القانون الإداري و العلوم السياسية

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
تحت عدد: 440
تحظى الدولة كعنصر من عناصر الحكامة بمكانة خاصة

 في سيرورة الفعل التنموي. وذلك من منطلق  ريادتها – ولمدة  طويلة، وعبر مختلف الأزمنة – في  مسارات صنع واتخاذ  القرار وصياغة وتنفيذ السياسات العامة. فالقرار غالبا ما يتماهى مع السلطة التي  تصنعه أو تتخذه  والسياسات  العامة  كثيرا  ما توصف  بأنها سياسات السلطة. ومن ثم، ترتبط  كل مخرجات الفعل  العمومي – بما فيه الفعل التنموي-  من القرارات والسياسات، وبالدرجة الأولى، بهذا المكون "الرائد" و"المهيمن" على باقي  مكونات  الحكامة، من منظور امتلاكه  لأدوات وآليات، قد تشرعن بطريقة  أو بأخرى،التنزيل القهري أو الطوعي  لهذه  الريادة / الهيمنة.  فإذا أخذنا مثلا  السياسة  العامة – بأنماطها  الستة المتعارف عليها :  الاستخراجية- التوزيعية- اعادة التوزيع - التنظيمية-الرمزية-الجوابية، فإننا  سنجد وجوبا،  أن كل  المؤشرات "الارهاصية"، ستفتح  المجالات الأوسع أمام تبلور  هيمنة السلطة السياسية واحتكارها  لأنشطة ووظائف وأداءات كل نمط من أنماط

السياسات العامة على حدة:  

   – السياسات الاستخراجية:  تعبئة الدولة المستمرة  لمواردها البشرية  والرفع المتواصل  لإمكانياتها المادية،  عبر سن الضرائب واللجوء إلى سياسة صارمة للاقتراض الداخلي والخارجي. 

 – السياسات التوزيعية: قيام السلطة السياسية  بتلبية  حاجيات المواطنين، من خلال الرفع من كل أشكال الانفاق العمومي والحرص على توزيع المنافع والخدمات. 

   – سياسات اعادة التوزيع: عمل الدولة على اعادة توزيع المنافع  والخدمات بشكل  يحمل أبعادا منصفة  وعادلة لصالح الفئات الأكثر هشاشة .

- السياسات التنظيمية: ضبط الدولة لتدخلات باقي مكونات الحكامة. ومن مظاهر ذلك،  وضعها للقوانين والقواعد المنظمة لسلوكات الأفراد والجماعات والعمل على احتكار العنف المشروع. 

 – السياسات الرمزية: غرس الدولة لمقومات الشعور الوطني والرفع المستمر من منسوب المواطنة،  عبر عدة  مبادرات، من قبيل  الاحتفاء بالأعياد والمناسبات التي  تخلد  تاريخيا أمجاد الوطن. 

- السياسات الجوابية: قدرة الدولة على استشراف  المخاطر كالأزمات السياسية والحركات الاحتجاجية  ومعالجتها بشكل آني وناجع.  

 ورغم  أن الواقع  "المعولم" الذي يعيش على ايقاعه  عالم  اليوم  أخذ يفرض، وبإلحاح  وقوة،  ضرورة  تبني   مقاربات "تشاركية"  لمعالجة "تضخم" و"تعقد"  المشاكل المطروحة على صعيد المجتمعات  والدول،  ورغم  كذلك  حرص هذه الأخيرة، على وضع المسافات اللازمة أمام سياقات  تدبيرها لمختلف قضايا الشأن العام  وأحيانا  تراجعها إلى  الوراء  بخطوات  كبيرة  بيد أنها "محسوبة" ، فإنه،  وما يلاحظ بشكل بادي للعيان،  أن الدولة تمارس اختصاصات "الهيمنة" بنوع من المهارة  المطلقة،  تجعل  منطق "الحكم " يغلب  منطق "الحكامة".  فحتى الأدوار  والوظائف،  التي يمكن أن تضطلع بها  باقي  مكونات  وعناصر  الحكامة

 - من مجتمع مدني وقطاع  خاص ومواطن- هي  تخول لها  بكيفية تنقيطية goutte-à-goutte   ومتحكم فيها،  لامجال فيها  للتفاوض والمساومة.  وهي  المسألة،  التي  تعرفها  حتى  الدول المتسمة  ب"التخمة"  الديمقراطية، مما يجعل  أدوار الدولة تتجلى باعتبارها  هي  الأصل،  أما أدوار باقي  المكونات  فهي  لا تبرز إلا استثناءا، وبشكل  عرضي وجد محدود. 

 إن كل سياسة عامة  تترسخ  في هياكلها  وبنياتها على  التواجدات  القوية  للدولة.  فهي تحمل في طياتها  ما هو تشريعي /تقنيني من جهة، وما هو إجرائي/ تنفيذي من جهة أخرى، وماهو  قضائي  من جهة ثالثة. لذلك، فإن تناول دور الدولة بداية كفاعل أساسي وكعنصر  محوري في نظام الحكامة، يجب أن ينظر إليه وفق سياقات السلط الثلاث :   التشريعية (البرلمان) والتنفيذية (الحكومة) والقضائية ( الأجهزة القضائية ) في  اطار علاقة جدلية صارمة، تعتبر الدولة خيطها الناظم،  وما ينجم عنها من أدوار ووظائف على صعيد كل مؤسسة من هذه  المؤسسات التي  تتوخى -وفق  مرجعيات  ومنطلقات  معينة- تدبير كل مجال من مجالات  اشتغالها على حدة، مع الارتكاز النسقي على مكون  الدولة.  ومن ثم، فعلى هذه الأخيرة باعتبارها عنصر من عناصر الحكامة، القيام بجملة من الخطوات في سبيل تعزيز تكوينها  المدني وتكريس أبعادها الحداثية وترسيخ  قيمها  الديمقراطية. فعليها أولا، أن توفر الإطار التشريعي الملائم الذي يسمح  بالمشاركة  الفعالة، عن طريق صياغة  قوانين مرجعية توطد إحدى أبرز مبادئ  الحكامة، ألا وهو مبدأ  حكم / سيادة/ سمو القانون،  بالشكل  الذي  يجعل الجميع ينخرط، بوعي  ومسؤولية،  في مسارات  بناء الصرح  التنموي،  ثم ثانيا، تخويل  اختصاصات  موسعة  لهيئات  الحكامة  الترابية  في اطار  التكريس الايجابي لكل أنماط  الحكم اللامركزي، مع تزويدها، وبكفاية،  بشتى  الموارد المادية  والبشرية اللازمة والضرورية لأداء وظائفها  على  أحسن وجه وبالكيفية  المطلوبة، وثالثا،  العمل وبشكل حثيث،  على خلق أجواء من التوافق البناء والتشاور الموسع بين جميع هذه  المتدخلين في تدبير قضايا  الشأن العام والمساهمين في  بلورة  السياسات العامة، سواء  كانوا من المؤسسات الرسمية – الدولة  وأجهزتها المتفرعة عنها-  أو كانوا  من  المؤسسات الغير الرسمية  - منظمات المجتمع  المدني وفعاليات القطاع  الخاص- .

وقبل الشروع في  تبني هذه الخطوات،  يبدو من الضروري توفير بعض الاشتراطات التي لامحيد  عنها،  من قبيل توطيد مساحات أرحب  لمنظومة الحريات العامة، وكذا التأكيد، وبشكل  وجوبي، على مسألة إحترام حقوق الإنسان والعمل على سن التشريعات الكفيلة  بضمان  حماية  المرأة  من  كل أشكال  التمييز وانصافها واشراكها  في دواليب  الحياة المجتمعية وتخويل وسائل الإعلام المكانة الرائدة، من منظور  تبلورها كسلطة من  السلط.

هنا، يبرز الحديث عن  الوظيفة  المرجعية للمؤسسات الرسمية -  من دولة  وأجهزتها التابعة  لها-  كمتدخل رئيسي في تفعيل مختلف التكريسات  العملية لمنظومة الحكامة وجعلها  تنتقل  من  الجانب الإتيمولوجي  الصرف إلى الجانب  البراغماتي المحض، والقادر على  تجاوز  معظم التمايزات التي  قد  تطرح  في الممارسات العملية.  الشيء الذي  يصنع   المقاومات الضرورية لمستويات التباين  المرصود على هذا  الصعيد، من سياق إلى آخر  -سياق  زمني تاريخي أو سياق  مكاني  مجتمعي -  وهي المستويات  التي  يحاول دستور الدولة، باعتباره  أسمى  قانون فيها،  أن يقلل من  حدة التاثيرات السلبية الناجمة عنها،  من منطلق أن التباين قد يصنع  لنفسه-في غالب  الأحيان-  معنيين  اثنين:  الاختلاف  الذي   يتحول إلى الائتلاف  والتمايز الذي  يوصل إلى التعدد. ومن ثم، يكتسي التباين  أبعادا ايجابية  كثيرة،  تعمل الوثيقة  الدستورية  جاهدة  على  تكريسها  التدريجي  وتفعيلها "التحييني"، كأبعاد  تحدد،  وبدقة،  الأدوار المنوطة بكل فاعل من فاعلي  السياسات العامة،  بالشكل  الذي  يوضح  المعالم الكبرى الكفيلة بخلق  دينامية  وقوة  المجتمع. وهو التحديد، الذي غالبا ما  يستشف من مدخلاته،  أن دور الدولة  ومؤسساتها،  هو دور "الاشراف من أعلى"، والذي يتجسد بالأساس، في عمليات متطورة، من قبيل: التتبع، التنسيق، التنشيط، المواكبة  المصاحبة  المساعدة والحماية التقييم،  وأحيانا  التقويم.

 في هذا السياق الجديد والمتجدد لدور الدولة في  منظومة  الحكامة تم رصد  مستويات متشعبة التصورات  بخصوص هذا  الدور الحيوي، والمتجسدة  في تبني العديد من الدول لرؤية استشرافية موحدة  ومتكاملة، مؤسسة على تعددية المتدخلين واختلاف الفاعلين،  مع ارساء الأبعاد المحلية في  الخطط التنموية،   باعتبارها محطات استراتيجية في إعادة بناء  مقومات السياسات العامة، عبر اعادة  توزيع  أدوار باقي  مكونات الحكامة. فالدولة، في الوقت الحالي-وكملاحظة مغرقة  في البداهة-   أصبحت  كبيرة بالنسبة للمشاكل الصغرى، وفي المقابل صغيرة بالنسبة للمشاكل الكبرى. وهي، ملاحظة تجد  مبرراتها الموضوعية  في ظل المخاطر الجديدة  والمحدقة بالمجتمعات البشرية من كل جانب. هذه المخاطر، لن توجد  لها الحلول  المناسبة، إلا بالأخذ الجدي والمسؤول بآليات المنظور التشاركي وصياغة أجوبة جماعية  قادرة  على  حماية  مختلف أنماط العيش  المشترك للإنسانية  جمعاء  وجعلها تتمتع،  وبشكل منصف وعادل،  بثمار التقدم البشري. ومع  ذلك، فمن  الصعب  القول   بالغياب المطلق  لتواجدات الدولة،  باعتبارها  عنصرا  مفصليا في كينونة الحكامة. فهي  لازالت  تحتكر  بعض الأدوار  الاستراتيجية  والضامنة  لهيمنتها  السالفة الذكر. وذلك، من منظور امتلاكها  لعدة وسائل : مالية،  بشرية،  تقنية  وقهرية... تمكنها من تدبير  النزاعات  واتخاذ المبادرات وفرض  القرارات،  بالشكل الذي يحقق  مصالحها  ويحجم مصالح  باقي المكونات إلى المستوى  الذي  يجعلها في  وضعية  تبعية  مطلقة  للدولة، مادامت  هي الطرف المهيمن.  وهو ما يبرز من خلال نموذج المجتمع المدني الكوربوراتي، والذي يظل دوما  يدور  في فلك  الدولة ولا يستطيع  أن يعيش أو يستمر في منأى  عنها  أو بدون  الاستفادة  من منحها وعطاياها، مما يضرب في الصميم  أحد المبادئ التي تشكل  جوهر الفعل  المدني، وهو مبدأ الإستقلالية.

هكذا، يبرز بشكل جلي مدى عمق التحولات الطارئة على مفهوم الدولة،  بما فيها التحول المتعلق بالانتقال المفصلي من الدولة القديمة، ذات البنيات التدبيرية  "العتيقة"،  والتي تعتمد أساسا على آليات  واستراتيجيات "متهالكة" و"هشة" في تسيير شؤونها على مختلف الأصعدة إلى الدولة الحديثة، ذات الهياكل المعاصرة، والتي تتوسل بتصورات ومنهجيات عمل أكثر تطورا وأكثر دينامية في تدبيرها لقضايا الشأن العام. ومعنى هذا الانتقال العميق، وبشكل أوضح، أن تصبح الدولة شريكة فقط في تدبير شؤون المجتمع وليس مستبدة بكل الصلاحيات والمحتكرة بشكل كامل للقنوات المفضية إلى ذلك. هذا التحول الجذري، الذي يجب أن تعرفه بنيات الدولة ومؤسساتها، هو جوهر الحكامة الحقيقية التي تزداد الحاجة إليها يوم بعد يوم، وفي سائر المجتمعات والكيانات. ولكي تعرف الدولة تحولا عميقا من هذا النوع ، فإن الأمر يظل يستدعي –وبإستمرار- الانخراط الفعلي والفعال في سيرورة إصلاحية حقيقية / متواترة، لا ريب في أنها ستكون شاقة ومتعبة وتتطلب بالتالي تضحيات جسام ، لكن في المقابل  لامناص منها، خاصة إذا كانت هناك إرادة صادقة لترسيخ أسس دولة قوية وليس دولة قمعية، دولة ديمقراطية، لها استراتيجية واضحة  المعالم وبعيدة  المدى، تدرك تماما  -وفي اطار استشرافي –المسار الذي ستتخذه  والإتجاه الذي ستنحوه. وغاية كل ذلك، أن تبني  الدولة من نفسها نماذج متطورة، من قبيل : 

 *دولة الصرامة، حاسمة مع  تاريخها : ماضيها وحاضرها ومستقبلها. 

* دولة القرب، والتي تضع ضمن أولوياتها الاهتمام أكثر بالمحيط وليس بالمركز، في اطار  ترسيخ أبعاد لامركزية حقيقية  ولا تمركز متقدم.  

*الدولة المنصفة، وهي التي ترفع  من منسوب العدالة، بشتى تجلياتها اجتماعية، مجالية، انتقالية...  ومن ثم، ارساء  منظومة  متكاملة من القيم والمبادئ داخل أجهزتها ومؤسساتها، من قبيل الشفافية، التوافق، المحاسبة، الكفاية والفعالية.         *دولة الحكامة، التي تهتم بالأنماط التدبيرية الناجعة التي تتوخى  بالأساس  تكريس المشاريع  الاجتماعية ذات الوقع الإيجابي على مختلف شرائح  المجتمع،  والذي  تسهر جاهدة  على  تدبير  شؤونه. وذلك، في منأى عن كل أشكال التوتر والصراع والتردد والترنح.                                                   

هكذا، فإن الاعتقاد الراسخ  الذي تأسست عليه فكرة التدبير/ الحكم الجيد أو الحكامة، عبر  الاقرار بحتمية الانتقال  المرجعي من الدولة كفاعل رئيسي ومحوري  في مجال السياسات التنموية، أي الدولة  التي تمكن  وترفع بإستمرار من فرص التنمية  l’Etat Développeur   نحو نموذج الدولة الليبيراليـة المتواضعة l’Etat  Modest  Libéral ، أي الدولة  المرتبطة بإرساء الصيغ الضرورية للتمكين من غائيات  بعض الأنماط التنموية- بإيعاز بعض النظريات  والتوجهات الاقتصادية   المهتمة بالتنمية- جعلته  محط انتقادات  كثيرة،  تتمحور أساسا حول مختلف الأفكار المرتبطة بالتأكيد على أن النشاط السياسي غالبا  ما يتجاوز مجرد التدبير اليومي والعادي للشأن العام –محليا ووطنيا-، لكن دون أن  يقصد  من تمظهرات هذه الوضعية التخلص الجبري والنهائي من أدوار الدولة، والتي تظل  في نهاية  التحليل أدوارا  خاضعة  لمنطق التطور، خاصة على مستوى اتخاذ القرارات  المتعلقة  بالشأن العام، وما تتطلبه من اشتراطات ملحة،  من قبيل  العقلنة  والاستشراف والرؤية الاستراتيجية المتبصرة.  وبالتالي، جعل مفهوم الحكامة أكثر انسجاما مع الواقع  المتشابك للدولة وأكثر مرونة مع تعقيدات عملية اتخاذ القرار العام.

أولا، الحكامة كفلسفة لتفعيل الدولة :

ينطلق البعد التحليلي la dimension analytique في مجال إعادة قراءة مفهوم الحكامة داخل المكون السياسي من خلال إعادة تأويل مفهوم  وحدود الدولة نفسها، وذلك عبر نقد الرؤية السائدة داخل حقل العلوم السياسية، والتي قامت على أولوية وظيفة الضبط الاجتماعي والمراقبة المجالية نحو تصور أكثر نسقية، ينطلق من اعتبارها بمثابة تنظيم من الفاعلين ومجمع للمرجعيات  والمصالح  والتحالفات، في حالة تفاعل ديناميكي مستمر.

هذه المقاربة الجديدة / المتجددة، تحاول اليوم جاهدة تجاوز أعطاب وكوابح القراءة المؤسساتية/القانونية للنشاط العامl’Action Publique للدولة الحديثة التي تقوم على مجرد الوصف والتفسير نحو الانفتاح على حقول معرفية أخرى كالاقتصاد وعلم الإدارة وتقنيات التدبير والسوسيولوجيا السياسية والسياسات العامة، بغية  الفهم الدقيق والتأويل الأعمق  لكيفيات اشتغال الدولة وإمكانيات الرفع من مردوديتها وتحسين أدائها، خصوصا إذا أخذنا بعين الاعتبار السمة  التي تبرز، أن ما يميز الدولة النشيطة l’Etat en Action  هو  التضارب المرصود على مستوى مصالح الفاعلين وتباين مرجعياتهم من جهة وبحثهم الدؤوب عن التحالفات والتسويات،عبر التفاوض من جهة ثانية. وفي هذا الصدد، يمكن فهم كيف أن سياسة اللامركزية مثلا- والتي ينظر إليها كأحد أهم أسس الحكامة – لا تعني بالضرورة مزيدا من الديمقراطية المحلية في مجال اتخاذ القرار، بل قد تحجب رغبة سياسية في تكريس مزيدا من المركزية. وذلك، عبر إحداث المزيد من الوحدات الإدارية المراقبة مركزيـا أو المجالس المنتخبة، لتحميلها بالتالي مسؤولية فشل الدولة في بعض السياسات القطاعية.

ثانيا، الحكامة كمقاربة لعقلنة القرار العام :

هذه الكيفية الجديدة، والتي أضحت رهاناتها في الوقت الحالي أكثر استجابة  من طرف الدولة كإطار أصيل وفاعل محوري لتدبير الشأن العام، يمكن أن تكون أكثر دينامية بالنسبة لإدراك عمق تطوير القرارات المتخذة، خاصة على صعيد الأنساق السياسية، التي عرفت  مفهوم الدولة الوطنية بشكل متأخر، والتي تبقى  بشكل  أو بآخر الخاسر الأكبر، نتيجة هيمنة الأبعاد المعيارية  في تداول  فكرة الحكامة، حيث أن أغلب هذه  الأنساق، ومن جراء ايمانها  الشديد  بضرورة  التحول،  قد عملت جاهدة خلال  العقود الأخيرة، على  التوسل المستمر والمتكرر بالعديد من آليات الحكامة، من قبيل حكم وسيادة  القانون، ثقافة الإصلاح الإداري، تخليق المرفق العمومي، المساءلة والمحاسبة، الشفافية  ومحاربة  الفساد، مأسسة الحقوق  ودسترة الحريات،  الديمقراطية  التشاركية، حرية  المبادرة  للقطاع  الخاص... ومع ذلك، فإنه، وكما  يرى الكثيرون، مازالت   الأدوار التقليدية /الضبطية للدولة تمثل  اللبنات  الرئيسية لصرح عمليات اتخاذ القرارات والاستراتيجيات، على صعيد مختلف أنماط سياساتها العامة.

وهنا، نجد أن تطوير مسارات الحكامة -كما يرى  ذلك الخبير  الاقتصادي  دانيال كاوفمان- غير رهين فقط بتدفق المزيد من المداخيل، علما أن تطوير إدارة الحكامة في بلد معين يؤدي بالضرورة إلى الرفع من الدخل، وليس العكس. ومن ثم، يصبح من اللازم على الدولة، أن تتحمل بنفسها المسؤولية وتأخذ موقعا متقدما في عملية  تنفيذ الإصلاحات السياسية والمؤسساتية التي غالبا ما تكون صعبة.

 إجمالا، يمكن القول، أن الحكامة لا يمكن أن تتبلور، إلا في اطار نمط  "متطور" من الدول،  نمط "مرن"،  يحرص أشد الحرص، على تبني جملة متراصة من المعايير والمقومات التي في غيابها،  يصبح الحديث عن الحكامة،  مجرد "عبث" أكاديمي أو"لهو" علمي. ومن ثم، يبدو أن تأسيس مشروع الحكامة، يقوم  بالضرورة  على ارساء منظومة قيمية،  تجعل من  الحداثة، رهانا من رهاناتها الكبرى، مع مايعنيه  هذا  الرهان  الحاسم  في مسارات السيرورة التنموية للدول من  تعزيز البنيان الصلب والمتين  للحكامة  من خلال  ايجاد أفكار  متطورة ترسخ  الأبعاد المتجددة  للدول،  من قبيل سلطة الحق،  مبدأ الشراكة، سياسة القرب،  منطق  التواصل المفتوح، التنظيم المؤسساتي... فكل ذلك،  وغيره،  يظل  كفيلا  بضمان الانتقال  الكبير  من  فكرة  دولة الحكم  إلى فكرة  دولة  الحكامة.

                                                        

بقلم ذ محمد البكوري
الدكتور في القانون باحث في الحكامة و المجتمع المدني
 


أعلى الصفحة