القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 477
تتمظهر الحكامة حسب "لجنة الحكامة العالمية

 كمجموعة الطرق التي تدبر بها المؤسسات العمومية والخصوصية  مختلف قضاياها وسائر إشكالياتها، كما أنها  تتجلى   من المنظور  المؤسساتي  باعتبارها  جملة  من  المعايير والبنيات التي من خلالها تتواجد السلطة في  مجتمع ما، والتي تحرص بالأساس  في أداء وظائفها المتنوعة والمعقدة على تحقيق  غائياتالصالح العام، ومن بين ما تعنيه أيضا في هذا الصدد، كونها  مجمل /مجمع آليات ضمان احترام المواطنين والدولة والتنظيمات السياسية والمدنية  للمؤسسات  القائمة، وما يرتبط بذلك من قدرة هذه المؤسسات وتمكنها من  بلورة  الممارسات الفضلى،  فيما يخص معايير  الإنجاز في شتى المجالات والميادين .

هكذا، تتضح مأسسة الحكامة من خلال اعتبارها منهجا لتنمية مؤسسات المجتمع، سواء كانت من مؤسسات المجتمع الرسمي أو الأهلي أو الاقتصادي (مجتمع الأعمال). فالحكامة هنا، هي ما يميز بين مؤسسة تملك سلطة ما (سواء كانت سلطة رسمية أو أهلية أو اقتصادية أو مزيجا منها) ومؤسسة تحسن مباشرة-أوإدارة- هذه السلطة. حيث تدور فكرة الحكامة من هذا المنطلق حول حسن إدارة المؤسسة من ناحية عناصر ثلاثة ينبغي "حوكمتها": الأول هو الأفراد (القائمون عليها أو المتعاملون معها) و الثاني هو الأموال (إيراداتها أو نفقاتها) والثالث هو المعلومات (حيثيات قراراتها و آثارها) (1)  .

من هذا المنطلق، فالحكامة تكمن في كفاءة المجتمعات الإنسانية على التوفر على أنظمة تمثيلية ومؤسسات وقواعد ومساطر ووسائل التقييم والتقدير ومسلسلات وهيئات اجتماعية قادرة على تسيير وتدبير الترابطات والروابط بطريقة سلمية(2)  ، كما أنها تضم في طياتها جميع  البنيات القائمة والتنظيماتالسائدة في المجتمع من أجهزة الدولة ومؤسسات المجتمع المدني وهيئات القطاع الخاص ومدى  انصهارها في عملية متراصة للتمازج الفعال.

هذا، وأن أغلب الدارسين الذين تناولوا مفهوم "الحكامة" يجمعونإتيمولوجيا على كونها آلية ناجعة لمسارات وعمليات صنع واتخاذ القرار وضوابط مأسسة العلاقات داخل المجتمع ومؤسساته المختلفة، وهي  السيرورة  التي تشمل في تضمينيتها مجموعة من التفاعلاتالمعتملة في  هياكل  وطرق تحديد كيفية ممارسة السلطةبشتى تجلياتها  السياسية،الاقتصادية  والاجتماعية ومختلف تمظهراتتعبير المواطنين عن آرائهم وتجسيد متطلباتهم وتحقيق طموحاتهم. ومن ثم،تتجلى"الحكامة" كمنطلق  ضروري للإصلاح العميق  لبنيات  وهياكل الدولة والمجتمع وباقي  المؤسسات  من مجتمع مدني وقطاع  خاص،  مع الحرص على عقلنة وترشيد التدبير في شتى القطاعات.

إن "الحكامة" كمفهوم  صاعد  منذ   العقدين  الأخيرين  من القرن العشرين وكتيمة  متطورة ومتجددة باستمرار كثيرا ما نظر إليها في إطار مؤسساتي، على أنها  لحظة تاريخية  في  السلم  الكرونولوجي للبشرية، توخت  بالأساس،ومنذ انبثاقهاالإرهاصي / الأولي،  مواكبة  التطورات التي  تميزت  بها المؤسسات بمختلف  تجسيداتها،  مع الاخذ بعين  الاعتبار  كل ما تحمله  في طياتها  هذه المؤسسات، من عوامل إقرار آليات جديدة وحديثة في التدبير تمكن في جوهرها من إيجاد الحلول  الناجعة والفعالة  لمختلف  الإشكالات العويصة  التي  أضحى  يعيش على إيقاعها  العالم المعاصر، وكذا  معالجة  سائر الاختلالات المرصودة على صعيد مختلف أوجه التسيير،وأيضا تذويب كافة أشكال التقاطع والتمايز القائمة بين كل عناصر الحكامة (القطاع العام، القطاع الخاص، المجتمع المدني، المواطن) وإتاحة  فرص  اندماجها وإمكانيات  انبثاقها في  بوتقة  واحدة. ومن ثم،  فالحكامة   وفق التحديد   المؤسساتي، تتبلور  باعتبارها قدرة المجتمع الإنساني على التوسل  الإيجابي بأدوات وتقنيات ومناهج التدبير  المؤسساتي  وجعل  مختلف  عناصرها  تتزود   على مستوى  هذا  التدبير بمقومات  السلوك  الأفضلوالأنجع  والقمين  في نهاية  المطاف  بتحقيق سبل  التنمية على شتى  الأصعدة.

هكذا،  ومن منطلق أن الحكامة هي أساسا مجموعة من القيم والعادات والقواعد التي تساعد الأشخـاص والمؤسسات على اتخاذ قرارات ناجعة وبلوغ أهداف مشتركة، اعتمادا على سلطة الشرعية والمشروعية، ومن منطلق أنها أيضا أسلوب جديد في الحكم تعتمده الدولة من خلال مؤسساتها المختلفة لتحسين نوعية حياة المواطنين وتحقيق رفاهيتهم، وذلك في تناغم تام مع القطاع الخاص والمجتمع المدني،(3)   نجد أن نمط الحكامة المؤسساتية يتبلور كشكل جامع للنماذج المؤسساتية المحددة لتدخلاتمختلف الفاعلين على مستوى الأنشطة المساهم في إنجاز أهدافها والمحققة للمصلحة العامة.

هذه الأخيرة، لا يمكن أن يحصل إرضاءها إلا من خلال وسائل مختلفة تتمحور أساسا في نماذج محددة وتنظيمات متنوعة( عمومية، خاصة، ربحية، غير ربحية..) أي أن المصلحة العامة يمكن أن يتم تحقيقها عبر الدولة، السوق، وكذا انطلاقا من التركيبات المؤسساتية للمجتمع المدني.

على هذا الأساس، يسمح لنا مفهوم نظام الحكامة بالتمييز بين نماذج مثالية Types-Idéaux لأساليب تدخــل الفاعلين وأساسا الدولة، وكذا تحليل التغييرات التي تطرأ على الحكامة وإدراك المركبات المؤسساتيــة لها(4).كما أن أنواع الفاعلين تتحدد حسب أشكالهم المؤسساتية: خاصة، عامة،لاربحية.. وعلى هذا الصعيد، يتم التمييز بين ثلاثة أبعاد من الحكامة:

* الحكامة التنظيمية *La gouvernance organisationnelle

* الحكامة المؤسساتية * La gouvernance institutionnelle

* أنظمة الحكامـة * Les régimes de gouvernance        

حيث تهتم الحكامة التنظيمية بأساليب التنسيق وتفاعل الفاعلين داخل المنظمة، وتركز أنظمة الحكامة على أساليب التنسيق وتفاعل الفاعلين على مستوى القطاع secteur(meso)  أو الجماعة une collectivité (macro)، في حين أن الحكامة المؤسساتية تعطي الأولوية لأساليب التنسيق والتفاعل بين المنظمة من جهة وبين الفاعلين المؤسسين لمحيطها من جهة أخرى. وما يميز الحكامة المؤسساتية في هذا المستوى هو توفيرها لأشكال مؤسساتية لمختلف الفاعلين، عبر مختلف أنظمة الحكامة، والتي تتحدد في:

* الحكامة العمومية * La gouvernance publique

* حكامة المقاولة *La gouvernance corporate ou d’entreprise

* الحكامة التنافسية * La gouvernance concurrentielle

* الحكامة التشاركية * La gouvernance partenariale

إن نمذجة أنظمة الحكامة هاته تبرهن على أن مفهوم النظام المؤسساتي يمكن أن يبنى ويستعمل في تحليل الظواهر المؤسساتية برمتها،(5)  وهو التحليل الذي يتراوح مكانه حاليا بين الجانب التشاركـي والجانب التنافسي، خاصة على مستوى تحليل السياسات التنموية والمؤسسات الفاعلة فيها، وهنا نجـد أنفسنا أمام النموذج التشاركي La modèle partenarial ، والذي يتطور فيما بعد نحو نموذج تنافسـي Le modèle concurrentiel، فالأول يعكس ما يسمى بالحكامة التوزيعيـة Une gouvernance distribuée  ، أي توزيع المهام بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين أو بشكل أبسط حكامة تشاركية تضمن قسطا معينا لجل المتدخلين. أما الثاني، فهو يتجه بنموذج الحكامة نحو الســوق انطلاقا من الشركاء العموميين/ الخواص والتشاور مع المواطنين بشكل فردي والأخذ بميكانيزمات التركيز على الفاعلين الجماعيين، وهو النموذج الذي يحيل على حكامة السوق أو حكامـةتنافسية. (6) 

ومن ثم، فانتقالية الحكامة المؤسساتية للدولة إلى حكامة تشاركية وأخيرا إلى حكامة تنافسية يمر عبر مرحلتيـن:

*المرحلة الأولى: عبر إحداث جملة من التغييرات البنيوية والتنظيمية. فالحكامة التشاركية تدخل العديد من التغييرات الأساسية داخل المؤسسات العمومية ويظل التغيير التنظيمي الأبرز هو الحـرص على تبني القيم المتعلقة بالحكامة التشاركية والمعبر عنها من خلال المبادئ الخاصة بكل فاعل من الفاعلين الذين يوجهون أنشطتهم بشكل معاكسللإطار الترابي. (7) 

* المرحلة الثانية: الأخذ بمبادئ وقيم السوق مع التركيز على التدبير الاقتصادي التشاوري وجعل التنافسية منطلق للحكم على فعالية وكفاية المؤسسات وجودة خدماتها وقيمة مردوديتها في تحقيق الأهداف المرسومة للحكامة.

 هذه الانتقالية عبر مرحلتين، يمكن أن تبرز بشكل جلي للعلاقة الوطيدة بين نمطين من الحكامة:الحكامة المؤسساتية والحكامة الإدارية، أي التأسيس لحكامة جيدة إداريا ومؤسساتيا، وهي الحكامـة الضرورية لمساعدة الجماعات الناشئة على الرفع من قدرات فاعليها المحليين(8)  وجعلهم يساهمـون كفاعلين شموليين في تحقيق أهداف الحكامة المؤسساتية. هذه الأخيرة التي تقترح مع الدولة استجابة للطلبات المتزايدة اللامركزية الإدارية كشكل لتقريب الإدارة من المواطنين،(9)وكذا اتخاذ تدابير ومقتضيات لمواجهة الأزمات، ومنها الأزمات الاقتصادية والمالية. (10)  وعموما يمكن الوقوف على جملة من خصائص الحكامة المؤسساتية من خلال النظريات المهتمة بهذا الشأن، والتي نذكر منهـا، (دون أن ينقص ذلك من قيمة نظريات أخرى حاولت تناول الموضوع):

*نظريةMarch et Olsen : تنظر للحكامة المؤسساتية كفن للحكامة يتمحور حول أربــع وظائف: تنمية الكيانات والقدرات والبنيات وإجراءات التأويل التي تحسن من الانتقال، الأخذ بدروس التاريخ، القدرة على تحويل التجارب وتحويرها، وأخيرا إعطاء بعد جديد وتعريف حديث لأسلوب الحكامة(11)  .

*النظرية المؤسساتية: فمن مميزات وميكانيزمات الحكامة المؤسساتية وفق منظورها التعامل مع مؤسسة النظام انطلاقا من حقوق الملكية وتدبير العلاقات مع الأفراد. فمن صالح السلطات العمومية التدخل على مستوى العديد من المفاتيح المؤسساتية لخلق دينامية سواء على صعيد الحكومات أو المقاولات(12)  .

النظريةالنيومؤسساتية: تنطلق من وجهة نظر تركز على دراسة المأسسة L’institutionnalisation بغية القيام بتقييم Evaluation لاستراتيجيات الفاعلين. (13)  ومن إيجابيات ذلك ترسيخ البعد الدينامـي للتغيير. وعموما، فهذه النظرية تبرز كيفية نشأة المؤسسات وتطورها وتحولها تحت تأثير سلوك الفاعلين وليس العكس. (14)  إنها بالتالي تمنح قوة تنظيرية وفكرية للحكامة المؤسساتية.

 صفوة  القول،  تشكل  الحكامة   المؤسساتية  أو ما يمكن  تسميته  ب"مأسسة  الحكامة"  تحولا جذريا في مسارات  التدبير الحديث  الذي يغدو في الوقت الراهن أكثر تعقيدا وتشعبا،  خاصة في  ظل  انبثاق  جملة من المخاطر  المؤسساتية، محليا، وطنيا ودوليا تحتم على المدبرين، وعلى متخذي القرار،  التمكن  الأنجع   من إواليات  فك شفرات  الأبعاد الشمولية والعويصة  لهاته المخاطر  وتقديم إجابات صريحة على الإشكاليات المرتبطة بها، عبر منح  سائر  المؤسسات  وسائل مساهمتها الفعالة في تشييد رصين لبنيان المستقبل المنشود، المستدام، العادل والمنصف ولصالح كل الأجيال المتعاقبة وفي كل أصقاع المعمور .

الإحالات :

 

 

 (1)  أدهم أحمد حشيش "المجتمع الأهلي ومكافحة الفساد في ضوء مبادئ قانون التنمية" المجلة العربية للعلوم السياسية، عدد 28، خريف 2010، ص:90

(2) محمد اليعكوبي "المبادئ الكبرى للحكامة المحلية" ص1. مقال منشور على الموقع الالكترونيwww.ena.ac.ma

رضوان زهرو "من أجل مشروع وطني للحكامة" مجلة مسالك، العدد الثامن، 2008 ، ص:4.(3)

       

(4) Bernard Enjolras « Gouvernance et intérêt général dans les services sociaux et de santé » (P.I.E. Peterter Lang.S.A Bruxelles 2008).  P  18.

(5)  Ibid . P 33.

(6)  Marie.J.Bouchard, Benoit Lévesque et Julie St. Pierre « Modèle québécois de développement et gouvernance.Entre le partenariat et la concurrence » dans « Gouvernance et intérêt général dans les services sociaux et santé » op cit  P 40.

(7) Marie Lequin « Ecotourisme et gouvernance participative » (PVQ 2001).P206.

                                                                                       (8)SoungaloDuattara «  Gouvernance et libertés locales : pour une reconnaissance de l’Afrique » (KARTHALA Editions 2007).  P 209.

(9) « La gouvernance ou XXIe siècle » (OECD Publishing 2002).  P 242.

(10) Sophie Charlier « Une solidarité en actes : gouvernance locale, économie sociale,pratiques populaires face à la globalisation » (Presses Unio de Louvain 2004).  P 249.

(11) "نحو حكامة جيدة للمؤسسات المالية في البلدان الإفريقية" مؤتمر البلدان الإفريقية، مذكرة طنجة 13 دجنبر 2008، المركز الإفريقي للتدريب والبحث الإداري للإنماء كافراد،2008،  ص: 2

(12)Elisabeth Genaivre « Ethique et gouvernance d’entreprise en France » (Editions publibook 2006).  P 40.

(13)  Steve Jacob « Institutionnalisation, l’évaluation des politiques publiques » (PIE. Peter Long1995)   P 29.

(14)    Ibid   P 42.

 

 

بقلم ذ محمد البكوري
دكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة