القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
تحت عدد: 453
تعيين الحكومة الجديدة داخل السنة الميزانياتية

 بهندسة قطاعية مختلفة عن الهندسة الوزارية للحكومة السابقة، يطرح إشكالية التوافق بين التقسيم الوزاري والتقسيم الميزانياتي والتقسيم الإداري، وبالتالي صعوبة في ضمان استمرارية الحياة الوطنية نظرا إلى أن بعض وزراء الحكومة الجديدة قد يجدون أنفسهم غير مؤهلين  لصرف بعض الاعتمادات المخصصة لهم (نظرا إلى أن القانون المالي أو مشروع القانون المالي والمرسوم المتعلق بفتح الإعتمادات يعترف فقط بالمجلس الوزاري والحكومة والأغلبية التي شاركت في التهيء والتوقع والتداول والمناقشة ،وبالتالي بالحكومة والأغلبية البرلمانية والبرنامج السابقين). وقد تجعلهم، كذلك، بلا سلطة إدارية على بعض الهياكل الإدارية والبرامج، لأن القانون المالي -من خلال جدول المناصب المالية المخصصة لكل قطاع وزاري  وكذلك مراسيم الإختصاص والمهام و الهيكلة- مازال يجسّد التقسيم الوزاري المرتبط بظهير تعيين الحكومة السابقة وليس الحكومة الجديدة. هذه الإشكالية مرتبطة،بعدم تطابق الزمن السياسي والزمن المالي والزمن الإداري وكذلك بتعدد التعريفات الخاصة بالوزارة في المغرب، التعريفات المتباينة بين النص الدستوري من خلال إختصاص أفقي يحدده ظهير تعيين الحكومة من قبَل الملك، عبر ربط الوزارة بقطاع أو سياسة عمومية معينة. وبعد ذلك يأتي رئيس الحكومة ليحدد الصلاحيات والاختصاصات(رسم حدود الإختصاصات بين الوزراء )والمهام والهياكل الإدارية الخاصة بكل وزارة على حدة، وذلك بموجب مراسيم تنشر في الجريدة الرسمية ومن بعد ذلك تأتي مرحلة تفويض الإمضاء وتفويض السلط، وكذلك من خلال قوانين المالية، التي تحدد الاعتمادات المفتوحة لكل وزارة على حدة. هذه التعريفات الموزعة بين ظهير التعيين (المجال السياسي) ومراسيم الصلاحيات والاختصاصات والهياكل (المجال الإداري) وقوانين المالية والإعتمادات المفتوحة لكل وزارة وزارة (المجال المالي) تجعل الحكومة الجديدة ( المشكلة داخل السنة المالية) أمام مرسوم لفتح الإعتمادات وليس قانون مالي ، نظرا للعطالة السياسية للبرلمان والإشتغال المقنن للحكومة(تصريف الأعمال)في المرحلة المخصصة للبث في القانون المالي، وكذلك أمام مرسوم لفتح الإعتمادات يعترف بالهندسة الحكومية السابقة وليس الهندسة الحكومية الجديدة، وبالتالي ملزمة بحل الإشكالية المتعلقة بالثغرات الخاصة بعدم تطابق الزمن السياسي والزمن الإداري والزمن المالي.



1) المغرب وغياب التطابق بين الزمن السياسي والإداري والمالي

 

في البداية وجب التأكيد أن الهندسة المؤسساتية في المغرب،من خلال المساطر والثقافة المهيمنة ،متشبعة بزمن إتخاذ القرار لأن هذه الهندسة المؤسساتية تحكمها مقولة -الحكم هو الإختيار-،وبالتالي يتم تجاهل الشروط التي يتم من خلالها إتخاذ مختلف الحلول،وهكذا فإن مبدأ الإختصاص المحدد لكل مؤسسة هو المهيمن ،بينما المشاكل تتركز في الأهداف ،التي تشترط الفعل المؤسساتي الجماعي،وبالتالي التنسيق ما بين المستويات المختلفة للمؤسسات الدستورية ،هذه الهندسة المؤسساتية المختلفة والمتشبعة بزمن إتخاذ القرار كان من نتائجها الواضحة ،أن صياغة الدستور والقوانين التنظيمية والقوانين والمراسيم تم بعقلية المساطر والإختصاصات والمؤسسات المتنوعة والغير المترابطة،وبالتالي يغيب عنها التنسيق وتتنوع الأهداف وتتعدد الأزمنة ،ويغيب التنسيق والحكامة العامة.

غياب التنسيق عن الهندسة المؤسساتية في المغرب جعل المشرع الدستوري في المغرب يحدد زمن تجديد المؤسسات(نهاية الولاية التشريعية) متطابق مع زمن البث والتصويت على القانون المالي(وبالتالي وجود ثغرات تعترض إستمرارية الدولة وخصوصا عدم إمكانية التصويت على القانون المالي قبل نهاية السنة الجارية عند نهاية الولاية التشريعية، نظرا للشروط الزمنية المرتبطة بالإنتخابات والنتائج وتشكيل الحكومة) ، وهكذا يحدد الفصل الثاني والستون من الدستور أن انتخاب أعضاء مجلس النواب يتم بالاقتراع العام المباشر لمدة خمس سنوات، وتنتهي عضويتهم عند افتتاح دورة أكتوبر من السنة الخامسة التي تلي انتخاب المجلس، ما يعني أن شهر أكتوبر من كل سنة خامسة تلي إنتخاب مجلس النواب هو شهر يتعلق ببداية مسلسل تجديد مجلس النواب، بما يتطلب من اقتراع -نتائج الاقتراع -تشكيل المكتب (الشق البرلماني) وتعيين رئيس الحكومة من الحزب المتصدر -اقتراح التشكيلة الحكومية -تعيين الحكومة -التنصيب -مراسيم الاختصاصات والمهام والهياكل (الشق الحكومي)... وهذه الترتيبات تتطلب زمنا غير محدد دستوريا ويبقى تحت رحمة التوافقات السياسية، ما قد يُعرّض المؤسسات الدستورية لمرحلة العطالة (البرلمان) أو الاشتغال المقنن والمحدد بتسيير الأمور الجارية (الحكومة).

وبالتالي فإن الزمن السياسي يبقى متأرجحا بين العطالة وتسيير الأمور الجارية، بينما الزمن المالي، بخلاف ذلك، يبقى مرتبطا بأجندة صارمة محددة في الدستور المالي. وفي هذا السياق، وبالعودة إلى القانون التنظيمي لقانون المالية، وخصوصا المادة الثامنة والأربعين منه، يتضح أن مشروع القانون المالي للسنة يودع في مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة الجارية على أبعد تقدير؛ وبالتالي فإن الدستور يضع البرلمان في شهر أكتوبر من السنة الخامسة في حالة عطالة نسبية (إلى غاية انتخاب مجلس نواب جديد) ويضع الحكومة، كذلك، في مرحلة تصريف الأمور الجارية؛ وبالتالي فإن الزمن السياسي يكون في مرحلة عطالة بالنسبة إلى البرلمان ومرحلة تصريف الأعمال بالنسبة إلى الحكومة؛ وهكذا يتضح أن الدستور والقانون التنظيمي المتعلق بانتخاب مجلس النواب والقانون التنظيمي المتعلق بتنظيم وتسيير أشغال الحكومة والوضع القانوني لأعضائها يضعان السلطة السياسية في مرحلة نهاية العضوية والانتخابات البرلمانية وتشكيل هياكل مجلس النواب والأغلبية البرلمانية، ومرحلة تصريف الأعمال وتعيين رئيس حكومة جديد من الحزب المتصدر واقتراح التشكيلة الحكومية.

أما بالنسبة إلى الزمن المالي، فإن شهر أكتوبر يعدّ شهرا مفصليا في الحياة الميزاناتية للدولة، إذ تحدد المادة الثامنة والأربعون من القانون التنظيمي لقانون المالية أن قانون المالية يودع بالأسبقية في مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير؛ أما المادة التاسعة والأربعون فتحدد أجَل ثلاثين يوما لمجلس النواب للبتّ فيه، وأجل اثنين وعشرين يوما لمجلس المستشارين  للبت، وستة أيام لمجلس النواب للبت في التعديلات؛وحيث أن الوزارات والوزراء الجدد، وإن كانوا يشتغلون في إطار مؤسسات ينظم اشتغالَها الدستور، فإنهم يملكون كذلك صفة مدبرين إداريين تضع رهن إشارتهم الإدارة هياكل إدارية وموظفين، وتبعا لذلك، ومن أجل استمرارية الحياة الوطنية، فهُم في حاجة إلى وسائل بشرية وهياكل إدارية، هذه الهياكل والموارد البشرية تخضع لتقنين، انطلاقا من قانون الوظيفة العمومية ومراسيم الاختصاصات والمهام والهياكل.

 وهذه الموارد تبقى مرتبطة بهندسة حكومية سابقة، ما يتطلب إجراء تغييرات وتحيينات في حالة تغيير الهندسة الحكومية. ورغم أن تغيير مراسيم الاختصاصات والمهام والهياكل لا يطرح أي تعقيدات قانونية، فإنه يتطلب زمنا معينا للتحيين، هذا التحيين تعترضه صعوبة أساسية مرتبطة بكون الموارد البشرية والهياكل الإدارية تخضع كذلك لتقنين مالي صارم ،مرتبط بالسنوية (إحداث وتحويل المناصب المالية مرتبط بالقانون المالي -تمويل الهياكل وتبعية هذه الهياكل لقطاع وزاري يبقى مرتبطا كذلك بالقانون المالي) وبالتالي فإن ظهائر التعيين قد لا تتجسد كليا وفعليا على أرض الواقع المالي، من خلال عدم تجسيد سلطة الأمر بالصرف على القطاع الوزاري كاملا، وتجسيد سلطة المدبر الإداري على كافة الهياكل الإدارية والموارد البشرية (خصوصا بالنسبة إلى القطاعات الوزارية التي عرفت تغييرا في الحكومة الجديدة).

وكما قال الباحث ليون برتلون، فإن الحكم والإدارة هما في كل الأحوال إنفاق للموارد المالية؛ وحيث أن البحث عن الموارد المالية يتطلب المس بالملكية الخاصة للأفراد -ذاتيين كانوا أو معنويين- فإنها تتطلب موافقة مستمرة في الزمن لممثلي الأمة على هذه الاقتطاعات الضريبية. كما أن الأموال العمومية هي أموال دافعي الضرائب، وبالتالي يحتاج التصرف فيها إلى ترخيص من ممثلي الأمة؛ وباعتبار أن الأموال العمومية هي شرايين الدولة وشرط أساسي لاستمرارية الحياة الوطنية، فإن الأمر يتطلب شرعنة الاقتطاعات ومنح الترخيص بالصرف من قبَل نواب الأمة لمدة معينة، حُدّدت في سنة.

وحيث أن هذا الاقتطاع والترخيص يحتاج إلى توقع وتحديد وترخيص قبل بداية السنة المالية، فإنه يحمل بالتالي إكراهات تقيد السلطة السياسية، إذا عينت حكومة بهندسة قطاعية مختلفة عن الهندسة القطاعية التي كانت أثناء زمن التوقع والتحديد (تداول المجلس الوزاري في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية -إعداد مشاريع قوانين المالية من قبل الوزير المكلف بالمالية تحت سلطة رئيس الحكومة طبقا للتوجهات العامة المتداول بشأنها في المجلس الوزاري -تداول مجلس الحكومة في مشروع قانون المالية قبل عرضها و إيداعها في مكتب مجلس النواب -العرض المقدم من قبَل وزير المالية على اللجنتين المكلفتين بالمالية في البرلمان للإطار العام لإعداد مشروع قانون المالية للسنة الموالية -إيداع مشروع قانون المالية للسنة بالأسبقية في مكتب مجلس النواب في 20 أكتوبر من السنة المالية الجارية على أبعد تقدير)... وحتى الحكومة الجديدة، ورغم عرض برنامجها على البرلمان وموافقة الأخير عليه، فإن هذا البرنامج لا يؤثر على القانون المالي أو ومرسوم فتح الاعتمادات(مما يثبت قوة المشرع المالي أمام المشرع العادي في كل ما يتعلق بالتوقع والتحديد وزمن التوقع والتحديد وزمن السنة المالية)، بل يتم الأخذ بالبرنامج الحكومي عند تهييء وتوقع القانون المالي المقبل فقط، وذلك نظرا لأن النقاش من المفروض أن يبقى مركزا على المعطيات المتوفرة أثناء إعداد وبناء التوقعات ،لأن قوانين المالية تقدم بشكل صادق مجموع موارد وتكاليف الدولة. ويتم تقييم صدقية الموارد والتكاليف بناءً على المعطيات المتوفرة أثناء إعدادها وبناء على التوقعات التي يمكن أن تنتج عنها (المادة العاشرة من القانون التنظيمي الجديد)،كما أن الأحكام النظامية الخاصة بالموظفين والأعوان لا تأخذ بعين الإعتبار إذا لم تقيم الإعتمادات المخصصة لها والإذن بها في القانون المالي(المادة 59من القانون التنظيمي للمالية) وبالتالي يتضح أن الدستور والقانون التنظيمي للمالي قد حددا المؤسسات الدستورية المكلفة بالتداول والتهييء، وهي المجلس الوزاري ورئيس الحكومة ووزير المالية، والعرض على لجنتي المالية في البرلمان، وحددا المهل الزمنية لكل طرف؛ وبالتالي فإن التوجهات العامة والتوقع والتحديد تتحكم فيهما الحكومة والمجلس الوزاري ولجنتا المالية في البرلمان، المنصّبان في السنة التي تسبق السنة المالية ، أي قبل 20 أكتوبر، وبالتالي فإن الحكومة الجديدة لا يمكنها أن تغير التقسيم الحكومي المعتمد في مشروع القانون المالي إلا من خلال قانون مالي تعديلي.

ما بعد تاريخ 20 أكتوبر ينتهي زمن المؤسسات المكلفة بالإعداد والتهييء ويدخل حيز التنفيذ زمن البرلمان، بمجلسيه. وحيث أن الولاية التشريعية تنتهي عند إفتتاح  دورة أكتوبر من السنة الخامسة ، وفي حالة التعطيل في انتخاب المجلس وتعيين الحكومة والتنصيب، فإن مصير مشروع القانون المالي يبقى معلقا، وتلجأ حكومة تصريف الأعمال، بالتالي، إلى فتح الاعتمادات بمرسوم. ولكنْ رغم هذه الظروف السياسية والدستورية، فإن مشروع القانون المالي يكون في زمن البت والتصويت عليه وفق الآجال المجددة في المادة الـ49 من القانون التنظيمي للمالية.

والبت والتصويت على القانون المالي مؤطران دستوريا بعدم تخفيض الموارد العمومية، وكذا بعدم إحداث تكليف عمومي أو الزيادة في تكليف موجود. ويراد بالتكليف العمومي الاعتمادات المفتوحة برسم الفصل، أي أنه يمكن الزيادة في برنامج مع النقص في برنامج آخر للحفاظ على الاعتمادات المحددة للفصل، وبالتالي فان هامش التعديل والتغيير في مرحلة البت والتصويت هو هامش ضيق ومؤطر دستوريا من خلال القانون التنظيمي للمالية.

وحيث أن السلطة السياسية قد تقوم بتغييرات في الهندسة الحكومة داخل مرحلة البتّ والتصويت، فإن مجموعة من القضايا المرتبطة بعدم توافق الزمن السياسي والزمن المالي والزمن الإداري تُطرَح ويستدعي الأمر العمل على حلهما.



2) الحلول المقترحة لتجاوز عدم توافق الزمن السياسي والزمن المالي والزمن الإداري



يشترط التوافق بين الزمن السياسي والزمن الميزانياتي والزمن الإداري أن يتم التوافق على مجال تدخل الدولة ومجال تدخل المبادرة الخاصة، وفي مجال تدخل الدولة يجب منح استقرار معين للقطاعات الحكومية، مع تركيزها على المهام والسياسات العمومية، وهذا الاستقرار هو شرط من شروط التقييم السياسي والتقني والكمي والنوعي(في فرنسا تم التوافق على 15وزارة فعلية،وفي بعض البلدان يحدد عدد الوزارات بالنص الدستوري بإيطاليا ومن خلال قانون يحدد السياسات العمومية في بلجيكا والنمسا). كما أن هذا الاستقرار قد تم ترسيخه من قبَل القانون التنظيمي للمالية الجديد، من خلال التنصيص على البرمجة الميزاناتية لثلاث سنوات.

استقرار القطاعات الحكومية الفعلية وتركيزها على السياسات العمومية يعني منح استقرار واستمرارية وتوافق بين الزمن السياسي والمالي والإداري، وبالتالي سوف يتم التغلب على المشاكل المرتبطة بكون الزمن المالي والزمن الإداري، غير متطابق مع الزمن السياسي (الأغلبية والحكومة الجديدة)،الذي يأتي خارج زمن التهيء والإعداد الميزانياتي.

استقرار القطاعات الحكومية الفعلية لا يعني تكبيل يد السياسي في اقتراح التشكيلات الحكومية، بل يعمل على منح الحرية للسياسي في اقتراح الوزراء المنتدبين وكتاب الدولة، ولكنْ يقيد فعلهم في ما يخص الوزراء الفعليين في القطاعات الموجودة والمحددة والمرتبطة بالسياسات العمومية، وبالتالي يساهم السياسي، من خلال منح الاستقرار للوزارات الفعلية، في جعل الزمن السياسي متطابقا مع الزمن الميزانياتي والزمن الإداري.

أما إذا لم يرغب السياسي في ربط القطاعات الحكومية بالمهام والسياسات العمومية الفعلية وبمجال تدخل الدولة الضروري، وفضّل ممارسة حريته السياسية في اقتراح التشكيلة الحكومية وفي تغيير الوزارات الفعلية ، فإن على السياسي، الذي هو كذلك مسؤول عن استمرار القطاعات الوزارية الفعلية السابقة طيلة الزمن المالي، باعتبار تداول المجلس الوزاري في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية وتدخل الحكومة (السابقة) من خلال التهييء وإطلاع البرلمان (الأغلبية السابقة) من خلال العرض الذي يقدمه الوزير المكلف بالمالية أمام اللجنتين المكلفتين بالمالية في البرلمان، واحترام الاستقرار الذي يفرضه القانون التنظيمي للمالية على التشكيلة الحكومية الفعلية والمبدأ العام المتعلق بتوازي الشكليات (تغيير الهندسة الحكومية في احترام لتداول المجلس الوزاري في التوجهات العامة لمشروع قانون المالية، وبالتالي العمل على توافق التقسيم السياسي والتقسيم المالي والتقسيم الإداري) ما يفرض على السلطة السياسية احترام المقتضيات التنظيمية المرتبطة بالزمن المالي و بالسنوية؛ وبالتالي فإن السياسي يمكنه، احتراما للزمن المالي، اقتراح تشكيلة حكومية فعلية متطابقة مع الهندسة الحكومية السابقة ومع الزمن المالي، على أن يقترح، من خلال الظهير نفسه، تشكيلة حكومية فعلية جديدة تدخل حيز التطبيق ابتداء من السنة الموالية، ويتم الأخذ بها عند عرض التوجهات العامة لمشروع قانون المالية المقبل، وبالتالي يكون السياسي قد عمل على احترام الاستقرار والتطابق المطلوبَين ما بين الزمن السياسي والزمن المالي والزمن الإداري.

أما إذا تشبثت السلطة السياسية بالحرية الكاملة في اقتراح الهندسات الحكومية (وبالتالي هندسات حكومية غير متطابقة مع الهندسة الحكومة السابقة) يمكن أن يدفعها، في إطار البحث عن التوافق ما بين الزمن السياسي والإداري، إلى العمل على اقتراح قانون مالي تعديلي، رغم أن هذه الظرفية تتميز بوجود مرسوم يفتح الاعتمادات ويتطلب بالتالي المصادقة أولا على القانون المالي، ومن ثم العمل على اقتراح قانون مالي تعديلي يأخذ بعين الاعتبار الهندسة الحكومية الجديدة. خصوصا و أن القانون التنظيمي قد منح مهلة زمنية للمصادقة على قوانين المالية والقوانين التعديلية لقوانين المالية (المهلة المنصوص عليها في  الفصل 49بالنسبة لقانون المالية العادي والمهلة المنصوص عليها في  الفصل الواحد والخمسين من القانون التنظيمي للمالية،بالنسبة لقانون المالية المعدل).

القانون التنظيمي الجديد للمالية يطرح حلا جزئيا، من خلال البرامج المرتبطة بالسياسات العمومية، لمسألة التطابق بين التنظيم الإداري والتنظيم المالي، لأن البرامج التي يعمل القانون التنظيمي للمالية على شرعنتها هي سياسات عمومية يعمل القانون التنظيمي للمالية على تمويلها، بدل الهياكل الإدارية السابقة؛ وبالتالي، وباعتبار أن البرامج هي سياسات عمومية قائمة، فإن تغيير تبعيتها الوزارية لن يطرح مشكلة في التطابق بين الزمن السياسي والزمن المالي والزمن الإداري، لأن الوزارة ستكون هي مجموع البرامج المنتمية إلى القطاع والاعتمادات المفتوحة للقطاع ستكون هي مجموع الاعتمادات المخصصة للبرامج المنتمية إلى القطاع المعني؛ ويَشوب هذا الحل نقصٌ وحيد يتمثل في الاعتمادات المحددة والخاصة بنفقات الموظفين، والتي يتم الالتزام بها والأمر بصرفها وأدائها في حدود الاعتمادات المفتوحة في الفصل (المادة الثامنة والخمسون من القانون التنظيمي للمالية) وبالتالي يظل المشكل المتعلق بنفقات الموظفين قائما. ورغم المشكلة المتعلقة بنفقات الموظفين، فإن الحل الذي يحمله القانون التنظيمي الجديد للمالية لمسألة تطابق الأزمنة يفترض أن يتم تعيين المسؤول عن البرنامج من قبَل الوزير المعني، ويتم الاعتراف له بصفة آمر بالصرف بقوة القانون، لأنه آمر فعلي بالصرف من خلال الإعتمادات التي رخصت له من قبل القانون المالي (لأننا لم نعد أمام ميزانية للوسائل، والتي تفترض تعيين الآمر بالصرف الثانوي، ومن ثم تفويض الاعتمادات على اعتبار أن الترخيص البرلماني يمنح للوزراء، بل نحن أمام قانون تنظيمي جديد يرخص للوزير وللمسؤول عن البرنامج، وبالتالي فإن بإمكان المسؤول عن البرنامج أن يعين آمرين ثانويين بالصرف أو أن يفوض الإمضاء، حسب روح وفلسفة القانون التنظيمي الجديد للمالية وبالتالي تحيين المرسوم الملكي للمحاسبة العمومية والمرسوم المتعلق بتفويض الإمضاء) وبالتالي سيحتاج الأمر فقط إلى تعيين أو إعادة تعيين المسؤول عن البرنامج من قبَل الوزير المعني، في انتظار القانون المالي المقبل وتجسيد الهيكلة والهندسة الحكومية في القانون المالي المقبل.

 ولكن هذا الحل يشترط أن يتم حل المشكل المتعلق بالإعتمادات المخصصة للموظفين والتي تدرج في الفصل من خلال تعديل القانون التنظيمي للمالية والعمل مستقبلا على إدراج شرط محدودية نفقات الموظفين في البرنامج،إذ لا يمكن أن نعتبر مدبر البرنامج مسؤولا عن المؤشرات وهو غير مسؤول عن تدبير الإعتمادات الخاصة بالموظفين بالبرنامج، وكذلك أن يأخذ السياسي والمالي والإداري بالتنظيم الذي يرسخه القانون التنظيمي للمالية والمعتمد على البرامج، والتعيين الفعلي لمسؤولي البرامج، وشرعنة وضعيتهم القانونية في الهيكلة الإدارية والمرسوم الملكي المتعلق بالمحاسبة العمومية، بدل تعايش الهيكلتين (الهياكل الإدارية -البرامج) ، ما يضيف تعقيدا جديدا للوضعية القديمة، بدل أن يعمل على حلها.

هذه الحلول المقترحة،هي حلول تحترم الدستور والقوانين التنظيمية،وخصوصا،مسألة إنتهاء زمن الإعداد والتوقع المالي والسلطة السياسية المكلفة بذلك وهي الحكومة والأغلبية السابقة،والبرنامج الحكومي السابق، وإرتباط مرحلة النقاش والبث بالمعطيات المرتبطة بزمن التوقعات،واقتصار التعديلات على إحترام خصوصية القانون المالي بإعتباره قانون خاص وله مسطرة خاصة للتعديل والمصادقة وسنوي،وبالتالي تبقى الهندسة الحكومية الجديدة والبرنامج الحكومي الجديد خارج زمن مشروع القانون المالي الحالي ومرسوم فتح الإعتمادات،حتى يتم الأخذ بها في زمن التوقع والإعداد والمصادقة المقبلة،أو في قانون مالي تعديلي.

 

خلاصة

إن استمرارية الحياة الوطنية تبقى مرتبطة بتوافق وتطابق الزمن السياسي والزمن المالي والزمن الإداري، ولكن هذا التطابق يبقى تحت الضغط المزدوج للتغيير المفروض من قبَل السلطة السياسية والاستقرار والديمومة التي تتطلبها المؤسسات الإدارية وكذلك الاستقرار السياسي المطلوب من قبل الزمن القصير الذي يفرضه الدستور المالي على التقسيم والهندسة الحكومية والوزارية، التي تهيئ وتتوقع مشروع القانون المالي؛ وبالتالي على السياسي أن يعي قبليا أن الوزير السياسي (الذي يخضع للمقتضيات الدستورية) هو كذلك مدبر إداري ( يخضع للمقتضيات الواردة في قانون الوظيفة العمومية ومراسيمه التنفيذية) وآمر بالصرف (يخضع للمقتضيات الواردة في القانون التنظيمي للمالية والقانون المشتق) وأن هذه الصفات الثلاث لا يمكن تجزيئها، حفاظا على التوافق المطلوب بين الزمن السياسي والزمن المالي والزمن الإداري، وهو الشرط الحتمي لاستمرارية الحياة الوطنية.

هذا التوافق بين الأزمنة يبقى مرتبطا بالعلاقة السائدة بين مستويات الحكم (الملكية -البرلمان -المجلس الوزاري -رئيس الحكومة -الحكومة) والتي يجب أن تكون علاقة تفاعل وتنسيق ما بين مستوى الحكامة الإستراتيجي ومستوى الحكامة الوطني ومستوى الحكامة المحلي والعملياتي.

 

 

بقلم ذ المنتصر السويني
باحث في المالية العامة
 


أعلى الصفحة