التنظيم القضائي

بقلم ذ يوسف أقصبي
باحث في العلوم القانونية
تحت عدد: 742
حق التقاضي مضمون لكل شخص للدفاع عن حقوقه و مصالحه التي يحميها القانون (الفقرة الأولى من الفصل 118 من الدستور

المغربي)، لكن بالمقابل على كل متقاضي أن يسلك في ذلك المسلك القانوني و احترام مسطرة التقاضي شكلا و موضوعا.
كما أن المحكمة و من أجل الوصول للحقيقة و تنزيل العدالة المنشودة من المتقاضين، يمكنها بناء على طلب الأطراف أو أحدهم أو تلقائيا أن تأمر قبل البت في جوهر الدعوى بإجراء خبرة أو وقوف على عين المكان أو بحث أو تحقيق خطوط أو أي إجراء آخر من إجراءات التحقيق(الفقرة الأولى من الفصل 55 من قانون المسطرة المدنية).

و تبقى الخبرة من أهم إجراءات التحقيق التي يمكن للمحكمة الركون إليها على اعتبار أن طبيعة القضايا المعروضة على القضاء أصبحت غنية بالإشكاليات الفنية و التقنية و ذات تخصصات علمية يصعب البت فيها دون رأي أصحاب التخصص.و عليه يمكن تعريف الخبرة على أنها "إجراء من إجراءات التحقيق التي يمكن اللجوء إليها قضائيا و بموجبها يحيل القضاء مسائل فنية أو تقنية للجهة المتخصصة قصد إبداء الرأي فيما هو تقني فني دون المسائل القانونية ".

و قد نظم قانون المسطرة المدنية إجراء الخبرة في الفصول من 59 إلى 66 من قانون المسطرة المدنية.
و إذا كان دور الخبير يقتصر على المسائل الفنية و التقنية، فهل هذا يعني أن تقريره يكون ملزما للقضاء؟أم أنه على سبيل الاستئناس فقط ؟ و بالتالي متى تبين للمحكمة أن تقرير الخبرة يتجاوز ما هو مألوف و متعارف عليه يمكن إستبعاده، في الحقيقة الجواب على هذا السؤال يبقى مثار نقاش بين توجهين:الأول يعتبر أن تقرير الخبرة هو ملزم للمحكمة ما دام أن الخبير تقيد و احترم المأمورية المسندة إليه من طرف المحكمة و أجاب بوضوح عن النقط التي أسندت إليه. و الثاني يرى أنه يمكن تجاوز تقرير الخبرة على اعتبار أن المحكمة هي صاحبة الاختصاص في تقييم الحجج و الخبرة لا تعدو أن تكون إجراء من إجراءات التحقيق للمحكمة الحق في تقييم نتائجها و ترتيب الآثار القانونية عليها.

بطبيعة الحال لكل توجه حججه و أسانيده منها القانونية و منها المنطقية، بمعنى أن الحسم في هاته النقطة و إن لم يجد أساسه في النص القانوني الصريح فإن المنطق القانوني و الأخلاقي يفرض نفسه كذلك، و من خلال ما سبق سنحاول مقاربة الموضوع من خلال إبراز الأسس و الأسانيد التي يعتمد عليها كل توجه و ذلك في محورين: الأول الحجية المطلقة للخبرة القضائية، و الثاني الحجية النسبية للخبرة القضائية.
المحور الأول : الحجية المطلقة لتقرير الخبرة .
تجدر الإشارة إلى أن من يعتبر تقرير الخبرة له حجية مطلقة و لا يمكن تجاوزه إلى السلطة التقديرية للمحكمة، يستند على مجموعة من الحجج المنطقية،و منها أن اللجوء للخبرة في حد ذاته يخضع للسلطة التقديرية للمحكمة و بالتالي فإذا لم ترى المحكمة أن هناك ضرورة من إجراء الخبرة سواء طلب ذلك أحد الطرفين أو كلاهما فإن المحكمة لا تلجأ إليها و تبت في القضية دون اللجوء للخبرة، أما إذا ما تبين لها أن الخبرة إجراء ضروري فإنها ملزمة بتقرير الخبرة بطبيعة الحال المأمور بها من طرفها أما الخبرة التي يقوم بها الأطراف بشكل تلقائي ولو من طرف خبراء مسجلين في جدول الخبراء المعتمد من طرف المحكمة فهي لا ترقى للخبرة القضائية و يتعين على المحكمة إعادتها و هذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها عدد 4 مؤرخ بتاريخ 2/01/2003 ملف مدني عدد 2002/5/1/2122 و الذي جاء فيه "اعتماد المحكمة على خبرة منجزة من أحد أطراف الدعوى دون قيامها بطلب إعادة الخبرة يجعل قرارها معرض للنقض ".

كما أن إعطاء الحجية المطلقة لتقرير الخبرة لا يمس السلطة التقديرية للمحكمة في البت في النزاعات المعروضة عليها، فهذا لا يعني أن المحكمة تنازلت عن اختصاصاتها وأحالتها على الخبراء للبت فيها، فهذا لا يتصور على اعتبار أن المحكمة هي التي تملك حق قرار اللجوء للخبرة من عدمه فهي التي تطلع على وقائع النزاع و تحدد إن كانت هنالك نقطة أو نقط تقنية و / أو فنية تحتاج معها المحكمة إلى الاستعانة بذوي الاختصاص كما أنها تحدد النقط التقنية التي على الخبير الإجابة عنها بوضوح، و لها أن تعين الخبير الذي تسند إليه المأمورية و يبقى من حقها تغيير الخبير إذا ما تماطل أو رفض القيام بالمأمورية المسندة إليه، كما انه يبقى من حقها أن تسند الخبرة لأكثر من خبير، و مقابل هذه الحقوق فإن المحكمة ليس من حقها استبعاد تقرير الخبرة أو تجاوزه و عدم الالتفات إليه بناء على ما لها من سلطة تقديرية، فهذا يؤدي حتما إلى هدر الزمن القضائي، فاللجوء للخبرة يمدد النزاع و التقاضي لعدة شهور وقد يطول لسنوات و كما هو معلوم فالرفع من النجاعة القضائية يقتضي ضبط زمن التقاضي و تقليصه.
و مع هذا فإن المحكمة لا تعتبر تقرير الخبرة بمثابة حجة قاطعة غير قابلة للمناقشة، فلها كامل الصلاحية في تقييمه و مراقبة مدى قوته في الإثبات، و بذلك للمحكمة في حالة ما إذا لم تقتنع بتقرير الخبرة اللجوء إلى خبرة ثانية أو خبرة مضادة و هو ما أشارت إليه الفقرة الثالثة من الفصل 66 من قانون المسطرة المدنية التي تنص على أنه " لا يلزم القاضي بالأخذ برأي الخبير المعين و يبقى له الحق في تعيين أي خبير آخر من أجل استيضاح الجوانب التقنية في النزاع" ، كما لها أن تعيد الخبرة للخبير قصد الإجابة عن الأسئلة التي لم يجب عنها و لها أن تستدعيه للمحكمة لإيضاح النقط التي شملها التقرير .

و عليه فإن سلطة المحكمة تمارس في هذا الإطار المنطقي الذي يجزم بكون اللجوء للخبرة يعتبر قرارا حاسما و مهما ترفع معه المحكمة يدها على الفصل في النقط التي أسندت للخبير فهو من يحسمها سواء من الخبرة الأولى أو الثانية أو الخبرة المضادة أو الخبرة التكميلية فالأكيد أن المحكمة لم تتمكن من حسمها دون خبير، بمعنى أن هناك حجية مطلقة لتقرير الخبرة.
غير أن هذا التوجه لا يسلم به الجميع و يعتبر أن فيه نوع من الإجهاز على السلطة التقديرية للمحكمة ، لذلك برز توجه آخر يرى أن تقرير الخبرة يبقى ذو حجية نسبية يخضع بدوره للسلطة التقديرية للمحكمة و هذا ما سنحاول مقاربته في المحور الثاني .
المحور الثاني: الحجية النسبية لتقرير الخبرة القضائية.
إذا كان من يعتبر أن تقرير الخبرة ذو حجية مطلقة يجد سنده في قواعد منطقية، فإن من يرى أن تقرير الخبرة لا يرقى إلى الحجية المطلقة يجد سنده في القواعد القانونية الصريحة، والتي تعتبر أن تقرير الخبرة يكون على سبيل الاستئناس و هو ما نصت عليه مقتضيات الفقرة الثانية من المادة 2 من قانون 45.00 المتعلق بالخبراء القضائيين و التي تنص على أنه : " يمكن للمحاكم أن تستعين بآراء الخبراء القضائيين على سبيل الاستئناس دون أن تكون ملزمة لها".
كما أن الفقرة الثالثة من الفصل 66 من قانون المسطرة المدنية تنص على أنه:"لا يلزم القاضي بالأخذ برأي الخبير المعين و يبقى له الحق في تعيين أي خبير آخر من أجل استيضاح الجوانب التقنية في النزاع".
و على هذا الأساس لا يمكن الحديث عن الحجية المطلقة لتقرير الخبرة، و إنما يبقى ذو حجية نسبية يمكن معه للمحكمة بناء على سلطتها التقديرية تقييمه، فإعطاء الحجية المطلقة لتقرير الخبرة فيه نوع من التنازل عن اختصاصات المحكمة لفائدة الخبراء و هذا لا يتصور فمن يتحمل مسؤولية و عبء الفصل في النزاع برمته هي المحكمة، و بالتالي تعد الخبرة بمثابة رأي يمكن المحكمة من فهم بعض المسائل التي تحتاج فيها لرأي ذوي الاختصاص و لا يعني بالمرة تخويلهم الحق في الحسم في تلك النقطة .

و هذا ما أكدته محكمة النقض في قرار لها صادر بتاريخ 26 نونبر 1959 و الذي جاء فيه بكون "تقديرات الخبراء القضائيين المعينين لا تلزم محاكم الموضوع ".
و عليه فإن المحكمة سواء أخذت تقرير الخبرة أو استبعدته أو عدلت منه أو أخذته كمرجع تبني عليه حكمها، فالالتزام الذي يقع عليها هو تعليل قرارها.
و هذا ما أكدته محكمة النقض في قرار صادر بغرفتين بتاريخ 27/04/2005 في ملف تجاري عدد 1059/3/1/2004 و الذي جاء فيه " استنباط القرائن القضائية و تقدير تاثيرها على مآل النزاع يعد مسألة موضوع الأخذ بالخبرة من عدمها و اعتمادها دون غيرها أو اللجوء لخبرة أخرى يعد بدوره مسألة موضوع لا تخضع لرقابة المجلس الأعلى إلا بخصوص التعليل ".
و ما يمكن قوله و هو أن أصحاب هذا التوجه يرفضون الحجية المطلقة لتقرير الخبرة، و يعتبرون أن من يقول بذلك ينزع الاختصاص نهائيا عن المحكمة، في الحسم في نقطة تقنية و/ أو فنية لكون المحكمة أنذاك لا يمكنها حتى اللجوء لخبرة ثانية فكيف لها أن لا تقتنع بتقرير الخبرة المدلى به من خلال الخبرة الأولى، و كيف لها أن تأخذ بخبرة و تستبعد أخرى، فالمحكمة ما دام لها الحق في تقدير تقرير الخبرة و مناقشة ما جاء به الخبير في تقريره و أنها لا تأخذ به على علته فهذا يؤكد أن لها الحق بل عليها أن تناقش تقرير الخبرة و تخضعه لسلطتها التقديرية و تضعه في الإطار العام للنازلة المعروضة عليها، و إلا فإنها تتنازل عن اختصاصها لجهة أخرى في الحسم في النازلة المعروضة عليها، و هذا غير مقبول لا أخلاقيا و لا قانونيا.

الخاتمة:
ختاما و الختم للموضوع لا للنقاش ، يمكن القول بأن النقطة المحورية التي يدور حولها النقاش تتمثل في "الإقرار بكون القاضي خبير الخبراء من عدمه".
و من خلال وقوفنا على مجموعة من الآراء بين المؤيد و الرافض يمكن القول بأنه نظريا يمكن القول أن القاضي خبير الخبراء و لكن واقعيا يصعب علينا ذلك على اعتبار أن هنالك مجموعة من النقط العلمية الصرفة التي لا يمكن أن يكون القاضي خبير الخبراء فيها، فعلم الجينات و الطب النفسي و غيرها كثير من العلوم التي لا يحسم فيها غير أهل التخصص، و حتى في النقط التي لا تمتاز بطابعها العلمي الصرف أو التقني ،الفني، فهيئة الحكم واقعيا لتتجاوز تقرير الخبرة و تعمل سلطتها التقديرية و معرفتها تحتاج لمجهود مضاعف في الغالب لا تتوفر عليه نظرا لكثرة الملفات مما يجعلها واقعيا تختار الحل المناسب مع كثرة الأشغال و هو المصادقة على تقرير الخبرة على علته، و خصوصا عندما لا يكون مثار مناقشة جدية من أطراف النزاع.

و عليه لإنجاح صرح العدالة ببلادنا، و نظرا للتزايد الذي تعرفه القضايا التي تمتاز بطابعها التقني و العلمي، نظرا لتطور المعاملات بمختلف مشاربها فإنه يجب العناية بهذه الفئة التي تعتبر من مساعدي القضاء و التي تؤدي مهمة جد مؤثرة في مؤشر النجاعة القضائية، فالخبرة القضائية في أي مادة يمكن أن تعصف بكل المجهودات المبدولة من طرف باقي الشركات في إنجاح ورش إصلاح القضاء الذي تراهن عليه بلادنا.

بقلم ذ يوسف أقصبي
باحث في العلوم القانونية
 


أعلى الصفحة