمسؤوليات مع المواطنين الآخرين رجالا  ونساء وأطفالا، وبعبارة أخرى  هي عملية المشاركة النشيطة والعادية لهؤلاء المواطنين في الحياة السياسية وغيرها من الإطارات المجتمعية لجماعتهم ودولتهم(16)  . هكذا، يتضح جدوى الوقوف على دور المواطن في صياغة أهمية الحكامة، من حيث أنه عنصر من عناصرها،  وكذا باعتباره شريكا في بلورتها كمعطى قائم على التمكين الإيجابي والتضمينية الفعالة.

 

الإحالات 

 

 

(1)  عبد العزيز أشرقي،" الحكامة الجيدة: الدولة – الوطنية الجماعية ومتطلبات الإدارة المواطنة "، (مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى 2009)،   ص:60.

(2إدريس مقبول "المواطنة ودولة الإنسان: أو حتى لا نعيد إنتاج التسلط " ، (مجلة الدولية، العدد الخامس، 2009) ، ص:108.

(3)  إدريس نقوري، "الدولة والديمقراطية في ظل العولمة " ضمن" الديمقراطية والوحدة والتقدم، أية علاقة؟ الديمقراطية، الوحدة الوطنية والتنمية "،(منشورات شركة أوداد للاتصال، الرباط 2001)، ص:60.

(4)  حسن كريم،  "الفساد والحكم الصالح في البلدان العربية"،(مجلة المستقبل العربي، العدد 4/ فبراير 2004)، ص:123

(5)  نزهة الصقلي،" الشباب والمواطنة"،(مجلة الشعلة عدد مزدوج 9/10، ماي 2005 )، ص:6

(6)  عبد العزيز أشرقي ، مرجع سابق، ص:60

(7)  فؤاد السعد،"شرعة المواطن في علاقته بالإدارات العامة ضمن "شراعات المواطن القطاعية : التربية، الصحة، البيئة، التراث، السلامة العامة، المال العام" (تنسيق أنطوان مسرة) (مركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت 2001)،  ص:487.

(8)  عبد العزيز أشرقي، مرجع سابق، ص:60

(9)  فريد السموني، "القانون الجنائي،  ظاهرة الجريمة وفكرة المواطنة "،(الشعلة عدد مزدوج 9/ 10 ، ماي 2005(، ص:11.

(10)  عبد العزيز أشرقي، مرجع سابق، ص:291

(11)  نفس المرجع، ص:61

(12)  فدوى مرابط،" المرأة والمشاركة السياسية،  نموذج المغرب "، ( مجلة الدولية، العدد الخامس، 2009(، ص:48.

(13)  عبد العزيز أشرقي، مرجع سابق، ص:285

(14)   نفس المرجع، ص:61.

(15)  محسن الندوي، "دور الحكامة المحلية الرشيدة في تدبير الشأن المحلي بالمغرب""، ( مجلة شؤون إستراتيجية، عدد3، يناير/ مارس 2010( ، ص:3

(16)  المصطفى صوليح، "دار الشباب كفضاء مفضل للتدرب على المواطنة "،(الشعلة ، عدد مزدوج 9/10، ماي 2005(،ص:19.

 

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة
 


أعلى الصفحة