القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 431
غالبا ما نقف عند دراستنا لمفهوم الحكامة عند

 حقيقة مفادها، أنه إذا لم يكن هناك إجماع حول  مغزى ومعنى هذا المفهوم  "الزئبقي" / "الانسيابي" في تركيبته، أنماطه، أبعاده، ومبادئه، فإنه على العكس من ذلك تماما، يبدو أنه هناك إجماع على الأقل حول غايته أو هدفه، والمتمثل بالأساس في التنمية بشكل عام والتنمية البشرية المستدامة بشكل خاص، باعتبار أن الحكامة تسعى أولا وأخيرا، إلى تحقيق سبل التنمية للأجيال المتعاقبة، الحالية والمستقبلية.

إن هذه الغائية"المنشودة" و"المأمولة"، هي التي أضفت نوعا من الضبابية على تحديد مفهوم الحكامة وعمقت غالبا اللبس المرتبط باتيمولوجيته. وذلك، عبر خلق منظومة"متشعبة" و"معقدة" من التعاريف المتعددة لهذا المفهوم، منظومة "شبائكية" بامتياز، تتمثل في سيرورة متحركة، جامعة لعناصر متراصة  ومنسجمة أحيانا، متنافرة ومتباعدة أحيانا أخرى، مكونة في جوهرها من جملة من التمفصلات التنموية المتداخلة، والتي  تشمل  في كل واحد، وفي اطار متماهي، ماهو ثقافي، اقتصادي، اجتماعي ومؤسساتي. وهي التمفصلات، التي تبدو في بعض الحالات  العصية  على الفهم  الابيستيمي، أكثر"طاوباوية" من الناحية العلمية  ،وبالتزامن، أكثر بعدا عن الواقع  وتطبيقاته العملية، مما يحتم عليها، أن تتوسل،  وبعمق، برؤى استشرافية /  متبصرة  في الإعداد الرشيد والتدبير المعقلن للغائيات  المرجوة والأهداف  المتوخاة من  المسارات التنموية،  والتي  عليها أن تقوم وفق اشتراطات من  التفاعل والتكامل والتوازن والاستدامة، من خلال الأخذ المستمر والمتواصل بآليات المقاربة المندمجة والالتقائية للتنمية، والتي تسعى أساسا إلى إبراز التداخلات الممكنة  والغير الممكنة،  الصريحة والضمنية  بين مختلف المتغيرات السياسية، الاقتصادية الاجتماعية، والثقافية... وذلك  كله، في إطار شمولي/ استراتيجي، منظم / مهيكل،  يتوخى، عبر تبني  منظور  استباقي للأشياء والظواهر والأحداث، وضع  المواءامات الضرورية والصيغ اللازمة والكفيلة  بايجاد الظروف المواتية  والميسرة لتنمية أي مجتمع  من المجتمعات . ومن ثم، فالحكامة في أي  تنظيم وأي مؤسسة، تبقى من أهم الضروريات لإنجاح المشاريع  وتحويل  الأفكار إلى منجزات  واخراج التصورات من القوة إلى الفعل ، إلا أن تطبيقها السليم  كفكرة،  يستوجب لزوما، الأخذ  بمبادئ  قيمية متطورة، من قبيل الشفافية والمسؤولية والمساواة والاندماج وحكم القانون والمشاركة والنجاعة والكفاية  والتفاوض والتوافق  والتنسيق والرؤية الاستراتيجية...  حيث ينبغي هنا، وضع الحكامة في سياقها العام الذي يخدم المسار التنموي في سائر المجتمعات-خاصة  الثالثية منها- . وذلك،  باعتبارها مفهوما"ديناميا"، يعبر عن العلاقة التي من المفترض أن تتوطد بين أجهزة الدولة والحكم من ناحية، ومؤسسات المجتمع المدني والقطاع الخاص من ناحية أخرى، مع التحديد الدقيق والمضبوط لدور كل واحد منهم في إدارة  وتدبير  دواليب الدولة من منظور تبلورها  كمكونات للحكامة عليها، وفي اطار شمولي، أن ترسخ أدوارها في المجتمعات التي تعتمل في دواخلها.  هكذا، وفي سياق تواجد مؤشرات عدة لعجز مزمن مرصود على مستوى استجابة الدولة لاحتياجات المواطنين، خاصة في الدول النامية، والتي مافتئت منظومتها  التدبيرية،  وعلى شتى  الأصعدة،  تتسم باختلالات عميقة  ومعقدة، أضحى تبني أسس الديمقراطية التشاركية  من طرف هذه المكونات،  فيما يتعلق  بتحمل أعباء التنمية المجتمعية ضرورة ملحة. وهنا كثيرا ما يثار التساؤل الجوهري،  حول حدود  اشتغال كل  مكون  من هذه  المكونات،  في ظل  "بنيوية" و"ادامة"   العراقيل  الكابحة  لمختلف  أنماط هذا الاشتغال، وكذا في ظل  قصور  غائيات أدوار كل واحد منهم وانسيابية طبيعة المشاركة التي يمكن إقامتها بينهم. فمفهوم الحكامة  هنا،  ووفق هذا  السياق، يعطي  دورا  مغايرا  لمكون  من مكوناته،  والمتمثل في الحكومة، عبر التقليص المستمر من اختصاصاتها،  وجعل  تدخلاتها  مقتصرة  على وظائف "مقلمة"، من قبيل  التوجيه، والإشراف، في غياب  أي  تمظهر  لتدخل  "كوربوراتي" صارم،  معلنة  بذلك  الدولة –خاصة  المترهلة / الهشة منها- على تخليها الطوعي –وأحيانا  المفروض من  المؤسسات  الدولية في اطار  منطق هيمنة الحكامة  أو الحكامة "المهيمنة" - عن القيام بتلبية العديد من الخدمات العامة التي كانت حكرا  عليها،  وتفويض   مجمل أداءاتها  ووظائفها  لأي مكون آخر من مكونات الحكامة كالمجتمع المدني أو القطاع الخاص أو حتى  المواطن الذي أضحى بدوره  يشكل  سلطة من السلط. على هذا الصعيد المتطور، يندرج مفهوم الحكامة ضمن شبكة مفاهيمية متشعبة، لكونه يرتبط بالأساس بمجموعة من المفاهيم من قبيل التنمية، المجتمع المدني، المواطنة، الديمقراطية... كما ينطوي هذا المفهوم، على سيرورة تاريخية خاصة، نقلته من عوالم  الاقتصاد  إلى عوالم أرحب،  وفي  قمة  هرمها  عالم  السياسة،  وهو ما يتجسد  في  صياغته  لنماذج  وأنماط  كيفية إدارة الدول والحكومات للشأن العام، حيث  كثيرا  ما يحبل، عبر ذلك، لفظ "الحكامة"  بمعاني الرقابة والتوصية والتدبير، ليتوطد مع مرور الوقت المعنى الغائي المرتبط بنظرية الليبرالية الجديدة، من خلال تركيز هذا  المفهوم  على  مسألة الرقابة.  وذلك، في اطار  تجميعي/  تكاملي، بين نمطين متماهيين/ متداخلين  من الرقابة :  الرقابة من الأعلى (الدولة) والرقابة من الأسفل (  باقي  مكونات  الحكامة، المجتمع المدني خصوصا).

وعموما،  فالمنظور  الغائي للحكامة،  وفي  ظل  دراسة  مختلف مقاربة التغييرات الحاصلة   على مستويات ممارسة الفعل العمومي، بما فيه الفعل التنموي، يجسد رهانا من الرهانات  التي  ينبغي على الدول والمجتمعات، العمل، بجهد  ومثابرة،  على  الظفر  بثماره  الايجابية،  كرهان  مستقبلي،  معول  عليه،  للرفع  من القدرات  التمكينية  لهذه  الدول   والمجتمعات، من منطلق   ترسيخ  آفاق  تنميتها  المستدامة والواعدة. وذلك،  من خلال تبني  الاجراءات  والخطوات التالية –على اعتبار  الحكامة  في حد ذاتها،  هي  جملة    الاجراءات  والخطوات  التي  تنقل  التدبير  من مرحلة  سيئة  إلى مرحلة جيدة حيث يتبلور  هنا مفهوم  الحكامة الجيدة  Bonne Gouvernance -:

* إعادة النظر في القطبية الحكومية الأحادية على صعيد تدبير الشؤون العامة وتقديم صيغ جديدة للضبط والمسؤولية واتخاذ القرار.

* تداخل السلط المرتبطة بالعمل العمومي المستوجب لمسلسل التفاعل والتفاوض والمشاركة لمعالجة جماعية للمشاكل وتحقيق أهداف ومشاريع مشتركة، ومنها الأهداف والمشاريع التنموية.                                                                                * رسم  الأبعاد الفضلى  للتدبير الجيد  القادر  على  وضع  قطار الاصلاح  في سكته،   أي اصلاح  البنيات  والهياكل والموارد والاستراتيجيات.                                       * جعل غائيات التنمية  تدخل  في اطار  سيرورة   تراكمية، قائمة  على   ركائز  الالتقائية  والتكامل  والتفاعل  والاندماج، مع التموقع في منأى عن كوابح  الفعل  التنموي.

 وبصفة عامة،  يمتد الإطار المفاهيمي الغائي  للحكامة إلى مقاربة إشكاليات توزيع السلط، وتحديد  حجم المسؤوليات، وضبط  مختلف أنساق اتخاذ القرار، وهيكلة مجمل أدوار مؤسسات النظام الاجتماعي والسياسي، كما يتضمن أيضا معظم الإشكالات المتمحورة  حول  الصيغ  المعتمدة لدمقرطة تسيير شؤون الدولة، وأوجه التعبئة المدنية الايجابية  وصور اعداد المبادرات المحلية والجهوية والوطنية، وفق  منظور غائي متطور وفعال.  فالغاية القصوة  والمنتظرة، بإلحاح  شديد، من منهج الحكامة، في نهاية المطاف   - وذلك عبر التشخيص الدقيق لكل المعطيات  المرتبطة  بمسارات التنمية والتحليل  الموضوعي لكل القضايا ذات الصلة بتفاعلاتها والعمل على اقتراح الإصلاحات الضرورية و طرح  الحلول  البديلة  للإشكاليات القائمة، مع  الادخال، وباستمرار، للتغييرات المناسبة والتحيينات  الملائمة -هي ضمان تنمية بشرية شاملة، مندمجة  ومستدامة. وهي، الغائية  التي غالبا  مايتم  توخيها في الأدوات والآليات المسيطرة في خطابات وممارسات  المؤسسات الدولية، ومنها منظمة OCED، التي تؤكد-كما يرى ذلك، الاقتصادي  Traore  Bakari - أن الحكامة هي نمط يبحث عن خلق دول قادرة وناجعة، ومحيط ملائم، حيث يلعب كل من القطاع العام والقطاع الخاص أدوارهما المتبادلة بشكل فعال وضامن للتنمية المستدامة.

 على هذا الأساس، يمكن النظر إلى الحكامة من منطلق غائي،  بكونها  آلية للتدبير الرشيد والحكيم للموارد– البشرية، الطبيعية والتقنية- بهدف تحقيق التوازن والاستدامة في التنمية.

إلى أنه، ومع ذلك، ما يزال الحديث عن التنمية البشرية المستدامة والحكامة في مرحلته الأولى، وبخاصة في عالمنا  الثالثي. إذ، أن الحكامة، ورغم أنها الضامن لتحويل النمو الاقتصادي إلى تنمية إنسانية مستدامة، فقد ظل مفهومها بحاجة إلى تأصيل عميق، خصوصا في الدول  النامية –بما فيها غالبية  الدول  العربية- التي  مافتئت تعاني من ضعف شديد وبين في مؤشرات الدمقرطة والمشاركة، مركزية الدولة المفرطة، عدم إعطاء دور كاف لهيئات الحكم الترابي، إبعاد مؤسسات المجتمع المدني من المساهمة  الناضجة  والفعالة وعدم توفر بيئة صالحة سياسيا، فكريا، ثقافيا، اقتصاديا واجتماعيا ، سواء على صعيد التشريعات أو بسبب ضيق مساحة الحريات الخاصة والعامة، وبشكل خاص الحريات الأساسية.

 وعموما، فعلاقة التنمية بالحكامة، يمكن الوقوف  عليها من خلال ثلاث زوايا، هي:

§       الوطنية: تضم في طياتها  عوامل  ارساء  البنيات  العمرانية  والمجالية  -الحواضر والقرى-   والبواعث الموضوعية والدوافع  القيمية  التي تحرص  على ادماج سائر الفئات الاجتماعية  والشرائح  المجتمعية في سياقات    الترسيخ الأكيد لمبدأ المساواة بين الجميع كمبدأ قيمي/ معياري.

§        العالمية: أي التنصيص العالمي، على  مبادئ  الانصاف والعدالة في توزيع الثروة بين الدول الغنية والدول الفقيرة والتضامن في الموارد والتأكيدعلى قيام العلاقات مابين الدول على أسس رصينة،  تتسم بقدر  كبير من الاحترام لحكم  القانون  وقيم  السلم والتسامح واضفاء  المزيد من  الأنسنة  على  هذه العلاقات، بما يضمن في  نهاية  المطاف خلق  قواعد  سامية  للعيش المشترك.

§       الزمنية: أي  مراعاة مبدأ  الاستدامة،  وجعله  حافزا  لبلورة  المرتكزات   المتينة لتنمية رائدة،  وتوفير الظروف لمواتية لانبثاق ايجابي وفعال لمشاريع  تحقق مصالح الأجيال الحالية والأجيال المستقبلية.

ومن ثم، فالحكامة، وفق المنظور الغائي، هي القدرة الفائقة على اتخاذ القرار السليم من طرف كل الفاعلين التنمويين. وبذلك، فهي تعبير جلي وعميق، عن نمط جديد  ومتطور في التدبير، يتسم بالفعالية والنجاعة، بغية الوصول إلى مبتغى التنمية المستدامة.

إن سياقات التعريف  الغائي، هي سياقات تتوخى جعل مفهوم "الحكامة " يتسم بنوع من الراهنية، عوض الظرفية وبنوع من الايجابية عكس الانتكاسية على مستوى الضبط المفاهيمي المقترن بكل ما من شأنه أن يسلط الضوء أكثر على غائيات "الحكامة " كسياق إبستمولوجي متطور باستمرار، ما فتئ يعري عن أهميته المنهجية والتحليلية، لكل سياسة عامة تتوخى الكفاية  والمردودية، ولكل  نمط من التنمية يتغيي النجاعة والفعالية، وفق رؤية متجددة على الدوام، منبتة لايجابيات التطور ومجتثة لسلبيات الجمود.   

 

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة