القانون الجنائي والمسطرة الجنائية

بقلم ذ عبدالكريم نعومي
محام متمرن بهيئة المحامين بالجديدة باحث بسلك الدكتوراه بجامعة القاضي عياض مراكش
تحت عدد: 157
إن جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية من الجرائم الخطيرة التي لا يمكن التصدي لها إلا من خلال التعاون الدولي، وهذا ما يتطلب المزيد من عقد اتفاقيات التعاون المشتركة للمساهمة في تعزيز دور القوانين الوطنية والدولية، بما يدعم الاعتماد المبدئي لحكم الثوابت القانونية لأن التصرف في الأعضاء البشرية عادة ما يتم باتفاق إرادتين وفق الشروط التي حددتها كافة التشريعات.

وبالتالي فإن زراعة الأعضاء البشرية ليست مجرد اهتمام طبي ورغبة علمية في الإبداع الجراحي، بل موضوع له علاقة بإنقاذ حياة إنسان وإتاحته الفرصة للمشاركة في الحياة مثله مثل الآخرين بدلا من العيش تحت رحمة الأجهزة الطبية في انتظار الموت، إذا الموضوع حيوي من الناحية القانونية ويهتم به العاملين في القطاع الصحي والمهتمين بالخدمات الصحية والإنسانية والاجتماعية والمجتمع بصفة عامة.

ولأهمية الجوانب التنظيمية والقوانين المتعلقة بزراعة الأعضاء البشرية وبعض الصعوبات والإشكاليات التي يثيرها موضوع التبرع بالأعضاء البشرية فإننا بحاجة إلى تضافر الجهود وإلى آليات أكثر تطورا في تحريات المتابعة ضد المخلين بالهدف النبيل من نقل وزرع الأعضاء البشرية، و خشية من استخدام  نقل هذه الأخيرة لأغراض تجارية لابد من وضع التشريعات العقابية موضوع تشديد باعتبار إنقاذ حياة إنسان أمر يسع العلم لتحقيقه بما لا يتعارض مع القيم والمعتقدات الخاصة إذا استخدمت الضوابط العلمية في خدمة الإنسان لان العلم يتطور من اجل حياة الإنسان وبهدف نبيل.

الأمر الذي يستوجب طرح بعض التساؤلات حتى يتبين لنا جليا أهمية الموضوع من الناحية القانونية :

·         ما موقف التشريعات الوضعية من نقل وزرع الأعضاء البشرية؟

·         ما هي أهم الشروط الواجب توفرها لنقل هذه الأعضاء سواء بين الأحياء أو فيما بين الأموات والأحياء ؟

·         من هي الجهات المسؤولة عن ارتكاب جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية؟

·         وما مدى كفاية العقوبات التي كرسها قانون 16 .98 لردع كل من تسول له نفسه المساس بحرمة جسم الإنسان؟

انطلاقا مما سبق سنعتمد في تحليلنا لهذا الموضوع على المنهجية التالية :

     المطلب الأول :  شروط نقل وزرع الأعضاء البشرية

     المطلب الثاني : أركان جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية والآثار المترتبة عنها 

المطلب الأول :  شروط نقل وزرع الأعضاء البشرية.

لا يمكن لنا الحديث عن الحماية الجنائية للأعضاء البشرية دون أن نعرف ما معنى العضو البشري أولا، هذا الأخير الذي عرفه المشرع المغربي في المادة الثانية من قانون16 .98، على انه كل جزء من جسم الإنسان سواء أكان قابل للخلفة أو الأنسجة البشرية باستثناء تلك الأنسجة المتصلة بالتوليد، والعضو البشري لغة هو كل لحم وافر من الجسم أو جزء من جسد الإنسان كاليد والرجل والأنف .

أما العضو البشري اصطلاحا فقد ذهب البعض إلى تعريفه بأنه ” جزء من الجسم من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها سواء أكان متصلا به أم انفصل عنه[1]، إن هذا التعريف يعتبر الدم عضوا بشريا على الرغم من إن البعض لا يرى صوابا اعتباره من بين أعضاء جسم الإنسان مستنيرا بالتعريف اللغوي الذي أوردناه باعتباره  ليس عظما يغطيه اللحم.

وقد ذهب مجمع الفقه الإسلامي إلى تعريف العضو بأنه ” إي جزء من الإنسان من أنسجة وخلايا ودماء ونحوها كقرنية  العين سواء أكان متصلا به أم منفصلا عنه”.

إلا أنه لنقل هذه الأعضاء من شخص إلى أخر لابد من أن تتوفر مجموعة من الشروط الموضوعية  ( الفقرة الأولى) كما لا بد من شروط شكلية خاصة ، سواء تعلق الأمر بنقل العضو من شخص حي إلى أخر أو من شخص ميت إلى أخر حي ( الفقرة الثانية).

 

الفقرة الأولى :  الشروط الموضوعية لنقل الأعضاء البشرية

إن طبيعة هذه الفقرة تتطلب منا أن نقسمها إلى شقين نتحدث في الشق الأول عن الشروط الواجب توفرها لنقل الأعضاء بين الأحياء، والشق الثاني نتحدث فيه عن الشروط الواجب توافرها لنقل الأعضاء من جثت الموتى.

أولا :  الشروط الواجب توفرها في نقل الأعضاء بين الأحياء :

اشترط القانون المغربي لصحة اخذ الأعضاء وزرعها بين الأحياء توافر مجموعة من الشروط :

الشرط الأول : وجوب أن يكون الهدف من نقل أو زرع الأعضاء لغرض علاجي أو علمي :

يعد هذا الشرط ضروريا لتفادي أن يتحول الهدف من نقل وزرع الأعضاء البشرية المتاجرة أو تحقيق الربح، بالإضافة إلى أن قانون 16 .98 قد أباح نقل الأعضاء وزرعها. إلا أن الإشكال الذي يطرح نفسه أن القانون لم يحدد لنا  معيار الفائدة العلمية أو العلاجية، كما أنه لم يضع شكليات لإثباتها ، بحيث يكفي أن يقدر الطبيب المختص أن هنالك فائدة ما ترجى من الإستئصال العضو لكي يصبح مباحا دون أن يلزم بتسمية الفائدة أو المصلحة[2]  ، ولا الوجهة التي سيأخذها الجزء المستأصل دون ضرورة توثيق ذلك في أي محرر كان لإثبات الفائدة العلمية [3].

أما فيما يخص المشرع الفرنسي فقد ذهب هو الأخر في قانون رقم1181 .76 الصادر بتاريخ 22 ديسمبر 1976 ، والمتعلق بزرع الأعضاء حيث أدرج هو الأخر شرط ضرورة توفر قصد العلاج[4]  وذلك في الفقرة الأولى من المادة الأولى من نفس القانون.

إلا أنه وعلى نقيض المشرع المغربي قد فرض أن تسمى صراحة وبدقة الفائدة المرجوة وان يرسل بذلك طلب إلى عمدة المدنية، وأن يرخص العمدة كتابة، بعدما تتكون له القناعة بضرورة أو نفعية الاستئصال وبعدما يتأكد من أن الوفاة قد حصلت فعلا استنادا للشهادة المرفقة بالملف.

الشرط الثاني : ضرورة توفر شرط الرضا

إذا كان الخلاف قد احتدم بين رجال القانون حول القيمة القانونية لرضا المتبرع وحقيقة أثره في إباحة أفعال الاعتداء على سلامة الجسم، وإذا كان هذا الخلاف قد انعكس  بدوره على كافة الآراء التي تناقش مدى مشروعية عمليات نقل الأعضاء، حيث اعتبر البعض رضا المتبرع سببا لإباحة هذه الممارسات الأمر الذي لم يلقى قبولا لدى البعض الأخر لتناقضه والمبادئ التقليدية المستقرة  في القانون الجنائي والتي تخفي عن الرضا هذا الوصف خصوصا في المدرسة اللاتينية، إلا أن الآراء جميعا تتفق على ضرورة موافقة واعية للإجراءات القانونية المنصوص عليها في تشريعات نقل وزراعة الأعضاء البشرية.

ويرى غالبية الفقه المؤيد لإباحة عمليات نقل الأعضاء، في توفر الشرط الرضا بكافة عناصره، ضمانة تحقق التوازن بين القدر اللازم من الحماية القانونية للمانح، وبين الاستفادة من مزايا هذه الممارسة الطبية المستحدثة بوصفها واحدة من الطرق العلاجية الناجعة[5] .

و حيث اشترط المشرع المغربي في المادة الرابعة من قانون 16 .98 ضرورة موافقة المتبرع صراحة على أخذ أحد أعضائه كما أجاز له العدول عن رضائه في إي وقت يشاء.

الشرط الثالث : مجانية التبرع

لقد كان المشرع صريحا من خلال التنصيص على هذا الشرط ضمن مقتضيات المادة الخامسة التي جاء فيها ” لا يمكن بأي حال من الأحوال وبأي شكل من الأشكال أن يؤدي عنه اجر آو يكون محلا معاملة تجارية ” ومن هنا نرى أن المشرع استوجب قانونا لصحة رضاء الشخص بالتبرع بعضو من أعضائه لأخر مريض ، أن يكون التبرع مجانا وبدون مقابل ، بحيث يمنع أن يتقاضى المتبرع أي اجر،وأن لا يكون تنازله عن العضو محل معاملة تجارية مع امكانية قبول المتبرع لنفقات العملية الجراحية، وكذا مصاريف العلاج والإقامة بالمستشفى، ولا تعتبر مستحقات المصاريف المتصلة بالعمليات الواجب إجرائها اخذ وزرع الأعضاء الواجب إجرائها من اجل نقل وزرع الأعضاء ومصاريف الاستفادة المتعلقة بهذه العمليات.

الشرط الرابع : مكان إجراء عملية نقل وزراعة الأعضاء البشرية

إن نقل الأعضاء وزراعتها لا يعد من العمليات السهلة التي يمكن لكل واحد أن يقوم بها وفي أي مكان كان، وذلك راجع إلى أن الأمر يتعلق بمسالة موت أو حياة الشخص المتلقي أو المتبرع لهذه الأعضاء هذا بالإضافة  إلى الحد  من جرائم المتاجرة في الأعضاء التي أصبحت تعتبر إحدى الرهانات التي حاولت غالبية الدول القضاء عليها ، وهذا ما نلاحظ المشرع المغربي قد ذهب إليه من خلال اشتراطه أن تتم عمليات نقل الأعضاء بين الأحياء في المستشفيات المرخص لها بذلك ، والمحددة بمقتضى نص تنظيمي طبقا للمادة 6 من هذا القانون .

الشرط الخامس : هوية الأطراف

إن أهم شرط استوجبه المشرع المغربي بالإضافة إلى باقي الشروط التي سبق وان تناولتها بالدراسة هو شرط عدم جواز ذكر هوية المتبرع للمستفيد ولا لأسرته.

الشرط السادس : المتعلق بمخاطر العملية الجراحية

هذا الشرط نجد المشرع قد اقره في المادة 8 التي جاء فيها لا يجوز اخذ الأعضاء البشرية إذا كان من شان ذلك أن يعرض حياة المتبرع للخطر أو يضر بصحته ضررا بالغا أو نهائيا.

ويجب أن يحاط المتبرع علما بجميع الأخطار المتصلة بأخد العضو البشري وبالنتائج التي قد ترتب على ذلك مسؤولية الأطباء عن عدم الإعلام .

ثانيا : الشروط الواجب توفرها في النقل من جثت الموتى

إن الشريعة الإسلامية قد كرمت جسد الإنسان حيا وميتا ونهت عن ابتذاله أو الاعتداء عليه بأي لون من ألوان الاعتداء .

وقد ذهب رأي غالبية رجال الفقه الإسلامي إلى جواز المساس بجثة المتوفى لضرورة الانتفاع بها أو ببعض أجزاءها من أجل إنقاذ حياة المرضى الأحياء عملا بقاعدة ” الضرورات تبيح المحظورات ” فإذا كان من الضروري التداوي ببعض من أجزاء الجسم من الجثة المتوفى محافظة على صحة إنسان حي أو إنقاذ الحياة فليس هناك ما يمنع  من ذلك لأنه يجوز في حالة الاضطرار أكل لحم الآدمي”[6].

الشرط الأول : التأكد من الوفاة

اشترط القانون المغربي كغيره من القوانين المقارنة لأخذ عضو من شخص متوفى التأكد من لحظة الوفاة الحقيقة، ويتم التعرف عن الوفاة في القانون المغربي بناء على المعيار موت الدماغي[7].

وهذا ما نصت عليه المادة 22 من القانون بقولها يتم وضع محضر معاينة الوفاة الدماغية بناء على علامات سريرية وشبه سريرية متطابقة يحددها وزير الصحة باقتراح رئيس هيئة الأطباء الوطنية، ويبين محضر إثبات الوفاة الدماغية بناء على العلامات التي ارتكز عليها الأطباء المتخصصون لمعاينة الوفاة.

الشرط الثاني : التفرقة الطبية

لقد كان المشرع حكيما حينما أثار هذا الشرط،  والذي ذهب فيه إلا انه لا يجوز بأي حال من الأحوال أن يلحق الطبيبان اللذان تحققا من حالة الوفاة وأنجزوا لها محضرا باللجنة الطبية المكلفة بزرع الأعضاء المأخوذة من الشخص الذي عاينا وفاته وذلك من خلال المادة 21 من هذا القانون، وغاية المشرع من ذلك أن لا يضع في يد واحدة سلطتين الأولى تتمثل في الإشراف على تحرير محضر الموت والثانية تتمثل في إجراء عملية نقل الأعضاء من الجثة، وذلك خوفا من أن يقوم الطبيبان بتحرير محضر للوفاة، ثم بعد ذلك يقومان بأخذ أعضائه باستعمال وسائل غير مشروعة[8].

الفقرة الثانية : الشروط الإجرائية المتبعة لنقل وزراعة الأعضاء البشرية

تستوجب منا لمناقشة هذه الفقرة أن نتطرق من خلالها إلى الإجراءات المتبعة لنقل وزراعة الأعضاء البشرية بين الأحياء أولا ثم بين الأموات ثانيا.

 

أولا : المسطرة المتبعة لنقل الأعضاء البشرية بين الأحياء

بعد تحقق كل تلك الشروط التي سبق وان تطرقنا إليها في فقرتنا السابقة فانه وحتى يتمكن الشخص  التبرع بأحد أعضائه، فإنه لا بد وأن يسلك المسطرة التي اشترط المشرع المغربي في المادة العاشرة من قانون 98 /16، والتي بموجبها يجب أن يعبر المتبرع عن موافقته أمام رئيس المحكمة التابع لها مقر إقامة المتبرع أو أمام رئيس المحكمة الابتدائية التابع لها المستشفى العمومي المعتمد الذي تتم فيه العملية أو أمام قاضي من المحكمة المعنية يعينه رئيس المحكمة خصيصا لذلك الغرض يساعده  طبيبان يعينهما وزير الصحة باقتراح من رئيس هيئة الأطباء الوطنية يعهد إليهما بان يشرحا للمتبرع بالعضو أبعاد عملية التبرع و الفائدة العلاجية للقاضي واستطلاع رأي وكيل الملك لدى المحكمة أو القاضي المنتدب بمقتضى محضرا بموافقة المتبرع.

ثانيا :  المسطرة المتبعة لنقل الأعضاء من الجثث

لقد ذهب المشرع المغربي إلى جواز إيصاء الشخص الراشد المتمتع بكامل أهليته قيد الحياة بنقل أعضائه بعد الوفاة وفق الشروط المنصوص عليها، وحتى يعتبر هذا الإيصاء صحيحا يجب أن يتخذ الشكل المنصوص عليه قانونا، حيث يعبر المتبرع المحتمل لدى رئيس المحكمة التابع لها محل اقامة المتبرع أو لدى القاضي المعين خصيصا لهذا الغرض من طرف الرئيس ويتم تسجيل التصريح المذكور دون صائر بعدما تتكون لدى القاضي القناعة بان المتبرع المحتمل يتصرف بإرادة حرة وواعية وعن إدراك لما سيقدم عليه ، وخاصة بعدما يتأكد بأن التبرع عن طريق الوصية مجاني وسيتم لفائدة مؤسسة مرخص لها بتلقي التبرعات دون غيرها وتحيط كتابة ضبط المحكمة المؤسسة المذكورة علما بالتصريح المسجل ومضمون ويمكن للمتبرع المحتمل أن يلغي التصريح السابق وفق الأشكال المذكورة ولدى نفس السلطات.

المطلب الثاني : أركان جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية والآثار المترتبة عنها

سنحاول معالجة هذا المطلب من خلال إبراز الأركان التي يجب أن تتحقق بمقتضاها جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية كفقرة أولى، تم إبراز أهم الآثار التي تترتب عن قيام الجريمة المذكورة كفقرة ثانية.

الفقرة الأولى : أركان جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية

إذا كانت الجريمة هي فعل أو امتناع جرمه المشرع في نص من النصوص الجنائية سواء بمقتضى نص عام أو خاص ، وقرر له عقوبة أو تدبيرا وقائيا بسبب ما يحدثه من اضطراب اجتماعي ويكون هذا الفعل أو الامتناع صادرا عن شخص أهلا للمساءلة الجنائية.

إذن فلا يمكن أن نتصور قيام جريمة كيفما كانت بدون توفر أركانها والتي تتمثل فيما يلي:

أولا : الركن القانوني والمادي لجريمة الاتجار بالأعضاء البشرية

1) : الركن القانوني

لكي يعتبر الفعل جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية فلابد من وجود نص جنائي يجرم هذا الفعل، ويضفي عليه صبغة عدم المشروعية لمخالفته للقيم الاجتماعية وكذا ضمانة أساسية للحفاظ على أجساد الناس من الأشخاص الذين لا يهمهم سوى المال بأي طريقة كانت، وهذا المبدأ هو ما يعبر عن مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات[9].

لذلك تدخل المشرع المغربي بمقتضى ظهير شريف رقم 1 /99/208 الصادر في 13جمادى الأولى 1420 رقم  96/16المتعلق بالتبرع بالأعضاء والأنسجة البشرية وأخذها وزرعها بالجريدة الرسمية بتاريخ 16 سبتمبر 1999 الذي عالج الأحكام العامة والخاصة بنقل الأعضاء البشرية مع بيان أهم الشروط التي يجب توفرها لاعتبار شرعية نقل عضو سواء من شخص ميت أو شخص حي.

ووعيا من المشرع المغربي  بالآثار السلبية التي يمكن أن تترب عن ذلك،  فإنه قد قام بالتنصيص في مجموعة من مواد قانون 16/98 على عدة أفعال التي اعتبر اقترافها جريمة اتجار بالأعضاء البشرية، ومن بين هذه المقتضيات القانونية المنصوص عليها ابتداء من الفصل 30 إلى  47 من هذا القانون.

ثانيا : الركن المادي

إذ سلمنا  بان جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية من الجرائم الايجابية والتي تستهدف أن يأتي الفاعل نشاطا ايجابيا مخالفا للقانون المنظم لهذه الجريمة رقم 16/98، وبعد استقرائنا لمقتضيات القانونية المنظمة لهذه الجريمة يتبين أن أهم الصور التي قد يتخذها شكل جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية كعنصر من عناصر  الركن المادي لها تتجلى فيما يلي :

·         موضوع الاختلاس:

يشترط المشرع المغربي بمقتضى قانون 16/98 لكي نتحدث عن جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية لابد من توفر موضوع اختلاس الذي يتمثل في عضو من أعضاء البشرية[10].

·         أخد عضو خارج المؤسسات المرخص لها :

يعتبر أخد عضو خارج المؤسسات المرخص لها بمقتضى نص تنظيمي جريمة من الجرائم التي عاقب عليها المشرع بمقتضى قانون زرع ونقل الأعضاء البشرية.

·         عرض أو إجراء بأي وسيلة كانت لتنظيم معاملة تجارية بشأن عضو بشري:

وقد تتخذ جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية شكل عرض عضو للبيع من طرف من له الحق في هذا العضو، أو إجراء معاملة بأحد أعضائه مقابل مبلغ مالي، وهذا ما يتنافى مع قيم الشريعة الإسلامية التي لا تخول الشخص التصرف في أعضائه، باعتبار أن الجسم لا يدخل ضمن الأشياء التي تقوم بالمال.

وكذا مخالفته للمقتضيات القانونية المنظمة لنقل وزرع الأعضاء البشرية خصوصا المادة الخامسة من قانون 16/98 التي خولت للأشخاص التبرع بأعضائهم، لكن قيد الأمر بمجموعة من الشروط، ومن بين أهم الشروط التي تتنافى مع عرض أو إجراء معاملة تجارية بشان عضو بشري وهو مبدأ المجانية وكذا عدم معرفة هوية المتبرع له من طرف المتبرع.

·         تلقي أجرة مقابل إجراء عملية مرتبطة بعمليات أخذ أعضاء البشرية أو الاحتفاظ بها أو زرعها :

قد يكون مصدر هذه الصورة الاعتداء على سلامة الجسم من اجل الاستيلاء على العضو البشري في مقابل الحصول على مبلغ مالي ، وغالبا ما يكون هذا الاعتداء من اجل الاستيلاء على حيازة العضو على غير علم الضحية وبدون رضا مالكه الذي يتم بواسطة أحد الأطباء الجراحين عند وضع الشخص تحت إجراء عملية جراحية.

كما قد تتخذ جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية صورة الاحتفاظ بالعضو من اجل القيام بمعاملة تجارية به جريمة قائمة الذات.

كما عاقب المشرع الطبيب الذي يقوم بزرع العضو الذي يكون مصدر معاملة تجارية بهذه الجريمة.

 

·         الوساطة في إجراء معاملة تجارية بشأن عضو بشري :

 عاقب المشرع المغربي بجريمة الاتجار بالأعضاء البشرية كل من ساعد في إجراء هذه العملية بنفس عقوبة الفاعل الأصلي أي أن السماسرة الذي يقومون بتقريب والبحث عن الأشخاص الذين يريدون بيع بعض أعضائهم لفائدة بعض الأغنياء في المتاجرة في الأعضاء البشرية، وترويجها داخل الأسواق السوداء.

ثانيا : الركن المعنوي :

لا يمكن لمساءلة أي شخص على نشاط يعتبر جريمة من الناحية القانونية أن يأتي الفعل ماديا ، بل لابد من توفر الركن المعنوي الذي يسند معنويا الجريمة إلى مقترفها، والذي يعتبر القوة النفسية التي تقف وراء النشاط  المجرم الذي استهدف به الفاعل إراديا الإعتداء على مصلحة من المصالح المحمية من طرف المشرع الجنائي، أي أن جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية تتحقق في الواقع بسبب نشاط الفاعل ما هي إلا مصلحة لما خالج نفسه قبل تنفيذها ماديا.

وبالتالي فجريمة الاتجار بالأعضاء البشرية من الجرائم العمدية التي تتطلب توجيه إرادة الجاني نحو تحقيق الواقعة المكونة للجريمة، مع إحاطته بعناصرها كما يحددها القانون في صورها المذكورة أعلاه.

بالإضافة إلى ذلك فلابد من توفر القصد الجنائي الخاص الذي يتخذ شكل الباعث الذي هو الرغبة في القيام بجلب المال المستخلص المعاملة التجارية[11] .

 

الفقرة الثانية : الآثار المترتبة عن جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية

سنحاول من خلال هذه الفقرة إبراز أهم العقوبات التي أقرها المشرع المغربي بمقتضى قانون 98/16 أولا ، وكذا التدابير الوقائية التي من شأنها ان تطبق في حالة ارتكاب جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية ثانيا 

أولا : العقوبات المقررة لجريمة الاتجار بالأعضاء البشرية

بعد أن تتحقق الجريمة بكل أركانها فلابد أن تترتب عنها مسؤولية مرتكبيها، لأن بعد أن يتم ارتكاب الجريمة يقوم حق الدولة في العقاب، لكن قبل أن نقوم بتحليل هذه الفقرة يلزمنا أن نطرح التساؤل التالي : على من تقع مسؤولية المتجارة في الأعضاء البشرية هل على المتبرع الذي يكون طرفا أصليا في الجريمة أم تمتد إلى هذا الطبيب الذي قام بالعملية أيضا، وهل يمكن لنا إثارة مسؤولية الوسيط، وهل يكون للمتلقي أو المريض نصيب من هذه المسؤولية هذا ما سنحاول الإجابة عنه :

لقد عرف الفقه المسؤولية الجنائية بأنها تحمل نتائج أفعال مرتكبيها، وفي جريمة المتاجرة بالأعضاء البشرية تقوم مسؤولية مجموعة من الأطراف التي تتدخل في صورة من صور الجريمة كما يلي  :

·         كل من يقوم بأية وسيلة كانت تنظيم أو إجراء معاملة تجارية بشأن أعضاء بشرية حيث يعاقب بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 000 إلى 100 000 درهم، وكذلك الأمر بالنسبة لكل من يقوم بمعاملة تجارية تخص عضو بشري، و الطبيب في حالة تلقيه أجرة أو حاول تلقيه أجرة غير تلك المنصوص عليها والمتعلقة بالقيام بإجراء عمليات مرتبطة بعمليات اخذ أعضاء بشرية أو الاحتفاظ بها، والمساعد كذلك حيث يعتبر شريكا ويعاقب بنفس العقوبة.

·         ولم يقم المشرع المغربي بالمعاقبة فقط عن عملية المتاجرة التي تم التنصيص عليها في المادة 30 من القانون المذكور أعلاه والتي عاقبت المخالف بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وبغرامة من 50 000 إلى 100 000 ، بل إنه حاول إغلاق كل باب كان من شأنه أن يؤدي إلى المضاربة والمتاجرة في الأعضاء البشرية.

·         كل من قام بعمليات نقل وزرع الأعضاء خارج المستشفيات المرخص لها من طرف وزير الصحة، وعاقب المخالف بالحبس من سنتين إلى خمس سنوات وغرامة من 50 000 إلى 500 000  درهم.

·         كل من أخذ الأعضاء لغير الغرض العلاجي أو العلمي حيث عاقب المخالف بالسجن من خمس سنوات إلى عشر سنوات وذلك ولو بموافقة الشخص المستأصل العضو منه.

·         كما عقب المشرع كل من قام بأخذ عضو من أعضاء شخص راشد على قيد الحياة، دون الحصول على موافقته مسبقا على ذلك وفق الكيفية المنصوص عليها في المادة العاشرة أو بعد أي تراجع عن موفقه وفق الكيفية المنصوص عليها، وذلك ما لم ينص القانون على عقوبات اشد، وفق المادة 34 يعاقب بالسجن من عشر سنوات إلى عشرين سنة في حالة اخذ عضو من أشخاص قاصرين أو تحت المراقبة القانونية ، وان تمت الموافقة من قبل ممثل القانوني.

·         كما عاقب المشرع كل من احتفظ بأعضاء بشرية خارج المراكز المنصوص عليها في المادة 12 من هذا القانون من ستة أشهر إلى 3 سنوات وغرامة 30 000  إلى 50 000 درهم .

·         وحيث عاقب بالسجن من خمس إلى عشر سنوات كل من قام باستيراد أو تصدير أعضاء بشرية بدون ترخيص حسب مقتضيات المادة 40 ، كل موظف رخص باستيراد أو تصدير أعضاء بشرية لفائدة شخص أو مؤسسة إستشفائية أو هيئة لا تستوفي الشروط المنصوص عليها في المادتين و 29 .

وقد ذهب المشرع المغربي من خلال المادة 45  إلى  أن كل هذه المقتضيات السابقة لا تحول دون تطبيق عقوبات أشد منصوص عليها قانونا وقد قصد بالقانون هنا القانون الجنائي، كما يمكن للمحكمة أن تحكم بمصادرة المبالغ المفروضة أو المقبوضة لقاء العمليات المذكورة.

ثانيا : التدابير الوقائية

بالإضافة إلى كل العقوبات التي تطبق على المخالفين اوجد المشرع مجموعة من التدابير الوقائية التي يمكن أن تحكم بها المحكمة بها مثل منع كل من ثبث تورطه في الجريمة من ممارسته كل مهنة أو نشاط في الميدان الطبي أو ذي صلة لمدة خمس سنوات إلى عشر سنوات ، وذلك  في الحالات المنصوص عليها في المواد 33/34 /35/36/38/39/40/91.

أما في الحالات المذكورة في المواد 30 و 31 و37 فيجوز للمحكمة أن تصرح بالمنع المذكور لمدة لا تتجاوز خمس سنوات. 

كما يجوز للمحكمة أيضا أن تحكم بسقوط الأهلية لممارسة المهنة أو الوظيفة عمومية لمدة تتراوح من خمس إلى عشر سنوات أو مدى الحياة.

مما لا شك فيه أن المشرع المغربي ووعيا منه  للحفاظ على السلامة الجسدية للأحياء وكرامة الجثث  قد نص بمقتضى قانون 98/16   على مجموعة من الإجراءات  لنقل وزرع الأعضاء البشرية سواء بين الأحياء أو الأموات وأطرها  بضمانات حتى لا يزيغ المنحرين للقيام بتلاعب بأعراض الناس والمتاجرة فيها ، وعاقب بعقوبات رادعة كل من تبت تورطه في القيام بأحد الأفعال التي من شأنها أن تشكل جريمة الاتجار بالأعضاء البشرية.

[1]  منذر فضل ، ” التصرف القانوني في الأعضاء البشرية ” ص 50

[2]  مروك نصر الدين ، “سلسلة القانون الجنائي والطب الحديث ونقل وزرع الأعضاء البشرية في القانون المقارن والشريعة الإسلامية “، دراسة مقارنة ، الجزء الأول ، ط 2003 ص 118 .

[3]  ناجي مكاوي رجاء،” نقل وزرع الأعضاء أو الاستخدام الطبي لأعضاء الإنسان وجثته مقاربة بين القانون المغربي والمقارن والشريعة الإسلامية”، سنة الطبع 2002 ، ص123.

[4]  مهند صلاح احمد فتحي العزة، “الحماية الجنائية للجسم البشري في الاتجاهات الطبية الحديثة “، مطبعة دار الجامعة الجديدة للنشر ، سنة 2002 ، ص 132

[5]  ناجي مكاوي رجاء ، المرجع السابق، ص 124

[6] الشيخالي عبدالقادر ، “جرائم الاتجار بالأشخاص والأعضاء البشرية وعقوباتها في الشريعة والقوانين العربية والقانون الدولي “، مطبعة منشورات الحلبي  الحقوقية، طبعة 2009 ، ص 279

[7]  مروك نصر الدين  ، المرجع السابق ، ص 120

[8]  مروك نصرالدين  المرجع السابق ص 119 .

[9]  عبدالواحد العلمي : “شرح القانون الجنائي المغربي” ، القسم العام ، مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء ،طبعة2 ،ص 201

[10]  عودة زعال حسني  ، “التصرف غير المشروع بالاعضاء البشرية في القانون الجنائي”، دراسة مقارنة، الطبعة 2001 ، الناشر الدار العلمية الدولية ودار الثقافة للنشر والتوزيع ، ص 79

[11]  عودة زعال حسني : “التصرف غير المشروع بالأعضاء البشرية في القانون الجنائي” ، دراسة مقارنة ، الدار العلمية الدولية، ودار الثقافة للنشر والتوزيع 2001 ص 68

بقلم ذ عبدالكريم نعومي
محام متمرن بهيئة المحامين بالجديدة باحث بسلك الدكتوراه بجامعة القاضي عياض مراكش
 


أعلى الصفحة