القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 470
عرف مصطلح الحكامة، ومنذ السنوات الأخيرة

من القرن العشرين تداولا واسعا من طرف المنظمات الدولية كإحدى الوسائل الحديثة والمتطورة لبلوغ الديمقراطية والنمو الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي. وذلك كله، في أفق تحقيق سبل التنمية البشرية المستدامة والمندمجة.           

 لقد حرصت المؤسسات الدولية في أجندتها  العملية على وضع  المعايير الفضلى  لبناء نموذج مثال حول الحكامة،  وذلك على أساس  منظومة  متكاملة  ومتراصة  من المعايير المتماهية والمتداخلة  فيما بينها،  من  قبيل  المشاركة، الشفافية، الفعالية، الكفاية، النجاعة، المراقبة،  التدقيق، المساءلة،  المحاسبة، التوافق  التفاوض، الاستشرافية،  الرؤية الاستراتيجية... بيد أن هذه  المعايير،  تبقى في شموليتها  معايير "معلبة /منمطة" وموحدة،   لا تراعي إطلاقا  السياقات التاريخية  والثقافية والاجتماعية  المميزة  لكل مجتمع أو دولة  على حدة والتباينات  المطروحة على هذا الصعيد.  فمحاولة  تعميم أسس الحكامة،  عبر  استخدام  معايير  موحدة،  قد تحمل  بعض التعسف الذي ينتج  عن  عدم  احترام الخصوصيات  الثقافية، والفوارق في مستويات التطور الاقتصادي  والاجتماعي والسياسي بين  المجتمعات  والدول.  لذلك، يجب  أن تكيف  معايير  الحكامة  مع  حالة البلد أو المناطق  على الأقل، حيث   قد تختلف  الأولويات، حسب  تاريخ وتراث  وثقافة  ومستوى تطور هذه البلدان. وهذا التكيف  للمؤشرات  والمعايير  ضروري  للانتقال  من مرحلة  المفهوم النظري  إلى ابتكار الآليات  العملية التطبيقية  التي تسمح تدريجيا  بتطوير  الإدارة  والحكم  وترفع من مستويات  المحاسبة والمساءلة  والمشاركة  والشفافية(1).   

في هذا الصدد، تعتبر الحكامة بشكل خاص مجموع الممارسات الجيدة، والتي يتم التعبير عنها من طرف المؤسسات الدولية تجاه دول العالم الثالث، خاصة في إطار الأخذ  الإيجابي بمقاربة التنمية المستدامة(2).

 إنه بالنظر لما أحاط ومازال يحيط بمفهوم  الحكامة من لبس  وضبابية وعدم وضوح، وما طرحه ومازال يطرحه ذلك من جدل  ونقاش مستفيضين،  خاصة على المستوى الدولي، فإنه غالبا ما استخدم   قادة  ورواد  المؤسسات  الدولية  كالأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها خصوصا البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وبرنامج الأمم المتحدة للتنمية، إضافة إلى بعض المنظمات الجهوية كالاتحاد الأوروبي على سبيل المثال، هذا المصطلح في الخطب والتقارير  والمنشورات الصادرة عنهم، وكذا المؤتمرات والمنتديات  والملتقيات  المنظمة  تحت إشرافهم. ومن ثم، أضحى الترويج له كنموذج جديد للتنمية يتعين  التوسل القهري به والمتح من معاييره  من طرف دول المعمور، خاصة منها الدول التي  تضطر مكرهة للاقتراض من هذه  المؤسسات، وكذا  من منظور اعتباره منطلقا رئيسيا  لتحديد  اشتراطات التدبير الجيد في البلدان الخاضعة لبرامج التقويم الهيكلي، حيث غالبا  ما تستلزم منظمات القروض الدولية ضرورة تبني هذا المفهوم "الملتبس"  على صعيد مختلف أنماط تدبيرها،   من خلال  اشتراط الإصلاح المؤسساتي والإداري ومحاربة  ظاهرة الرشوة ومختلف أشكال الفساد، دمقرطة المجتمع،   لبرلة المرافق العمومية،  الرفع المستمر من وتيرة الخوصصة... وهي الإجراءات  اللازمة  للاستفادة  من القروض الضرورية لإنجاح  الاستراتيجيات  التنموية  لهذه الدول.

إن الحكامة حسب تعريف البنك الدولي مثلا،   تتبلور باعتبارها القوة "الفضلى"  التي من خلالها،  تتم إدارة  وتحديد  كيفية  توزيع  الموارد الاقتصادية والاجتماعية للمجتمع بهدف تحقيق التنمية المنشودة. فنصبح بذلك، ومن وجهة نظر البنك الدولي، أمام نموذج/ مثال خاص بنمط التنمية الأفضل، والذي ينبغي أن تحتذي به سائر دول المعمور.

 هكذا، سنلاحظ أن تعريف البنك الدولي للحكامة ينظر إلى هذا المفهوم، على أنه أسلوب أو طريقة لممارسة "القوة" بمعناها الناعم Soft Power في إدارة الموارد الاقتصادية والاجتماعية. وهو في هذه  المسألة  الجوهرية، يكاد يقترب من تعريف دافيد إيستون  David Easton  الشهير لعلم السياسة باعتباره "التوزيع السلطوي للقيم". حيث اشتمل كلا التعريفين على ممارسة السلطة أو القوة في توزيع القيم والموارد. وبينما استخدم إيستون "السلطة" في تعريفه، حرص تعريف البنك الدولي على استخدام كلمة "القوة" التي تشمل السلطة والنفوذ معا، وتعبر أيضا عن الأساليب الرسمية وغير الرسمية في الإدارة والحكم، و بالتالي تسمح بوجود أدوار لفاعلين رسميين وغير رسميين، إلا أن التعريف لم يذكر بوضوح من هم الفاعلون المشاركون في ممارسة القوة لإدارة الموارد من أجل التنمية، وإن كانت كتابات البنك الدولي والأدبيات التي تتناول المفهوم تتحدث عن فاعلين محددين يشكلون ما يسمى  ببنية عناصر  ومكونات الحكامة، والتي تتجسد في  :

-         الدولة.

-         المجتمع المدني.

-         القطاع الخاص.

 من جهة أخرى، تؤكد دراسات وأدبيات البنك الدولي، على أن جودة أو نوعية إدارة الدولة والمجتمع  تعتبر محددا رئيسيا للتنمية الاجتماعية العادلة والنمو الاقتصادي  الفاعل القابل للاستدامة. وهي  كذلك مكون هام  لا محيد عنه،  كثيرا ما يتم استحضاره  أثناء  التفكير "المعقلن" في صياغة  السياسات الاقتصادية، وكذا تنفيذها وتقييمها.

 ومن ثم، سيعتبر تعريف الحكامة  من طرف البنك الدولي لدى  العديد من الباحثين  في قضايا التنمية، خطوة رائدة في التحديد(3). وذلك بالنظر  لارتكازه المحوري على أسس الفعل  التنموي  الناجع  والسياسات العامة المرتبطة به.

 وتجدر الإشارة على أنه، ومنذ ظهور تعريف البنك الدولي لم تتوقف  المحاولات عن  إيجاد تعريف جامع ومانع للحكامة وإضفاء عليه المزيد من الضبط المنهجي حتى يصبح أكثر شمولا وأكثر تحديدا. إلا أنه من الصعب  جدا،  القول  بتمكن سائر هذه المحاولات من الظفر بإجماع  حقيقي حول تحديد ماهية  الحكامة  وطرق تقييم أهميتها،  حيث تمحور فهم البنك الدولي  للحكامة  أساسا، ولمدة طويلة، حول  التدبير الاقتصادي، مع رصد لهيمنة مفرطة  بخصوص ذلك للنظرة  النيوليبرالية Néolibérale  للمجتمع(4).

  إن مفهوم  "الحكامة" سيبرز بقوة منذ سنة 1989، حيث نستشف من خلال كتابات البنك الدولي البحث المضني  وفق سياقات هذا المفهوم الجديد عن ممكنات تحقيق التنمية الاقتصادية ومحاربة  كل معيقاتها،  وعلى رأسها  كل أشكال الفساد في الدول النامية وخصوصا الإفريقية منها، ليتم الربط  المتماهي،  وبشكل مستمر، بين تأهيل  مستويات التدبير والرفع من مؤشرات النمو الاقتصادي والتنمية بشتى تجلياتها.                                            إنه ووفقا لمنظور أدبيات البنك الدولي،  فمجمل تدخلات عناصر الحكامة على صعيد السياسات الاقتصادية لا ينبغي فقط، أن  تمكن من قيام سياسات اقتصادية فعالة، بل أيضا أن تحقق نتائج  اجتماعية إيجابية يستفيد من ثمارها الجميع بدون استثناء،  من قبيل المساواة والإنصاف، التوزيع  العادل للثروات والخيرات ...

 هكذا، سيعتبر البنك الدولي المنظمة الدولية الأولى التي تبنت مصطلح "الحكامة"، والذي برز في حقل العلاقات الدولية  في أواخر عقد الثمانينيات، وليتطور منذ ذلك  بشكل  تصاعدي ومؤثر  على مستوى  مختلف  مجالات  التدبير  العمومي والخاص والمدني. وبالنسبة لهذا البنك، فالحكامة هي مرادفة للتدبير السليم والقويم للتنمية، وتقوم على التدبير الجيد للقطاع العام خصوصا، وعلى الإطار القانوني(دولة القانون)، وكذا ركائز الإخبار والشفافية وفي الأخير المسؤولية(5).

وبذلك أول من استعمل –مصطلح الحكامة- بكامل حمولته، هو البنك الدولي الذي استخدم المصطلح كورقة ضغط في مواجهة عدة دول –الدول الثالثية خصوصا- لإرغامها على تبني سياسات التقويم الهيكلي في  مخططاتها الإصلاحية، سواء في الميدان السياسي أو الاقتصادي والاجتماعي، أملا في ضخ دماء جديدة في مسلسل التنمية الذي تعطل أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات.

 غير أن محدودية الآثار الناجمة عن تطبيق برامج التقويم الهيكلي وتواضع معدلات النمو الاقتصادي، إضافة إلى تأزم الأوضاع الاجتماعية، كلها عوامل أدت بالبنك الدولي إلى التركيز على عامل جديد اعتبر كمعيق أساسي للتنمية، ألا وهو الجانب المؤسساتي، المتمثل في  عمق الإشكاليات المرتبطة بتطبيق الديمقراطية وهيكلة المؤسسات التشريعية والتمثيلية وتفعيل الشفافية وإصلاح الإدارة ومحاربة  كل ظواهر  الفساد من قبيل الرشوة والمحسوبية.

 وقد أفضت هذه المقاربة الجديدة إلى دمج عامل ظل البنك الدولي يستبعده في تحاليله لإشكالية النمو، ألا وهو العامل السياسي، وذلك لسببين رئيسيين، أولهما يتمثل في التزام البنك بالحياد تجاه الاختيارات السياسية لكل بلد باعتباره مسألة داخلية محضة تخص توجهات كل بلد على حدة، ثانيهما وهو أكثر أهمية ويرجع إلى المقاربة الاقتصادية الضيقة لقضايا التنمية باعتبارها عملية تقنية لا دخل للعوامل السوسيوسياسية والثقافية في التأثير عليها، بل يكفي في نظر مسؤوليه تبني سياسة لبيرالية اقتصادية وآليات السوق الحرة لبلوغها.

إن التحاليل المحايدة، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك، أن الوقائع الميدانية التي اعتمدت من طرف خبراء هذه المؤسسة المالية، فرضت عليهم إدماج بعض هذه العوامل، ولو بصورة غير منسجمة في تحاليلهم، أملا في تجاوز  فشل كل الجرعات التي قدموها للبلدان السائرة في طريق النمو للنهوض بأوضاعها المالية والاقتصادية(6).

ومن ثم،  لم يكتف منظرو البنك الدولي بالدعوة إلى اعتماد الحكامة كنموذج متطور للتنمية وكأسلوب جديد لتدبير الشأن العام وتحديد العلاقات بين الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني، بل  كان  حرصهم الأكيد على الترويج المكثف لهذا النمط التدبيري  باعتباره مفتاح التنمية، ونموذجا جديا يمكن لا محالة – إن تم  تبنيه وفق معايير حقيقية-  من تخطي إخفاقات أساليب التنمية المطبقة خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، ولبرامج التقويم الهيكلي التي طفت خلال فترة الثمانينيات والتسعينيات من القرن الفائت. والتي  لم تحقق  الأهداف  التنموية  المرجوة منها.

إن الحكامة لم تكن أبدا موضوع تحديد دقيق في النص السياسي للتنمية وقد ترجمها البنك الدولي في تعريفه لها، والذي سبقت الإشارة إليه.

عموما، يرى البنك  الدولي، أنه  من أجل  إرساء منظومة متطورة  للحكامة الجيدة أو الصالحة  ينبغي  تجاوز ومحاربة  مختلف التمظهرات والأسس التي تقوم عليها  الحكامة  السيئة  أو الغير  الصالحة Poor Governance ،ومنها(7:

*الحكامة التي ينقصها  التأطير القانوني ولا يسود فيها  مبدأ حكم القانون.   إذ  تطبق  القوانين  هنا بشكل  نسبي  وتفاضلي وتعسفي ويحرص المسؤولين على تفادي تطبيق  هذه القوانين  في حد ذاتها.

     * الحكامة  التي تكبح  جماحها  العديد من العراقيل  والمعيقات  القانونية والإجرائية، والتي   تجعل  مكونات  الاستثمار  الإنتاجي  تفقد ثقتها.  ومن ثم، تفشي كل  أشكال الريع  والمضاربة.

   *الحكامة  التي تتسم  بوجود قاعدة  ضيقة أو مغلقة  وغير شفافة  للمعلومات ولكل عمليات  صنع واتخاذ القرار  بشكل عام  وعمليات صياغة وإعداد السياسات  العامة بشكل خاص.

  * الحكامة التي تتميز  بترسخ بنية  الفساد  وانتشار آلياته وثقافته، بما فيها  القيم والمبادرات التي تطبع مع الفساد.                                                         * الحكامة  التي  يتجلى فيها اهتزاز  شرعية  الحكم  وضعف منسوب ثقة المواطنين فيه.  وهو ما يبرز في عدة  تراجعات، من قبيل  اللجوء إلى مصادرة الحريات  وانتهاك حقوق الإنسان .

في هذا السياق، أعلن البنك الدولي أربعة شروط لإقامة حكامة جيدة هي: بناء دولة الحق الذي تضمن أمن المواطنين واحترام القانون، احترام استقلال القضاء، إدارة رشيدة تلتزم تدبيرا حقيقيا وعادلا للنفقات العمومية، المسؤولية والمحاسبة Accountability،والتي تفرض على المسؤولين تقييم الحساب أمام السكان وأخيرا الشفافية التي تسمح لكل مواطن بالتنظيم والتوافق لإثبات ذاته وتدعيم موقفه، وبالتالي إسماع صوته من طرف متخذي القرار.

 صفوة القول، إن استعمال البنك الدولي لمفهوم الحكامة يأتي في إطار تأكيده  الحثيث على أن أزمة التنمية في  العالم  - وعلى وجه الخصوص  دول العالم الثالث -هي أزمة حكامة بالدرجة الأولى، بعد أن كانت في وقت سابق أزمة حكم . وبذلك،  نرى اليوم البنك الدولي يؤطر، وبإلحاح،  مجمل مبادئ   ومعايير الحكامة  وينصح  بالتوسل بها للخروج من عنق زجاجة  التخلف  الاقتصادي والتأزم الاجتماعي. ولم يكن هذا البنك ليوصي بهذه التوصية، لو لم يدرك تماما  فعالية "الحكامة"  وكفايتها في تحقيق سبل التنمية  المستدامة  والشاملة  لسائر دول ومجتمعات المعمور، وكذا  ما يحمله هذا   المفهوم المتطور على مستوى  أدبيات التدبير في طياته من إرهاصات  التحول  الإيجابي  والتحكم الأفضل  في مسارات  السيرورة التنموية، مع التمكن  القوي من فرص  تجاوز  عقباتها  ومخاطرها التي مافتئت تتصاعد يوما بعد يوم .

           الإحالات :

(1)   حسن كريم ،" مفهوم الحكم الصالح" ضمن" الفساد والحكم الصالح  في البلاد العربية"، مركز دراسات الوحدة العربية،  بيروت،  الطبعة  الثانية 2006،  ص100.        

 

(2) Wafae Fares : « Du gouvernement A La gouvernance : Etude D’un Concept Ambigüe » Revue MASSALIK. N°8. 2008. P4.

(3)  De Barah Brautigane: « Governance Economy and Foreign Aid» Studies in Comparative International Development, Vol 27, N°3, P25. 

(4)   Pierre Calame: «  La fin de « la fin de l'histoire » dans Chroniques de la gouvernance 2007, Numéro 1

Editions Charles Léopold Mayer ,2007 P é. 

(5)  Abdelhak Janat Idrissi : «Dimensions gestionnaires politique, doctrinale et juridique de la bonne gouvernance en du gouvernement à la gouvernance : les leçons Marocains », Publications de la REMALD Série Management Stratégique N°5. 2004, P23.

(6)  عبد العزيز أشرقي،" الحكامة الجيدة: الدولة – الوطنية الجماعية ومتطلبات الإدارة المواطنة "، (مكتبة دار السلام، الرباط، الطبعة الأولى 2009)،  ص35.

(7)  « Governance and Development »,Washington,DC :World Bank,1992,P 9 .

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة